المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الصراع فى اليمن.. حروب بالوكالة تبحث عن توافق سياسي

الثلاثاء , 23 مايو 2017 - 12:59 مساءٍ

الصراع في اليمن
الصراع في اليمن

د. محمد جمعة

من دون حد أدني للتوافق داخل ووراء الحدود، فإن اليمن ستكون مقبلة على عنف ممتد على جبهات مزدوجة. مزيج من الحروب بالوكالة، العنف الطائفي، انهيار الدولة وحكم الميليشيات... بالطبع كل ذلك أصبح أمرا مألوفا في الإقليم. الأرجح، أن أيا من الأطراف لن ينتصر، الأمر الذي سيفيد فقط أولئك الذين يزدهرون في فوضى الحروب، مثل القاعدة وداعش. ولكن المعاناة الإنسانية هي الأكيدة.

بالتأكيد هناك بديل، ولكن فقط إذا ما اختار اليمنيون وجيرانهم هذا البديل.

أولا: خريطة الانقسامات فى ظل مشهد سياسي جديد

 تعد التطورات الأخيرة فى اليمن بأن تكون - على الأقل- ذات أثر تحولي كما حدث في انتفاضة 2011. الأعوام الثلاث الأولى من التحول كانت موجهة بخارطة سياسية تم وضعها عبر مبادرة مجلس التعاون الخليجي. عن طريق التفاوض على استقالة الرئيس صالح، جنبت المبادرة اليمن اندلاع حربا أهلية، ولكن العوامل الكامنة وراء اندلاع الاضطراب – الخصومات بين النخب، الفساد والإحباط الاقتصادي – لم يتم التصدي لها.

بالأحرى، قاتل الزعماء الجدد على السيطرة، والغنائم السياسية، بينما شهد اليمنيون تدهور أوضاعهم الاقتصادية والأمنية. أصبح التحول تحولا اسميا فقط، الأمر الذي أدى إلى إحباط الجميع تقريبا.

انقلاب سبتمبر يعتبر تغيرا نوعيا في ميزان القوى، وبداية النهاية للمسار الانتقالي المتعثر. وحتى هذه اللحظة يصعب الجزم  بمآلات عملية " عاصفة الحزم" ... هل ستشكل بداية للحل، أم ستزيد الصراع تعقيدا فى المدى البعيد، حتى وإن نجحت فى تسكين الأزمة مرحليا، من خلال التوافق على صيغة هشة للتسوية، غير قابلة للاستمرار طويلا !!

فى هذا السياق علينا أن نلتفت إلى ما يلى:

* أن انقسام  اليمن بين الحوثيين في مقابل هادي، هو فقط جزء من الخارطة المعقدة للصراع... تعاون الحوثيون مع حزب المؤتمر الشعبي العام (حزب صالح) ضد هادي وأعداء آخرين، ولكن صالح والحوثيين بينهم تاريخ طويل من الشك المتبادل، إذ خاضوا ست حروب ضد بعضهم البعض. لا يثق أيا منهما في الآخر على الرغم من تعاونهما الأخير.. واقع الأمر أنهما يتنافسان على الهيمنة السياسية، خاصة في مناطق القبائل العليا في الشمال وعلى الجيش.

 * كذلك، فإن الكتلة المناهضة للحوثيين هي أيضا منقسمة. إنها تشمل دعاة وحدة أقوياء، خاصة في الشمال، بالإضافة إلى قوى "الحراك الجنوبى"، التي ألزمت نفسها بانفصال الجنوب. في أحسن الأحوال، يتمتع هادي بدعم هش داخل هذه الجماعة. يستاء الانفصاليون الجنوبيون من موقفه المؤيد للوحدة، بينما يتشكك بعض المدافعون عن الوحدة فيه من إمكانية أن يكون له أجندة انفصالية سرية. في الجنوب، يدينه منتقدوه بالانحياز إلى أبين والانحياز لمحافظة شبوة ضد خصومها التقليديين في لحج والضالع. بعد ثلاث سنوات من الفشل في منصبه، تعتبره معظم الجماعات ضعيف وغير فاعل. ودعمه هو من قبيل معارضة من يقف في مواجهتهم، وليس من يقف معهم.

*يرتبط جزء من الحريق أيضا بالقاعدة وحركة "الدولة الإسلامية" الوليدة، والتي أعلنت عن تواجدها في نوفمبر 2014 وادعت المسؤولية عن تفجيرات العشرين من مارس التي قتلت أكثر من 140 مصلي في مساجد زيدية في صنعاء. كلتا الجماعتان لم تلزما أنفسيهما فقط بقتل الحوثيين، وهم من يعتبرونهم شيعة وكفار، بل كذلك الهجوم على الدولة والاستيلاء على أراض. يُذكر أن القاعدة تتمدد في الجنوب، مستفيدة من انهيار الدولة والمشاعر المعادية للحوثيين.

*يضاعف تداخل الانقسامات الجغرافية والدينية – تحديدا هيمنة الزيديون في الأراضي العليا الشمالية، والشافعيون في الوسط والجنوب والغرب- ويعقد الصراع.

المقاومة للحوثيين أقوى في المناطق الشافعية، ومنها أجزاء من جنوب ووسط وشمال اليمن، وفي اليمن الجنوبية سابقا. يستدعي يمنيون من المناطق الشافعية بشكل منتظم هذا الانقسام التاريخي، مجادلين في أن هذه المناطق أقل استجابة لتأثير الحوثيين وستقاوم بعنف تمددهم.

 *الأكثر من هذا، أن الخطاب الطائفي بين شيعة وسنة بدأ يدخل في توصيفات يمنيين لهذا الصراع، وهو الأمر الذي لم يكن موجودا من قبل. إذ أن الاختلافات بين الزيدية والشافعية ليست كبيرة كتلك التي بين الشيعة والسنة في أماكن أخرى من الإقليم، ولكن هذا التاريخ الطويل من العيش المشترك بدأ في الانكسار. وصف الحوثيون وخصومهم السياسيون، خاصة حزب الإصلاح الإسلامي، في أوقات الطرف الآخر بتوصيفات طائفية قاسية. يشير المعارضون للحوثيين، بشكل غير ملائم، بوصفهم إثنى عشريون (الجناح الشيعي المهيمن، يما فيها في إيران). كذلك يشير الحوثيون غالبا إلى أعدائهم على نطاق واسع بوصفهم "تكفيريون"، ليخلطوا بين الإصلاح، الذي يضم الجناح اليمني للإخوان، والقاعدة وداعش. بالنظر إلى هذا الخطاب، ليس مفاجئا أن تنظر وسائل إعلام يمنية، إقليمية ودولية بشكل منتظم إلى مثل هذا الصراع المعقد بوصفه صراعا بين ميليشيا شيعية مدعومة من إيران (الحوثيون) والسنة المؤيدون من السعودية (الإصلاح وغيرهم).

* ربما تكون "أقلمة" الصراع هو التطور الأكثر خطورة خلال الأشهر الست الماضية. أعداء الحوثيون تلقوا دعما ماليا ودبلوماسيا سعوديا، وقيل (قبل التدخل العسكري) أنهم تلقوا مساعدات عسكرية، ويقال أن الرياض تمول تعبئة القبائل في كلا من الشمال، خاصة في مأرب، والجنوب عبر اللجان الشعبية. قطعت السعودية الدعم المالي عن الحكومة اليمنية بعد انقلاب الحوثيين في سبتمبر والآن صعدت الرهان بالضربات العسكرية. يمكن للأموال التي تم توزيعها على القبائل أن تجد بسهولة طريقها إلى أيدي جماعات متطرفة عبر تحالفات تكتيكية، وربما تستفيد الأخيرة أيضا من التجنيد المحتمل الذي تقدمه الحرب والفوضى. هذا بدوره قد يعمق الانقسامات داخل المعسكر المعاد للحوثيين، ويفاقم من الانقسامات بين الشمال والجنوب، وبين الجنوب والجنوب أيضا، الأمر الذي سيكون له تداعيات خطيرة على وحدة البلاد.

 دخلت إيران الصراع بشكل معلن، ووعدت بتقديم دعم اقتصادي للحوثيين في صنعاء ، ولضمان "هيمنة حوثية".

ثانيا:عملية تفاوضية محاصرة

 تمضي اليمن باتجاه حرب طويلة وتشظي عميق، من دون مخرج واضح. العملية السياسية كما هي متخيلة – حتى لو أفرزت اتفاق حول قضايا رئيسية – ثبت أنها غير قادرة، على الأقل بنفسها، على نزع فتيل العنف. أصبحت المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة محل جدل وخلاف كما العملية الانتقالية أيضا التي خططت لإدارتها. بعد ثلاثة أعوام، يمكن لجميع الأطراف، ولكل منهم بعض المبررات، الإشارة إلى لحظات تم التلاعب فيها بالعملية، لم تطبق فيها الاتفاقات بعدالة ولا تم فرض الالتزامات بشكل مناسب. بمرور الوقت، انتهت الثقة، حتى مع بقاء الأمم المتحدة  كضامن لأي اتفاق محتمل لتسوية نهائية.

الجولة الأخيرة في صنعاء، والتي بدأت بعد استقالة الرئيس ورئيس الوزراء في يناير، كانت بهدف ملء الفراغ الناتج عن استقالتهما، عن طريق ترتيبات تقاسم للسلطة مقبولة على نطاق واسع، بحيث يمكن العودة إلى الخارطة الانتقالية لمؤتمر الحوار الوطني. حققت بعض التقدم، لتشمل اتفاق على مجلس وطني بغرفتين: غرفة عليا تتألف من البرلمان الحالي، الذي يحظى فيه حزب المؤتمر الشعبي العام بالأغلبية، وغرفة أصغر تشمل جميع مكونات مؤتمر الحوار الوطني، ومنها الحوثيين، الحراك، الشباب، النساء ومجموعات أخرى.

كذلك، هناك اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل جميع الأطراف الرئيسية يشارك فيها الحوثيون، رغم عدم الاتفاق على التفاصيل.

 قضية الرئاسة هي التحد الرئيسى. هناك اتفاق واسع على كيان جماعي، يتم التوصل إليه إما عن طريق تعيين نواب لهادي أو اختيار مجلس رئاسي حيث ربما يكون أو لا يكون له مقعد. بدا أن معظم الأطراف أقرب للموافقة على مجلس، رغم أن عدد أعضاؤه وهوياتهم لم يتم تحديدها. لكن عندما غادر هادي إلى عدن وتراجع عن استقالته، مدعوما من السعوديون، رفض هادي التنازل.

 رغم تحقيق المفاوضين لبعض التقدم، فالحقيقة أن الطيف السياسي بالكامل فقد الثقة في إمكانية التوصل إلى اتفاق عادل ودائم. حتى يتجنبوا نعتهم بالمفسدين، انخرطت الأطراف الرئيسية، في المفاوضات، ولكنها مضت بشكل متزامن على مسارات أخرى، منها استخدام القوة. بالنسبة للبعض، فإن التشكك في التقدم هو أمر يعود لأمد بعيد ... منذ بداية المسار الانتقالي، اعتقد حزب صالح أنه تلقى معاملة غير عادلة بسبب هيمنته في النظام القديم. رفضت قطاعات كبيرة من "الحراط" المسار الانتقالي، ورفضت إرسال ممثلين عنها لمؤتمر الحوار الوطني.

 اليوم توسعت الشكوك كي تتمدد لتشمل تقريبا جميع الأطراف السياسية: المؤتمر الشعبي العام، الحوثيين، الحراك، أنصار هادي، نشطاء شباب وآخرين.

يعتقد " الإصلاحيون" أن الحوثيين اشتركوا معهم في المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة فقط كي يكسبوا وقتا للاستيلاء على صنعاء؛ هم وآخرون يعتبرون أن اتفاق السلام والشراكة الوطنية (21 سبتمبر 2014) لم يؤد إلا إلى شرعنة انقلاب الحوثيين. فيما يؤكد الحوثيون أن إعلانهم الدستوري في السادس من فبراير يستجيب جزئيا لعملية تفاوضية مزورة تم تخطيطها لتمديد، لا لحل، الانسداد وضمان استمرار الشلل السياسي والأزمات الاقتصادية والأمنية المصاحبة له.

 من ناحية أخرى، خففت الأمم المتحدة من قبضتها، لم يعد لديها، كما كان من قبل، النفوذ الكافى لتشجيع أو فرض اتفاقات. كان قرار مجلس الأمن في يناير 2015 بفرض عقوبات على اثنان من قيادات الحوثيين وصالح بعد انقلاب سبتمبر مكلف جدا. لقد قوبل هذا القرار بنقد محلي واسع، كونه جاء متأخرا جدا وركز بشكل ضيق على فئة واحدة فقط من المفسدين. اعتبر الحوثيون أن هذا القرار وسام شرف، ولم يتأثروا بحظر السفر المفروض من الأمم المتحدة أو تجميد المساعدات. كذلك لم يكن له أي تأثير تقريبا على شعبية صالح محليا، والتي تصاعدت في بعض الدوائر، خاصة داخل حزب المؤتمر الشعبي العام، وبين أولئك الذين يريدون عودة الأمن النسبي لحكمه.

 ومن ناحية ثالثة، حصرت الولايات المتحدة نفسها في أولوياتها لمكافحة الإرهاب. لرضاها عن تعاون هادي معها على هذا الصعيد، فشلت هي وحكومات غربية أخرى في الضغط عليه بشكل كاف للمضي على طريق إصلاحات سياسية واقتصادية تم الاتفاق عليها في مؤتمر الحوار الوطني.

كان يمكن لضم بعض المجموعات داخل الحكومة أو تطبيق إجراءات مكافحة الفساد أن تشد الرياح بعيدا عن مرافئ الحوثيين وتقوي العملية السياسية.

لكن ربما الأكثر تأثيرا، هو الدعم  الايرانى غير المشروط للحوثيين، حيث تسبب فى تأخذ مواقفهم طابع التشدد ، مع رفض للمواءمة أو الحلول الوسط.

الآن، الرياض بالتنسيق مع مجلس التعاون الخليجي، مصر، الأردن، والمغرب استخدمت القوة، وأصبحت الحاجة ملحة للمفاوضات، للاستفادة من هذا الوضع. سلطة عمان، البلد الوحيد من مجلس التعاون الذي لم يؤيد العمل العسكري بشكل معلن، يمكن أن تكون قناة ناجعة لتهدئة التصعيد.

الخلاصة

 انزلقت اليمن بالفعل إلى عنف مجتمعي شامل والطائفية التي نشهدها في سوريا أو العراق. بالنظر إلى التاريخ الطويل من مشاركة الأطراف في المحادثات، رغم شكوكهم، هناك أسباب كي نعتقد أنه يمكن العودة إلى مائدة التفاوض إذا ما عثرنا على المعادلة السليمة. ولكن الوضع يسوء بشكل منتظم، باندلاع المزيد من المواجهات في المزيد من المواقع، ومضاعفة التدخل الخارجي لفرض العنف الاستباقي. ما لم يتم إيقاف هذا التدهور، فإن المحصلة ستكون حربا مماثلة لتلك التي تفتك ببلدان عربية أخرى.

   بالتأكيد، المد الإقليمي، لا يمضي في اتجاه مساعد. وكثافة العداء السعودي - الإيراني جعلت جميع الأطراف تتردد في التنازل. التحد أمام المفاوضين اليمنيين هو العثور على مسار لتهدئة التصعيد حتى لو كان القتال يستعر في مسارح أخرى. في الواقع، ينبغي أن يمنح المزاج الإقليمي الأطراف، خاصة الأطراف الداخلية التي تملك الكثير لتفعله، حافزا على ضبط النفس، وليس العكس. الحروب بالوكالة ذات النفس الطائفي لم تسفر إلا عن قليل من الفائزين. والتسوية السياسية ستكون أقل كلفة من غيرها، بهدف التوصل إلى مخرج.

 بشكل مثالي، فإن التهدئة ستأتي في شكل قرار بوقف إطلاق النار مباشر من مجلس الأمن، ومراقب منه أيضا، يتبعه إحياء للمحادثات برعاية الأمم المتحدة وبدعم من مجلس التعاون الخليجي، يهدف إلى حل القضية الأولى والأهم: السلطة التنفيذية.

 يمكن لمجلس التعاون الخليجي، وتحديدا السعودية، المساعدة في حل هذه القضية بتشجيع هادي على قبول، قيادة جماعية على أقل تقدير – أو ربما الأفضل الاستقالة ضمن اتفاق أكبر حول القيادة التنفيذية.

إذا ما استطاعت الأطراف حل مشكلة الرئاسة وتهدئة التوترات، يمكن لليمنيين المضي قدما للتفاوض حول عناصر أخرى على المسار الانتقالي: أى المزيد من التفاصيل حول تقاسم السلطة ما قبل الانتخابات وإطار لبنية الدولة.

 جملة القول: يشير حديث  البعض عن ضرورة العودة  للحوار من جديد، إلى أنه ربما يكون هناك بالفعل حلول سلمية، ولكن إلى حد ما يرتبط هذا بمدى تفضيل اليمنيين وداعميهم للقتال من عدمه.