المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

هل ستدفع تونس فاتورة الحرب على داعش فى ليبيا؟.. ما الثمن.؟

الأحد , 21 مايو 2017 - 12:06 مساءٍ

داعش في ليبيا
داعش في ليبيا

يبدو أن تونس الجارة الغربية لليبيا، هي أول من سيدفع فاتورة الحرب على داعش هناك، قبل تبلور الصورة النهائية للتدخل العسكري الغربي فى ليبيا. فكثافة العنصر التونسي في تنظيم داعش في ليبيا، وقربها الجغرافي منها، دفعت التنظيم إلى إعادة نشر بعض عناصره مرة أخرى لتنفيذ عمليات نوعية كبيرة مثل عملية "بن قردان" مؤخرا، التى تتشابه في بعض أوجهها مع عمليتي الاستيلاء على الموصل في 2014، وعملية الشيخ زويد في الأول من يوليو 2015.

 ويبدو أن داعش ستجد بيئة خصبة للتمدد وتجنيد العناصر. فالأوضاع الاقتصادية المتردية في الجنوب التونسي تعني فرص لتجنيد العناصر وكسب التأييد. واستعصاء الأجهزة الأمنية وعدم انضباطها بل ومقاومتها لسلطة الدولة، وأيضا، استمرار الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية، تعني المزيد من الفوضى... وهي البيئة المواتية بامتياز لازدهار ونشاط الجماعات الإرهابية. 

 من جهة أخرى، لا تزال أكثر التنظيمات السلفية الجهادية نشاطا وتأثيرا في تونس- على رأسها القاعدة في المغرب  الإسلامي وأنصار الشريعة - ذات أطر تنظيمية وقيادية ذات طابع إقليمي، تضم قيادات وعناصر من بلدان مغاربية أخرى أهمها الجزائر وليبيا. هذا الطابع الإقليمي العابر للحدود يزيد من قدرة هذه التنظيمات على التكيف وامتصاص آثار الحملات الأمنية، بل واستعادة القدرة على العمل بسرعة.

أولا: وضع القطاع الأمني التونسي ... استعصاء وتمرد

 تتضمن قوات الأمن الداخلي التي تسيطر عليها وزارة الداخلية، الشرطة والحرس الوطني والشرطة القضائية (التي تعمل في وزارة العدل والمحاكم إلا أن وزارة الداخلية تشرف عليها) وقوات التدخل (قوات الأسلحة والأساليب الخاصة) وقوات الحرس الرئاسي. وتتسم قوات الأمن الداخلي بالتعقيد الشديد ويبقى المخطط التنظيمي لوزارة الداخلية سراً، وهو ما يعقد مهمة رسم خريطة هياكل الأمن الداخلي التي تتحكم بها، فضلا عن آليات الإشراف داخل الوزارة.

القطاعات المختلفة للداخلية التونسية:

وفى هذا السياق، من الصعب أيضاً تقدير حجم قوات الأمن. فليست هناك إحصائيات رسمية منشورة ولا يقدم موقع الوزارة أية بيانات. لهذا تقدر التقارير الإعلامية حجم قوات الأمن بما بين ١٥٠,٠٠٠ إلى ٢٠٠ ألف عنصر أمن. الرغم من أن تصريحات لاحقة من الوزارة قالت إن تلك الأرقام مبالغ فيها بشكل متعمد.

وعليه يرى بعض الباحثين أن العدد الحقيقي لقوات الأمن الداخلي يقدر بنحو ٤٠٠٠٠ إلى ٨٠٠٠٠ فرد، نصفهم تقريبا قوات زائدة غير متفرغة أو مخبرين مدفوعي الأجر. ويتفق هذا الرقم مع كشف أجور الوزارة. ووفقا لمحمد الأزهر العكرمي، الوزير الذى كان مسئولا عن إجراء الإصلاحات فى وزارة الداخلية،أثناء فترة الحكومة الانتقالية السابقة، كانت أعداد قوات الأمن الداخلي (الشرطة والحرس الوطني وقوات الدفاع المدني) تصل إلى حوالي ٤٩,٠٠٠ قبل الإطاحة بنظام بن علي. ثم قامت الشرطة بتوظيف قوات إضافية تقدر أعدادها بنحو ١٢٠٠٠ فرد، بحيث أصبح إجمالي العدد نحو 61 ألف.

من ناحية أخرى، اشتملت الشرطة ( قبل الإطاحة بنظام زين العابدين بن على) على كل من الشرطة الجنائية، والشرطة السياسية. لكن الأخيرة تم حلها أثناء حكومة باجي قائد السبسي الانتقالية في مارس، ٢٠١١.

وبينما تعمل الشرطة في المدن، يعمل الحرس الوطني في المناطق الساحلية والريفية حيث بدأت الثورة. وتبلغ أعداد الحرس الوطني الذي يوصف بأنه منظمة شبه عسكرية أو دركية نحو ١٢٠٠٠ تقريباً.

 كذلك، تمثل الشرطة القضائية جزءاً من وزارة الداخلية إلا أنها تعمل داخل النظام القضائي. وتعد الذراع التحقيقي لقوات الأمن الداخلي، وتتولى مهمة جمع الأدلة وإجراء التحقيقات وكتابة تقارير التحقيق الرسمية للقضايا أمام المحاكم. وفى هذا الإطار، لا تملك الشرطة القضائية الأدوات اللازمة للقيام بتحقيقات احترافية. ووفقاً لمحامين قضائيين، لا تملك الشرطة القضائية الإمكانية لأخذ بصمات الأصابع أو فحص عينات الحمض النووي أو غير ذلك من وسائل جمع الأدلة. وتعتمد تحرياتها فقط على الاعتراف، الأمر الذي يثير الشبهات حول مدى صحة ودقة نتائج التحقيقات التي تجريها. كما يجعلها دائما عرضة لاتهامات باستخدام العنف والتعذيب أثناء الاستجوابات للحصول على الاعترافات.

وبالمثل، يعد الحرس الرئاسي جزءاً أيضا من وزارة الداخلية وتتمثل مهمته الرئيسية في حماية الرئيس وعائلته. وأثناء الاحتجاجات في يناير، ٢٠١١ ، أطلق الحرس الرئاسي النيران على المحتجين واشتبك مع القوات المسلحة التونسية. وكشفت شهادة علي سرياطي، رئيس الحرس الرئاسي السابق، أثناء محاكمته عن دوره في مقتل متظاهرين عن أن قوات الحرس الرئاسي لا تملك قناصين فحسب بل تملك إمكانيات لقمع الحشود أيضاً. وتشير تلك الشهادة إلى أن تفويض قوات الحرس الرئاسي في ظل بن علي كان واسعاً.

دور الهياكل النقابية فى قطاع الأمن:

بعد الإطاحة بنظام بن على، تشكلت هياكل نقابية في قطاع الأمن، بدعوى الدّفاع عن المكاسب الاجتماعيّة للأمنيين وعن استقلاليّتهم في مواجهة كلّ محاولة للتوظيف السياسي. ومع تصاعد حدّة التهديدات الأمنية وموجة الاغتيالات سنة 2013ً ثمّ دخول الدّولة رسميا فيما بات يُعرف بالحرب على الإرهاب، تطوّر دور النّقابات الأمنية لتغدو فاعلاً سياسياً: تقيّم الأداء الحكومي وتنقده وتحرض عليه أحياناً في لهجة هي أقرب إلى التمرّد على السلطة السياسية مُمثّلة في وزارة الدّاخليّة. وتدريجياً أصبحت النّقابات الأمنيّة تعبّر في المجال الإعلامي التّونسي عن حالة من ضعف السلطة السياسية المدنيّة في مقابل تكريس انطباع بوجود مراكز قوى أمنيّة داخل الدّولة.

وفي إطار محاولة تحجيم هذا التمرد والتعاطى معه، عمدت الحكومة التونسية منذ مطلع عام 2015، إلى مجموعة من الإجراءات. فأقال رئيس الوزراء الحبيب الصيد عدداً من قيادات الشرطة، من بينهم رئيس شرطة العاصمة تونس، وعدداً من كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم والي سوسة وكاتب الدولة للشؤون الأمنية، بسبب فشلهم في الحيلولة دون وقوع سلسلة من الهجمات الإرهابية. وفي ديسمبر 2015 ، أعاد الصيد منصب المدير العام للأمن الوطني، ومنح سلطة أكبر للموظف المدني الدائم الذي يشرف على وزارة الداخلية. وفي الشهر التالي استحدث الصيد وزارة جديدة هي وزارة الشؤون المحلية، الأمر الذي أدّى إلى سحب مسؤولية الحكم المحلي من وزارة الداخلية والحدّ من اختصاصها، وتخلّص من وزير الداخلية محمد الناجم الغرسلي الذي كان قاضياً في عهد بن علي ، واعتُبِر مسؤولاً عن العجز في قطاع الأمن.

غير أن استبدال الغرسلي بالهادي المجدوب كجزء من تعديل وزاري أوسع في يناير الماضي لم يؤد إلى كبح جماح تمرد النقابات الشرطية. فبعد أقلّ من أسبوع من تعيينه، واجه المجدوب دعوات للاستقالة من جانب نقابات الشرطة، التي أعلنت أنها لن تتعامل معه. الأمر الآخر أن هذا الخطاب الأمني ‘المتمرّد‘ يتقاطع مع ما يتردد عن عودة الممارسة القمعية في سياق الحرب على الإرهاب، خاصة في المناطق المهمشة، جنوب ووسط البلاد.  وبالإضافة إلى ما تسرده تقارير صحفيّة حول مداهمات وعمليات احتجاز وتعذيب، فإنّ خطورة القمع المُستجدّ بعد الإطاحة بنظام بن على تكمن تحديداً في عدم خضوعه لقرار سياسي تسهل محاسبته وتطويقه مركزياً، إذ هو يرتبط بنزعة للخروج عن سلطة الدولة ومؤسساتها. أي أنّ أجهزة الأمن في المدن والأحياء تحوّلت تدريجياً إلى مراكز قوى متحرّرة من رقابة السلطة التنفيذية. ولهذا يمكن القول بأن المزيج من الانقسامات داخل قطاع الأمن التونسي، والممارسة القمعية وغير الاحترافية لأعمال الضبط والتحقيق، ستؤدى على الأرجح إلى تمدد الإرهاب في تونس. ذلك أن تفاقم مشكلات التمرد داخل قطاع الأمن التونسي تعني عدم قدرة السلطة السياسية والتنفيذية هناك على ضبط سلوكه وتوجيه جهوده لمكافحة الإرهاب. كما أن ازدياد العنف الشرطي خاصة في مناطق جنوب شرق ووسط البلاد يعني فتح المزيد من النوافذ والأبواب لداعش وأخواتها لتجنيد المزيد من العناصر التونسية، وكسب تأييد ودعم سكان تلك المناطق.

ثانيا: القوات المسلحة التونسية .. مزيد من التعزيزات

تعد القوات المسلحة التونسية قوة صغيرة، شديدة الانضباط. وتتمتع باحترام وتقدير الشعب التونسي- على عكس الشرطة-. كما أنها تتميز بالمهنية والاحترافية وليس لها أي دور سياسي إلى حد كبير. وحافظ كل من بورقيبة وبن علي، على بقاء القوات المسلحة بشكل متعمد بعيداً عن مركز القوة. وتم نشر الرتب العسكرية المكونة من مجندين في أقل المناطق تعداداً للسكان في البلاد للقيام بمشاريع للأعمال العامة. وكانت المهمات بشكل رئيسي حفظ السلام في أفريقيا، وهو ما أبقى القوات المسلحة مشغولة في مكان آخر. وتم الحفاظ على الجيش صغيراً وكانت أعداده ما بين  ٤٠ : 43 ألف فرد. وتشتمل القوات المسلحة التونسية على المشاه، والقوات البحرية والقوات الجوية. وتبلغ أعداد أفراد القوات البرية 36 ألف فرد فقط، بينما لا تملك القوات البحرية سفناً للمياه العميقة. ويملك سلاح الطيران أقل من عشرين طائرة هليكوبتر عاملة. إلا أن المشاركة في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة منحت الجيش الخبرة الضرورية لسد الفراغ الذي تركته قوات الأمن عند انهيار حكومة بن علي. وتحركت القوات المسلحة بسرعة لحماية البنية التحتية واستعادة حكم القانون والنظام والحفاظ على الأمن والاستقرار.. وبالإضافة إلى تولي مهام الأمن الداخلي التقليدية، واجهت القوات المسلحة تحديات خطيرة على طول الأراضي والحدود البحرية التونسية. حيث عبر حوالي ١,٦ مليون لاجئ من الحرب الأهلية في ليبيا إلى تونس وهرب حوالي ٣٠٠٠٠ تونسي إلى أوروبا.

بالمقارنة مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى، كان تمويل القوات المسلحة التونسية منخفضاً من الناحيتين المطلقة والنسبية من إجمالي الناتج المحلي. فعلى

سبيل المثال، في عام ٢٠٠٩ ، بلغ الإنفاق العسكري التونسي نسبة ١,٢ ٪ من إجمالي الناتج المحلي، بينما بلغ إنفاق الجيش الليبي والمصري ٢,٨ ٪ و ٣,٣ ٪، على التوالي.

 إلا أن حكومات ما بعد " بن على" سعت إلى تعزيز القدرات المؤسّسية للجيش. وأجبر تزايد التهديد الإرهابي حتى حكومة الترويكا والرئيس السابق المنصف المرزوقي- التي كانت تعارض خطط تعزيز الجيش خوفا من انقلابه ضدها-  على الالتفات إلى قضية الأمن الوطني وزيادة ميزانية الجيش، ورفع مستوى أسلحته وعتاده، وتطوير روابطه الدولية، وقدراته المؤسّسية ونفوذه السياسي.

ومن خلال مقارنة تطور ميزانية الجيش؛ نلاحظ أن ميزانية وزارة الدفاع نمت بسرعة أكثر من أي وزارة أخرى من العام 2011 إلى العام 2016، وزادت بمعدل 21 في المئة سنوياً.

 

  

 وفي خريف 2013 دعا المرزوقي مجلس الأمن القومي إلى الاجتماع لمناقشة احتياجات الجيش. وبعد هذا الإجتماع ارتفع عدد العقود التى أبرمتها القوات المسلحة التونسية بشكل مطّرد. ففي العام 2014، وقعت تونس عقدين عسكريين مع شركات أميركية لشراء سيارات جيب وشاحنات ثقيلة. ومنذ تولّي الرئيس الباجي قائد السبسي منصبه في العام 2015، وقّعت تونس عشرة عقود إضافية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك عقود لشراء طائرات هليكوبتر من طراز (بلاك هوك) وناقلات جند مدرعة وصواريخ (هيلفاير). وقد شملت عمليات التسليم في العام 2015 من العقود السابقة 52 عربة من طراز (همفي)، وثلاثة زوارق دورية وطائرتي نقل من طراز C-130J. كذلك، شهدت الفترة الانتقالية بعد العام 2011 زيادة التعاون العسكري-العسكري مع الدول الأجنبية، الأمر الذي كان له انعكاسات إيجابية على الجيش التونسي. فقد صادقت تونس على اتفاقيات للتعاون الأمني مع دولة الإمارات العربية المتحدة في أكتوبر 2011، ومع تركيا في أكتوبر 2013، ومع قطر في يونيو 2014. ونمت العلاقات مع الولايات المتحدة أيضاً بصورة كبيرة ... ففي إبريل 2014، استضافت الولايات المتحدة أول حوار استراتيجي سنوي بين الولايات المتحدة وتونس، وبعدها ضاعفت مساعداتها العسكرية إلى تونس ثلاث مرات في العام التالي. في يوليو 2015، منحت الولايات المتحدة تونس وضع الحليف الرئيس السادس عشر من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي التسمية التي تكون مصحوبة في العادة "بالامتيازات المادية بما في ذلك أهلية الحصول على التدريب، والقروض لشراء معدات خاصة بالبحوث التعاونية والتنمية، والتمويل العسكري الخارجي من أجل الاستئجار التجاري لبعض المواد الدفاعية". إضافةً إلى ذلك، قامت القوات المسلحة التونسية بتعزيز قدراتها الإنتاجية الخاصة. فقد أنتجت القوات البحرية، على سبيل المثال، أول زورق دورية في أغسطس 2015، وأطلقت عليه اسماً رمزياً "استقلال". وفي نوفمبر 2014، أعاد المرزوقي تسمية مديرية الأمن العسكري باسم "وكالة الاستخبارات والأمن للدفاع"، وكلّفها بجمع المعلومات الاستخباراتية عن "التهديدات المحتملة للقوات المسلحة والأمن في البلاد بصورة عامة". وبينما كانت المديرية تجمع المعلومات الاستخبارية منذ إنشائها في العام 1964، فقد منحها هذا التغيير الولاية القانونية للقيام بذلك. كما منح المرسوم الصادر في العام 2014 الوكالة الاستقلال المالي عن القوات المسلحة، حيث زوّدها الرئيس السبسي بميزانية أولية بقيمة مليون دينار تونسي في مشروع ميزانية العام 2016. وفي الوقت الذي عززت قدرة الاستخبارات العسكرية، كانت حكومات مابعد " بن على" حريصة أيضاً على القيام بذلك تمشياً مع مبادئ الديمقراطية، وتشاورت مع مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة في جميع مراحل العملية.

وأخيراً، دفع التهديد الأمني المتزايد القادة المدنيين التونسيين إلى تعيين ضباط الجيش في العديد من المناصب المدنية والأمنية. ففي العام 2012 عيّنت حكومة الترويكا اللواء محمد المؤدّب، على سبيل المثال، مديراً عاماً للجمارك. في حين تم تعيين ضابط واحد فقط من الجيش والياً أثناء عهد بن علي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً، فقد تولّى أحد عشر ضابطاً بالفعل منصب الوالي بعد الثورة، بعضهم لمرّات عدّة في ولايات مختلفة، خاصة في المنطقتَين الجنوبية والحدودية حيث التهديدات الأمنية أكبر. باستثناء العام 2013 (حين تخوّفت الترويكا من احتمال حدوث انقلاب)، شكّل ضبّاط الجيش حوالي 11 في المئة من الولاة الجدد سنوياً، وهذه نسبة مرتفعة نظراً إلى أن وزارة الداخلية هي التي تسمّي المرشّحين لمنصب الوالي.

تشير هذه التطورات المادية والسياسية إلى أن الجيش التونسي المهمّش تاريخياً، بدأ يشهد تحسّن وضعه. ومما لا شكّ فيه أن القوات المسلحة لاتزال تعاني من ضعف التجهيز، والدليل على ذلك هو التقدّم البطيء الذي أحرزته في جبال الشعامبي. بيد أن الذي تغيّر منذ الثورة هو أن الجيش أصبح أولوية بالنسبة إلى السياسيين التونسيين. فقد أجبرت التهديدات الأمنية الكبرى في تونس الحكومات المتعاقبة على إعطاء المزيد من الوقت والمال لتمويل وتسليح القوات المسلحة. والأرجح أن الحكومة التونسية ستزيد خلال الفترة القادمة من استثمارها في القوات المسلحة، مع ازدياد المخاطر الأمنية الداخلية والعابرة للحدود. 

 

ثالثا: حالة الاحتجاج في تونس .. أزمات متكررة

عشية احتفال تونس بالذكرى الخامسة للإطاحة نظام زين العابدين بن علي، وتأسيس أول نظام حكمٍ تعددي في البلاد، اندلعت في مدينة القصرين (تبعد نحو 300 كم عن العاصمة، قرب الحدود مع الجزائر) انتفاضة شعبية واسعة قام بها بدايةً مجموعة من الشباب الجامعيين العاطلين عن العمل احتجاجًا على محاولة مسؤول محلي التلاعب بقائمة للتوظيف كان يفترض إرسالها إلى السلطات المركزية في المحافظة. وإثر ذلك، صعد أحد الشبابِ المحتجين (رضا اليحياوي، 28 عامًا) عمودًا كهربائيًا أمام مقر المحافظة لتحريض جموع الشباب العاطلين على التظاهر، فسقط ميتًا بصعقةٍ كهربائية. الأمر الذى أدى إلى زيادة غضب المحتشدين، ووقوع صدامات استعادت خلالها المدينة شعارات أيام الثورة الأولى: "التشغيل استحقاق يا عصابة السُرّاق". وخلال وقت قصير، امتدت الاحتجاجات إلى مدنٍ أخرى داخل المحافظة نفسها، ومنها إلى المحافظتين المجاورتين (سيدي بوزيد وقفصة)، ثم امتدت إلى معظم أرجاء البلاد وصولًا إلى العاصمة ومناطقها الأكثر تهميشًا (حي التضامن والكرم الغربي وغيرهما). وعلى الرغم من التدخل العاجل للحكومة لإقالة المسؤول الجهوي، والإعلان عن فتح تحقيقٍ إداري في شبهة الفساد التي طالت عددًا من المسؤولين، فإنّ تدخّل "أطراف" من خارج الاحتجاج السلمي (بحسب اتهام الحكومة) حوّلها إلى مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والحرس الوطني من جهة، وبين مجموعات المنتفضين من جهة أخرى، مع أنّ الحكومة أعطت أوامرها إلى قوات الشرطة بتجنّب المواجهة قدر الإمكان، حتى إنها انسحبت أمام المحتجين، وغادرت في أحيان أخرى مقراتها الأمنية.

وقد انقسم الشارع التونسي تجاه نظرته للأحداث بين منادٍ بثورة ثانية، وبين من يتّهم أطرافًا "معادية" تريد استغلال الوضع الهشّ في البلد لخلق الفوضى؛ ما دفع الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ ومنع التجول ليلًا في محافظة القصرين، ثمّ في عموم البلاد بعدما تواترت أنباء عن دخول بعض الأطراف السياسية على الخط ودعوتها لقلب نظام الحكم برمته، وذلك عبر دعوة أنصارها إلى الهجوم على المقرات السيادية في المناطق والمحافظات، وخلق حالة فراغٍ أمني وسياسي، تتبعه هجمات منظّمة لنهب مؤسسات مصرفية وسرقة محلات تجارية كبرى في أنحاء العاصمة وبعض مدن الأقاليم. وعلى الرغم من أنّ الأحداث خلّفت عددًا كبيرًا من الجرحى في صفوف المحتجين (أغلبهم ممن أصيبوا بحالات اختناق جراء استعمال القنابل المسيلة للدموع)، إلا أن الملاحظ أن أسابيع من الاحتجاجات، لم تخلف وراءها سوى قتيل واحد برصاص الأمن. وعلى العكس من ذلك، فإنّ القتيل الوحيد في هذه المواجهات كان من قوات الأمن وسقط نتيجة رشق سيارته بالزجاجات الحارقة، فيما أصيب 114 عنصرًا.

وقد استطاعت حكومة السبسي احتواء الأزمة سريعا بالإعلان عن مجموعة من الإجراءات للتعاط مع مشكلة البطالة في 14 محافظة تعاني من التهميش. ومع ذلك، فلا تزال كثير من أسباب اندلاع الاحتجاج قائمة. فحدة الأزمة الاقتصادية، وغياب خطةٍ وعملٍ دؤوبٍ لتنمية الجنوب، وضعف الإنتاج (بل توقفه في بعض القطاعات)، وتدهور عوائد السياحة، إضافة إلى التجاذبات السياسية (كالصراع المرشح للتصعيد داخل نداء تونس)، كلها عوامل تعني أن الاحتجاجات مرشحة للتكرار. ويبدو أنّ تونس ستبقى رهينة هذه الهزات الاجتماعية خلال الفترة القادمة.

رابعا: التنظيمات السلفية الجهادية العاملة في تونس

 تتواجد العديد من جماعات السلفية الجهادية في كلا من الجزائر وتونس. ولكن تظل القاعدة في المغرب الإسلامي الجماعة الأكبر وفي كثير من الأماكن الجماعة الوحيدة. كذلك، تعمل سلسلة من الجماعات الأخرى في أقاليم جنوب الجزائر على الحدود مع مالي وليبيا، بعضها انفصل عن القاعدة في المغرب الإسلامي. وخلال السنوات الأولى بعد الثورة  فى تونس ظهرت جماعتي أنصار الشريعة وكتيبة عقبة بن نافع كفاعلان مركزيان في تونس.

1-         القاعدة في المغرب

أ-  بين الأيديولوجية والبرجماتية

   للوهلة الأولى قد لا تختلف أيديولوجية، ودعاية، وكذلك الأهداف النهائية للقاعدة في المغرب الإسلامي بشكل كبير عن تلك التي تتبناها القاعدة في باكستان. الغاية هي تأسيس دولة إسلامية تلغي الحدود التي تقسم العالم الإسلامي وتنهي ما تعتبره تلك الجماعات "احتلال الكفار للأرض الإسلامية". في مقابلة عام 2008، قال زعيم القاعدة فى المغرب العربى "عبد المالك دروكدال" فيما يخص "العدو القريب": "الأهم أن ننقذ بلادنا من مخالب هذه النظم المجرمة الخائنة لدينها وشعبها." وتعكس هذه العبارات (بالإضافة إلى وثيقة يبدو بوضوح أنه هو من كتبها، عثر عليها صحفيون من وكالة أسوشيتد برس عام 2013 ) مقاربة سياسية واستراتيجية، وليس مقاربة شرعية أو أصولية. حسب كلمات دروكدال نفسه فإن التعبير بمصطلحات سياسية وليس دينية هو تكتيك لاسترضاء شركاء محليين محتملين والتمويه على الخطط التوسعية العالمية للقاعدة في المغرب الإسلامي.

يمكن النظر إلى براجماتية دروكدال التكتيكية من زاوية أحداث "الربيع العربي"، حيث لم تلعب القوى الجهادية أية أدوار في الانتفاضات، وتم تهميشها في البداية وسط زخم النشوة بإسقاط نظام بن علي، والتطلع نحو فتح آفاق الحريات على مصراعيها. أصدر دروكدال بيانات منمقة ترحب بالإطاحة بالمستبدين وتحث الجهاديين التونسيين على ممارسة ضبط النفس خلال العام الأول لحكومة حزب النهضة الإسلامي. عندما فقد الجهاديون تأييد السكان الخاضعين لسيطرتهم شمالي مالي عام 2012، أدان دروكدال تدمير مقامات الصوفية وطالب بتطبيق تدريجي للحدود، وليس بشكل مفاجئ. يوضح هذا أن القاعدة في المغرب الإسلامي وجدت نفسها مضطرة لأخذ اعتبارات الأوضاع المحلية وميول السكان المحليين في الاعتبار.

وعندما شرع عدد متزايد من الشباب المغاربي في التوجه لسوريا "للجهاد"، دعاهم دروكدال للبقاء والقتال في وطنهم بدلا من "الهجرة". ربما تشير هذه الدعوة إلى صعوبات في تجنيد العناصر وفقدان تنظيمه للجاذبية. وخلافا للجهاديين في سوريا والعراق، لم تحقق القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أية نجاحات عملياتية كبيرة بمفردها منذ سنوات، وليس بإمكانها تعزيز السيطرة على أراض. عائق آخر يتمثل في أن القاعدة في المغرب، خلافا لجماعات أخرى، ليست لها أية سلطة دينية مرتبطة بدعوة عالمية. تنحصر كاريزما دروكدال الدينية / الأيديولوجية في منطقة المغرب نفسها. ربما يعود هذا جزئيا إلى تقدمة التنظيم بنفسه. منصته الإعلامية اسمها "الأندلس". أما تعليقاته وفيديوهاته على التطورات السياسية في المغرب غالبا ما تكون بجودة منخفضة، ويقدمها محاربون مخضرمون بثياب مهللة، يعيشون تحت الأرض في أوضاع غير مريحة. هذا المظهر البائس لا يشع نجاحا ولا يغذي أوهام السلطة لدى الشباب من الذكور، وهي الدوافع الأقوى لتجنيد العناصر الشابة في المغرب، كما في أي مكان آخر، والمثال البارز على فاعلية هذه الدوافع يتمثل في "داعش".

ب- القاعدة في المغرب ... البنية التنظيمية والقاعدة الاجتماعية

   تتألف القاعدة في المغرب الإسلامي من العديد من الكتائب (الوسطى والشمالية خاصة في منطقة القبائل، المناطق الشرقية بالقرب من الحدود التونسية والليبية، المناطق الغربية عبر الحدود المغربية، جنوبي الجزائر ومالي). تتباين مستويات نشاط الكتائب، وتتباين أيضا في درجة استقلاليتها عن قيادة التنظيم. ويلاحظ أن أقلها نشاطا تلك التي في الغرب.

لا يوجد تنظيم "رسمي" للقاعدة في المغرب الإسلامي، ولكن من المعلوم أن زعيمها الرسمي (الأمير) هو أبو مصعب الودود، المعروف أيضا بعبد المالك دروكدال، الذي كان زعيما أيضا للجماعة السلفية للدعوة والقتال منذ العام 2004. يُشتبه في أن دروكدال يختبئ في جبال الأوراس شمال شرقي الجزائر. الجهاز المركزي للتنظيم هو مجلس الأعيان، الذي يضم رؤساء اللجان الشرعية، العسكرية، الطبية، المالية، القضائية، والعلاقات الخارجية.

لبضعة سنوات، وجد التنظيم أنه يواجه منافسة متنامية جنوبي الجزائر، حيث أسس مختار بلمختار- قائد كتيبة القاعدة في الساحل حتى أقاله دركدال- جماعة المرابطون. انتزع بلمختار، بهجماته المتعاقبة على مصفاة الغاز في عين أميناس، لقب "رجل الأفعال" من دروكدال. كذلك، فإن إقصائه ربما تسبب في خسائر مالية لدروكدال وتنظيمه.

تمول القاعدة في المغرب الإسلامي نفسها عن طريق الفدي، السجائر، تهريب المخدرات والسلاح، والجبايات المفروضة على المهربين مقابل الحماية. هذه الموارد الكبيرة تسمح للجماعة بأن تدفع لمقاتليها لا الاعتماد على الولاء الأيديولوجي فحسب. ولكن منذ مغادرة بمختار وظهور جماعات جديدة في منطقة الساحل فقدت القاعدة بعضا من مواردها. رغم أنها وسعت نطاق عمليات الاختطاف التي تنفذها إلى منطقة القبائل شمالي الجزائر، فإنها لا يمكنها إلا استخلاص مقادير قليلة من الأموال من ضحاياها الجزائريين الفقراء. الأكثر من ذلك، أن البربر المحليين يقاومون عمليات الاختطاف عبر التنديد بأنصار الجماعة الجهادية. وضع هذا القاعدة تحت ضغط متزايد في شمالي الجزائر، حيث تعتمد كثيرا على الدعم المحلي.

هناك دلائل محددة على أن المجال الجغرافي لعمل القاعدة في هذه المنطقة من الجزائر قد تقلص. ومع ذلك، رغم تزايد المنافسة من جانب جهاديين آخرين، هناك آفاق جديدة لعمل ونمو القاعدة في المغرب، تحديدا في منطقة الحدود الجزائرية – التونسية وفي ليبيا.

لأكثر من عقد، تراوحت التقديرات بشأن حجم قوة القاعدة في المغرب الإسلامي داخل الجزائر من أربعمائة مقاتل إلى ألف مقاتل. ومع ذلك، ينبغي التعاطى مع هذه الأرقام بحذر. في فترة ما، كانت وسائل إعلام محلية تنشر أخبار عن تصفية إرهابي أو أكثر شمالي الجزائر. إذا ما كان أولئك الذين قُتِلوا جهاديين بالفعل، وإذا ما كانت التقديرات السابقة عن عدد أعضاء القاعدة صحيحة، لكانت الجماعة قد انتهت منذ فترة طويلة مضت – أو لابد أن لديها جهاز تجنيد رائع.

أما من ناحية تطور نشاط القاعدة في المغرب داخل الأراضى التونسية ، فالملاحظ هنا أنه ظل محدود النطاق وغير ملحوظ بشكل كبير منذ تأسست الجماعة عام 2007 وحتى مطلع العام 2011. لكن هذا لا ينفى نجاح التنظيم فى اجتذاب بعض العناصر التونسية، وفى هذا السياق تشير تقارير أمنية جزائرية صدرت في تلك الفترة إلى وجود تونسيين بين الجهاديين المقتولين أو من ألقي القبض عليهم آنذاك.

لكن بعد سقوط  نظام بن على، أصبح نشاط القاعدة في المغرب ملحوظا في تونس. ففي مايو 2012، حدث تبادل لإطلاق النار بين عناصر للقاعدة وقوات الأمن أودى بحياة اثنين من قوات الأمن التونسي من بينهم ضابط برتبة عقيد، بعد كشف قوات الأمن عن محاولة لتهريب السلاح عبر الحدود الجنوبية لتونس. وفي 2013، اندلع قتال بين مسلحين وقوات أمن بعد أن حاولت السلطات إيقاف مهربين للسلاح. وانتهى الصدام بمقتل عنصرين من المسلحين، والقبض على 12 آخرين، ومصادرة 34 سلاح أوتوماتيكي وحوالي 55 ألف دولار.

 خلال هذه الفترة، حسب مسؤولون جزائريون، زاد تدفق السلاح عبر وداخل تونس (سواء من جهة ليبيا أو الجزائر)، وذلك بمراقبة المناطق الحدودية مع تونس. وبعد أشهر عديدة من البحث عن مسلحين في منطقة جبل شامبي، أعلى الجبال التونسية، كشفت قوات أمن تونسية عن مصنع محلي للذخيرة في 29 إبريل 2013، قالت قوات الأمن أنه يتبع "كتيبة عقبة بن نافع" الموالية آنذاك للقاعدة في المغرب الإسلامي. ولكن منذ ذلك الحين، بدا أن نشاط القاعدة في المغرب بدأ في تراجع تدريجي، لصالح كتيبة عقبة بن نافع، التي استطاعت في وقت قصير، إنجاز استدارة كاملة لتبتعد عن مجال القاعدة، وتدخل في فلك داعش.  

2- كتيبة عقبة بن نافع... الهياكل، والقاعدة الاجتماعية

 تشهد الساحة الجهادية التونسية عملية فرز وتغيير للولاءات والاصطفافات منذ العام 2011. يبدو أن أنصار الشريعة وعقبة بن نافع تمثلان الآن مركز الثقل الجهادي. أصبحت عقبة بن نافع الصغيرة نسبيا تحديا كبيرا لقوات الأمن التونسية. حسبما تقول الحكومة التونسية، فإنها المسؤولة عن الهجوم على متحف باردو في الثامن عشر من مارس2015 في تونس العاصمة، والذي أسفر عن وفاة أكثر من عشرين شخص، معظمهم من السائحين.

تعمل جماعة عقبة بن نافع في منطقة واسعة تمتد إلى الجزائر، حيث تنخرط أيضا في عمليات تهريب. كان ظهورها الأول عام 2012، عندما قتلت عنصر من حرس الحدود في تبادل لإطلاق النار. نفذت الجماعة صيف 2013، هجوم أودى بحياة ثمانية جنود. رغم التنسيق مع الجيش الجزائري، فشلت قوات الأمن التونسية في وقف نشاط هذه الجماعة. من بين أسباب الفشل في التصدي لها، نمط العلاقات الشبكية الجامع بين جهاديين ومهربين في منطقة الحدود الجزائرية – التونسية. كذلك، فإن مكافحة شبكات – معقدة، يفوق عدد عناصرها عدد قوات الأمن – هو أمر حساس بالنسبة للحكومة التونسية، في ظل الأزمة الاقتصادية، واستفادة السكان المحليين في المناطق الحدودية الفقيرة والمهمشة من التهريب والسوق السوداء المرتبطة به.

حسبما تقول مصادر رسمية تونسية فإن عناصر عقبة بن نافع هم تونسيون بالأساس، ولكن القيادة جزائرية. وتتراوح التقديرات بشأن أعداد المقاتلين ما بين عدة مئات إلى ألف عنصر. عام 2012، أعلنت الحكومة التونسية أن عقبة بن نافع هي فرع يتبع مباشرة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ولكن ذُكِرَ أيضا أن أعضاء في الجماعة ظهروا في تظاهرات لأنصار الشريعة. هناك ما يشير إلى أن عقبة بن نافع تنحدر أساسا من محيط القاعدة في المغرب الإسلامي ولكنها انجذبت أكثر نحو أنصار الشريعة. إلا أنه وفي سبتمبر 2014، أعلنت الجماعة (أو أجزاء منها) عن بيعتها لداعش. تباعد هذه الخطوة بين الجماعة وبين القاعدة وأنصار الشريعة، اللتان تظهران حتى الآن موقفا سلبيا ومترددا تجاه داعش.

2- أنصار الشريعة

أ-  الهياكل، والقاعدة الاجتماعية

   ظهرت أنصار الشريعة في المشهد التونسي بعد أشهر قليلة من سقوط  نظام بن علي، واستطاعت أن تحشد عدد ضخم من الأنصار والمؤيدين. في مايو 2012، احتشد ما بين خمسة إلى 15 ألف من المتعاطفين مع أنصار الشريعة في القيروان للاحتفال بالذكرى الأولى لتأسيسها. خلال عامها الأول، كان بالإمكان تصنيف أنصار الشريعة بوصفها جماعة سلفية راديكالية، ولكنها لم تمارس العنف أو الإرهاب. ولكن مع مقدم 2013، اتجهت الجماعة بشكل مطرد نحو التطرف وأيدت علنا النشاط الجهادي في تونس، بينما لم تكن من قبل تتبنى الجهاد إلا في سوريا.

بالنظر إلى السيرة الذاتية لزعيم أنصار الشريعة، فإن اندفاع الجماعة نحو التطرف والعسكرة ليس مفاجئا. ففي منتصف الثمانينيات، لعب أبو عياض التونسي (زعيم أنصار الشريعة في تونس) بالفعل دورا في مشهد العنف في تونس واندمج لاحقا في محيط السلفية الجهادية العالمية وهو في منفاه في لندن. في التسعينيات ذهب إلى أفغانستان، حيث تحرك في دوائر أسامة بن لادن وذُكِرَ أنه اشترك في هجوم القاعدة عام 2001 على التحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود. بعد إلقاء القبض عليه في تركيا عام 2003، سُجِن أبو عياض في تونس. وظل مسجونا إلى أن صدر قرار عفو عام عن جميع المسجونين في قضايا سياسية، فبراير 2011. عاد أبو عياض إلى العمل السري من مكان مجهول، بعد وقت قصير من تفجير السفارة الأمريكية في تونس، سبتمبر 2012، وقيل أنه بقي فترة في ليبيا.

 تتوفر القليل من المعلومات حول البنى التنظيمية لأنصار الشريعة... للجماعة خمس مجالس للشورى تمثل هيكلها القيادي. أشهر وجوهها المتحدث باسمها سيف الدين الريس، الذي اعتقل في القيروان نهاية يوليو 2014، بتهمة تجنيد جهاديين للقتال في سوريا. تشير أخبار القبض على عناصر يقال أنها تعمل تحت قيادة أو بدعم من خلايا أنصار الشريعة إلى وجود شبكة من الخلايا العاملة على امتداد أجزاء كبيرة من البلاد. ولأن أنصار الشريعة كانت قادرة على العمل بشكل قانوني لأكثر من عامين، ركزت فيها على العمل الخيري، ربما لا يزال هناك جمعيات خيرية مرتبطة بها بشكل أو بآخر. اعتقلت الحكومة التونسية صيف 2014 – في تصعيد انتقده نشطاء حقوقيون وديمقراطيون دوليون ومحليون – عددا من العاملين في الجمعيات الخيرية وحظرت أكثر من مائة جمعية مشتبه في كونها تعمل في غسيل الأموال أو مرتبطة بجماعات عنف.

على النقيض من القاعدة في المغرب الإسلامي، لا تعتمد أنصار الشريعة على الجريمة المنظمة بشكل أساسي في تمويلها. حسب مصادر تونسية رسمية، تلقت أنصار الشريعة منح من الداخل والخارج، ومنها اليمن، ليبيا ومالي. هناك ما يشير إلى أن الجماعة مدعومة من أكثر من 120 كيان أجنبي، منها مؤسسات كويتية وسعودية، حيث تصل مساهماتها عن طريق تنظيمات تجمع بين العمل الخيري، والتبليغ والدعوة. ذُكِرَ أن الأموال تدفقت على أنصار الشريعة في تونس عن طريق التجمع التونسي للحفاظ على التراث الإسلامي، واستخدمت لتمويل نشاط جهادي. تُجمع تبرعات من تونسيين لصالح أنصار الشريعة في مساجد غير رسمية لا تخضع لسيطرة الدولة. أما مدى استفادة أنصار الشريعة من نفوذ تنظيمات السلفية والجريمة المنظمة في منطقة الحدود التونسية – الجزائرية فهو أمر لا يزال محل بحث.

 فى بداية العام 2013، قيل أن أنصار الشريعة لديها أكثر من ألف من المؤيدين، منهم شباب تونسي وجد نفسه غير قادر على التماهي والعملية الانتقالية كونه لم يشهد أية ثمار اقتصادية لها، ورافض للنظام السياسي الجديد غير الإسلامي من وجهة نظرهم.

أنصار الشريعة متغلغلة بشكل خاص في المناطق الداخلية المهمشة اجتماعيا واقتصاديا وفي المناطق الحدودية (مثل بيزرت، منطقة القبائل، كيف، القيروان، جندوبة، قفصة، القصرين). تشير تقارير إعلامية إلى أن بإمكانها الاعتماد على الولاء في بلدات صغيرة ومناطق بدائية "حيث التواصل الاجتماعي المباشر على أشده)، وعدم الثقة تجاه الحكومة على أشده أيضا. حتى مع تواري مؤيديها عن الأنظار منذ صيف 2013، فإن هذا لا يعني اختفاء كل تعاطف تجاه "قضية أنصار الشريعة". يبدو أن جزء من أتباعها، مثل زعماءها، تحول إلى جماعات منشقة قريبة من القاعدة في المغرب الإسلامي أو داعش.

ب- التذبذب بين الدعوة والعنف

 تريد أنصار الشريعة تأسيس دولة إسلامية. ولكن على الأقل في بواكير أيامها، اختلف نمط أفعالها بشكل حاسم عن تنظيمات جهادية أخرى بسبب قدرتها على العمل بشكل مشروع وداخل السياق الاجتماعي والاقتصادي المحلي. ربما تكون سمات المجتمع التونسي ككل ( أصوله الاجتماعية المتوافقة، ارتفاع مستوى التعليم والميل نحو العلمانية) أقنعت أنصار الشريعة باتباع استراتيجية براجماتية في البداية، توظف سبل الإقناع السلمية. وفى هذا السياق، قدمت الجماعة نفسها، في عروضها الإعلامية حتى تم حظرها في أغسطس 2013، بوصفها المدافع عن الفقراء. يظهر في فيديوهاتها الدعائية صور أفراد في زي برتقالي يحمل شعار أنصار الشريعة أثناء قيامهم بعمل اجتماعي في أحياء فقيرة، أو جماهير تهتف بحماس في مسيرات جماهيرية للجماعة. في الحقيقة، تبني أبو عياض موقفا غامضا من استخدام العنف منذ البداية، قائلا أنه يتبنى دعوة الجهادية العالمية بحمل السلاح ضد "العدو البعيد"، ولكنه يعتبر أن تونس أرضا للتبليغ والدعوة. إلا أن الملاحظ أن أنصار الشريعة تؤمن منذ البداية بالحسبة، أي فرض التقاليد الإسلامية، والسيطرة على السلوك الاجتماعي بالقوة. لهذا على سبيل المثال، تظاهرت أنصار الشريعة للسماح للمنتقبات بدخول الجامعات التونسية. أيضا، استهدفت الجماعة في أيامها الأولى، بالقول، وبأعمال عنف أحيانا، فنانين، مثقفين ووسائل إعلام اعتبرتها فاسقة. ومع ذلك، ظلت أجندة أبو عياض حتى قرب نهاية 2012 أقرب إلى برنامج حزب سياسي سلمي. دعت أنصار الشريعة لتأسيس اتحاد تجاري إسلامي وأسلمة قطاعات المالية، الإعلام، التعليم والسياحة. وضعتها هذه المحاولات لتسويق نفسها كفاعل سياسي خارج التيار السلفي الرئيسي، الذي يرفض بصرامة المشاركة في عمليات سياسية لا ترتكز إلى الشريعة.

عقب حظرها في 2013، مالت أيديولوجية أنصار الشريعة نحو التطرف والعنف ضد "العدو القريب"، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، وضعت أنصار الشريعة حزب النهضة ضمن فئة الفاسقين ممن يجب محاربتهم. لا تزال أنصار الشريعة، مثل القاعدة في المغرب وجماعات جهادية أخرى، محجمة عن نشر فيديوهات لعمليات عسكرية، وترفض في الواقع تصنيفها كجماعة "إرهابية" – زاعمة في المقابل أنها منظمة إنسانية تحظى بتأييد واسع. ولكن العنف يلعب الآن دورا أكبر في مدونات الجماعة وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

في إبريل 2014، شنت أنصار الشريعة حملة "جهاد أمة" على الفيسبوك حيث تحث الجهاديين الذين ليس بإمكانهم القتال على الجبهة، بالتبرع لشراء أسلحة لـــ "أرض الجهاد". في ربيع 2014، ظهرت منصة إعلامية جديدة مرتبطة بأنصار الشريعة تحت اسم "شباب التوحيد"، من بين أنشطتها الدعاية " للدولة الإسلامية". أخيرا نهاية رمضان 2014، احتفى بيان لأنصار الشريعة للمرة الأولى بهجوم وقع في تونس، تسبب في وفاة 15 من عناصر قوات الأمن.

خامسا: الجانب العابر للحدود والقوميات... التنسيق، المنافسة والصراع

‌أ-          التعاون اللوجستي بين جماعات ليبيا وتونس

لأكثر من عقد كانت دوائر مطلعة على علم بأن الجماعة السلفية في الجزائر، وخليفتها القاعدة في المغرب الإسلامي تنظم تدريبات لجهاديين من بلدان مغاربية مجاورة ومن منطقة الساحل على استخدام السلاح. أعلن دروكدال عام 2010 أنه سيمد بوكو حرام أيضا بالسلاح والتدريب. في الوقت نفسه، ذُكِرَ أن العقل المدبر لهجوم بوكو حرام على الأمم المتحدة في أبوجا عام 2011، تلقى تدريبا مع القاعدة في المغرب. هذا التعميم لمعارف القاعدة المغربية ليس مفاجئا، بالنظر إلى أن جهاديي الجزائر لديهم اليوم خبرة أكثر من 20 عاما من الصراع المسلح والعمل السري.

تطورت الأوضاع المحيطة بمعسكرات تدريب تنظمها القاعدة، وشروط حيازتها وامتلاكها للسلاح بشكل كبير بعد "الربيع العربي". بحلول نوفمبر 2011، كانت تنشر بالفعل أنها وضعت يدها على أسلحة من مخازن القذافي، وأصبحت ليبيا ملجئا لجهاديي الجزائر. لا يمكن التأكد مما إذا كانت القاعدة في المغرب تدير معسكرات تدريب خاصة بها في ليبيا – أو حتى في تونس، كما تؤكد وسائل إعلام جزائرية. ولكن من المعلوم أن المقاتلين الذين هاجموا عين أميناس، ممن ينتمون إلى جماعة بلمختار، دخلوا الجزائر عبر الحدود من ليبيا. كذلك، فإن الهوية التونسية لأحد عشر من منفذي الهجوم هي أيضا إشارة واضحة إلى الطابع الإقليمي لهذه الجماعة جزائرية الأصل.

هناك مؤشرات على وجود درجة من التعاون بين أنصار الشريعة وجهاديين ليبيين. عام 2014، بث جهاديون ليبيون فيديو لعملية اختطاف دبلوماسي تونسي ورسالة للحكومة التونسية على منصة "شباب التوحيد" التابعة لأنصار الشريعة. يُشتبه في أن زعيم أنصار الشريعة أبو عياض يختبئ في ليبيا الآن. إذ أصبحت ليبيا محطة مرور الجهاديين التونسيين الراغبين في المغادرة إلى سوريا والعراق. يبدو أن جهاديي تونس يمثلون كتلة كبيرة من المقاتلين الأجانب في سوريا. حسب شخصيات تونسية رسمية، فقد غادر 2400 تونسي على الأقل إلى هناك حتى يونيو 2014، ويذكر أن 376 منهم قد عادوا مرة أخرى إلى تونس صيف 2014.

أما بحسب ما نشرته، صحيفة "وال ستريت جورنال" في فبراير الماضي، فيبلغ عدد من غادروا للقتال مع داعش ما بين ستة إلى سبعة آلاف تونسى. وهناك 15 ألف آخرين ممنوعين من السفر لأن الحكومة التونسية تشك فى أنهم يخططون للسير على درب الآخرين.

بالنظر إلى حجم سكان تونس ككل فإن هذه الأعداد تعتبر كبيرة للغاية، مقارنة بالجزائر مثلا، ذات الكثافة السكانية الأعلى. ومع ذلك، فإن عدد المقاتلين الجزائريين في صفوف داعش حوالي 500، وأقل منهم في صفوف جبهة النصرة. ربما تعكس هذه الأرقام نجاح دعوة دروكدال لقتال "العدو القريب". وربما تكون "الحرب الأهلية الطويلة" التي خاضها الجزائريين أحد أسباب قلة أعداد من مضى منهم للقتال في سوريا والعراق.

ب- وضع معقد وسط الجهادية العالمية

 مقابل حرية التنقل والعمل وفرص التعاون أمام القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة في تونس، يبدو أن صراع هاتين الجماعتين مع فواعل جهادية أخرى قد تنامى. هنا تلعب الخصومات الشخصية والمنافسة على العناصر والموارد المالية نفس الدور الذي تلعبه بين القاعدة وداعش، أكبر تياران جهاديان في العالم العربي الآن. ليس من السهل على القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة أن يقاربا بين هذه المصالح المتضاربة في علاقاتهما الخارجية.

على سبيل المثال، تؤيد قيادة القاعدة في المغرب، القاعدة المركزية في صراعها الأيديولوجي مع داعش. ولهذا تؤيد القاعدة في المغرب جبهة النصرة فى سورية، المتحالفة مع القاعدة المركزية. ولكن دعوة دروكدال الجهاديين المغاربة للقتال في الداخل بدلا من القتال في المشرق العربي، قيدت علاقاته بجبهة النصرة. كذلك، لم يمض قرار الاصطفاف إلى جانب جبهة النصرة من دون خلاف، إذ أعلنت شخصيات قيادية في تنظيم القاعدة في المغرب تأييدها لداعش. قرار "جند الخليفة" بالخروج على القاعدة في المغرب وبيعة زعيم داعش يؤكد أن شخصيات كبيرة من القاعدة في المغرب ليست محصنة ضد الهجوم الأيديولوجي لداعش.

وعد زعيم أنصار الشريعة في تونس، أبو عياض بتقديم الدعم لكلا من داعش وجبهة النصرة وعرض أن يكون وسيطا بينهما. ربما تكون الرغبة في تعزيز صفوف الجهاديين هي ما دفعه نحو تبني هذا الموقف، وربما يكون الطموح الشخصي. أيضا، قد تلعب الخصومة أو التعاون بين جهاديين تونسيين دورا في هذه الخيارات لأنصار الشريعة، إذ أن عددا من كبار وأهم قيادات داعش ذوو هوية تونسية.

 أخيرا، تتصارع الجماعات الجزائرية والتونسية على المواقع والموارد في بيئة جهادية متغيرة بشكل سريع. مثال، القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة التونسية تتنافسان وجماعات عابرة للقوميات على العناصر والأنصار. ولكن ببساطة حتى تهربا من مجال الجذب المغناطيسي لداعش، يلجئان إلى تصعيد القتال في الداخل وبناء صلات مع فواعل سياسية محلية غير جهادية. تمثل العلاقات بين أنصار الشريعة وأعضاء من حزب النهضة حتى عام 2013 مثالا على هذا. خلاف هذا، بفضل قنواتهما المالية، تعتمد القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة التونسية على التشبيك مع تنظيمات جهادية أخرى في الساحل وليبيا.

ج‌-         تمدد داعش في الداخل التونسي

 تضافرت جملة من العوامل؛ منها ما ذكرناه في النقطة السابقة من انشقاق قطاعات من تنظيم القاعدة في المغرب وانضمامها لداعش، بالإضافة إلى بدء العمليات النوعية ضد داعش في ليبيا-  لكي تدفع تنظيم داعش باتجاه التمدد داخل تونس؛ تحديدا منطقة جنوب شرق تونس المحاذية للحدود الليبية. فمع بدء العمليات النوعية ضد داعش في ليبيا ( وأبرزها القصف الجوي الأمريكي لمعكسر تابع لداعش في السابع عشر من فبراير الماضي على مسافة 170 كم من صبراتة، شمال غرب ليبيا، والذي انتهي بقتل 40 من عناصر التنظيم، معظمهم من التونسيين) لا يبدو أمام التنظيم سوى خيار إعادة نشر عناصره من التونسيين إلى داخل تونس مرة أخرى، بالإضافة إلى تنشيط صلاته بالتنظيمات الجهادية العاملة بداخله، وخلاياه النائمة المنتظرة هناك.

عملية بن قردان:

 في مساء السابع من مارس الماضي، اخترق العشرات من مقاتلي داعش مدينة بن قردان وحاولوا السيطرة على المؤسسات الأمنية الرئيسية في المدينة. وشاركت تقريبا جميع وحدات الشرطة، الحرس الوطني، والجيش النظامية منها والخاصة في مكافحة المجموعة الإرهابية. أحاط عدة مئات من القوات بالمدينة، واتخذوا مواقعهم للدفاع عن المباني المستهدفة وتنظيف الأحياء من الإرهابيين. وقد أسفر الحادث عن خسائر كبيرة في الأرواح: 36 من العناصر الجهادية، 11 من عناصر قوات الأمن وسبع مدنيين. وقد استطاعت قوات الأمن التونسية صد هجوم بن قردان، ولكنه يمثل نقطة تحول خطيرة، كونه حادثا غير مسبوق، ومنذ "انقلاب قفصة" في السابع والعشرين من يناير 1980، عندما سيطرت جماعة مسلحة على مدينة قفصة وسط تونس ودعت لانتفاضة شعبية.

وفى هذا الإطار، ينبغي على تونس أن تتوقع المزيد من الاعتداءات وتستعد لمواجهة آثارها آخذة في اعتبارها سبع نقاط رئيسية:

1-         أن هجوم بن قردان ليس حادثا إرهابيا بسيطا، بل عدوانا متزامنا على ثكنات عسكرية، المقرات المحلية للأمن الوطني وقسم شرطة المدينة، مصحوبا بثلاث حوادث لاغتيالات مستهدفة لموظف جمارك، ضابط شرطة وأحد أعضاء وحدة مكافحة الإرهاب في الحرس الوطني. لقد كان محاولة تمرد محلي، تعاون فيها خمسين من عناصر خلايا داعش النائمة في بن قردان. وللهجوم أهدافه السياسية ألا وهي كسب تأييد قطاع من سكان المدينة المشهورون بالحراك الاجتماعي والدعوة للتغيير، وإشعال تمرد في المدينة في الوقت الذي تسيطر فيه خلايا داعش على المدينة عسكريا.

2-         أن حجم الهجوم ومستواه، يعني وجود درجة عالية من التنسيق بين عناصر داعش وعناصر أخرى، قد تكون إحدى الجماعات المنشقة عن تنظيم القاعدة في المغرب، أو خلايا نائمة تابعة لداعش. ما يعني ضرورة أن تتم ملاحقة عناصر داعش ضمن خطة أوسع لمكافحة التنظيمات السلفية الجهادية في البلاد ككل.

3-         أن عناصر داعش المشاركة في الهجوم، على الرغم من كثرتهم، لم يكونوا بالعدد الكاف للسيطرة على المدينة عسكريا. كما أنهم ارتكبوا أخطاء على الرغم من معرفتهم بالمنطقة. وهو الشئ الذي لعب لصالح قوات الأمن التونسية. ولكن ليس من المضمون أن يكون للقوات المسلحة التونسية التفوق العددي دوما في حال حدوث حوادث مشابهة. وينبغي على الجيش التونسي، الحرس الوطني والشرطة مضاعفة يقظتهم والتعلم سريعا من الدروس العملياتية والاستراتيجية. وهناك احتمالات أن تستهدف عناصر داعش مدينة "جرجيس"، نقطة انطلاق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وكذلك مدينة "جربة" المرفأ السياحي ومركز اليهود التوانسة. وتقع المدينتان على مسافة بضعة كيلومترات من "بن قردان. في غرب البلاد، وقد تنتهز العناصر الجهادية المتمركزة في منطقة الغابات الجبلية على امتداد الحدود مع الجزائر، فرصة أية عملية جديدة لداعش، وما يتبعها من اضطراب أمني لمهاجمة مدينة "القصرين" أو الوصول حتى إلى بلدة "سيدي بوزيد" وسط تونس.

4-         أن محاولة التمرد في بن قردان ليست شأنا تونسيا – ليبيا محضا، ولكنها مشكلة إقليمية تتطلب استجابة إقليمية – تحديدا تعزيزا كبيرا للتعاون السياسي والأمني التونسي – الجزائري. فداعش لا تعترف ولا تلتزم بالحدود التي تأسست عليها منطقة شمال إفريقيا في القرن العشرين. وبحسب ما يقول خبراء فإن داعش تحلم باستعادة الحدود التاريخية لدولة الأغالبة (800م-901م)، والتي حكمت إمارة شبه مستقلة تشمل طرابلس (غرب ليبيا)، ومعظم تونس الحديثة والنصف الشرقي من الجزائر. حسب هذه الرؤية، تعد "بن قردان" نقطة التقاء استراتيجية تربط جنوب – شرق تونس بغرب ليبيا. لطالما هيمن اقتصاد مواز يرتكز على سوق سوداء للأوراق المالية والتهريب على الحياة الاقتصادية للمدينة؛ وقد تتحول إلى نقطة تواصل بين الجهاديين وشبكات التهريب الإقليمية.

5-         أن قطاعات من النخبة السياسية التونسية قد تحاول الاستفادة من الاعتداء لتسجيل نقاط على خصومها السياسيين أو إنعاش الانقسام الإسلامي – العلماني. وهو الأمر الذي يعني المزيد من الاضطرابات، ويعيق قدرة الدولة وأجهزتها على السيطرة على وضع مأزوم، تتطلب معالجته كثير من الهدوء والحكمة لا الجدل والشقاق.

6-         هناك حاجة لخطاب وطني جديد للتصدي للانقسامات الإقليمية والاجتماعية، تحديدا الشعور بالإقصاء التاريخي لجنوب البلاد. أضعفت الهجمات التي وقعت العام الماضي ( متحف باردو في تونس في مارس، المنتجع السياحي في سوسة في يونيو، والحرس الرئاسي في نوفمبر) خطاب "الوحدة الوطنية" القديم الذي صدرته النخبة السياسية. سيكون على تونس أن تفعل المزيد كي تحافظ على ثقافة المواءمات وإدماج المجتمع المدني.

7-         ستكون مهمة التحقيق وجمع الشهادات من سكان بلدة "بن قردان" صعبة وحساسة بالنسبة لأجهزة الأمن والقضاء. فمن ناحية، لا يتصور أن عملية بهذا الحجم تمت من دون دعم عدد كبير من سكان المدينة، ربما يصل عددهم إلى المئات. في الوقت نفسه، فإن موجة من الاعتقالات والمساءلة الجماعية، ستحدث استقطابا داخل المدينة، وتغذي إحباطات ساكنيها، وتزيد من الدعم المحتمل لعناصر داعش في المستقبل.

8-         لا يمكن تأمين الحدود التونسية- الليبية من دون تعاون وثيق من السكان المحليين، خاصة شبكات التهريب العاملة في المنطقة. ومحاولة مكافحة هذه الشبكات بالتزامن مع مكافحة الجهاديين سيشتت الطاقات وعلى الأرجح سيغذي الاستياء تجاه الدولة، خاصة وأن القسم الأكبر من سكان هذه المنطقة يعتمد بشكل أساسي على التهريب بوصفه النشاط الاقتصادي الرئيسي هناك، وغياب بدائل حقيقية لهذا النشاط خاصة على ضوء الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد. عند هذه النقطة، يجدر النظر في أطروحات تتحدث عن إنشاء مناطق تجارة حرة على الحدود، ستعمل على شرعنة جزء على الأقل من التجارة عبر الحدود، يمكن الاعتماد عليه كبديل ويضمن إنجاز مهمة ضبط الحدود بأقل قدر ممكن من التداعيات الأمنية والاقتصادية سواء بالنسبة لسكان هذه المناطق، أو على البلاد بأكملها.

خامسا: مستقبل تنظيمات السلفية الجهادية فى تونس

مصير ومستقبل تنظيمات ونشاط السلفية الجهادية فى تونس، سيتحدد بمجموعة من العوامل، أهمها:

أولا: قدرة القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة على المناورة بين أوضاعهما المحلية وأهدافهما المحلية من جانب، وفرص وتحديات تفرضها تطورات الحركة الجهادية العالمية من جانب آخر. بكلمات أخرى، ما إذا كانت هاتان الجماعتان ستنجحان فى تحييد آلة "داعش"  الدعائية لتجنيد العناصر وجذب التمويلات.

ثانيا: تطورات الوضع السياسي والأمني في ليبيا على وجه التحديد، ربما تكون على رأس محددات مستقبل ومصير هذه التنظيمات في تونس. إذ لا تزال الدلائل تشير إلى أن القسم الأكبر من معسكرات التدريب، ومخازن السلاح تقع في ليبيا وليس في تونس. وفي حالة نجاح السلطات في ليبيا في ضبط الوضع الأمني في ليبيا، فإن هذا يعني فورا غلق الفناء الخلفي للخلايا والتنظيمات السلفية الجهادية في تونس، ومن ثم انحسار نشاطها ثم تآكلها.

ثالثا: نجاح داعش من عدمه في خطتها لنقل جزء من عناصرها وتأسيس مناطق تمركز لها في جنوب شرق تونس. ويرتبط به نجاح التدخل العسكري الغربي في وقف تقدم داعش والحيلولة دون انتشار عناصرها داخل الحدود التونسية. ويمكن أن تكون عملية "بن قردان" الأخيرة، نموذجا على الأدوار التي يلعبها التونسيون العائدون من الحرب في ليبيا، في توفير بدائل جديدة لداعش، وإتاحة فرص أمامها كي تناور وتتكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية عليها في ليبيا. 

وأخيرا؛ نجاح أجهزة الأمن التونسية في تجاوز المشكلات الهيكلية التي أصابتها بعدم الفاعلية. وهو الأمر الذي لا توجد إشارات واضحة على إمكانية حدوثه في وقت قريب. إذ تعاني أجهزة الأمن التونسية بشكل عام من التشظي وعدم الاحترافية والتعطش لإثبات سلطتها في مواجهة السلطتين التنفيذية والتشريعية. وكما هو معلوم، فإن إصلاح أجهزة الشرطة وتطويرها، ناهيك عن سيطرة الحكومة الكاملة عليها، يعتبر من أعقد وأصعب المهام في أعتى الديمقراطيات، فما بالنا بدولة تمر بمرحلة انتقالية، تواجه مخاطر وتهديدات إرهابية تقيد خطواتها. وحتى بافتراض تمكن قوات الأمن هناك من تطوير سريع لمهارات عناصرها في مكافحة الإرهاب، يظل نجاحها مرهونا بمستوى عال جدا ودقيق من التنسيق والتعاون بينها وبين أجهزة أمنية وجيوش دول مجاورة لتونس، أهمها الجزائر وليبيا والمغرب وربما مالي.

وبالنظر إلى تاريخ طويل من عدم الثقة المتبادل بين هذه الأجهزة، وقلة عدد العمليات التي تمت بالتنسيق بين أجهزة أمنية من دول مغاربية مختلفة، لا يبدو أن بإمكان الأمن التونسي تحقيق تقدم كبير في مواجهة جماعات سلفية جهادية في المدى المنظور والمتوسط.

والأرجح، أن النشاط الإرهابي للجماعات السلفية الجهادية لن يشهد تراجعا في المدى المنظور في تونس. حتى مع استقرار الوضع السياسي هناك.