المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الأكراد في سورية... حلم الحكم الذاتي بحسابات المستقبل الغامض

الأحد , 21 مايو 2017 - 12:13 مساءٍ

أكراد منطقة كوباني في سورية يعلنون إقامة إدارة حكم
أكراد منطقة كوباني في سورية يعلنون إقامة إدارة حكم

يمثل تشكيل "قوات سوريا الديمقراطية" والتي يهيمن عليها "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي"، وقبلها تأسيس إدارات مدنية انتقالية للمناطق الكردية، نقطتا تحول جوهريتان في مسيرة أكراد سوريا. فالأولى يبدو أنها ستحسم واقعيا على الأرض الانقسام الكردي الداخلي حول الأزمة السورية، لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي ورؤيته حول إقامة كيان كردي مستقل داخل دولة فيدرالية سورية. في المقابل، ستتوارى رؤية الاتحاد السياسي الكردي، والحزب الديمقراطي التقدمي- أهم عضوين في المجلس الوطني الكردي وأكبر كياناته- الذين يريا أن حل القضية لا يكون بمعزل عن تأسيس دولة اتحادية سورية، شرط أن تحظى بالإجماع الوطني. 

أما الثانية - أى تأسيس إدارات الحكم الذاتي الثلاث "روج آفا" في الشمال السوري- فتمثل أولى خطوات قيام كيان كردي أو كيانات كردية مستقلة داخل سوريا بالأمر الواقع. وبحيث يملي وجودها وتعزيزها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها ملامح مستقبل سوريا ما بعد الصراع. ويقطع الطريق على مساعي الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. والأرجح أنه ورغم عداء تركيا الشديد ـ وهي الفاعل الإقليمي المهم للمشروع وتحركاتها الهادفة لهدمه ـ فإن احتمالات بقاؤه واستمراره كبيرة . إذ يحظى المشروع الكردي بدعم سخي من جانب الولايات المتحدة، بل وتسعى الإدارة الأمريكية أيضا لاستنساخه في مناطق أخرى داخل سوريا. ما يعني عمليا، انتهاء سوريا الموحدة التي نعرفها وصعود كونفيدراليات سورية هشة وغير متماسكة.

أولاً: أكراد سوريا فى ظل تغير الديناميكيات: 

 يشير التاريخ المعاصر لأكراد المنطقة (فى تركيا والعراق وإيران وسورية) إلى أن أكراد العراق وتركيا ظلوا، تقليديًا، يمارسون بدرجة ما نوعا من الوصاية على أكراد إيران وسوريا، مهيمنين بدرجة كبيرة على قرارهم السياسي ومصيرهم الديمقراطي في هاتين الدولتين.. ويشير كذلك إلى أن وضع أكراد سوريا بالذات لا يقتصر على بعدهم المحلي؛ فالقوى الكردية الإقليمية لطالما سعت بشكل دائم إلى ترسيخ قواعد نفوذها المحلية بين أكراد سوريا ذوي الحجم السكاني الصغير مقارنة بأعداد الأكراد في تركيا والعراق وإيران.

ناهيك عن أن الأكراد السوريين اعتمدوا – تاريخيا – على التجارب الكردية في الدول الأخرى، ليستلهموا منها حراكهم السياسي القومي. فعلى سبيل المثال، كان للثورة الكردية في العراق التي قادها مصطفى البرزاني، مؤسّس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، تأثير بالغ الأهمية على نشوء الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا في العام 1957، والذي يُعد أول حزب سياسي كردي في سوريا. وإلى جانب الدعم الأيديولوجي، اعتمدت الأحزاب الكردية في سوريا على المموّلين الإقليميين، خصوصًا من تركيا والعراق، من أجل بقائها على المدى الطويل. وظل الوضع هكذا إلى أن اندلعت الانتفاضة السورية فى مارس 2011.

حيح أن الحرب الأميركية على العراق فى 2003 أسست لحقبة جديدة من علاقات الأكراد مع دول الجوار، لكنها لم تؤثر بشكل خاص على وضع الأكراد فى سورية، وإن كانت لها تأثيراتها الملموسة على الأكراد فى الدول الأخرى، لا سيما أكراد العراق. لكن الإنتفاضة السورية فى العام 2011، والحرب الأهلية التالية عليها، ثم صعود داعش بشكل كبير فى العراق وسورية فى يونيو2014، غيرت من الديناميكيات الإقليمية، وأفضت إلى ظهور واقع جيوسياسي جديد كانت له نتائجه الحاسمة سواء على صعيد العلاقات الكردية – الكردية فى الإقليم، لا سيما لجهة الوزن النسبي لأكراد سورية. أو على صعيد علاقة أكراد سورية بنظام بشار الأسد، وكذلك بالقوى الدولية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية. أو حتى على صعيد موازين القوى داخل الخريطة السياسية والحزبية لأكراد سورية أنفسهم.

فمع اندلاع ما سمى بثورات الربيع العربي أدرك الأكراد جيدًا أن هناك تغييرًا حاصلاً في الخريطة الجيوسياسية لمنطقة تواجدهم. حيث إن مناطق هذه الثورات تعتبر امتدادًا طبيعيًا للأكراد لعدة عوامل ثقافية وسياسية وبالتحديد في سوريا والعراق. وبالفعل أبدى الأكراد استعدادهم لتبني المفهوم "الثوري" الجديد في المنطقة العربية؛ فانخرطوا في الثورة السورية بعد أحداث درعا في مارس 2011 مطالبين بإسقاط النظام وإقامة فيدرالية بسوريا القادمة. لكن الحماس الكردي وثوريته تم تجميدهما بعد عام حين سلَّم النظام المنطقة الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي فرض سلطته وقبضته على مفاصل المجتمع الكردي .

ومنذ أوائل يونيو 2014 بدأت العديد من الديناميكيات بالتغيّر على الساحة السياسية الكردية في الشرق الأوسط. فسيطرة "داعش" على العديد من المدن والبلدات في غرب وشمال العراق وكذلك محاولته التقدم نحو أربيل، عاصمة إقليم كردستان  في نفس الوقت، أدت إلى نشوء حالة من التضامن القومي الكردي الذي لم يكن متوفرًا بهذا الزخم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. هذا التغيّر لم يعد محصورًا بالمستوى الشعبي في الدول التي يقطنها الأكراد (سوريا، تركيا، العراق، إيران)، بل تجاوز إلى التيارات السياسية الكردية المختلفة التي طالما ظلت في صراعات (دموية في بعض الأحيان) من أجل كسب ود القاعدة الشعبية في هذه البلدان. ولهذا عندما قامت عناصر من تنظيم داعش - في أغسطس 2014-  بدحر القوات الكردية العراقية (البشمركة) من منطقة سنجار التي تقطنها الأقلية الإيزيدية، تدخل على الفور مقاتلون منتمون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وأنقذت الآلاف من المدنيين الإيزيديين الذين ظلوا عالقين في جبل سنجار لعدة أيام بدون ماء أو طعام. كانت تلك الحادثة مثالاً جديدًا لتعاظم الرابطة القومية بين أكراد الدول المختلفة .وفى هذا السياق تعاطف أكراد الدول الأخرى مع إخوتهم في سوريا، سواء ضد الأسد أو لاحقًا ضد تنظيم داعش. من إيران حتى تركيا، بدأت التنظيمات السياسية الكردية بتعبئة جماهيرها لدعم الأكراد السوريين، لأنهم كانوا على دراية تامة بأن التغير الحاصل في سوريا سيكون له تداعيات إيجابية على دفع الملف الكردي في الدول المجاورة إلى الأمام. أحزاب عديدة، خصوصًا تلك التي لديها ارتباطات بحزب العمال الكردستاني، قامت -ولا تزال- بحشد الدعم المادي.

ثانياً: صعود حزب الاتحاد الديمقراطي وظهور "روج آفا":

 فى صيف 2012، ومع سقوط سوريا فى أتون الحرب الأهلية، وانقسام الفواعل المسلحة والسياسية هناك، تحرك حزب الاتحاد الديموقراطي بحسم كي يسيطر على ثلاث جيوب من الأراضي داخل المناطق ذات الأغلبية الكردية فى شمال سورية: الجزيرة، كوباني وعفرين. ولهذا يمكن القول بأن إنتفاضة مارس 2011 في سوريا، والحرب الأهلية التالية عليها، هيأت الظروف الكافية لإحداث تحول رئيسي في السياسات الكردية هناك. حيث يرتبط حزب الاتحاد الديموقراطى أيديولوجيا وعمليا بحزب العمال الكردستاني، على الرغم من إنكاره ذلك. فبعد طرد حزب العمال الكردستاني من سوريا عام 1998، أسس أعضاء سابقون في الحزب "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا عام 2003. وقد استطاع الحزب وجناحه العسكري " قوات الحماية الشعبية " أن يهيمن على السياسات الكردية في سوريا، عبر نجاحه في توظيف أوضاع الحرب لصالحه. ومع أواخر 2013/ أوائل 2014 كان حزب الاتحاد الديمقراطي قد جعل من هذه المناطق ( أى الجزيرة، كوباني وعفرين ) كانتونات من الإدارة المحلية تحت اسم "روج آفا" (كردستان الغرب). بل وأجرى انتخابات لمجالس محلية هناك. وبتأسيس "روج أفا" هيمن الاتحاد الديمقراطي على السياسات الكردية في سوريا، وقد ساعده على ذلك عددا  من الأسباب، أهمها:

1- انضباط الاتحاد الديمقراطي وتماسكه، فى مقابل الانشقاقات في الأحزاب القديمة وفشلها في التأقلم مع المستجدات، بالإضافة إلى ضعف شرعيتها الشعبية.

2- أغلب الأحزاب المنضوية تحت مظلة المجلس الوطني الكردي - الذي تأسس برعاية حكومة كردستان العراق-  تعمل خارج سوريا، علاوة على ذلك، انتقلت قيادة المجلس إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، لعدم قدرتها على العمل هناك.  ما أدى إلى محدودية تأثيرها في روج آفا. على سبيل المثال، درب أكراد عراقيون عدة مئات من الأكراد السوريين، إلا أنهم مُنعوا فيما بعد من الدخول إلى روج آفا، من قبل "وحدات حماية الشعب"  التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي.

3- ساعد القبول الضمني للحزب، من قبل نظام الأسد، على تعزيز شرعيته وتوطيد أركانه.. إذ سمح النظام للاتحاد الديمقراطي بالاستيلاء على هذه المناطق من دون قتال، والحفاظ على تواجده في مدينة القامشلي. وأيضا استمر النظام السوري في دفع رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الاتحاد الديمقراطي. فالنظام السورى، فى هذه المرحلة، لا يبدو مكترثاُ بتداعيات قيام كيان كردي في الشمال ... الناطقون باسمه من محللين وخبراء، يذهبون أحياناً إلى حد إقامة "تماثل" بين وحدات الحماية الشعبية الكردية من جهة والقوات النظامية والمليشيات المتحالفة معها من جهة ثانية.. بل أن أحدهم، بدأ يطالب ببناء "شريط عازل" مع تركيا، يتولاه الأكراد السوريون، بوصفه طريقاً خلاصياً من "المؤامرة التركية – الداعشية" ضد بلادهم. بالطبع، هذا لا يعنى أن النظام يتجاهل "قلقه المضمر" من مغبة قيام كيان انفصالي في الشمال، بل وحتى من قيام الأكراد بممارسة نوع من الإدارة الذاتية في مناطقهم... لكن الحاجة الظرفية للنظام، وجدول أولوياته يملي عليه "تجرّع" الخطر الأقل أهمية (الأكراد)، لمواجهة الخطر الأكثر تفاقماً، أى تركيا.

* من ناحية أخرى، دفع تفاقم الاضطرابات شمالي سوريا، تقدم الجماعات الجهادية (وما صاحبه من تهديد سلامة الأكراد) أكراد سوريا إلى دعم الاتحاد الديمقراطي الذي لم يوفر لهم الأمن فحسب بل أيضا الخدمات والتوظيف. وتعززت شرعية وحدات الحماية الشعبية بعد نجاحها في الدفاع عن كوباني، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وقوات البشمركة الكردية العراقية. وكان هذا التنسيق غير المسبوق بمثابة دفعة رئيسية لحزب الاتحاد الديمقراطي ومنح الشرعية والأهمية الجيوسياسية لمشروع "روج آفا". وفى هذا السياق، تعد " روج آفا" المحاولة الأولى لحكومة تتأسس على الأفكار التى يتبناها عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني، والتى تدعو إلى إحداث تحول جوهري للدولة باتجاه تحقيق ديمقراطية اجتماعية، مع ضمان حقوق مساوية للنساء والأقليات وفصل الدين عن الدولة. وفى هذا الإطار، يراقب الأكراد في تركيا، العراق وإيران  عن كثب تقدم إدارة روج آفا.. فنجاح أو فشل التجربة يهم الأكراد في تركيا بشكل خاص، بالنظر إلى أن الأساس السياسي للمشروع هو أفكار أوجلان. أيضا، جذبت الأدوار الرائدة للنساء في إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي، كمقاتلات، إداريات وسياسات – وهي المقاربة التي تختلف تماما عن مقاربة الجهاديين – الاهتمام والتعاطف الدوليين.

ثالثاً: تداعيات تأسيس "قوات سوريا الديمقراطية":

في 12 اكتوبر 2015 أُعلِن في محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا عن تشكيل جديد باسم (قوات سوريا الديمقراطية)، وذلك بناء على طلب من الولايات المتحدة الأمريكية، وبغرض محاربة تنظيم داعش. ويبدو أن الولايات المتحدة تهدف من وراء تأسيس هذا الكيان إلى منح حزب العمال الكردستاني وواجهته في سوريا "الاتحاد الديمقراطي " غطاء سياسيا ودبلوماسيا، يمكنها من تجاوز عقبة وضع حزب العمال الكردستاني والكيانات المرتبطة به على قائمة الإرهاب( إذ أن حزب العمال موضوع على اللائحة الأمريكية للإرهاب منذ العام 1997، وعلى اللائحة الدولية للتنظيمات الإرهابية منذ العام 2001) ويمنحها فرصة تقديم الدعم اللازم لهذه القوات من دون الاصطدام بالاعتراض التركي المبدأي على تعاون التحالف الدولي ضد الإرهاب – تركيا عضو فيه – وقوات عسكرية منتسبة لحزب العمال الكردستاني (قوات الحماية الشعبية). وقد صرحت الإدارة الأمريكية بعد يوم من اعلان هذا التشكيل، أنها ألقت أسلحة لهذه القوات التي تحارب تنظيم داعش في شمال سوريا وأشادت بالمعارك التي تخوضها تلك القوات.

 ويضم تشكيل (قوات سوريا الديمقراطية)، كل من الميليشيات التالية:

1- التحالف العربي السوري المكون من جيش الثوار وغرفة عمليات بركان الفرات وقوات الصناديد وتجمع ألوية الجزيرة.

2-المجلس العسكري السرياني

3-وحدات الحماية الشعبية

4-وحدات حماية المرأة

 وعلى الرغم من أن التحالف الجديد يضم ألوية وكتائب وتنظيمات مقاتلة تعلن أنها جزء من الجيش الحر، إلا أنه ضم أيضاً الوحدات الكردية المقاتلة بجانب النظام في الحسكة، وتسيطر بشكل مشترك على معظم مساحة الحسكة، وهو أيضاً تحالف ليس بجديد، والذي بدأ مع هجوم تنظيم "داعش" على مدينة عين العرب/كوباني أواخر العام 2014. كذلك يضم هذا التحالف أيضا فصيل عسكري عربي معروف بموالاته للنظام في الحسكة، وهو ميليشيا "جيش الصناديد" المكون من مقاتلين موالين للنظام من عشيرة " الشمر"، والتي يترأسها “دهام الهادي"، حاكم كانتون الجزيرة، والمنضوية تحت راية الادارة الذاتية المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي. وتتلقى ميليشيا "جيش الصناديد"الدعم من النظام بشكل مباشر، وفي أغسطس 2015 أقامت هذه المليشيا عرضاً عسكرياً في منتصف مدينة قامشلي الخاضعة لسيطرة النظام، مستخدمة قرابة عشرين سيارة محملة بالعناصر والأسلحة المتوسطة والخفيفة أمام تمثال حافظ الأسد وسط المدينة، وتتلقى الدعم من النظام بشكل مباشر من رواتب وأسلحة.

ربما يشير تشكيل قوات سوريا الديمقراطية على هذا النحو الجامع ما بين أكراد ومعارضة وموالين للنظام إلى عدة أمور؛ منها : تراجع إصرار الولايات المتحدة وحلفاؤها على رحيل الأسد ونظامه. ومنها الرهان على دور مفترض للعنصر الكردي لإرساء السلام من وجهة نظرهم هناك. وربما تهدف واشنطن من وراء دعمها لقوات سوريا الديمقراطية إلى تحقيق نصر عسكري واستباق سياسي يمنع الروس من العمل باتجاه تسليم المناطق التي ينسحب منها مقاتلي تنظيم داعش وإعطائها للجيش السوري . من جهة أخرى، هناك ما يشير إلى أن الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية الكردية لن يفضي إلى طرد تنظيم داعش بالكامل من شمال البلاد وحسب. بل أيضا، سيعزز كانتونات الحكم الذاتي التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي "روج آفا"، والتي يرى فيها الحزب "نموذجاً لنظام لامركزي من الحكم الفيدرالي في سوريا في المستقبل". بما ينهي عمليا وحدة الأراضي السورية. ويفتح المجال أمام استنساخ هذا النموذج ونقله إلى أجزاء أخرى من البلاد. صحيح أن الكانتونات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية ليست الخيار الأول لا بالنسبة إلى الأسد ولا بالنسبة إلى الثوّار العرب، إلا أن فشل هذه القوى في التوافق على مشروع لمستقبل سوريا، سيمنح لهذا المشروع المدعوم من جانب قوى دولية كبرى دفعة وزخم. وحتى بافتراض التوافق في المستقبل على صيغة تسوية تشير إلى بقاء وحدة سوريا، فيمكن لحلفاء الأكراد ضمان تمتع هذه الكانتونات بالاستقلالية وإن بقت اسميا جزءا من سوريا.

رابعاً: "روج آفا" بين الولايات المتحدة وتركيا:

من بين جميع العناوين المكونة لملامح الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب، يبدو أن أكثرها أهمية وفاعلية هم الأكراد ... والشاهد ما قامت به الإدارة الأمريكية، وتقوم به حتى الآن، من تسليح وتدريب وإسناد جوي وتسهيلات لوجستية تقدم للأكراد في كلا من العراق وسورية. وفى هذا السياق يتعين الإنتباه إلى أن الضربات الجوية الأمريكية، بدأت قبل تشكيل التحالف ضد داعش، والإعلان عن بدء عملياته.. كان ذلك عندما شارف مقاتلو داعش على الوصول إلى قلب إقليم كردستان، وباتت طلائعهم المتقدمة، على مسافة أقل من 30 كيلومتراً من عاصمة الإقليم.. يومها شنت الطائرات الأمريكية سلسلة مكثفة من الهجمات، حالت دون استمرار تقدم التنظيم، وإجباره على الانكفاء عن المناطق التي سيطر عليها وأخضعها لسلطته، مع أنه كان احتل ثاني كبريات المدن العراقية: الموصل، من دون أن تحرك واشنطن ساكناً.

والملفت أيضاً، أن واشنطن، شنت من الضربات الجوية ضد تهديدات داعش للمناطق الكردية في العراق وسوريا، أضعاف ما شنته من ضربات في بقية أرجاء البلدين، مع أن التنظيم تقدم بعد الموصل إلى الرمادي، وتوجه من شمال شرق سوريا إلى جنوبها، وصولاً إلى احتلال تدمر، ودائماً من دون إسناد جوي كثيف للقوى المحاربة لداعش. أما في عين العرب – كوباني، فلا يختلف أحد على الأهمية الفائقة للطلعات الجوية الأمريكية ضد أهداف لداعش في المدينة ومن حولها، إذ لولا هذا الإسناد الجوي الكثيف، لما أمكن لوحدات الحماية الشعبية من استعادة المدينة.. يومها، دخلت واشنطن في لعبة "عض أصابع" مع أنقرة، من أجل تسهيل انتقال مسلحين من "البشمركة" من شمال العراق إلى شمال سوريا، مروراً بالأراضي التركية.. وإلى اليوم، يبدو الموقف من الأكراد السوريين، إحدى أبرز قضايا الخلاف بين الحليفتين الأطلسيتين: الولايات المتحدة وتركيا.

واشنطن تنظر إلى الأكراد بوصفهم حليف موثوق في الحرب على الإرهاب.. أما أكراد سوريا، فثمة سعي دؤوب لخلق كيان متواصل جغرافياً على امتداد خط الحدود مع تركيا، أو على مقطع طويل منه على الأقل.. وهذا أمر يثير حفيظة تركيا إلى حد " فقدان الأعصاب"، لكنه في المقابل، يلقى قبولاً، بل ودعماً أمريكياً ظاهراً، ومن يتتبع "جغرافيا" العمليات الحربية التي يشنها التحالف الدولي في شمال سوريا، يرى أنها مصممة أساساً لتدعيم هذا الشريط، وتسريع إنشائه.. ولهذا لا ينقطع تقريبا سيل الاتهامات التركية الانفعالية لواشنطن، خصوصاً تلك المنسوبة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 واشنطن، في المقابل، لم تبد ارتياحها للدور الذي لعبته حدود تركيا المفتوحة لداعش، وهي وجهت انتقادات ومارست ضغوط على أنقرة، لضبط حدودها، بيد أنها لم تمض على هذا الطريق حتى نهايته، وأيقنت أن قدرتها على إحداث تغيير جوهري في المقاربة التركية للأزمة السورية، تبدو محدودةً للغاية.. اليوم، تتوفر لواشنطن الفرصة لتشكيل "شريط عازل" بين تركيا وسوريا، بولاية كردية موثوقة، بعد أن رفضت مراراً وتكراراً أفكاراَ وعروضاً تركية لخلق شريطٍ عازل وفرض منطقة حظر طيران.

والسؤال الآن: هل ستصبر أنقرة على "المنطقة العازلة" الكردية المحصنة بطيران التحالف الدولي وتصمت عليها برغم كل الأخطار والتداعيات المترتبة عليها من منظور الحسابات التركية الداخلية، أم أنها سترسل بقواتها، لـــ"تكسير عظام" هذا الكيان قبل أن يستقيم على عوده، وتفرض منطقتها "الآمنة" بقوة الدبابات، متحملةً كل المخاطر والمجازفات المترتبة على مغامرة من هذا النوع.. ؟ 

حقيقة الأمر، أن حزب الاتحاد الديمقراطي ينتمي فكريا ويرتبط بصلات تنظيمية بحزب العمال الكردستاني التركي. بل ويعتبر تأسيس "روج آفا" نفسه تجسيدا لجوهر مشروع واستراتيجية حزب العمال الكردستاني. وبالنسبة للعديد من الأكراد في سوريا وتركيا، فإن الحدود بين البلدين لا تعبر عن الواقع: هم يرونَ أنفسهم شعباً واحداً، ويشعرون بأن نضال وكفاح أي طرف منهم هو نضال وكفاح الطرف الثاني أيضاً. الصراع التركي – الكردي، يعكس أبعاداً إقليمية قوية، الأحداث والتطورات في سوريا لها تأثير ضخم على السياسة الداخلية التركية.

ووفقا لنظام أردوغان تعد "روج آفا" أسوأ كوابيسه.. إذ من وجهة النظر التركية، سيزيد تعزيز وضع أكراد سوريا من قوة حزب العمال الكردستاني كفاعل إقليمي، وسيزيد من الضغط على تركيا كي تمنح الأكراد الأتراك مزيداً من الحقوق السياسية. ولهذا دعت الحكومة التركية إلى إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السوريا، وهددت بالتدخل في سوريا، وأسمتهُ "حقها الطبيعي"، إذا ما هدد "الإرهابيون" (وقصدت هنا حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي) الأراضي التركية انطلاقا من الحدود السورية. كما امتنعت تركيا عن تقديم الدعم لمدينة كوباني أيام حصارها من قبل تنظيم "داعش". بل وخلال أزمة مدينة كوباني، أشار رجب طيب أردوغان بأن حزب الاتحاد الديمقراطي، منظمة إرهابية. وهددت الحكومة التركية بأنها ستغزو سوريا، في حالت تأسست الإدارة الذاتية الكردية تحت حكم حزب الاتحاد الديمقراطي.

بالمقابل تطورت – خلال العام 2015- العلاقة بين الحركات الكردية في كلٍ من سوريا والعراق، نتيجة للتهديدات التي يشكلها تنظيم "داعش" للطرفين، الأمر الذي جعل من "وحدات الحماية الشعبية" لاعباً مهماً في التحالف الدولي ضد "داعش"، بالإضافة إلى أنهُ زاد من شرعية حزب الاتحاد الديمقراطي، عالمياً. ولم يؤدي ذلك إلى تغييرات مهمة في الموقف التركي، ولكن الصراع في كوباني، كان قضية كبيرة ورئيسية بالنسبة للأكراد في تركيا، والذين شاركوا بدورهم في الضغط على الحكومة التركية، لكي تسمح وتفتح المعبر الحدودي لمرور المعدات والمواد اللازمة، وإيصالها للمقاتلين الأكراد المحاصرين – آنذاك- من قبل تنظيم "داعش". وأدى هذا إلى صدام بين الشرطة التركية والمحتجين من الأكراد أسفرت عن وفاة أكثر من 50 كرديا.

علاوة على ذلك، فإن نموذج "روج آفا" ورمزيته بالنسبة للشعوب الكردية بشكل عام تجعل من الهجوم عليها أمرا ينطوي على مخاطر جمة. إذ أن قضية المناطق الكردية المستقلة في سورية باتت تحظى بدعم مطلق من جانب الأكراد على امتداد الإقليم.

هذه الحسابات الكثيرة والمعقدة لا تترك مجالا أمام النظام التركي لفعل الكثير. فهو لم ينجح في فرض منطقة عازلة في منطقة الشمال السوري ذات الأغلبية الكردية على تخوم تركيا. ورغم كل ما يقال عن دعم تركي لخصوم القوات الكردية من "الجماعات الجهادية"، فإن تركيا لا تملك دعم هذه الجماعات للنهاية نظرا لتزايد خطورة انتشارها في الداخل التركي، وهو الخطر الذي بات محققا مع سلسلة التفجيرات الإرهابية التي وقعت فى الشهور الأخيرة – وما تزال- في مدن تركية متفرقة. ولا تملك أيضا فرض وجهة نظرها على فواعل دولية رئيسية منخرطة في الصراع السوري. وأقصى ما أمكنها فعله تمثل في استبعاد " وحدات الحماية الشعبية" من مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذى انعقد فى ديسمبر2015.

أيضا، تراهن الولايات المتحدة على أن استباب الهدوء على الحدود التركية-السورية مع توطيد أركان "قوات سوريا الديمقراطية" قد يدفع تركيا نحو الإقرار بالواقع الكردي في الجانب الآخر من الحدود. ففي غياب التقارب بين تركيا والتيار السياسي الكردي في تركيا وسوريا، سوف تظل المنطقة تعاني من عدم الاستقرار بعد وقت طويل من رحيل تنظيم داعش. وتبين العلاقات التركية مع الأكراد في العراق أن المصالحة التركية-الكردية يمكن أن تعود بالفائدة على الطرفَين. ففى السابق كانت تركيا تعتبر أن قيام كيان كردي في شمال العراق يشكّل تهديداً مباشراً وغير مقبول لأمنها القومي. أما الآن، وبعد انهيار سياسة "صفر مشكلات مع الجيران" التي وضعها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، فلم يتبقَّ لتركيا من صديق في المنطقة سوى حكومة إقليم كردستان في العراق.  

الخلاصة:

قبل العام 2011 لم يحظ  مشروع  "حكم ذاتي كردي" في سوريا بنقاش كبير. ولكن الفوضى وانعدام الأمن بسبب الصراع في سوريا وعليها، أفرزت تحولات هائلة، من تجلياتها تزايد الطلب على مشروع حكم ذاتي فى مناطق الأكراد .