المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء وآفاق العلاقات العربية الإفريقية

الاثنين , 12 يونيو 2017 - 03:17 مساءٍ

دول منطقة الساحل
دول منطقة الساحل

 استطاعت جماعات سلفية جهادية تمثل خطرا وتهديدا إرهابيا على منطقة الشرق الأوسط مثل "القاعدة" وفروعها و "داعش" توسيع نطاق نفوذها خلال السنوات الأخيرة، كي يشمل منطقة الساحل والصحراء الإفريقية.

 

ولم تعد منطقة الصحراء الإفريقية مجرد فناء خلفيا لنشاط تهريب السلاح والأموال والعناصر لصالح هذه الجماعات فحسب، بل يمكن القول أنها وخلال السنتين الأخيرتين أسست "حلفا مقدسا" أو "محورا لعدم الاستقرار" يتألف من مجموعة ليست بالضرورة متجانسة فكريا يمتد من ساحل الأطلنطي في أقصى الشمال الغربي للقارة الإفريقية وحتى البحر الأحمر غرب القارة، متجها إلى آسيا والمشرق.

 

   وقبل أن نتلمس أثر هذه الظاهرة على العلاقات العربية الإفريقية، يحسن الاضطلاع أولا بتقديم تقدير حول مستويات التهديد الإرهابي في بلدان الساحل والصحراء الإفريقية.   

 

أولا: تقدير مستويات التهديد الإرهابي في بلدان الساحل والصحراء

   يمتد النطاق الجغرافي لمنطقة الصحراء الإفريقية والساحل الإفريقي، بمساحة خمسة ملايين كلم مربع، أي ما يعادل مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعيش عدد كبير من سكان إفريقيا في أكثر المناطق في العالم فقرا وحرمانا بسبب النزاعات والحروب وقسوة الظروف المناخية والطبيعية. وتشمل الصحراء معظم مساحة الصحراء الغربية، الممتدة من موريتانيا، الجزائر، ليبيا، ومصر ثم جزء من مناطق المغرب وتونس والجزء الشمالي لمالي وتشاد والسودان. أما الساحل الإفريقي فيقع بين الصحراء الكبرى في الشمال والسافانا في الجنوب ويمتد غربا من السنغال عبر موريتانيا، مالي، بوركينافاسو، النيجر، شمال نيجيريا، تشاد، السودان وحتى إثيوبيا شرقا.

 

   منذ الحادي عشر من سبتمبر، ظهر اتجاه مقلق من التحديات الأمنية ذات البعد الإقليمي والعابر للحدود في منطقة الساحل والصحراء الإفريقية. تجلت بشكل قاس في تصاعد في الهجمات العنيفة لمجموعة متزايدة وممتدة من الجماعات المسلحة الخارجة على القانون والعابرة للحدود، يمتد نشاطها من مالي إلى الصومال وما وراءها. تشمل هذه الجماعات المسلحة، والمدفوعة بأيديولوجيات إثنية، عنصرية، دينية، قبلية ووطنية، جماعات متطرفة مثل القاعدة في المغرب الإسلامي، بوكو حرام، أنصار الدين، أنصار الشريعة، حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، المرابطون، الحركة الوطنية لتحرير أزواد، الشباب، وعناصر مسلحة أخرى، وأفراد نازحين.

 

هذه الجماعات ترتبط ببعضها البعض وبسبب هذه الصلة، أضحى ظهور "الدولة الإسلامية" أو داعش، والتي تهدف لتأسيس خلافة إسلامية تمتد عبر الشرق الأوسط، إفريقيا، أوروبا وآسيا، مقلقا بشدة. نفذت جماعات منتمية إلى داعش مؤخرا هجمات كبيرة في ليبيا وسيناء المصرية، بينما يكتسب تنظيم الدولة كل يوم المزيد من الحلفاء في أماكن أخرى داخل الإقليم.

 

   من المهم الإشارة إلى الصلات المتزايدة وتدفق العناصر بين هذه الجماعات المتطرفة الإقليمية وما تدعى ب "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق، وكذلك حلفاء القاعدة وفروعها عبر الإقليم. في الجزائر، أعلن غوري عبد المالك أو "خالد أبو سليمان" زعيم جماعة "جند الخلافة" المنشقة عن القاعدة في المغرب الإسلامي ولاؤه لداعش. في المغرب، ألقت أجهزة أمنية حكومية القبض على عنصر فرنسي، مرتبط بجبهة النصرة في سوريا وأنصار الشريعة في ليبيا. ودعا متحدث باسم "الدولة الإسلامية" المقاتلين في سيناء لتنفيذ عمليات ضد الأجهزة الأمنية المصرية.

 

   الأرقام الموثقة حول ارتفاع النشاط الإرهابي في شمال إفريقيا والساحل مرتفعة جدا. تحديدا، تبين التقديرات الإحصائية أن الهجمات الإرهابية في 2014 في المنطقة قفزت لترتفع بنسبة 25% عن مستوى العام 2013. يمثل إجمالي عدد الهجمات والبالغ 289 خلال عام 2014 أعلى معدل سنوي تم تسجيله في المنطقة منذ أكثر من عقد من الزمان، وأكثر من 800% زيادة على الهجمات التي نفذتها القاعدة في المغرب الإسلامي ومتطرفون آخرون في المنطقة منذ الحادي عشر من سبتمبر.

 

   البلدان الأشد تأثرا بالهجمات الإرهابية في 2014، هي ليبيا (201 حادث)، مالي (35)، تونس (27)، والجزائر (22).

 

  * في ليبيا، استمر هذا المنحى التصاعدي في يناير 2015، عندما أسست "الدولة الإسلامية" ساحة للتدريب الجهادي، مستثمرة حالة الاضطراب في البلاد وعدم وجود حكومة موحدة. الأكثر من ذلك أن "إمارة طرابلس" التابعة "للدولة الإسلامية" انخرطت في عدوان كبير على فندق كورنثينا، وهو العدوان الذي أسفر عن خسائر كبيرة في أرواح ليبيين وأجانب. بوضوح، جاء هذا الاعتداء ردا على اعتقال قوات كوماندوز أمريكية لأبو أنس الليبي في 2013. أُدين الليبي بتهمة الانخراط في حوادث تفجير السفارات الأمريكية في كينيا وتنزانيا عام 1998 التي أسفرت عن مقتل 224 فرد. وقد توفي في مستشفى بنيويورك أثناء انتظار محاكمته.

 

*بشكل مماثل، في مالي، يسلط استمرار الاضطراب في الجزء الشمالي من البلاد الضوء على استمرار حالة العداء حتى بعد عامين من التدخل الفرنسي في مالي، والذي أعاد الاستيلاء على بعضا من المناطق الشمالية التي كانت جماعات موالية للقاعدة قد سيطرت عليها في وقت سابق. خلال أوائل 2015، تم خطف وقتل مدنيين، استهداف قوات حكومية والاعتداء على أعضاء أفارقة في بعثة حفظ السلام الأممية.

 

* في تونس، بعد أكثر من أربعة أعوام على إطاحة "ثورة الياسمين" بنظام زين العابدين بن علي ، لا تزال البلاد عرضة لتهديدات محلية وخارجية. رغم المستقبل الذي يعد بديمقراطية هناك، تستمر الهجمات الإرهابية هناك. آخرها اعتداء عناصر مسلحة يتبعون كتيبة "عقبة بن نافع" الجهادية على متحف "باردو" وسط العاصمة التونسية في 18 مارس الجاري، والذي أودى بحياة 22 شخصا، معظمهم أجانب بينما أصيب أكثر من 40 جريح.

 

*في الجزائر، ورغم أن عدد الهجمات الإرهابية قد تقلص في 2014 ليصل إلى 22 حادث، مقارنة ب 51 حادث في 2013، لا تزال البلاد تواجه تحديات أمنية مستمرة خاصة فيما يخص حماية حدودها الجنوبية الغربية، حيث تنخرط القاعدة في المغرب الإسلامي وجماعات مسلحة وإجرامية أخرى في تهريب أسلحة ومخدرات عبر الحدود. أوائل العام 2015، ألقى الجيش الجزائري القبض على خلية مكونة من عشرات المتطرفين في الحنوب حيث كانت تخطط لاعتداء بدعم من عناصر تنفيذية متمركزة خارج الحدود الجزائرية.

 

* كذلك شهدت النيجر أربع اعتداءات إرهابية في 2014، منها قتل مسلحون لسبعة من عناصر الأمن في سجن وتحرير عدد غير معلوم من الإرهابيين. بشكل عام، استمرت عناصر موالية للقاعدة في المغرب الإسلامي وعناصر الطوارق وحركة التوحيد والجهاد في النشاط داخل حدود النيجر. شهد العام الماضي ارتفاعا في محاولات اختطاف واستخدام جماعات إرهابية لمعدات عسكرية حديثة. كذلك، أصبحت بوكو حرام أكثر عدوانية في جنوب النيجر، لتنفذ اختراقات منتظمة داخل البلاد لتجنيد الشباب وأعضاء القبائل للقتال إلى جوارها. بالإضافة إلى ذلك، تستضيف النيجر حاليا أكثر من 40 ألف لاجئ نيجيري. ليس مفاجأة أن رئيس النيجر، محمد يوسفو، أخبر الأمم المتحدة أواخر 2014 أنه لا يجب بلقنة إفريقيا، وأن المجتمع الدولي بحاجة للتركيز على الدفاع، الديمقراطية والتنمية.

 

 لم يتم تسجيل أية حوادث إرهابية أخرى في البلدان الثلاث الأخرى للمغرب والساحل الإفريقي عام 2014.

 * في المغرب، فيما يخص الحالة الأمنية، يمكن الإشارة إلى أربع مظاهر مقلقة. الأولى، استمرار البلاد في مواجهة شبكات إجرامية وإرهابية تعمل على تجنيد عناصر تنفيذية للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. الثانية، تحذير الحكومة المغربية من أن أعضاء في جبهة البوليساريو الانفصالية في الجزائر تتعاون مع القاعدة في المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد، وأيضا التنسيق مع بوكو حرام والشباب. الثالثة، إلقاء أجهزة أمنية مغربية القبض على مسلحين مشتبه فيهم بتهمة تجنيد عناصر مقاتلة وجمع تمويلات لصالح فرعين للقاعدة، أنصار الشريعة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا. والرابعة، إدانة الرباط للتطرف بشكل عام والتطرف الإلكتروني بشكل خاص، وتدريب أئمة وخطباء مساجد بصالح دول إفريقية لإرسالهم مرة أخرى بهدف الدعوة للتسامح الإسلامي. أعربت المغرب أيضا عن مخاوف ذات صلة أوائل العام 2015، بسبب عودة نحو 1200 مواطن إلى البلاد بعد القتال إلى جوار جبهة النصرة أو داعش. أعربت كذلك عن "تضامنها الكامل" مع بلدان على خط المواجهة المباشرة مثل مصر والأردن في جهودها لمكافحة الإرهاب.

 

*في تشاد، رغم تحسن الوضع الأمني مقارنة بأعوام سابقة، تظل البلاد عرضة لهجمات، بالنظر إلى موقعها داخل إقليم خطير. على سبيل المثال، أوائل 2014، نزح ما يقدر عددهم ب 14 ألف نيجري إلى تشاد قادمين من نيجيريا. كذلك، فإن الجنود التشاديين منخرطون في محاربة عناصر بوكو حرام عبر الحدود. وشنت قوات جوية من الكاميرون وتشاد ضربات جوية ضد أهداف إرهابية في نيجريا.

 

* في موريتانيا، ورغم أن العام 2014 خلا بوضوح من أي اعتداء كبير، يستمر تهديد القاعدة في المغرب الإسلامي وجماعات إرهابية أخرى، والتي تنخرط في عمليات اختطاف واعتداءات عبر الحدود. وقد وصلت الأزمة الأمنية إلى حد متطور، باذعان الحكومة لمطلب متطرفين إسلاميين بعد اختطافهم لحراس أمن ومطالبتهم بتحرير بعض السجناء في يناير 2015.

 

* بوضوح يمتد "محور عدم الاستقرار" عبر مساحات عريضة وممتدة خارج نطاق المغرب العربي والساحل. مرة أخرى، تعتبر نيجيريا، البلدة الأكثر ازدحاما بالسكان في القارة، مثالا على الاضطراب وإراقة الدماء. استمرت بوكو حرام في تنفيذ هجمات إرهابية وتسعى لفرض رؤيتها للشريعة الإسلامية على نيجيريا. أضحى استهداف المدنيين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، ظاهرة مستفحلة هناك. تقريبا ما يقرب من ألفي مدني تم قتلهم في "باجا" في يناير 2015، حيث أحرقت العناصر الإرهابية البلدة بالكامل. وبسبب مباشر من اعتداءات بوكو حرام، نزح ما يقرب من 20 ألف نيجيري إلى بلدان مجاورة مثل النيجر، تشاد والكاميرون.

 

* في الكاميرون، تنشظ بوكو حرام في الجزء الشمالي للبلاد، لتضع نصف مليون من البشر تحت خطر المجاعة بإجبارهم على تسليم محاصيلهم عنوة. على ضوء تدهور الوضع الأمني هناك، طالب رئيس الكاميرون بول بيا، مساعدة دولية للتكيف مع التحديات المتنامية في المنطقة.

 

 *في جمهورية وسط إفريقيا، يتزايد العنف الطائفي بين مسلحين مسلمين ومسيحيين هناك. هذه البلدة غير المستقرة هي الآن على شفا حرب دينية بين جماعات مسلحة متنافسة. هذا العنف الذي شمل أيضا اعتداءات على أجانب وبعثة حفظ السلام الأممية.

 

 *لا يختلف الوضع في جمهورية الكنغو الديمقراطية كثيرا. إذ لا تزال البلاد تشهد عنفا داخليا تمارسه جماعات مثل المتمردين البورونديون والروانديون، وقوة "إيتوري". ولا يزال عناصر قوات حفظ السلام في 2015 غير قادرين على فرض القانون والنظام وتسحيل إجراء انتخابات ديمقراطية هناك.

 

 *إجمالا،  في 2014 استطاعت جماعات وحركات إرهابية إقليمية توسيع نطاق نشاطها، ومد شبكات وخطوط تواصل مع جماعات وأفرع جديدة عبر القارة الإفريقية. ليمتد "محور الاستقرار" من أقصى الشمال الغربي للقارة الإفريقية على ساحل الأطلنطي ، مرورا ببلدان الشرق الأوسط الإفريقية، ثم الآسيوية وباتجاه شرق آسيا في باكستان وأفغانستان.

 

ثانيا: أثر انتشار "عربي – إفريقي" متبادل

    كانت "للانتفاضات العربية" والتي بدأت من تونس "أثر انتشار" متبادل. إذ اتسع نشاط الجماعات الإرهابية والمتطرفة عبر منطقة الساحل والصحراء بشكل عام، في الوقت الذي استطاعت فيه جماعات إرهابية متطرفة من المشرق العربي مثل "الدولة الإسلامية" اختراق إفريقيا وتكوين شبكة ولاءات وتحالفات مع جماعات محلية إفريقية. ويمكن تحديد عدة مستويات لهذا الأثر المتبادل على النحو التالي:

 

1- انتشار حركات مشرقية داخل بلدان الساحل والصحراء:       

   يبدو أن ثورات الشمال الأفريقي قد أتاحت فرصا جديدة للجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي و مؤخرا "الدولة الإسلامية"،  لترسيخ وجوده وزيادة عمليات التجنيد بجذب جماعات ومؤيدين جدد إلى صفوفه وإقامة شبكات من التعاون مع بعض الجماعات الانفصالية. مستغلة من ناحية، التداعيات الأمنية والسياسية التى نجمت عن الثورات، فى ظل صعود تيار الإسلام السياسي ووصوله للحكم فى دول الربيع العربي الأفريقية، وانتشار الفوضى والجدل بين القوى السياسية المختلفة، وانتشار الأسلحة وخاصة بعد سقوط نظام القذافى وخروج هذه الأسلحة إلى دول أخرى فى القارة، كي تزيد من مساحة حرية الحركة أمامها.

 

   ومن ناحية أخرى، أوضاع الفقر السياسي والاقتصادي للمناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى حيث تزدهر أنماط متعددة من التهديدات الأمنية ليس أقلها التجارة غير المشروعة، مثل تهريب الكوكايين القادم من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، وتهريب الأسلحة والسجائر والسلع الاستهلاكية عبر الحدود، و الاتجار بالسيارات المسروقة من أوروبا ببيعها عبر جميع الدول الساحلية؛ والاتجار بالعمال المهاجرين بصورة غير مشروعة فى الطريق إلى دول الخليج وأوروبا. حيث تتعاون جماعات إرهابية مثل "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" مع أمراء الجريمة هناك لتسهيل مهمات تهريب الأسلحة والعناصر التنفيذية في هذه المناطق، وأحيانا جباية الأموال والفديات لصالح هذه الجماعات.

 

2- مساحة أكبر لجماعات محلية إفريقية

   الأمر الآخر أن سقوط نظام معمر القذافى في ليبيا أفضى إلى نتائج استفادت منها الجماعات الإرهابية، فمن جانب لجأ العديد من الموالين له والمدججين بغنائم الحرب والسلاح إلى بلدان إقليمية . فتدفقت أعداد كبيره من الأسلحة الثقيلة من ليبيا إلى الدول الأفريقية فى منطقة الساحل التى تعانى من هشاشة السيطرة على الحدود، لتحمل هذه الأسلحة تهديدا جديدا للاستقرار في المنطقة بعد أن أصبحت متاحة أمام المرتزقة والإرهابيين وهى أنواع مختلفة من الأسلحة الهجومية، كلاشينكوف (صواريخ أرض-جو سام- 7، بنادق، الأسلحة الكيميائية، صواريخ، الألغام، وقذائف المدفعية والصواريخ الروسية) . واستفادت بعض القبائل المتمردة من هذا المخزون من الأسلحة .

 

   أيضا أتاح "الربيع العربي" للجماعات الإرهابية المحلية فرصا للحصول على التأثير الإيديولوجي والقوة المادية، ولتتمكن القاعدة من التوسع فى القارة الأفريقية. فانهيار الأمن الليبي وانتشات القاعدة فى آسيا، أفضيا إلى دور جديد في منطقة المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا كأجزاء يمكن استغلالها فى توسيع انتشار فكر القاعدة وعملياتها، فضلا عن التعاون والتواصل بين القاعدة فى بلاد المغرب والجماعات الإرهابية الأخرى فى القارة مثل بوكو حرام فى نيجيريا، وحركة الشباب فى الصومال.

 

   وتشير الدلائل المتوفرة لدى سلطات الأمن النيجيرية إلى وجود صلات قوية بين تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي وجماعة بوكو حرام، وتنظيم شباب المجاهدين في الصومال. فخلال عام 2006 تدرب أعضاء من جماعة بوكو حرام فى الجزائر داخل صفوف القاعدة، وبالمثل فإن العقل المدبر للهجوم على مكتب الأمم المتحدة فى أبوجا فى أغسطس 2011 تدرب على يد عناصر حركة الشباب فى الصومال وفى نهاية المطاف تعهد بولائه لأيمن الظواهري. وفى 2 أكتوبر 2010 ، دعت بوكو حرام النيجيريين إلى القيام بجهاد ضد الدولة دعما للقيادة المغربية. وفي 2012 ، اعتقل سبعة مسلحين في الطريق إلى مالي في النيجر للتنسيق مع أعضاء القاعدة فى بلاد المغرب الاسلامي.

 

   ووفقا لتقارير "الاتحاد الأفريقي"، فإن جماعة بوكو حرام تعمل على توسيع نطاق أنشطتها في أفريقيا الوسطى بالاعتماد على المرتزقة التشاديين عن طريق تدريبات فى معسكرات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي فى مالي، فالجماعات الإرهابية فى القارة الأفريقية لا تعتزم البقاء فى نطاق محدود، سواء كان ذلك بالمغرب أو فى نيجيريا أو بالصومال، أو حتى فى مالي، وإنما لديها النية والتنظيم للانتقال إلى جنوب القارة الأفريقية.

 

   ومن جانب آخر، استفادت الجماعات الإرهابية من تطلعات الاستحواذ والسيطرة على السلطة التى بعثتها تطورات الانتفاضات فى الشمال الأفريقى، والتي كان من بينها المحاولة الانقلابية التى شهدتها مالي فى مارس 2012.

 

3- انفجار ملف الطوارق

    كان سقوط نظام معمر القذافي إيذانا بانفجار ملف "الدعوات الانفصالية للطوارق" في إفريقيا، وما لهذا من تداعيات على بلدان الساحل والصحراء. إذ ظل القذافي لسنوات طويلة، الموجه الأساسي لمجريات الأمور فى العديد من بلدان الصحراء والساحل، خاصة فى النيجر ومالى؛ حيث كان يمسك بملف الدعوات الانفصالية للطوارق، ويوجهه حسب ما يرى أنه صمام أمان يضمن الحفاظ على محورية النفوذ الليبي فى المنطقة. ويكمن السر في التأثيرات الليبية على هذا الملف في كون الجماهيرية هي البلد الذي استوعب آلاف الشباب من "الملثمين" بعد موجات الجفاف الماحقة التي ضربت المنطقة فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. ومكن ذلك التواجد المكثف لشباب بلا مؤهلات ولا تكوين تربوى يذكر الحكومة الليبية من الحصول على مجندين يمكن استخدامهم كمرتزقة فى حروبها التوسعية، كما حدث في تشاد ضد نظام حسين حبرى فى بداية الثمانينيات. كما اسُتخدموا في حروب استنزاف ضد بعض الأنظمة التى لا تروق توجهاتها لحكام ليبيا وكثيرا ما اسُتخدمت هذه الورقة، خاصة فى إفريقيا. 

 

ثالثا: تعدد المبادرات الأمنية وغياب التنسيق

   أدت التطورات الأمنية التي شهدتها دول الشمال الإفريقي مؤخرًا إلى بروز الخلاف الجزائري المغربي على سطح الأحداث، وإعاقته للتعاون والتنسيق بين دول الإقليم في المجالات المختلفة، سواء في إطار ثنائي، أو في إطار التجمعات الإقليمية، كالاتحاد المغاربي، أو مبادرة الميدان، إذ يتهم كل طرف الآخر بمحاولة السيطرة والقيادة وضرب مصالحه، وهذا كله في إطار التنافس حول ضمان المصالح الذاتية في المنطقة. ووجدت المغرب نفسها مستبعدة إلى حد كبير من المبادرات الإقليمية بسبب تنافسها التاريخي مع الجزائر؛ على سبيل المثال، إنها ليست عضواً في "لجنة هيئة الأركان المشتركة" التي تتخذ من الجزائر مقراً لها والمعنية بتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب بين الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر. فاستبعاد المغرب لم يعمل سوى على تقويض أي فرص للانخراط في ردود أكثر تماسكاً ومتعددة الأطراف ضد التطرف.

 

  في البداية، استبعدت الجزائر "المغرب" من مبادرة دول الميدان التي ظهرت في 2010، على أساس مقترح جزائري. وتضم كلاً من الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا، بدعوى أنها ليست بلداً ساحليّاً. وتهدف هذه المبادرة إلى إرساء التعاون الأمني بين الدول الأعضاء، لاسيما في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وتعد هذه المبادرة أول إطار إقليمي للتعاون، يستند إلى بعد عملياتي واضح. حيث زودت بقيادة أركان مشتركة (لجيوش الدول المشاركة)، مقرها تامنراست (أقصى الجنوب الجزائري)، ووحدة الإدماج والربط، وهي ببنية استخباراتية، مهمتها التعاون بين أجهزة الاستخبارات الوطنية، وتقاسم المعلومات المتعلقة بالشبكات الإرهابية والجريمة المنظمة. وتضم هذه الوحدة (مقرها الجزائر) ثمانية دول: الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا وبوركينافاسو وتشاد وليبيا ونيجيريا. وتتعاون هذه الوحدة الاستخبارية مع المركز الإفريقي للدراسات حول الإرهاب (مقره الجزائر) التابع للاتحاد الأفريقي. 

 

  كذلك، لا تضم عملية نواكشوط التي أطلقتها لجنة الاتحاد الأفريقي للسلم والأمن في مارس 2013، والهادفة إلى تعزيز التعاون الأمني بين 11 دولة أفريقية (الجزائر، بوركينافاسو، كوت ديفوار، غينيا، ليبيا، مالي، موريتانيا، النيجر، نيجيريا، السنغال وتشاد)، لا تونس ولا المغرب. 

 

    وآخر مبادرة ظهرت هي مجموعة 5+ الساحل التي تضم موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد، وتسعى إلى الأهداف نفسها، أي محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. وتتميز هذه المجموعة الجديدة باشتراكها في خصائص عدة، وبضعف دولها وغياب قوة إقليمية بين أعضائها. لكنها تنفرد عن غيرها من المبادرات من حيث ارتباطها وتعاونها الواضح مع قوى خارجية، لاسيما فرنسا. حيث تعد دول هذه المجموعة شريكاً قويّاً لفرنسا في عملياتها العسكرية في الساحل.

 

   من ناحية أخرى، هناك تباين واضح بين توجهات دول الساحل الإفريقي المشاركة في هذه المبادرات والأطر التنسيقية وبين الجزائر، الطرف الرئيسي والراع للعديد منها. على سبيل المثال، أثار موقف مجموعة 5- الساحل، من ليبيا ودعوتها في منتصف ديسمبر 2014، إلى تدخل دولي في ليبيا- في وقت كانت تعمل فيه الحكومة الفرنسية على تسويق فكرة التدخل، حتى لا تتحول ليبيا إلى معقل للإرهابيين على حد قولها- حفيظة الجزائر التي تتحرك لإيجاد تسوية سلمية في ليبيا، رافضة لأي تدخل أجنبي.

 

 الأمر الآخر، أنه وفي خضم الأزمة المالية- التي أخذت شكل تمرد قبلي تبعه انقلاب عسكري وانتفاضة مسلحة أدت في النهاية إلى تدخل فرنسي - ركز صناع القرار والخبراء في فرنسا والولايات المتحدة على فرصة الجزائر للعب دور في تسوية النزاع من خلال الاستفادة من جيشها الكبير وقوة أجهزتها الاستخباراتية. ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل. فرغم أن تمركز الإرهابيين على طول الحدود بين مالي والجزائر كان إرثاً من الحرب الأهلية الجزائرية في تسعينات القرن الماضي - عندما أُجبر الإسلاميون المسلحون إلى التقهقر من المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد نحو جنوبها وإلى الحدود الصحراوية ثم إلى شمال مالي - بقيت الجزائر بعيداً عن الاضطرابات الدائرة في مالي ومنشغلة بسياستها الداخلية ومصالحها الشخصية. وقد ركزت الجزائر على تأمين حدودها ضد انتشار المتطرفين الإسلاميين وعلى الصراع الداخلي المستمر على السلطة بين إدارة الاستخبارات والأمن التي تتمتع بنفوذ كبير - وهي الفاعل الرئيسي منذ فترة طويلة - والنخبة الحاكمة من حزب "جبهة التحرير الوطني" الذي يتزعمه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. 

 

   أما من جهة المغرب، فيبدو أن مقاربتها لملف مالي والتطرف في بلدان الساحل الإفريقي عموما تمزج ما بين الترتيبات الأمنية والقوة الناعمة.  فقد استضافت في اجتماع عقد في المغرب في نوفمبر 2014، وزراء خارجية 19 دولة، من بينها فرنسا وليبيا ومالي، أعقبه صدور "إعلان الرباط"، بالموافقة على إنشاء معسكر تدريب مشترك لتأمين الحدود، ومن المرجح إقامته في العاصمة المغربية.

 

   من ناحية أخرى، يبدو أن المغرب قد اكتشفت دورها كوسيط ديني يمكن أن يلعب دورا مقبولا في دعم الاعتدال الديني ومحاربة التطرف في مالي، إذ كانت "فاس" و"تمبكتو" تاريخيا مركزين مترابطين للمذهب المالكي. على هذه الخلفية، وقّعت مالي والمغرب في سبتمبر 2013، اتفاقاً لجلب 500 إمام مالي إلى المغرب للتدريب الديني، حيث تأمل الحكومتان أن يكون تدريبهم بمثابة الدرع الحصين ضد الدعاة المتشددين الباكستانيين والسعوديين الذين بنوا مدارس ومساجد في مالي. وفي نوفمبر 2014، وقبل وقت قصير من توقيع البلدين على "إعلان الرباط"، توصلت المغرب ومالي إلى اتفاق خاص بالشؤون الدينية.

 

 ومن خلال الشراكة التي جمعت بين وزارتي الشؤون الدينية الخاصة بكل منهما، اتفق البلدان على التعاون في العمل على فقه المالكية وتفسيرها من أجل تعزيز الاعتدال ومحاربة الأيديولوجيات المتشددة. كذلك، وسَّع محمد السادس دائرة مبادراته لتشمل مالي، حيث قدّم منح دراسية دينية للطلبة الماليين في الجامعات المغربية. ويسعى مثل هذا التدريب إلى مكافحة الأيديولوجيات المتطرفة وتعزيز التسامح مع غير المسلمين.

 

   ومع ذلك، فإن غياب التنسيق والتعاون بين البلدين الأكبر في شمال إفريقيا والمضطلعان بالضرورة بقيادة جميع هذه المبادرات يعني غياب أي أفق جدي للحل. إذ لا يزال التجاذب المغربي – الجزائري حول ملفات إقليمية ليس أقلها ملفات الصحراء الغربية ومعسكرات جبهة البوليساريو، وكذلك الخلاف حول طبيعة/درجة العلاقة مع الآخر غير الإقليمي عقبة أمام أي تعاون إقليمي جدي، خصوصاً أن تبادل المعلومات الاستخباراتية، الذي هو عصب محاربة الإرهاب لا يمكن أن يتم في غياب للثقة المتبادلة.

 

رابعا: مشهد العلاقات العربية الإفريقية.. آفاق وتحديات

   بعد استعراض هذا المشهد شديد التعقيد للظاهرة الإرهابية في الساحل والصحراء الإفريقية، وتعاط دول شمال إفريقيا العربية مع هذا الملف. يمكن القول أن:

  1. أن ترتيبات التعاون والتنسيق الأمني الإقليمي في منطقة الساحل الإفريقي كانت تقودها دوما دول الشمال الإفريقي دون غيرها، نظرًا لما تمتلكه هذه الدول من قدرات مادية وتنظيمة؛ حيث قامت الجزائر بدور فعال في هذا الإطار بحكم امتلاكها للموارد والقدرات الدبلوماسية والعسكرية، وأيضًا قدرتها على تفادي بعض التهديدات. كما حاولت ملء الفراغ الذي تركه نظام العقيد معمر القذافي في منطقة الساحل، فقدمت المساعدات، والتدريب، وعقدت اتفاقيات ومناورات مشتركة، خاصة في إطار دول الميدان (والتي تضم إلى جانب الجزائر، موريتانيا، مالي، النيجر).

 

  1. أن قضية تأمين الحدود تعد من أهم القضايا التي تركز عليها مجموعة دول شمال إفريقيا في تعاونها المشترك، ومن ثم تصبح المعالجة الأمنية هي الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها في مواجهتها للتهديدات. إلا أن الاعتماد على المقاربة الأمنية وحده لم يعد مجديا، بعد استثمار جماعات التطرف الإرهابي في حالة الفوضى التي تعيشها دول الشمال الإفريقي -خاصةً ليبيا-، وتأخر قرار مواجهة هذه الجماعات عسكريا وأمنيا لفترة طويلة، ونجحت في السيطرة على مناطق داخل هذه الدول، ليصبح نطاق نفوذها أوسع، خاصة في ظل تواصلها مع غيرها من الجماعات المتشددة في الدول المجاورة، مثل: جماعة أنصار الشريعة في ليبيا، كما يمكنها الرجوع إلى التمركز في دول الصحراء، ولكن بصورة أقوى من السابق.

 

 

  1. أن الفوضى المنتشرة فى الإقليم دفعت دول ذات ثقل إقليمي -كدولة الجزائر- إلى التركيز في بعض الأحيان على تأمين حدودها، ومنع وصول عناصر الجماعات المتشددة إلى داخل أراضيها من دول الجوار، الأمر الذي انعكس على ما تقدمه من مساعدات لغيرها من دول الإقليم. إلا أن ازديادا محتملا في نشاط الجماعات الجهادية على الحدود الجنوبية للجزائر وفي الداخل الجزائري، وخروجها عن نطاق السيطرة، وكذلك، إدراك الجزائر لحجم النفوذ المغربي المتزايد في مالي، التي تفصلها عن الجزائر حدود طويلة تصل إلى أربعة آلاف كم، قد ينبهها إلى ضرورة الاضطلاع بدور خارجي وإقليمي أكبر.

 

  1. أنه ليس بالإمكان حل مشكلة تمدد الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء بمعزل عن مشكلات إقليمية أخرى، مثل مشكلة الصحراء الغربية، بين ثلاثي (المغرب – الجزائر – جبهة البوليساريو). ففي الوقت الذي يتعين فيه تكثيف الجهود لمكافحة خطر إرهابي عابر للحدود، أفادت تقارير أن معسكرات جبهة البوليساريو الانفصالية في الجزائر أضحت مركزا لتجنيد عناصر لصالح القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وبالتأكيد، ليس بالإمكان غلق هذه النافذة الجديدة لتسلل جماعات جهادية متطرفة، من دون توافق مغربي – جزائري أوسع، وهو الأمر غير المحتمل في المدى المنظور على الأقل. 

 

 

  1. أن تزايد الشبكية بين جماعات إرهابية تتمركز أساسا في المشرق العربي، وجماعات إرهابية محلية أخرى في الساحل والصحراء الإفريقية يعني ضرورة تزايد استهداف عمليات قوى "التحالف الدولي ضد الإرهاب" لجبهة جنوب ليبيا، والتي تنشط فيها حركات موالية للقاعدة و"للدولة الإسلامية" على حدودها مع تشاد والسودان. وبالتالي، المزيد من انخراط دول عربية مثل مصر وربما الأردن والإمارات في بلدان الساحل والصحراء الإفريقية.

 

  1. أن أي ترتيب دولي أو إقليمي لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط يستوجب تنسيقا وتعاونا مع حكومات بلدان الساحل والصحراء الإفريقية التي أظهرت المؤشرات ليس فقط استخدام الحركات الإرهابية العابرة للحدود لها كفناء خلفي للتدريب وتهريب السلاح، بل أيضا لنقل العناصر وتوسيع نطاق النفوذ، وربما تستخدمها في مرحلة تالية، وفي حال توجيه ضربات موجعة لهذه التنظيمات كأرضية لانطلاق مجموعات تضطلع بتنفيذ عمليات في بلدان شرق أوسطية متاخمة لها أو حتى بعيدة عنها وعلى رأسها؛ مصر، ليبيا، الجزائر، تونس والمغرب.