المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الأردن وجماعة الإخوان.. صراع مفتوح أم هدنة صامتة.؟

الأحد , 21 مايو 2017 - 12:27 مساءٍ

إخوان الأردن
إخوان الأردن

أن يُقال بأن إغلاق مكاتب جماعة الإخوان المسلمين فى الأردن وختمها بالشمع الأحمر، إجراء قانوني مجرد، متخفف من السياسة، فتلك رواية لا تصمد طويلاً أمام النقد، وهي قاصرة عن تفسير الخلاف العميق، بين الحكم والجماعة ... الخلاف سياسيٌ بامتياز، والقرار سياسيُ بامتياز ... وفي ظروف أخرى، كان يمكن إيجاد ألف وسيلة ووسيلة لاحتواء السجال القانون حول شرعية أو "عدم شرعية" الجماعة من الوجهة القانونية، ولا كانت الأزمة وصلت إلى هذا "المربع" أصلاً. والخلاف بين النظام لأردنى والجماعة، غير مرتبط بسنوات الربيع العربي الخمس الفائتة ... ربما تعمقت الخلافات بين الطرفين خلال هذه السنوات، وربما تفاقمت "المخاوف المتبادلة" خلالها ... لكن الخلاف أبعد من ذلك بكثير، ويمكن "التأريخ" للافتراق الاستراتيجي بين الإخوان المسلمين والنظام السياسي في الأردن، إلى انتهاء حقبة الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، حيث انتفت منذ لحظة الانعطاف الدولي تلك، مبررات استمرار "تحالف الحرب البارد"، وذات الاستراتيجية أيضاً ...

منذ تلك اللحظة، لم تلتق مواقف الجماعة بسياسات الحكم في الأردن، حول أية قضية مفصلية، محلية، إقليمية أو دولية. زاد الطين بلّة، انقطاع أواصر التواصل وانسداد قنوات الحوار بين الطرفين ... لقد جرت مياه كثيرة في السنوات الأخيرة، وصعدت إلى مواقع صناعة القرار، في الدولة والجماعة على حد سواء، فئات وقيادات، لا لغة مشتركة فيما بينها، ولا " كيمياء" يمكنها أن تخلق أي نوع من أنواع "التفاعلات" ... لا ذكريات مشتركة يمكن استدعاؤها عند الأزمات، لتجديد هذا التحالف والتأكيد على "قيمته الاستراتيجية" والتذكير بالأدوار التي لعبها في حفظ الجماعة والنظام على حد سواء بسواء.

مخاوف النظام الأردنى من الجماعة، سابقة للربيع العربي، فبعد تسجيل حماس فوزاً كاسحاً في انتخابات 2006 التشريعية، باحت الجماعة في لحظة انتشاء، برغبتها، أو قل "أهليتها" لفعل شيء مماثل ... يومها قُرعت الأجراس وأضيئت "اللمبات" الحمراء في غرف صنع القرار في الدولة ... وسيتعين على العلاقة بين الطرفين أن تنتظر سنوات خمسا أخرى، ليتحول "البوح عن الرغبة والاستعداد"، إلى "فرصة" للجماعة و"تهديد" للحكم، سيما إثر وصول الجماعات الشقيقة والصديقة للسلطة في كل من مصر وتونس والمغرب وقبلها في تركيا، و"الحبل يومها كان على الجرار" كما يُقال فى الشام  ... بدا أن سياسة "الصبر الاستراتيجي" التي اتبعتها الجماعة قد بدأت تعطي أكلها، بعد تسعين عاماً من الانتظار وقرابة القرن على سقوط الخلافة، وبدا أن أنظمة حكم ما بعد سايكس بيكو وما بعد الاستقلالات الوطنية العربية، في طريقها للانهيار. جادلت الجماعة بأنها "حركة إصلاحية سلمية"، لا تسعى لتغيير النظام أو إسقاطه، وأنها تحت "سقفه" وليست "فوقه"... والحق يقال، أنه ليس في أدبيات الجماعة  أو حزبها فى الأردن، ما يخرج عن هذه القواعد، بيد أن سلوك جماعات شقيقة في دول أخرى، أثار القلق والتحسب، ليس في أوساط النظام الأردنى فحسب، بل وفي عروق التيارات السياسية والفكرية الأخرى ... فقد تكشفت تجربة حكم الإسلاميين في عدة دول عربية، أنهم يميلون للمشاركة فقط حين تتعذر المغالبة، وأن "تمكين" الجماعة، يتقدم في سلم الأولويات على بناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية الحديثة... وأن العنف يمكن أن يكون خياراً في بعض الأحيان، وأن الرقص على حبال التحالفات والمحاور المتناقضة، خيار ممكن للجماعة، بدلالة تنقل بعض "فروعها" ما بين طهران وأنقرة والرياض والدوحة والقاهرة، بخفة، ومن دون تردد أو تلعثم... يومها كان يتعين على الجماعة أن تبذل جهداً إضافياً لبعث الطمأنينة وتمييز نفسها، وإجراء أعمق المراجعات لخطابها، والاستجابة لكل النداءات التي وجهت إليها بهذا الصدد، بيد أنها لم تفعل، حتى أنها ظلت وراء شقيقاتها في كل من المغرب وتونس، سياسياً وفكرياً وتنظيمياً.

زوال ركائز العلاقة

للأزمة بين النظام الأردنى والجماعة، أسبابها وسياقاتها الداخلية الخاصة، بيد أنها ليست معزولة عن سياقات الوضع الإقليمي المتفجر، واحتدام حروب المحاور والمذاهب والطوائف ... وليست معزولة عن صراعات السلطة في المنطقة.

وفى هذا السياق، يمكن القول بأن هناك أربعة "عناصر قوة"، حقيقية أو متخيّلة، استندت إليها العلاقة التاريخية بين النظام الأردنى وجماعة الإخوان المسلمين، انقلبت أو تكاد تنقلب، إلى نقيضها، وبدل أن تكون سبباً في إدامة هذه العلاقة وتطويرها، تحولت إلى سببٍ في تأزيمها، وربما إحداث القطع والقطيعة بين طرفيها.

العنصر الأول، وقد تلاشى منذ زمن بعيد، وتحديداً منذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، غاب "العدو الشيوعي المشترك" الذي لعب دور "اللاصق" لهذه العلاقة، وتدافع اليساريون إلى شغل الحقائب الوزارية، التي طالما استمتع بإشغالها، قادة الجماعة في زمن سابق، زمن الأحكام العرفية، الذي حذرت الجماعة مؤخراً، من العودة له، مع أنه كان "زمانها"، ورجالاتها كانوا رجالاته ... تغيرت المواقع والمواقف، وارتسمت من جديد، خرائط التحالفات، وثمة حاجة لإدراك هذه الحقيقة، والأهم، التصرف بمقتضاها.

العنصر الثاني، وقد تلاشى منذ زمن كذلك، يوم كانت الحركة الإسلامية، مطلوبة لخلق "المعادل الموضوعي" لنفوذ منظمة التحرير وفصائلها في الأردن بضفتيه على حد سواء، ويوم كانت الرهانات ما زالت قائمة على دور أردني في الحل الفلسطيني، ويوم كانت العلاقة بين القيادتين الأردنية والفلسطينية، تنافسية بامتياز، قبل أن تتحول في سنوات حكم الملك عبد الله الثاني، وتحديداً بعد رحيل ياسر عرفات، إلى علاقة "تعاون" تنطلق من قاعدة أن "الأردن أردن، وفلسطين فلسطين" ... كان يتعين إدراك هذه الحقيقة يوم أُغلقت مكاتب حماس في عمان، وأُبعد قادتها إلى الدوحة في العام 1999، والأهم من إدراك المسألة، هو التصرف وفق مقتضياتها.

العنصر الثالث، ويتصل بفرضية "تمثيل المكون الفلسطيني" في المعادلة الوطنية الأردنية ... البعض نظر للمسألة بوصفه عنصر قوة، على اعتبار أن أحداً لن يكون بمقدوره إلغاء تمثيل مكون أساس من مكونات الشعب الأردني، فيما هو في واقع الحال، عنصر ضعف، ومصدر قلق وتحسب لمؤسسات صنع القرار، ولهذا جرت محاولات، منذ تجربة انتخابات2007 ، لصناعة نخب جديدة في إطار هذا المكون.

العنصر الرابع، ويتأسس على "نظرية المصدّ"، والتي تفترض أن الجماعة، بوصفها تعبيراً – حسب اعتقاد البعض -عن "الإسلام الوسطي – المعتدل" يمكن أن تلعب دور "المصدّ" في مواجهة رياح الغلو والتطرف والإرهاب ... لهذه النظرية أنصارها حتى اليوم، وإن كانت السياسة الرسمية المتبعة حيال الجماعة، تظهر أنهم يتناقصون في مؤسسات صنع القرار السياسي والأمني فى الأردن، ويتآكل تأثيرهم ... وهناك في المقابل، من يقترح، أن معظم جماعات "التطرف العنيف" خرجت من تحت عباءة الجماعة، وأنها مسؤولة إلى حدٍ يكبر أو يصغر، عن نشر "ثقافة التطرف"، من المسجد إلى المدرسة ... هنا وهنا بالذات، نلاحظ أن الجماعة فى الأردن لم تفعل ما يعد دليلا على حرصها على الاضطلاع بدور ما في التصدي لظاهرة التطرف، بل فضلت المراوحة في مربعات رمادية وضبابية.

باختصار، المرحلة التى شهدت تعاونا أو " تفاعلا" بين النظام فى عمان، وفرع الإخوان هناك، قد بلغت خواتيمها، وأن لحظة "التحوّل الإستراتيجي" تقرع الأبواب.