المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب: أجهزتنا الرسمية.. وكارثة "عبد المأمور"..!

الخميس , 01 يونيو 2017 - 09:21 مساءٍ

اللواء خيرت
اللواء خيرت

يبدو واضحاً أن غالبية مسؤولينا ووزرائنا ومحافظينا في مصر، يفتقدون أبجديات الحلول من خارج الصندوق.. لذا لا يزالون أسرى انتظار "أوامر" أو "تعليمات عليا" من قبل السيد رئيس الجمهورية للتحرك أو التصرف، دون إدراك لحدود المسؤولية الوظيفية وتوابعها وقدراتها المفترضة.

كثير من المواقف والقرارات "المترددة" والمرتعشة ـ وربما اللا قرارات أصلاً ـ تنتظر إشارة أو حسماً من السيد الرئيس بشأن أي مشكلة ليهرول الجميع في حملة تسابق للتنفيذ فقط، وكأن كل ما كان يجري على الأرض في نطاق وزاراتهم أو محافظاتهم، غير معروف لهم أو لأجهزتهم التنفيذية أو لعيون رقبائهم التي تكتفي بالنميمة بين المكاتب أو عبارات من قبيل "أحلام سعادتك أوامر" فقط، دون أن تنقل معلومة حقيقية عن الأوضاع في الشارع.

ربما كانت عبارة الحاج حمام في صعيد مصر قبل حوالي أسبوعين، والتي وجهها للسيد الرئيس، بأن هناك من ينقل صورة غير واقعية، صدمة في وجه كل الأجهزة التنفيذية، ولكنها كانت تجسيداً للحقيقة المرَّة، التي حتى عندما طالب الرئيس بعض المسؤولين بالرد عليه، لم يجرأ أحد على تفنيد ما قاله الرجل البسيط.. وغيره كثيرون.!

قضية أراض الدولة المنهوبة، مثال صارخ على التراخي والتردد إن لم يكن "التستر" على المتورطين فيها لأسباب متعددة، إذ لا يمكن لأيِّ عقلٌ أو منطق، أن يقبل ادعاءات اكتشافها لأول مرة، بالتأكيد موجودة وتم "الطرمخة" عليها، ويجب محاسبة كل مسؤول وقعت في نطاق مسؤوليته هذه الانتهاكات بحق الوطن والشعب بدلاً من التهليل الصارخ وكأننا "جبنا الديب من ديله".!

 

هذه الحالة تذكرني بواقع خدمتي الأمنية الطويلة، في أحد أجهزة الدولة الحساسة لسنوات طويلة، والتي تتركز في منصبي "المأمور" أو "نائب المأمور" في أي قسم شرطة مثلاً، والذي يمتلك الجرأة والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بشجاعة وحسم.. لكن الآن عادت إلى الساحة وظيفة "عبد المأمور" وهي وإن كانت غير جديدة على التاريخ المصري، إلا أنها تزايدت بشكل غير مسبوق، حتى أصبحت بالتدريج نموذجاً  للقوَّة الوهمية في نظر بعض المتسلقين والفارغين.

عبادة المأمور التي بدأت في أوائل القرن 19 في زمن محمد بك الدفتردار (أحد أعوان محمد علي) جعلت البعض عبيداً لرؤسائهم، ينفذون أوامرهم مهما كانت خاطئة، لا يجب أن تليق بنا في هذا العصر الذي نحتاج فيه إلى "حكومة حرب" ومعها مسؤولية "المأمور" صاحب القرار في كل المؤسسسات والمواقع بكل جدية وحسم، خاصة ونحن نواجه إرهاباً مجرماً لا يمكن محاربته بمفهوم "عبد المأمور" تهرّباً من المسؤولية الوطنية.. أو بذات العقلية البالية غير القادرة على اتخاذ صارم يحفظ دماء وأرواح أبنائنا من القوات المسلحة والشرطة تحديداً.

ينبغي أن نفهم، أنه عندما تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي، في قمة الرياض،و فاجأ كل الحاضرين والمتابعين برؤية مصر الجادة في مكافحة الإرهاب، وكانت كلماته الواضحة وتلميحاته المباشرة تحديداً صريحاً لعناصر هذه المكافحة التي اجتمع من أجلها 55 من قادة الدول العربية والإسلامية إضافة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإنه تحدث بمفهوم "المأمور" القادر على وضع إصبعه على الجرح، ومن ثمَّ تضميده وعلاجه، وهو نفس المفهوم الذي يواجه به إرهاب الداخل ومعه كل النماذج والعقليات الفاشلة التي تدير بعض منظوماتنا الإدارية، وتتشدق بعض قياداتها فقط، بأنها نجحت في تحقيق إنجاز وطني وضربة كبيرة بمجرد ضبط "منتحل صفة".!

سيدي الرئيس.. أعرف أن الحمل ثقيل، وأعرف أن الأخطر وجود أمثال "عبد المأمور" الذي فقد عقله في الكثير من أجهزتنا الرسمية، فهؤلاء عبء عليك وليسوا أبداً عوناً لك.!