المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

السعودية.. صراعات ما بعد التغيير الملكي

الاثنين , 12 يونيو 2017 - 03:03 مساءٍ

الملك سلمان ومحمد بن سلمان
الملك سلمان ومحمد بن سلمان

لم تكن وفاة العاهل السعودي السابق، الملك عبدالله بن عبد العزيز، مفاجأة بأي مقياس من المقاييس، بالنظر إلى تدهور حالته الصحية خلال السنوات الأخيرة، ما جعل وفاته في الأمد القريب أمرا متوقعا، وتزايدت تلك التوقعات بدرجة كبيرة خلال مرضه الأخير، وما صاحبه من تكتم شديد حتى الإعلان عن الوفاة فجر يوم الجمعة 23 يناير 2015. وكانت التوقعات بوفاة قريبة للملك عبدالله محفزا لكثير من الصراعات الكامنة والمستترة بين أجنحة الأسرة الحاكمة حول بناء السلطة الملكية واقتسامها بين تلك الأجنحة في مرحلة ما بعد الملك عبدالله حتى منذ ما قبل وفاته. وكان جليا طول نحو عقد كامل من حكم العاهل السعودي الراحل نزوعه إلى محاولة تقليص نفوذ جناح الأشقاء السديريين السبعة وأبنائهم في مراكز القوة الرئيسية في بناء السلطة بالمملكة.

 

أولا: خريطة الصراع على النفوذ عشية توفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز

كانت أبرز الشواهد إلى محاولة تهميش نفوذ الجناح السديري إقصاء أحمد بن عبد العزيز (72 عاما)، أحد الأشقاء الثلاثة السديريين المتبقين على قيد الحياة، من منصبة كوزير للداخلية في 5 نوفمبر 2012، لمصلحة محمد بن نايف، ابن أخيه الشقيق وولي العهد آنذاك، نايف بن عبد العزيز. وبالرغم من أن انتقال منصب وزير الداخلية تم من أحد عناصر الجناح السديري إلى عنصر آخر ينتمي إلى الجناح ذاته، إلا أن هذا الإقصاء والانتقال يعكس سمتين ميزتا، ولا تزالان، الصراع على السلطة في السنوات الأخيرة من حكم الملك عبدالله بن عبد العزيز، والأيام الأولى القليلة من حكم الملك الجديد، سلمان بن عبد العزيز:

 

  1. السمة الأولى، منح القطب الأكثر قوة في الجناح السديري مكسبا سلطويا، مقابل قبوله إقصاء قطب آخر ينتمي إلى هذا الجناح ذاته. وقد وردت تقارير آنذاك ان اتفاقًا أبرم بين الملك عبدالله وولي عهده آنذاك، الأمير نايف (الذي توفي في 16 يونيو 2012 ليخلفه شقيقه سلمان بن عبد العزيز) علي حلف يقتسمان بموجبه السلطه وأبناءهما علي أن يتم تهميش باقي أجنحه العائلة. إلا أن وفاة الأمير نايف قبيل إقصاء شقيقه أحمد بن عبد العزيز توحي بدرجة أكبر أن الملك عبدالله كان لا يستهدف من إقصاء الأمير أحمد بن عبد العزيز تمكين أبناء ولي العهد الراحل نايف بن عبد العزيز، بقدر ما كان يستهدف اختصار المدى الزمني اللازم لنقل السلطة إلى جيل أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وهي السمة الثانية التي يمكن تبينها.
  2. السمة الثانية، محاولة الاقتراب بعملية انتقال السلطة إلى الجيل الثاني من الأسرة السعودية الحاكمة، وهم أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. ومثلما سبقت الإشارة فإن أبرز إجراءات العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله في هذا الصدد في تهميش وزير الداخلية الأسبق أحمد بن عبد العزيز، صاحب الشعبية الواسعة نسبيا بين أجنحة الأسرة الجاكمة والقبائل السعودية، ما كان يجعله نظريا الأولى بولاية العهد بعد العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز (79 عاما)، إلا الملك عبدالله تجاوزه بالفعل وأصدر في 27 مارس 2014 أمرا ملكيا بتعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز (69 عاما)، أصغر أبناء الملك عبدالعزيز الأحياء، وليا لولي العهد، وهو منصب استحدثه الملك عبدالله بن عبد العزيز، في سابقة في مناصب ولاية العهد. ومن شأن ذلك أن يتيح نقل ولاية العهد بالتالي إلى جيل الأحفاد.

 

المؤشر الثاني إلى عملية التهميش الممنهجة تلك للجناح السديري، تمثلت في إقصاء أبناء ولي العهد الاسبق، سلطان بن عبد العزيز، من مناصبهم المؤثرة، وهم:

  • خالد الذي أقصي بموجب أمر ملكي صدر في 20 أبريل 2013 من منصبه نائبا لوزير الدفاع وتعيين الأمير فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود محله،
  • سلمان الذي صدر أمر ملكي بتاريخ 6 أغسطس 2013 بتعيينه نائباً لوزير الدفاع، قبل أن يتم إعفاؤه بموجب أمر ملكي بتاريخ 14 مايو 2014، وذكر حينها أن ذلك تم بناءً على طلبه.
  • أما التطور الأهم فكان استبعاد بندر بن سلطان في 15 أبريل 2014 من رئاسه الاستخبارات، فيما بقي أمينا عاما لمجلس الأمن الوطني. وبالرغم من أن التقارير كانت تشير إلى أن بندر بن سلطان كان أحد عناصر الدائرة الضيقة القريبة من الملك عبدالله( إضافة إلى ابنه متعب ورئيس الديوان الملكي خالد التويجري) فإن المخاطر المتنامية للأوضاع في العراق، ربما عجلت باستبعاد بندر، مع الإبقاء عليه أمينا عاما لمجلس الأمن الوطني قبل أن يقصيه منه الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز.

 

أما المؤشر الثالث والأخير، فتمثل في تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز وليا لولي العهد آنذاك الأمير سلمان بن عبد العزيز، حيث إنه فضلا عما أتاحه هذا القرار من إقصاء الأمير أحمد بن عبد العزيز من سلم التاج الملكي مثلما سبقت الإشارة، والاقتراب بمنصب الملك من جيل الأحفاد، فإن قراءة قرار تعيينه في هذا المنصب المستحدث تكشف عن حجم الشكوك والصراعات المستترة بين أكثر أطراف الأسرة الحاكمة نفوذا، وهما الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وولي عهده آنذاك سلمان بن عبد العزيز. وقد نص القرار، الذي صدر بتوقيع الملك الراحل وولي عهده، أنه لا يجوز إلغاء القرار أو تعديله سواء في حياة الملك عبدالله أو حال وفاته. ما يعكس بجلاء شكوك الملك الراحل التي تصل حد اليقين في عزم ولي عهده سلمان، حال ما أصبح ملكا، إزاحة الأمير مقرن من منصب ولي العهد.

 

وقد أشارت كثير من التقارير إلى أن تعيين مقرن بن عبد العزيز وليا لولي العهد كان يتضمن رهانا من الملك الراحل عبدالله على احتمال أن يتوفى ولي العهد آنذاك سلمان بن عبد العزيز قبل، ما سيتيح المجال أمام صعود مقرن مباشرة إلى سدة الملك حال رحيل الملك عبدالله. وزعمت تلك التقارير وجود اتفاق بين الملك عبدالله ومقرن بن عبد العزيز على تعيين الأخير وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله وليا للعهد، ما يفتح المجال أمام أبناء الملك الراحل عبدالله للوصول إلى سدة الملك. إلا أن القيود التي وضعها في نص قرار تعيين مقرن بن عبدالعزيز وليا لولي العهد توحي بأن هذا الرهان، إن صدقت التكهنات بشأنه، لم يكن كبيرا، في ظل ما هو معلوم من الحالة الصحية لكل من الملك الراحل، وولي عهده الملك الحالي.

 

وترتبط محاولات الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز تهميش الجناح السديري من مواقع النفوذ والقوة، قدر الإمكان، وخاصة من منصب ولاية العهد، باقتراب وصول الأحفاد إلى مناصب ولاية العهد والملك، وخشيته أن ينفرد هذا الجناح في حال تفرده بكل مواقع النفوذ في البناء السلطوي السعودي بمنصبي الملك وولاية العهد، دونا عن بقية أجنحة الأسرة بما في ذلك أبناء الملك عبد الله ذاته. ويمكن في هذا الإطار كذلك فهم سعي الملك عبدالله إلى تمكين أبنائه من بعض أهم مراكز النفوذ في المملكة، كما يلي:

 

  • تولى ابنه متعب رئاسة الحرس الوطني في نوفمبر 2010، خلفا للملك عبدالله ذاته الذي ترأس هذه القوة المحورية في البناء العسكري السعودي، لما يزيد عن أربعة عقود. وفي 27 مايو 2013، صدر الأمر الملكي بتحويل رئاسة الحرس الوطني إلى وزارة وتعيين الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز وزيراً للحرس الوطني، في مؤشر إلى تعزيز مكانة الحرس الوطني ووزيره وحضورهما في بناء السلطة والقوة في المملكة. كما يحظى ثلاثة من أبناء الملك عبدالله الآخرين بمناصب قيادية في الحرس الوطني.

ويُعد الحرس الوطني أحد أقوى الأذرع الأمنية في المملكة العربية السعودية، حيث يضم عدد جنود يقارب تقريبا عدد جنود الجيش السعودي، نحو 100 ألف مقاتل. ويتلقى الحرس الوطني تدريبات في الخارج، فيما يتم بشكل مستمر تحديث أسلحته بأسلحة مستوردة. ويمتلك الحرس الوطني حرية الحركة في مختلف أنحاء المملكة، فيما يُعده كريس هارمر الباحث في مركز دراسات الحرب الأمريكي أحد أكثر القوات المسلحة قدرة وقوة في الشرق الأوسط. وتشير التقارير إلى أن الحرس الوطتي يدين بولاء شديد للملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز الذي نهض بمهمة تحديثه وتعزيز قوته طوال العقود التي تولى فيها قيادته، ما يجعل تلك القوة عنصرا مهما في تحديد توازن القوى داخل المملكة.

  • تعيين الأمير مشعل بن عبدالله أميرا لمنطقة مكة في 22 ديسمبر 2013، بعد أن كان أميرا لمنطقة نجران منذ 26 مارس 2009. وقد قام الملك سلمان بن عبد العزيز بإقصائه من إمارة منطقة مكة في 29 يناير 2015، وإعادة أميرها السابق خالد بن فيصل بن عبد العزيز الذي تقلد أيضا منصب مستشار الملك.
  • تعيين الأمير تركي بن عبد الله أميرا لمنطقة الرياض في 14 مايو 2014، قبل أن يقصيه الملك سلمان بن عبد العزيز في 29 يناير 2015، ويُعين الأمير فيصل بن بند بن عبد العزيز، أميرا للمنطقة. وتولى الملك سلمان بن عبد العزيز إمارة منطقة الرياض مرتين قبل توليه منصب ولاية العهد.

 

تكشف خريطة التغييرات التي أجراها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز عن نزعة واضحة لتهميش الجناح السديري، وكذلك عن صراع مستتر جراء ذلك، وخشية واضحة من احتمال قيام الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز بحركة معاكسة، بحسب ما يتبين في قرار تعيين مقرن بن عبد العزيز وليا لولي العهد.

 

ثانيا، التغييرات صبيحة تولي الملك سلمان بن عبد العزيز

لم يخالف الملك الجديد سلمان بن عبدالعزيز التوقعات باتخاذه حركة مضادة في محاولة لاستعادة نفوذ السديريين، حتى قبيل دفن الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز. وكانت أبرز التغييرات التي أجراها صبيحة يوم الجمعة 23 يناير 2015، الذي شهد الإعلان عن وفاة الملك الراحل فجرا، تعيين الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز وليا لولي العهد مع احتفاظه بوازرة الداخلية، فيما يمكن وصفه بانقلاب مضاد على محاولة الملك الراحل تهميش السديريين من على سلم ولاية العهد. كما عين الملك الجديد نجله الأمير محمد بن سلمان (35 عاما) وزيرا للدفاع ورئيسا للديوان الملكي الذي تم إقصاء خالد التويجري منه. إلا أنه يمكن رصد الملاحظات الأولية التالية على هذه التغييرات:

  1. رغم عمل الملك الجديد على تصعيد عنصرين من جيل الأحفاد السديريين إلى مراكز النفوذ الرئيسية في المملكة (ولاية العهد، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع)، فقد حرص على عدم المساس بأي من ولي العهد الأمير مقرن أو وزير الحرس الوطني الأمير متعب، بالنظر إلى ما يمكن أن ينتج عن ذلك من صدام مباشر داخل الأسرة الحاكمة.
  2. بالرغم من كل التقارير التي كانت تتحدث عن سعي الملك الراحل وخطته لفتح المجال أمام تصعيد ابنه متعب إلى منصب ولي العهد حال تولي الأمير مقرن سدة الملك، فقد اختار كلا الأميرين، متعب ومقرن، عدم إظهار أي معارضة علنية لقرارات الملك الجديد، ما يعيد تأكيد أنه حتى في ظل هذا التصعيد للجناح السديري، فإن توازنا مقبولا لا يزال قائما داخل الأسرة المالكة يحول دون تفجر الصراع الداخلي الصريح بين أطرافها، ويبقى محاولة الحفاظ على استقرار الأسرة الحاكمة هو الملك غير المتوج.
  3. يبدو أن كلا الطرفين يخطط للدخول في صراع مستتر على النفوذ خلال الأمد المنظور الذي يمتد حتى وفاة الملك سلمان بن عبد العزيز. ويمكن تبين عناصر هذا الصراع المستتر فيما يلي:
  • محاولة كل من الأمير مقرن والأمير متعب الحفاظ على نفوذهما، انتظارا لوفاة الملك سلمان، وحينها يمكن تعيين متعب وليا لولي العهد، ما يمثل حلقة جديدة في سلسلة انقلابات بيضاء على سلم ولاية العهد. ومن المتوقع أن يعمل كلا الأميرين على الحفاظ على مراكز نفوذه، خاصة هيمنة الأمير متعب على الحرس الوطني السعودي، ومحاولة استقطاب عدد من أمراء الأسرة من خلال استثارة خشيتهم من سيطرة الجناح السديري على سلم الملك.

وفي هذا السياق، يتوقع شن حملات إعلامية خارجية ضد سياسات الملك الجديد الإقليمية والدولية، وضد ممارسات ولي عهده، في محاولة لزعزعة نفوذهما لدى الأطراف الدولية والإقليمية الرئيسية الحليفة للمملكة، وكذلك شعبيتهما الداخلية بين صفوف السعوديين، خاصة مع ما يتردد عن توجه الملك سلمان لإبطاء حركة الإصلاح البطيئة أصلا التي كان قد شرع فيها الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز.

ويمكن فهم قرار الملك سلمان بمنح الموظفين السعوديين في المملكة مكافأة شهرين بقيمة إجمالية تصل إلى نحو 30 مليار ريال ، برغم تراجع إيرادات النفط، بِعدّه محاولة استباقية للعمل على تعزيز شعبيته الداخلية وتفادي أي حملات تستهدف النيل منها.

  • في المقابل، يبدو أن الملك سلمان يمتلك خيارات أوسع نسبيا، لكنها كلها محفوفة بالمخاطر خاصة في مواجهة عنصر الزمن والتقارير المتواترة حول مرض الملك سلمان. ولعل أبرز تلك الخيارات لتقليص محور مقرن-متعب ما يلي:
      • محاولة إضعاف وزارة الحرس الوطني وإضعاف الأمير متعب داخلها، من خلال تقييد الاعتمادات المالية المخصصة لها، ومحاولة اختراقها من خلال استقطاب بعض قادة هذا الجهاز إلى صف السديريين. ويمكن في حال نجاح هذا المسعى إطاحة الأمير متعب من دون مخاطر جسيمة بنشوب صدام مفتوح بين الجانبين.
      • محاولة الضغط على الأمير مقرن، من خلال حشد وتعبئة عدد من أمراء الأسرة، للتنازل عن ولاية العهد، لمصلحة الأمير محمد بن نايف، ما قد يقطع إمكانية تصعيد الأمير متعب كولي للعهد في مرحلة لاحقة. إلا أن هذا الخيار بات صعبا، في ظل إقرار الملك سلمان بولاية الأمير مقرن للعهد، وإقراره بتجاوز شقيقه الأصغر الأمير أحمد بن عبد العزيز، وهو الذي كان يمكن أن ينشأ بشأن منحه ولاية العهد توافق واسع نسبيا بين أجنحة الأسرة المختلفة. كما أن من شأن خشية بقية أجنحة الأسرة الحاكمة من سيطرة الجناح السديري على سدة الحكم أن يعيق مثل هذا الخيار.
      • خيار آخر بديل للتعامل مع الأمير مقرن، هو محاولة استقطابه بعيدا عن الأمير متعب، ليلتحق بمحور سلمان- محمد بن نايف، لكن ذلك قد يحول دونه خشية كلا من سلمان ومحمد بن نايف خسارة دعم قطاع مهم من الأسرة الحاكمة، وخاصة بين الجناح السديري، الذي لم يقابل تعيين الأمير مقرن بترحيب، في ظل أنه يُعد ابن جارية يمنية، وليس لإحدى زوجات الملك عبد العزيز ممن تنتمين إلى القبائل السعودية.
      • يبقى خيار أخير، وهو محاولة إثارة أزمة خارجية يتم الدفع فيها بالحرس الوطني والمراهنة على فشله من أجل إطاحة الأمير متعب. وتتوافر فرص إثارة مثل تلك الأزمة سواء على الحدود الشمالية في حال تقدم تنظيم "داعش" باتجاهها، أو على الحدود الجنوبية في حال أي اعتداء حوثي جوهري عليها مثلما حدث في عام 2009. كما يبقى الوضع المأزوم في البحرين فرصة أخرى لإثارة مثل تلك الأزمة، خاصة وأن الحرس الوطني السعودي كان تصدر تدخل قوات درع الجزيرة في تلك المملكة الخليجية إبان الاضطرابات التي شهدتها في مارس 2011.
  1. يبقى أخيرا، ملاحظة أن التغييرات الأخيرة لا تعكس توحد الجناح السديري في مجموعه، بقدر ما تعكس توحد الملك سلمان وابن أخيه الأمير محمد بن نايف دونا عن بقية الجناح السديري، خاصة كل من الأمير أحمد بن عبد العزيز وأبناء ولي العهد الأسبق سلطان بن عبد العزيز (بندر وخالد وسلمان). وقد شملت الموجة التالية من التغييرات التي أجراها العاهل السعودي الملك سلمان يوم الخميس 29 يناير 2015، إقصاء الأمير بندر بن سلطان من منصبه كأمين عام لمجلس الأمن الوطني. ورغم ما يثار حول أن تمدد الحوثيين في اليمن، والإخفاق في تحقيق أي نجاح جوهري في سوريا هما العامل الرئيسي وراء إزاحة بند بن سلطان من منصب رئاسة الاستخبارات أولا، ثم الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني، فلا يخفى أنه بهذا الإقصاء تراجع حضور ونفوذ أبناء ولي العهد الأسبق بشكل شبه تام من خريطة النفوذ الحالية في بناء السلطة السعودي.

في ضوء هذه الملاحقة السابقة، لا يمكن الرهان بدرجة كبيرة من الثقة على توحد كامل الجناح السديري، خاصة في ظل ما يُعرف عن الأمير بند بن سلطان من اعتزاز بنفسه، يرجح أن يجعله ناقما على تلك التغييرات.

  1. في التغييرات اللاحقة التي جرت في 29 يناير 2015، سعى الملك سلمان إلى تكريس سيطره محوره على المقدرات الأمنية والاقتصادية في المملكة، حيث شملت قراراته السبعة وثلاثين تشكيل مجلس للشؤون السياسية والأمنية يرأسه محمد بن نايف، ولي ولي العهد ووزير الداخلية، وبعضوية عدد من الوزراء. ورغم أن البيان لم يعلن صلاحيات المجلس الجديد، إلا أنه يُتوقع أن يكون اللاعب الأهم في سياسات المملكة، خاصة وأنه يضم في عضويته وزير الخارجية سعود الفيصل، وعدد من الوزراء والمستشارين الفاعلين في صياغة سياسات المملكة. كما تم الإعلان عن تشكيل مجلس للشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة الأمير محمد بن سلمان وبعضوية وزراء من بينهم وزراء البترول والمالية والتجارة والصناعة. ويتعين على المملكة التي قررت الاستعانة باحتياطياتها النقدية الضخمة بسبب أزمة انخفاض أسعار النفط انتهاج إدارة نقدية أكثر حرصا وحكمة مما سبق.
  2. تعكس التغييرات الأخيرة، حرص الملك سلمان عل إحداث توازن بين أجنحة الأسرة غير المنخرطة في الصراع المباشر، كما يتبين من إقصائه الأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز من منصب رئيس الاستخبارات، بينما قام بتعيين أخيه فيصل بن بندر بن عبد العزيز حاكما لمنطقة الرياض.

 

الخلاصة:

في ضوء ما تقدم، يبدو أن الصراع على النفوذ في السلطة داخل المملكة العربية السعودية بات مفتوحا على ثلاثة جبهات:

  1. جبهة محور سلمان/محمد بن نايف في مواجهة محور مقرن/متعب؛
  2. جبهة السديريين غير الموحدة، وأجنحة الأسرة الأخرى ذات النفوذ تقليديا والتي قد تخشى تهميشها تدريجيا؛
  3. جبهة الصراع المؤسسي الذي قد يطال بشكل رئيسي وزارة الحرس الوطني.

إلا أنه بالرغم من ذلك، فإنه في ظل حرص الملك سلمان على الحفاظ على التوازن الهش بين الأجنحة المتصارعة، انتظارا لإدارة صراع أطول مدى، يبدو أن الاستقرار الظاهري سيكون هو الغالب على المشهد العام داخل المملكة خلال الأمد القريب مع العمل على تحفيز حملات إعلامية متبادلة، وربما تحفيز التورط في أزمات خارجية لإظهار عجز أحد هذه المحاور، خاصة إذا مال ميزان القوة لأحدها في أي مرحلة من مراحل الصراع.

رغم كل التوقعات بحدوث تغييرات جذرية في السياسة الإقليمية للمملكة، خاصة تجاه كلا من مصر والإمارات العربية المتحدة، اللتين تحسب هذه التقارير قيادتيهما على جناح الأمير مقرن-الأمير متعب، فإننا لا نتوقع حدوث مثل هذا التحول الجذري بالنظر إلى القيود الهيكلية النابعة من أوضاع الإقٌليم وتوازنات القوة الهشة فيه، ومصادر الخطر المتنامية في شمال المملكة أو جنوبها، وهو ما سيجعلها في حاجة إلى دعم كل من الجيش المصري ودعم دولة الإمارات، حال تنامي هذه المخاطر بشكل جوهري. إلا أنه يمكن فقط توقع مراجعة محدودة في موقف المملكة من جماعة الإخوان المسلمين، في ظل احتمال اللجوء إلى توظيفها مجددا في اليمن، حال فشل الرئيس الأسبق علي عبد اللله صالح في احتواء الحوثيين.

وهنا يجب الوعي أن غاية ما قد تطرحه المملكة بشأن الإخوان هو إتاحة مشاركة محدودة لهم في العملية السياسية، دون أي مساس بوضع القوات المسلحة المصرية، أو السماح بمحاولة حدوث تنامي دور الإخوان بشكل جوهري.