المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

ليبيا.. إدارة الصراع على طريقة "حوار الطرشان"

الاثنين , 12 يونيو 2017 - 05:11 مساءٍ

بيرناردينو ليون
بيرناردينو ليون

رغم التصريحات المتفائلة بإحراز تقدم فى الحوار بين الفرقاء اليبيين، الذى يجرى حاليا بمدينة الصخيرات بالمغرب، تحت رعاية الأمم المتحدة، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى عكس ذلك، بل وتشى بأن الطريق مسدود في وجه التوافق، ومن ثم  الخروج من هذه الكارثة التي تحولت بها ليبيا إلى شظايا.

 

فقد أعلن المبعوث الأممي إلى ليبيا " بيرناردينو ليون" الاثنين 23 مارس الجارى، أن المفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل الأطياف والمكونات الليبية في البلاد قد تبدأ خلال الأسبوع الجاري، وفي نهاية الأسبوع سيتم الإعلان عن الأسماء الأولى المشاركة.

 

 ويُفهم من تصريحات كهذه أن الوسيط الدولى: إما أنه غير مستوعب لأصل المشكلة، ولجوهر الصراع فى ليبيا، أو أنه يُفضل ترك المهمة الأصعب ويلجأ إلى أسهل وصفات الحل، وهى الحكومة!!

 

ذلك أن الأزمة الليبية أكبر بكثير جدا من مشكلة غياب الحكومة المركزية. وما كان الخلاف في شأن تشكيل حكومة وحدة وطنية ليتطلب كل هذا العناء الذي بدد الكثير من فرص المصالحة، لولا أن القضية أكبر من مجرد الاتفاق على مرجعية سلطة تنفيذية يقبلها الجميع.

 

بعبارة أخرى، إذا كان الوسيط الدولى يتحدث عن مصطلح "حكومة وحدة وطنية"؛ فكيف ستتجسد هذه "الوحدة" ما لم تكن هناك ثوابت مشتركة بين الكتل والأقطاب التي ستمثلها هذه الحكومة؟ والأهم من ذلك، لماذا لا يكون لفريق المتحاورين رؤيتهم الخاصة لقضايا وأجندة الحوار، وفق منظور وطني يدرك الأبعاد الحقيقة للأزمة، بعيداً عن طريقة "إدارة الصراع" التي تنتهي إلى تعويم عناصر الأزمة وتوطينها؟ ولماذا الاندفاع وراء رؤية السيد برناردينو ليون، ممثل الأمم المتحدة، وسفراء الدول الكبرى، والتي تختصر الأزمة الليبية في مسألة تشكيل "الحكومة" دون محاولة إيجاد أرضية مشتركة من الثوابت؟

 

وإذا كانت هذه هى طريقة تعاطى الفرقاء الليبيين مع الحوار وقضاياه ..  فهل يعكس ذلك رغبة حقيقة فى البحث عن حل جذرى للصراع؟ أو يترجم فعليا الحرص على المصالحة والانحياز لها؟!

 

واقع الأمر أن هذا المسلك السياسى من قبل المتحاورين، إنما يترجم حرص الجميع على عدم الظهور فى صورة الطرف المسئول عن تعطيل المسار السياسى، خاصة وأن الإتحاد الأوربى يستعد الشهر القادم لتفعيل آليات الحصار والعقاب الدولى التى أعلن عن عزمه اتخاذها  بحق أى طرف يتسبب فى تعطيل التسوية السياسية للصراع الجارى الآن فى ليبيا.

 

 وعليه فإن الحوار الجارى الآن ليس أكثر من مناورة، وأحد طرق إدارة الصراع، تحاشيا لمخاطر ووطأة العقوبات الدولية.

 

لأن الحوار وفق منظور وطني يقتضي صناعة ثوابت حول القضايا محل الخلاف، أو على الأقل إيجاد آليات توافقية لإدارة الخلاف بعيداً عن منطق القوة، ومن ثم يمكن أن تتحوّل هذه الثوابت إلى رؤية لمشروع سياسي ناجح تنتج عنه سلطة فاعلة. أمّا فكرة التسوية وتقاسم السلطة من دون وجود أرضية من الثوابت، فستؤدي إلى ترسيخ حالة عدم الاستقرار السياسي، ولن ينتج عن هذه التسوية أي مشروع سياسي، بقدر ما قد تشرعن لمرحلة أخرى من الصراع والتربّص، وحالة من حالات الدولة الفاشلة التي لا تمتلك القدرة على النهوض بأعبائها ورعاية مصالح مواطنيها، بقدر ما تكون مطيّة للقوى الخارجية للهيمنة والسيطرة من خلالها على موارد البلد وقراره السياسي.

 

ما غاب عن العمل السياسي الليبي طوال سنوات المرحلة الانتقالية، هو إدراك أبعاد “أزمة الدولة الوطنية” والمخاطر التي تهددها، ومن ثم إدراجها في سياق “الحل”.

 

وهذه المخاطر تتمثّل:

 أولاً: في قضية الإرهاب الذي يهدد قيام الدولة الوطنية وأهمية الوقوف على أرضية مشتركة لمكافحته.

 

وثانيا: كيفية إدارة الموارد الطبيعية في ليبيا.

 

 وثالث: هي قضية التعصب الجهوي والقبلي وحروب الثأر، والمناكفات بين المدن والقرى، ومصير مشروع العدالة الانتقالية... وهذه القضايا مجتمعة تشكل أساس الخارطة الأمنية والمفهوم الأمني الذي يتوجب أن يرتكز عليه الكيان السياسي الليبي الجامع.

 

 لهذا نقول أن الازمة الليبية، بالمعطيات الراهنة، تجاوزت إمكانية الحل بالحوار فقط، ولا بالعمل العسكرى فقط، لان هناك الكثير من القضايا تتطلب العلاج بالحوار للوقوف على أرض صلبة ووضع مستقر. وعلية لا يمكن، الوصول الى حل عادل، إلا بالاعتراف بالشرعية، ودعم الحرب على التمرد والإرهاب. وهذا فى ظل الوضع الراهن على الارض لا يمكن الوصول اليه بالحوار.

 

فكيف يمكن توقع، أن قوات تملك السيطرة على العاصمة ومؤسساتها، وأجزاء واسعة من أرض ومقدرات الوطن، أن تقبل بقيام دولة قوية مسيطرة، تحرمها من هذه المكاسب والنفوذ، لمجرد الوصول الى التوافق فى وحدة وطنية شكلية، هذا الى جانب ما سيتعرض له من يقف وراء هذه المليشيات، من مواجهة مع الشعب والقضاء، بعد قيام الدولة القوية المسيطرة ؟! ولذلك لا يمكن تصور أن هذه القوات المتمردة والإرهابية، ستتنازل، فعليا، للشرعية أو الجيش الوطنى، قبل أن تُهزم عسكريا، أو على الاقل تكسر شوكتها، وتتأكد أن الخسارة، فى استمرار تمردها وإرهابها، أكبر من تنازلها لقبول الشرعية. وبعد ذلك يبدأ، الحل السياسى .