المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الخيارات الفلسطينية فى ظل انسداد أفق التسوية

الثلاثاء , 16 مايو 2017 - 01:13 مساءٍ

السلام الضائع
السلام الضائع

ثمة ما يشبه الإجماع الفلسطيني، فى هذه الآونة، على انسداد أفق التفاوض والرعاية الأمريكية للمفاوضات، من هنا جاء التوجه إلى مجلس الأمن بمشروع قرار يتضمن خطة لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة وحل القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها. هذا الحراك الفلسطينى يتزامن مع انتصارات رمزية للقضية الفلسطينية على الساحة الأوربية، تمثلت فى تصويت عدد من الحكومات ومجالس النواب والشيوخ فى كل من السويد وبريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وأيرلندا (البرلمان الأوربى ذهب فى الاتجاه ذاته، ومن المقرر أن يلحق البرلمان البلجيكى بالركب الأوربى...).  الأمر الذى يشكل تحديا لإسرائيل لا يمكن التقليل من أهميته، كون هذه التطورات تأتى فيما إسرائيل تشهد منذ عدة سنوات جدلا حول تحدى " نزع الشرعية " عن احتلالها واستيطانها، أو بالأحرى نزع الشرعية عنها.

المفارقة، أنه وبينما تتوالى تلك المواقف المضادة لإسرائيل من قبل ثانى أقرب حليف لها على الساحة الدولية، من القارة التى أنتجت " وعد بلفور " ورسمت خرائط " سايكس– بيكو " وتولت رعاية إسرائيل قبل أن تنتقل زعامة العالم الرأسمالى إلى الولايات المتحدة، يبدو واضحا أكثر من أى وقت مضى (في ضوء ما تشهده الخريطة السياسية الإسرائيلية من تحولات وانزياحات صوب اليمين والتطرف القومي والديني)  أن قادة " تل أبيب "  يتصرفون وكأن إعلان المبادئ مع منظمة التحرير "اتفاق اوسلو" الذي دشن في العام 1993 عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لم يعد موجودا. وأن السياق العام للسياسة الإسرائيلية يتأسس على فرض الأمر الواقع على الأرض، بما يضمن تجسيد موقفها من قضايا الحل النهائي الخمس: لا لتقسيم القدس، ولا لعودة اللاجئين، ولا لدولة فلسطينية متصلة بحدود 1967، ولا لازالة المستوطنات، ولا تنازل عن السيطرة على الموارد المائية. 
هذا السلوك الإسرائيلى، بالتزامن مع تلك التطورات غير المواتيه لدولة الاحتلال، يثير التساؤل بشأن ​​​​​​الخيارات الفلسطينية المتاحة، وكذلك حدود التغيير المفترض الذى يمكن أن يطرأ على المقاربة الفلسطينية للوضع الراهن .

أزمة المشروع الوطنى الفلسطينى:

الحديث عن الخيارات الفلسطينية بشأن التعامل مع الوضع الراهن لا ينفصم عن الأزمة الراهنة التى يمر بها المشروع الوطنى الفلسطينى، حيث يعانى حالة من الانسداد وفقدان الاتجاه، انعكست بشكل سلبي واسع على قدرته على العمل، وعلى قدرته على الاستفادة من الفرص المتاحة. ففى الوقت الراهن، ثمة انسداد أفق أمام المشروع الوطنى الفلسطينى، نتيجة انسداد الأفق أمام فريقى هذا العمل ( فريقى السلطة والمعارضة ) على اعتبار أن كل فريق منهما يمثل مشروعا مختلفا فى التعامل مع القضية الفلسطينية . ونقصد بذلك مشروع الحل السلمى، ومشروع المقاومة المسلحة. وهذان المشروعان هما خلاصة ما أسفرت عنه تجربة العمل الوطنى الفلسطينى منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 على الرغم من أن جذور المشروعين تعود إلى مرحلة ما قبل الانتفاضة بكثير. وبالإضافة إلى ذلك هناك تعثّر في مسار المصالحة الفلسطينية، واستمرار انقسام السلطة عمليا  إلى سلطتين فى الضفة الغربية وقطاع غزة( حتى مع وجود حكومة التوافق الوطنى التى جرى تشكيلها فى يونيو 2014) ومن الهيمنة الإسرائيلية في الضفة، والحصار الإسرائيلي في غزة . فضلا عما تعانيه منظمة التحرير من غياب مؤسساتها وتراجع دورها. هذا الواقع السيئ الذى يعايشه العمل الوطنى الفلسطينى، يصعب تجاهله ( بل يتعين استصحابه ) عند الإجابة على السؤال المتعلق بالخيارات الفلسطينية، والتى تتطلب امعان النظر جيدا فى السلوك السياسي لقطبى الساحة الفلسطينية (فتح وحماس). لأن المواقف الحقيقة لكلا الطرفين تعنى أننا عمليا لسنا بصدد استراتيجية فلسطينية واحدة لمواجهة الأخطار المحدقة على المشروع الوطنى الفلسطينى، ولكن سيمضى السياق الفلسطينى ضمن استراتيجيتين (بالحد الأدنى ) ومعركتين: الأولى معركة خاصة بالضفة، والثانية تختص بها غزة، لكل منهما أدواتها وسياقاتها المحلية والإقليمية والدولية :

 

خيارات السلطة :

تكمن معضلة السلطة الفلسطينية فى أنها لا تستطيع أن تحكم لفترة لا متناهية من دون أفق مرئى وواقعى للوصول إلى حل الدولتين . وهذا ليس لأن مسار أوسلو من منظور فلسطينى كان يفترض به الوصول إلى حل الدولتين فحسب، بل لأن الفلسطينيين لم يتصورا أن الهدف من وجود السلطة هو إدارة شؤون السكان المدنيين فقط ، بحيث تعمل كبلدية كبرى ولفترة غير محددة وربما دائمة . هذا الوضع  يفقد السلطة شرعية وجودها من منظور الرأى العام الفلسطينى ، وهو أيضا معضلتها فى غياب أى تقدم نحو الحل المنشود .

إدراك السلطة لهذا الواقع هو ما دفعها للقيام بخطوة أولى لأخذ زمام المبادرة بالذهاب إلى الأمم المتحدة، سواء إلى مجلس الأمن فى سبتمبر 2011، أو بالذهاب بعد ذلك إلى الجمعية العامة فى نوفمبر 2012 بعد فشل الحصول على اعتراف من مجلس الأمن . ثم استئناف التحرك في اتجاه توقيع الاتفاقات والمعاهدات الدولية تمهيداً للانضمام كعضو كامل في مختلف المنظمات والوكالات التابعة للأمم المتحدة. وأخيرا بالتوجه إلى مجلس الأمن بمشروع قرار يتضمن خطة لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة.

فبعد تقديم الأردن لمشروع القرار فى ديسمبر الماضى أصبح الفلسطينيون أمام أحد احتمالين: أن تستخدم الإدارة الأمريكية حق النقض "الفيتو" لحماية إسرائيل ومنع المجتمع الدولي من التقدم خطوة إضافية على طريق إقرار الحق الفلسطيني. أو أن تلجأ واشنطن للامتناع عن التصويت (وهذا احتمال غير مرجح على أية حال)، ويضاف قرار جديد إلى ركام القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة والتي ظلت حتى الآن دون تنفيذ. لكن في حال أخفقت محاولة استصدار القرار الأممي الجديد، فإن السلطة الفلسطينية، كما قال رئيسها أمام وزراء الخارجية العرب فى ديسمبر الماضى بالقاهرة، ستذهب إلى مختلف المنظمات والمعاهدات الدولية لاستكمال عضوية فلسطين، بما في ذلك معاهدة روما المنشئة لمحكمة الجنايات الدولية، وستعمل السلطة على إعادة تقييم وتقويم دورها. وفى ضوء تلك المعطيات السابقة، يمكن القول أن السلطة الفلسطينية أمام احتمالات لخوض غمار خيارات ومسارات عدة :

الخيار الأول:  إعادة النظر في وظائف والتزامات السلطة

يقوم هذا السيناريو على أن تتحول السلطة فعلًا إلى أداة من أدوات النضال فى يد منظمة التحرير ، وذلك من خلال نقل المهمات السياسية وبعض المهمات الأمنية للمنظمة، بحيث تكون مرجعية السفارات والمخابرات والأمن الوطني هي المنظمة، مع إعادة النظر بتركيبة وحجم وأدوار الأجهزة الأمنية، فالسلطة الجديدة ليست بحاجة سوى إلى جهاز شرطة وآخر للدفاع المدني.

طبعًا، هذا الخيار يفترض مثل لاحقه (السيناريو الثانى) إصلاح وتفعيل وإعادة تشكيل المنظمة، على أساس برنامج وطني والميثاق الوطني بعد تطويره، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وتمثل الشعب الفلسطيني حقًا داخل الوطن المحتل وخارجه.

يُطرح في وجه هذا السيناريو رأي يقول إن إسرائيل لا يمكن أن تسمح بقيام سلطة وطنية، هي سلطة مقاومة أو تشبه سلطة المقاومة ، وأنه لا يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة. لذلك المطلوب أن تكون هناك سلطة من دون مقاومة، لأنها قامت في ظل التزامات تتضمن اعتبار المقاومة خروجًا عن القانون وإرهابًا يجب تصفية بنيته التحتية واعتقال منفذيه وملاحقتهم.

لكن يمكن الرد على ذلك، بأن السلطة لن تكون سلطة مقاومة مسلحة، بل تجمع ما بين مهمات السلطة المتعلقة بتعزيز مقومات الصمود وتقديم الخدمات في الصحة والتعليم.. إلخ

فضلا عن أن تغيير شكل ووظائف السلطة، ووقف العمل بالالتزامات المترتبة عليها بالاتفاق يمكن تسويغه بعدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات، ويراهن على أن إسرائيل تخشى من عواقب انهيار السلطة بشكل تام، لأنها في هذه الحالة ستكون مسؤولة عن الأمن لوحدها، ولأن هذا يمكن أن يفتح الطريق لموجة جديدة من المقاومة المسلحة، ويجعل خيار الدولة الواحدة هو الخيار الوحيد المطروح عمليًا ما دامت إسرائيل غير قادرة على تهجير ما تبقى من الفلسطينيين داخل 48 أو داخل الأراضي المحتلة في العام 1967، وإذا قررت التخلص من السلطة فلا بأس، ويجب الاستعداد الجدي لهذا الاحتمال.

ولا شك أن هذا السيناريو ينسجم مع التوجه الفلسطيني نحو الأمم المتحدة، لو قُصد بهذه الخطوة  منذ البداية أن تشق مسار سياسي جديد يغير من قواعد اللعبة، وأن تكون خطوة جديدة فى إطار استراتيجية فلسطينية جديدة، تتأسس على عدة عناصر، من ضمنها نقل ملف القضية الفلسطينية بكل أبعادها إلى الأمم المتحدة، وتجاوز إطار المفاوضات الثنائية العقيم .

ومن المرجح أن يقود الأخذ بهذا السيناريو، إلى مواجهة يمكن أن تنهار خلالها السلطة، ومن ثم فتح الباب لتشكيل سلطة جديدة، بحيث تكون الحكومة فيها من خلال المنظمة، أي تكون حكومة الدولة الفلسطينية التي يكون من مهماتها إجراء انتخابات لاختيار ممثلين جدد للشعب الفلسطينى .

الخيار الثانى: حل السلطة ضمن إستراتيجية متكاملة

لا شك أن حل السلطة أو انهيارها من دون إستراتي  جبة نتيجة تكثيف الاستيطان وتصاعد المواجهة مع الاحتلال، يعتبر قفزة في المجهول وسيقود إلى الفوضى، وليس إلى الخلاص الوطني. وحتى لا يتم الغرق في البحث حول سيناريو حل السلطة، فإن انهيار عملية السلام، ومضي الحكومة الإسرائيلية في تطبيق مخططاتها التوسعية والعدوانية والعنصرية سيؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى انهيار السلطة، سواء إذا اختارت القيادة الفلسطينية حلها أو الحفاظ عليها. لذا ، يجب الوقوف أمام واقع السلطة ومستقبلها بكل جدية بعيدًا عن ثنائية الحفاظ عليها بكل ثمن وفي كل الظروف والأحوال، أو الدعوة إلى التخلص منها وكأن حلها بحد ذاته هو مفتاح الخلاص الوطني للفلسطينيين.

يقوم هذا السيناريو بعد اعتماد وفشل سيناريو إعادة النظر في شكل السلطة والتزاماتها ووظائفها، وذلك بتصاعد المواجهة مع الاحتلال، ويقوم أساسًا على اعتبار أن اتفاق أوسلو الذي قامت السلطة بناء عليه قد تجاوزته الحكومات الإسرائيلية، والسلطة باتت إجراءً نهائيًا وليست مرحلة مؤقتة، الأمر الذي يكرس الاحتلال ويمنحه شرعية فلسطينية إلى أجل غير مسمى، وهذا يعني أن الاحتلال مطالب بتحمل مسؤولياته مباشرة بحل السلطة، ليعود الصراع إلى طبيعته الأصلية كصراع بين الاحتلال والشعب الواقع تحته.

المقصد أن هذا السيناريو يفترض ( لكى ينجح ، فى حال توفر الإرادة عليه ) أن يكون جزءًا من إستراتيجية جديدة تعمل لكي تعود منظمة التحرير إلى صورتها الأولى قبل قيام السلطة، بحيث يكون عليها تحمل مسؤولياتها بوصفها المرجعية العليا والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وللميثاق أو صياغة ميثاق جديد، وإعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني ضمن شراكة حقيقية وأساس ديمقراطي، ونقل ملف القضية الفلسطينية بكل أبعادها إلى الأمم المتحدة وليس فقط عبر تقديم طلب العضوية  .

السيناريو الثالث: أن تتعايش السلطة مع متطلبات التحول إلى دولة ذات حدود مؤقتة

ويقوم هذا السيناريو على أن تستمر السلطة وتتعايش مع متطلبات التحول إلى دولة ذات حدود مؤقتة، تحصل على ما يمكن الحصول عليه، وتترك الباقي (الحدود، والقدس، واللاجئين) للزمن وللتفاوض المستقبلي حوله.

ويفترض هذا السيناريو أن السلطة ستستجيب للمحاولات الحثيثة التى تستهدف العودة بها من جديد إلى دائرة المفاوضات. حدود وطبيعة تلك الجولة التفاوضية المفترضة، يمكن ضبطها فى تلك المساحة البينية بين عدم القدرة على تحقيق اختراق نوعى ومن ثم التوصل الى تسوية نهائية ، وبين عدم القدرة فى ذات الوقت على تحمل كلفة توقف المفاوضات. وهذا يعنى فى التحليل الاخير، أن السلطة ستقبل فى النهاية بالتسوية الانتقالية تستطيع بمقتضاها أن تقول – أى السلطة -  أنها حصلت على دولة معترف بها رغم أنف الاحتلال، وثبّتت وضعها من خلال " مكاسب التسوية الانتقالية" من دون أن تضطر إلى الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، أو تقر بضم القدس، أو إسقاط حق العودة .

أما ملامح ومعطيات تلك التسوية الانتقالية فتتمثل فى مجرد العودة بالأوضاع فى الضفة الغربية الى حدود 28 سبتمبر عام 2000 ، أى حدود ما قبل الانتفاضة الثانية، مع تعزيز الصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية، وضم أراضى من المنطقتين ( ب ) و ( ج) الى المنطقة ( أ ) الخاضعة لها . وهذا يتضمن إجراء تبادل أراضى بنسبة ربما تتجاوز 1 : 1 ، بما يتيح لإسرائيل ضم الكتل الاستيطانية اليها ، والبناء فيها . والملاحظ فى هذا السياق أن " خريطة نتنياهو " بشأن الحدود  لم تتجاوز " خريطة أولمرت " التى سبق أن طرحها على محمود عباس، والتى تتطابق تقريبا مع مسار الجدار فى الضفة، مع تبادل للأراضى بالنسبة التى تم التوافق عليها . ومثلما استمر أولمرت فى

نشاطه الاستيطانى داخل الكتل الرئيسية، وجمده خارج حدود الجدار، من المتوقع أن يسعى نتنياهو أيضا الى حل مشابه، حيث سيواصل البناء داخل الكتل الاستيطانية الرئيسية. وهكذا ستكون المعادلة : زيادة أراضى وصلاحيات السلطة فى الضفة، مقابل ابتلاعها استئناف البناء فى الكتل الرئيسية وليس خارجها . أما القدس فلن يحسم الامر بشأنها، ولكن سيتم التركيز على إيجاد مرحلة انتقالية يتم عبرها حسم السيادة على الاحياء العربية واليهودية فيها، بما يقلص الاحتكاكات المتعلقة بالأنشطة الاستيطانية والقضايا المدنية بين الطرفين. فى حين سيؤجل البت بشأن السيادة على البلدة القديمة وضمنها المسجد الاقصى الى مرحلة لاحقة . كذلك لن يتم طرح قضية اللاجئين لعدم قدرة أى من الطرفين على فرض وجهة نظره على الطرف الآخر .

أما بشأن التركيز على التنمية الاقتصادية، فيشمل ذلك تمكين السلطة من إقامة مشروعات اقتصادية فى المنطقة ( ج ) ، وتحويل مساحات من هذه المنطقة التى تشكل نحو 60% من مساحة الضفة ، إلى مناطق ( ب ) الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة ، كى يتاح لها إقامة مشروعات وشق طرق فيها مثل الطريق الموصل إلى المدينة الفلسطينية الجديدة ( روابى) ، وكذلك الطريق الموصلة إلى المنطقة الصناعية الجارى إنشائها فى مدينة " جنين ".  وهذا كله من شأنه المساهمة فى تحقيق الاستقرار الاجتماعى ولو بشكل نسبى، مع تعزيز مكانة السلطة إزاء شعبها . ويمكن لهذا السيناريو أن يتحقق، لأنه جاري تطبيقه فعليًا على الأرض، ويمكن أن يصبح حقيقة راسخة إذا استمر الأمر الواقع كما هو عليه الآن، سواء إذا كان هناك تفاوض حوله أو من دون تفاوض، أي بقبول فلسطيني أو برفض مع تعامل واقعي معه. خاصة وأن السلطة  لم  تبادر لاعتماد خيارات بديلة، واكتفت بالاستمرار في التلويح بها، مثل: التهديد بحل السلطة مع بقائها كما هي. وتوقيع اتفاق المصالحة دون تطبيقه. والذهاب إلى الأمم المتحدة كتكتيك لتحسين شروط التفاوض وليس لشق مسار سياسي جديد. ورفع شعار المقاومة الشعبية من دون خطة شاملة لتطبيقه. والدعوة إلى إعادة تشكيل منظمة التحرير وإصلاحها دون الإقدام على أي خطوة في هذا الاتجاه .

خيارات حماس:

لا توجد خطط طويلة الأمد لدى حركة حماس للتعامل مع إسرائيل. فحماس تقدم لمواطنيها شعار "المقاومة والصمود" ممزوجا بالأمل . نعم حماس قادرة على التفاوض حول أي شئ قصير الأمد (تبادل الأسرى؛ وقف إطلاق نار) ولكن بالتأكيد لا شئ يتعلق بأمور طويلة الأمد. وعلى مدى سبع سنوات، اختَبَرَت "حماس" في غزة مسألتان: الأولى، دور القطاع في المقاومة. والثانية، الحُكم والقيام بالوظائف الأساسية. في المقاومة، بات من المسلم به أن لدى الحركة توجّهات واضحة عبّرت عنها صراحة، وتأكدت في الحرب الأخيرة، مفادها أنّها تريد هدنة بعيدة المدى في غزة. وهي هدنة مرتبطة بالوضع الأمني وعدم الاعتداء، ورفع الحصار عن القطاع، وليس مطروحاً تصورات سياسية أكبر ذات علاقة بالقضية الفلسطينية. وبهذا، فإنّ "المقاومة" في غزة مرتبطة بما سيحدث سياسيا بشأن القطاع، ولا توجد نظريات من قبيل تحويل غزة إلى قاعدة مقاومة عسكرية لتحرير جزء آخر من فلسطين. أي إذا "طُبِّعَت" أوضاع القطاع،لا يعود سلاح المقاومة مطروحاً إلا باعتباره للردع والدفاع. وفي مسألة الحكم، اتضح لحماس مدى تعقيد أعباء الحكم، وهناك الآن عجزا شبه كامل عن تلبية الوظائف الأساسية للحكم. أى القيام بوظائف أساسية للمواطنين، مثل توفير الغذاء، والأمن، والصحة، والتعليم، بل وحتى نحو الموظفين والجنود الذين وظفتهم الحركة وحكومتها... إلخ.

الآن، ولأن الحركة تواجه مأزقاً شديداً في القطاع المحاصر( الذي لم يشرع بعد في عملية إعادة الإعمار ولا في تفكيك أطواق العزلة) فقد تقلصت خياراتها السياسية، خصوصاً في ظل غلبة واضحة لـ " تيار الصقور" داخل الحركة على التيار الأكثر انحيازا للمصالحة والانغماس في العمليات السياسية والدبلوماسية، والمؤكد أن "حماس غزة " قد حسمت الجدل داخل الحركة لصالح استعادة علاقاتها التحالفية مع طهران ومحورها وهلالها، وهذا ما تجلى في الوفد القيادي الذي غادر من الدوحة إلى طهران، وفي تحول مهرجان الانطلاقة إلى مناسبة لتجديد الشكر لطهران.

ففى الاحتفال بالذكرى الــــ27 لانطلاقة حماس فى ديسمبر الماضى، بدا واضحا أن قيادات كتائب القسام تستكمل ما بدأته قيادة حماس السياسية من استدارة نحو إيران، بعد أن تبين لها أن "الدعم السياسي والمعنوي" الذي تتحصل عليه الحركة من قطر وتركيا، لن يساعدها على إدامة "خيار

المقاومة" في قطاع غزة، فضلا عن أنه لن يمكنها من نقل "نموذج المقاومة" إلى الضفة الغربية والقدس، كما تعهد وتوعد غير مسئول سياسي وعسكري في حماس مؤخراً. ففي نهاية العرض العسكري لكتائب القسام، كانت الكلمات تتطاير وتحمل كلها معاني التقدير والثناء على الدور الإيراني في دعم الكتائب مالياً وتسليحياً وتدريبياً، حتى بدا أن  المهرجان برمته قد انتظم تحت شعار " شكراً إيران ".

والملاحظ هنا أن الأمر على الأرجح  يتعلق بتوجهات جديدة للحركة، نابعة من انسداد آفاق المصالحة من جهة، وانسداد آفاق عملية التسوية والمفاوضات من جهة ثانية، وازدياد التكهنات بقرب " الانفجار الكبير" في الضفة الغربية والقدس، ما يعني أن الحركة قد تكون رسمت لنفسها أولويات جديدة، تتخطى المصالحة واستجداء رفع الحصار والعقوبات، إلى استراتيجية " نقل المعركة إلى الضفة الغربية " .... في الظاهر ضد الاحتلال، لكن فى واقع الأمر ضد فريق السلطة وفتح والمنظمة، وفى سياق الصراع الداخلي على السلطة والنفوذ.  والشاهد أن محمود الزهار القيادى فى حماس كان  شديد الوضوح في تحريضه لأنصار حماس ومؤيديها، بل والشعب الفلسطيني على الانتفاض في وجه السلطة وأجهزتها في الضفة الغربية، وهو صاحب المقولة الشهيرة: " أطلقوا النار على رؤوسنا إن لم ننجح في نقل نموذج غزة إلى الضفة " .

بعبارة أخرى، انسداد خيار المفاوضات وتآكل " حل الدولتين" وإخفاق الوسيط الأمريكي الحصري في الوصول إلى حل تفاوضي بعد عشرين عاماً من المماطلة والتسويف، هو فى الظاهر العامل الرئيس وراء تجدد الدعوات لـ " تسليح" الضفة ونقل المقاومة إليها ... خاصة فى ظل إصرار حماس على ترديد رواية "الانتصار والصمود الأسطورى " لقطاع غزة في وجه الاعتداء الإسرائيلى الفائت فى " الجرف الصامد ". لكن المراقب عن كثب لمشهد الانقسام الفلسطيني الداخلي، لا تفوته ملاحظة أن مثل هذه الدعوات، إنما تأتي في سياق " الصراع الفلسطيني الداخلي" وليس في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي أساساً ... فالحديث عن " المقاومة الشعبية السلمية " ينتعش في مناخات المصالحة والوفاق الوطنيين، أما الأصوات الداعية للتسلح والمقاومة في الضفة، فترتفع بقوة في لحظات التراشق السياسي والإعلامي بين فتح وحماس، وغالباً لأهداف تتعلق بتفكيك قبضة السلطة على الضفة 

وخلق مناخات داخلية تسهم في إضعافها وتساعد في تقوية فريق على حساب فريق آخر، والمقصود هنا  حماس في مواجهة فتح تحديداً. المهم فى سياق كهذا أن تلك التحولات تتزامن مع حديث إيراني عن  تسليح الضفة الغربية وعسكرتها، ولقد كان المرشد الأعلى على خامنئى شديد الوضوح في الدعوة لهذا الهدف والحث عليه، وردد عدد من قادة الحرس الثوري وفيلق القدس، ذات المواقف والتعهدات من بعده، فهل ثمة التقاء بين توجهات حماس الجديدة، أو بالأحرى تبدل أولوياتها وتكتيكاتها بالتركيز على الضفة الغربية، مع إصرار الإيراني على البقاء كلاعب أساسى فى "الورقة الفلسطينية" ؟! .

الملاحظ هنا أن طهران، بخلاف دمشق، لم تغلق الباب بوجه حماس، وإنما حرصت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية على الإبقاء على " شعرة معاوية" مع الحركة. صحيح أنها تحفظت على مواقف خالد مشعل وبعض المقربين منه في الخارج، وحملته المسؤولية عن انتقال حماس إلى " الضفة الأخرى" ، لكنها ظلت تراهن على" عودة الابن الضال" . ولهذا أبقت خطوط الاتصال مفتوحة مع تيار في حماس والكتائب، بل  وأمدت قيادات بعينها فى الحركة بعدة ملايين من الدولارات، كى  تتمكن من التلاعب بالقرار الداخلى للحركة . والمؤكد أن دوافع ذلك تكمن فى حرص إيران على البقاء كلاعب على جبهة الصراع العربي الإسرائيلي، مثلما نجحت في أن تكون لاعباً مهما في أزمات العراق وسوريا، وصولاً إلى اليمن، مروراً بالحرب على الإرهاب.

وفى سياق كهذا ثمة مخاوف من أن يفضي الانقسام الفلسطيني الداخلي من جهة، ورغبة أطراف إقليمية في الدخول على خط الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من جهة أخرى، إلى وضع الضفة الغربية أمام خيارات ليست جاهزة للتعامل معها، وبصورة تنعكس بأوخم العواقب على فلسطينيي تلك المناطق، في لحظة إقليمية شديدة الحرج، تتمثل في صعود دور الحركات المتطرفة والجهادية، وتفشي ظاهرة اللجوء والنزوح والتهجير القسري لملايين السوريين والعراقيين والليبيين ... ثمة مخاوف من أن يتم الزج بالسياق الفلسطينى فى  مغامرات غير محسوبة، تنتهي بمصائب ونكبات يجري فرضها على الشعب الفلسطيني تحت ستار الحروب والمعارك الطاحنة التي تشهدها المنطقة.

فالحالة الإقليمية والدولية المحيطة اليوم  بالقضية الفلسطينية، تبدو مواتية ( ولو جزئيا) لاختبار خيار المقاومة الشعبية السلمية واسعة النطاق، واستكمال عضوية فلسطين في مختلف المحافل، ومطاردة إسرائيل في كل الساحات والميادين. أما خيار تسليح الضفة وعسكرتها، فيبدو مقامرة غير محسوبة، ودوافعها ليست بالتأكيد تحقيق مصالح الشعب الفلسطينى أو الانتصار لقضيته العادلة، بل تكمن في: من الصراع الفلسطيني الداخلي، إلى حروب المذاهب والمحاور، والصراع على الأدوار وتقاسم النفوذ المشتعل إقليمياً