المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

مصر ما بعد 25 يناير.. إشكاليات البناء السياسى والاجتماعى

الجمعة , 09 يونيو 2017 - 12:28 صباحاً

القاهرة
القاهرة

مصر ما بعد 25 يناير

إشكاليات البناء السياسى والاجتماعى

                                              

يبدو أن عملية الإصلاح والبناء لن تكون سهلة أو قصيرة، فاستعادة هيبة الدولة وتوفير مقومات النهوض سوف تمثل أولوية للقيادة المصرية، وخاصة أن اختيار الرئيس عبد الفتاح السيسى يؤكد انحياز شرائح كبير من المجتمع إلى أولوية الأمن والاستقرار والمحافظة على الدولة ومواجهة الشروخ المجتمعية التى بدت أكثر ظهوراً بعد 25 يناير، وربما تأتى هذه الأولويات على حساب التقدم فى عملية ديمقراطية سريعة وخاصة مع استمرار حالة السيولة السياسية والمجتمعية الراهنة.

 

فمتطلبات النهوض والبناء، تفترض تحفيز البيئة الراهنة لمواجهة جملة من التحديات المرتبطة بهيكل الدولة المصرية ودرجة التطور المجتمعى وطبيعة علاقة الدولة بالمجتمع والثقافة المجتمعية السائدة وضعف البناء السياسى وتشتت الجماعة السياسية المصرية، فضلاً عن ذلك يبدو المجتمع المدنى المصرى بكافة تنظيماته ومنظماته غير قادر على تنظيم قوى المجتمع وتعظيم قدراته على المشاركة وتحديد اتجاهاتها وتشكيل تحالفاتها، كما أن غلبة الطابع الأهلى ومنظومة قيمه وطبيعة أدواره ومسئولياته، فضلاً عن تعاظم التوظيف الدينى والسياسى للمنظمات الأهلية، قد ساهم إلى حد كبير فى تراجع وانكماش المجال المدنى لصالح المجال السياسى، وتلك مفارقة يجب الوقوف عندها وتأملها ودراستها، فإسقاط نظام مبارك كان ناتجاً ومستنداً ( فى بعض أسبابه) على تزايد حركات الاحتجاج وتنامى الدور الحقوقى الذى ساهم فى اتساع المجال المدنى على حساب المجال السياسى الذى يعانى من الإنكماش والركود السياسى.

 

واتساقاً مع هذه الرؤية، فقد استندت هذه الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية لرصد بعض الاتجاهات الرئيسية الحاكمة لمسار التفاعلات، وهى : 1- ضعف التمثيل السياسى، 2- مظاهر الإقصاء الاجتماعى والاقتصادى، 3- الحركات الاحتجاجية والحالة الثورية، 4- المجتمع المدنى ومتطلبات الدور.

 

وقد خلصت الدراسة الى مجموعة من النتائج والتصورات المطلوبة لتفعيل عملية النهوض بالدولة المصرية ومواجهة تداعيات اللحظة الراهنة وتأثيراتها الهيكلية والبنائية.

فمن الملاحظ أن الدولة المصرية تواجه تحدى النهوض واستكمال بناء الدولة الحديثة العصرية،كما يلاحظ أن متطلبات البناء وتعظيم مقومات الدولة ومواردها مرتهنة بتوافر إرادة سياسية ومجتمعية داعمة لمواجهة محاولات إفشال الدولة أو تقسيمها أو تقزيمها، الأمر الذى يتطلب أن تكون هذه الإرادة داعمة وحاضنة ومحفزة على الإبداع والتقدم من جانب، وأن تكون موجهة لمكافحة الإرهاب وصياغة عقد اجتماعى جديد يستند إلى مطالب العدالة الاجتماعية من جانب ثان، وأن تكون داعمة لبناء نظام سياسى قادر على دفع العملية السياسية والتحول الديمقراطى من جانب ثالث. ومن ثم فإن النهوض بالدولة المصرية يستند إلى مجموعة من الركائز:

 

الركيزة الأولى، بناء نظام سياسى قوى يستند إلى نظام وممارسات حزبية حقيقية تدفع عملية الديمقراطية وتحدد شكل وطبيعة النظام السياسى. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط الأساسية، هى:

النقطة الأولى: وجود نخبه حاكمة مؤمنة بعملية الإصلاح وتمتلك المصداقية والشرعية لدى جموع الشعب، لتمكنها من اتخاذ الإجراءات المناسبة وتدفعها نحو التغيير، لاسيما تجاه قضايا مثل: الحرية السياسية بكل أبعادها، وقضية العدالة الاجتماعية، وقضية المواطنة.

النقطة الثانية: القدرة على تحويل الدستور إلى واقع عملي قابل للتطبيق والممارسة، فهناك العديد من القوانين التي يجب إصدارها من خلال القوى السياسية التي ستصل إلى البرلمان، وهو ما يعكس أهمية التشريع الحالي لقانون مجلس النواب وقانون مباشرة الحقوق السياسية وحدود أن يأتي البرلمان ممثلاً لفئات وشرائح المجتمع وعاكساً لمتطلبات الإصلاح وملبياً لاحتياجات المجتمع والدولة. وهنا تبدو المفارقة التي يعكسها الجدل الدائر حول شكل النظام الانتخابي والاستناد للقائمة المطلقة أم القائمة النسبية، وفى هذا الإطار، يمكن الحديث عن عدة سيناريوهات مستقبلية للحياة الحزبية في مصر، تتمثل في:

 

السيناريو الأول، يتعلق باستمرار السيولة الحزبية، وهو السيناريو الأسوأ، ويعنى استمرار وجود عدد كبير من الأحزاب بدون فاعلية حقيقة وقدرة على الحشد، الأمر الذي سيخلق تفتت حزبي داخل مجلس النواب. ووفقاً لهذا السيناريو ستنتقل حالة السيولة الحزبية إلى البرلمان. ومع انخفاض التركيز الحزبي يصعب تشكيل حكومة حزبية، الأمر الذي يزيد من نفوذ مؤسسة الرئاسة في تشكيل الحكومة. 

 

السيناريو الثاني: الاندماج الجزئي، ويعنى اندماج بعض الأحزاب المتشابهة إيديولوجيا في الأفكار والأهداف والبرامج مع بعضها البعض لمحاولة تقوية ذاتها في العمل السياسي والانتخابي، وفى ضوء هذا السيناريو سيصبح هناك تمثيلاً ملائماً لتكتلات وتحالفات حزبية داخل المؤسسات المنتخبة (البرلمان والمجالس المحلية)، وفى ظل هذا السيناريو يبقى التحدى مرتهناً بالقدرة على المحافظة على تماسك واستمرارية هذه التحالفات، الأمر الذى سينعكس بالتبعية على تشكيل الحكومة ومراعاة رئيس الدولة اختياره لرئيسها.

 

السيناريو الثالث: الاندماج الكلي، وهو يعنى وجود عدد صغير من الأحزاب القوية الممثلة للتيارات السياسية المختلفة، ورغم صعوبة تحقيق هذه السيناريو فى ضوء الخبرة السياسية والحزبية القائمة وضعف الثقافة الحزبية وعدم النضج السياسي، إلا أنه يظل السبيل لإيجاد عملية ديمقراطية مستندة لحياة حزبية قوية.

 

من هنا يتضح أهمية التوجه نحو اتخاذ مجموعة من الخطوات منها: بناء تحالفات وائتلافات حزبية تستطيع أن تعبر عن شرائح المجتمع المختلفة، وأن تعكس التنوع القائم من ناحية، وإحداث حراك داخلي وتعميق للثقافة الديمقراطية داخل الأحزاب وتعميق الأطر المؤسسية والبعد عن الطابع الشخصي من ناحية ثانية، وذلك حتى تستطيع الأحزاب ممارسة أدورها وأن تكون جاذبة للمواطنين ومدرسة للتدريب السياسي.

 

النقطة الثالثة: غالبية التحالفات الشبابية والقوى الثورية ما تزال تدور فى فلك الحالة الثورية وهو ما يزيد من حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي والانقسامات ويحد من قدرتها على تنظيم تفاعلاتها وبروزها كقوة معارضة منظمة تساعد في البناء والإصلاح ومواجهة تحديات الدولة ما بعد ثورة 30 يونيه. وهو ما يتطلب منها انتهاج عدد من الخطوات، منها: الاتجاه نحو تقييم التجربة والخروج بالدروس المستفادة، وفى مقدمتها: القدرة على تنظيم وهيكلة هذه الحركات لنفسها لمواجهة العديد من التأثيرات السلبية التي التصقت بها خلال المرحلة السابقة، مثل قضية التمويل، وضعف القدرة على الاستمرار والتواصل الجماهيري، ومواجهة المشكلة البنائية التي برزت في الاختلافات والانشقاقات. وهنا يمكن الإشارة لمسارين، الأول: تغيير نمط تفاعلها مع المجتمع، وآليات تأثيرها فيه عبر لعب دور جماعات الضغط الجماهيري القادرة على مواجهة أي انحراف سياسي لأهداف الثورة، المسار الثاني: الاتجاه إما إلى الانضمام إلى أحزاب قائمة أو إنشاء أحزاب جديدة قوية، كسبيل للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.

 

الركيزة الثانية: تنظيم المجتمع المدني بكل مكوناته يبدو في مقدمة المطالب الضرورية لتنظيم التفاعلات المجتمعية وتعبئة قواه في إطار مسئولية الإصلاح والبناء، وهنا يمكن الإشارة إلى قضيتين أساسيتين الأولى: تتعلق بمشكلة التوظيف الديني والسياسي لمنظمات المجتمع المدني وغلبة الطابع الأهلي وأدواره الداعمة للأعمال الخيرية وضعف المكون الثقافي ومحدودية الدور الحقوقي والتنموي (رغم نموه في السنوات الأخيرة)، كلها أمور تضعف المجتمع المدني وتجعله غير قادر على تنظيم نفسه ومواجهة اختلالاته وترسيخ قيمه. وهو ما يتطلب إعادة صياغة الأدوار والمسئوليات عبر مواجهة تحديات تتعلق بالثقافة المجتمعية والخبرة المتراكمة وغلبة الطابع التقليدي وضعف أنماط الحداثة في المجتمع مما يدعم حالة الازدواجية التي يواجهها المجتمع وقواه المجتمعية، فما بين متطلبات الحداثة وتنمية الوعي الاجتماعي والثقافة عبر تجديد الموروث الثقافي، تبقى متطلبات بذل المزيد من الجهد لإعادة بناء الثقافة الشعبية بما يتوافق مع نسق القيم الخاصة بالمواطنة والتعددية عبر تعميق المشاركة الشعبية في مقدمة المطالب والمسئوليات المشتركة بين مؤسسات الحكومة والمجتمع.

 

أما القضية الثانية فتتعلق بالإصلاح التشريعي والقانوني لكافة مكونات المجتمع المدني، وهنا يمكن الإشارة للجدل حول قانون الجمعيات الأهلية، وما يتطلبه هذا القانون كمثال على ما يجب أن تتضمنه باقي القوانين المنظمة لمكونات المجتمع المدنى. فمن الملاحظ أن مسودات مشاريع القوانين الخاصة بالجمعيات الأهلية، منذ تجربة إعداد القوانين 153 لعام 1999، و84 لعام 2002 وحتى الآن قد انحصرت بين رؤيتين وفلسفتين لا ثالث لهم، الأولى ترتبط برؤية حكومية تحرص على استمرار الجمعيات الأهلية كزراع وآلية لسد الفجوة الناتجة عن تراجع الدور الحكومي في تقديم الحاجات الأساسية للمواطن، وإن لم يمنع ذلك إعطاء بعض المساحات المنتقاة من قبل الحكومة والجهة الإدارية لبعض الأدوار التنموية والحقوقية تحت وطئ الضغوط الداخلية والخارجية.

 

أما الرؤية الثانية فتتركز على رؤية يغلب عليها الطابع الحقوقي الداعم للمعايير الدولية والهادف للتصدي لعملية استهداف ومحاصرة المنظمات الحقوقية من قبل النظام الحاكم، ولذا جاءت هذه الرؤية على النقيض من الرؤية الحكومية فهى تسعى لترسيخ دورها بعيداً عن قبضة الجهة الإدارية والجهات الأمنية وتحدد المعايير الواجب توافرها في القانون حتى يكون محفزاً وداعماً للجمعيات الأهلية وينطلق بها في مساحة أكبر وأوسع من الدور الأهلي القاصر على العمل الخيري والرعائي إلى الدور المدني الأوسع الذي يشمل إلى جانب العمل الخيري والرعائي الدور التنموي والحقوقي. والحقيقة أن انحصار الكثير من مسودات المشاريع المقترحة حالياً بين هاتين الرؤيتين مع بعض الفروق البسيطة، تعيدنا إلى مساحة الجدل حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود الرهان على المجتمع المدني تجاه قضايا التنمية، والمشاركة المجتمعية، واستيعاب القوى المجتمعية وتنظيم تفاعلاتها، وهو ما يتطلب إعادة النظر في الفلسفة الحاكمة للسلطة ونظرتها للمجتمع المدني ككل، وليس الجمعيات الأهلية فقط وأن ينعكس ذلك في صياغتها لمجموعة القوانين المباشرة مثل قانون النقابات والتعاونيات والمحليات على سبيل المثال. وهنا يمكن التأكيد على منهج الديمقراطية التشاركية كفلسفة حاكمة للقانون الجديد للجمعيات ومدخلاً لحل العديد من المشكلات المحيطة بالعمل الأهلي، لا أن يتم الاكتفاء بآليات إدارية وأمنية، وأن تمثل سمات مثل: فتح مجالات العمل الأهلي، وتسهيل إجراءات التسجيل، وعدم تغليظ العقوبات، وجعل القضاء فيصلاً، مكونات أساسية لصياغة قانون محفز للعمل الأهلي، مع صياغة بعض الآليات الضابطة لقضية التمويل الأجنبي.

 

الركيزة الثالثة: تتعلق بالنظام والسياسات الاقتصادية الداعمة لسبل التنمية البشرية وتمكين المجتمع ومواجهة قضايا الفقر والبطالة واستنهاض الاستثمارات المحلية، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات الخارجية. الأمر الذي يمكن أن يتحقق عبر تحقيق الإدارة الرشيدة في المؤسسات الاقتصادية المختلفة، بجانب بلورة إطار قانوني يحقق المعادلة الصعبة من منظورين: الحفاظ على حقوق العاملين، وتحقيق مبدأ التنافسية القائم على التطوير المستمر والاستعانة بكوادر وكفاءات تساعد على تحقيق التقدم المطلوب. ويقود هذا الأمر بدوره إلى الاهتمام بالقاعدة العلمية والبحثية التي تعد ركيزة أي تطور أو تقدم. ويدفع نحو تغليب أنماط التنمية بالمشاركة (الحكومي، الأهلي، الخاص) وبناء علاقات متوازنة وداعمة لنمط الشراكة والمسئولية المشتركة.

 

الركيزة الرابعة: التوافق على بناء ثقافة مجتمعية وسياسية داعمة للثقافة الديمقراطية وعدم الاكتفاء بآليات العملية الديمقراطية. وذلك عبر توفير هامش من الحرية في التعبير والمشاركة. الأمر الذي يرتبط بدوره بإعمال مبدأ سيادة القانون، وتفعيل دور المؤسسات، والبعد عن الشخصنة في القيادة ووضع السياسات. فضلاً عن تفعيل المشاركة المجتمعية وتقوية منظماتها وأدوارها التنموية.

 

وهكذا، يتضح أن عملية الإصلاح لن تكون سهلة أو قصيرة، فاستعادة هيبة الدولة وتوفير مقومات النهوض سوف تمثل أولوية للقيادة المصرية، وخاصة أن اختيار الرئيس عبد الفتاح السيسى يؤكد على أولوية الأمن والاستقرار والمحافظة على الدولة ومواجهة الشروخ المجتمعية التي بدت أكثر ظهوراً بعد 25 يناير، وربما تأتى هذه الأولويات على حساب التقدم في عملية ديمقراطية سريعة، وخاصة مع استمرار حالة السيولة السياسية والمجتمعية الراهنة.

 

وهكذا، تبدو معضلة التحرك بشكل متوازى بين متطلبات توفير الأمن والاستقرار كجوهر وسمة للدولة الحضارية المصرية، وبين متطلبات دفع العملية السياسية لمواجهة حالة التآكل والسيولة السياسية، فالهدف الاساسى من عمليات الإصلاح يجب أن يتمحور حول توفير الأمن وتدعيم أركان الدولة القوية كأساس للوصول لدولة قوية ديمقراطية تمتلك من الموارد والأفكار والقوانين والمؤسسات ما يدعم عملية ترسيخ بناء الدولة الحديثة العصرية.