المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

حول سيناريو " سورنة " الملف اليمنى

الأربعاء , 14 يونيو 2017 - 03:57 مساءٍ

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

بعد تجربة إسبوعين من "عاصفة الحزم" فى اليمن، يتداول فريق من المراقبين والمحللين سيناريو "سورنة " الملف اليمنى. بمعنى أنه فى ظل معطيات تفيد بوقوع حوالى ألف قتيل، وأكثر من 2500 جريح، فضلا عن 150 ألف نازح يمنى حتي الآن، يتخوف البعض من إعادة انتاج السيناريو السوري في اليمن.

 

بيد أن المراقب عن كثب للمشهد اليمنى ( وإن كان يتفهم تلك الهواجس) يدرك أن هذه المخاوف لا تراعي تماماً حقيقة أن اليمن ليس سوريا.... على الرغم من وجود مشتركات ومتشابهات في كلتا التجربتين.

 

السيناريو السوري، بدأ بالرهان على تدمير الجيش السوري، فإن تعذر ذلك، فلا أقل من تقسيمه وتصفية قيادته فرادى وجماعات، وتوسيع نطاق الانشقاقات الفردية والجماعية عنه ... السيناريو اليمني بدأ بالفرضية ذاتها ... ضربات "عاصفة الحزم" انصبت بالأساس على الجيش اليمني، قوات النخبة، القواعد العسكرية، منظومة الدفاع الجوي، القدرات الصاروخية الاستراتيجية، المطارات والموانئ، في ظل رهان كبير على إمكانية انشقاقه، وتفكيكه.

 

في سوريا تم تسمية الجيش السوري بقوات الأسد، وفي اليمن، يُطلق على الجيش اسم قوات صالح ... الخلاصة، وبصرف النظر عن طبيعة تشكل هذه الجيوش أو إعادة تشكيلها، ومستوى النفوذ الذي يحظى به رأس النظام فيها، فهي القوات النظامية الوحيدة الموجودة على الأرض، وبها وحدها، تناط مهمة حفظ الامن وبقاء الدولة ... تحطيمها أو تمزيقها، لا يترتب عليه سوى إفساح المجال للمنظمات والمليشيات والمجاميع العسكرية وشبه العسكرية، جيوش الطوائف والمذاهب والحارات، لتسيّد المشهد وتقرير وجهة الصراع ومالاته.


في سوريا حديث عن نظام فاقد للشرعية، وفي اليمن يتواصل " العزف على سيمفونية الشرعية". في اليمن يُراد إعادة "الشرعية" إلى حضن الوطن وترابه، على أجنحة الإف 16، وفي سوريا يراد دفنها تحت تراب الوطن بعد أن تعذر اقتلاعها منه بقوة الناتو وعلى أجنحة "المعارضة الشرعية والمشروعة"، المدعومة من عواصم إقليمية ودولية ... في الحالتين تسوق الحرب بوصفها حرباً على " أقلية مذهبية مستبدة"، ضد أغلبية سنيّة مظلومة ومهمّشة.

 

في سوريا، لم يجد القوم من ضرر أو ضرار بتسهيل تدفق أكثر من 25 ألف "مجاهد" من مائة دولة، عبر حدود "أصدقاء سوريا" وبدعم وتمويل ممن تربطهم "صلات قرابة مذهبية وعقائدية" مع هؤلاء "المجاهدين"، حتى تحول شمال شرق سوريا إلى ملاذ لـــــ"داعش"، وشمال غربها وجنوبها إلى ملاذ لــــ"النصرة".

 

دع عنك الجيوب المنتشرة هنا وهناك، تتقاسم السيطرة عليها تنظيمات "شقيقة" ترفع ألوية الإسلام الجهادي السوداء.


في اليمن، استثمر القوم كثيراً في "قاعدة مأرب" على مقربة من خزانات النفط اليمنية، وتحولت حضرموت وعاصمتها المكلا، إلى مقر مركزي لتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"، والأنباء تتحدث عن حضور داعشي متميز، سيأخذ الجميع على حين غرة ذات يوم ربما ليس بالبعيد، خصوصاً بعد عمليات الاقتحام المنظمة للسجون وتحرير سجناء القاعدة الكبار.

 

نفس اللعبة، جرى تجريبها في العراق زمن حكومة المالكي وقبل أن يتدخل المجتمع الدولي بقوة في الحرب على الإرهاب، ودائماً بهدف حشد كل الطاقات لمواجهة التهديد الإيراني الأشد خطورة.


الفارق بين سوريا واليمن: في الأولى، يجري العمل لحسم المعركة مع النظام على الأرض، بعد أن تعذر تحقيق الضربة الجوية القاصمة بطائرات الناتو ... في الثانية، تجري أوسع عمليات جوية يشهدها اليمن في تاريخه، بعد أن تعذر على خصومه، امتلاك قاعدة قوية على الأرض في الداخل، وعلى أمل أن تفضي الضربات الجوية، إلى انشقاقات في الجيش اليمني، وتأليب بعض الأطراف المحلية على الجيش والحوثيين، بدءاً بإخوان اليمن (التجمع اليمني للإصلاح)، ثالث فرس للرهان في اليمن، بعد انشقاق الجيش وصعود القاعدة.


في سوريا نجح "التحالف" في ضم أكثر من ستين دولة ضمن نادي "أصدقاء سوريا" ... في اليمن، تبدو الحرب كما لو كانت حكراً على دولة واحدة فقط، وفي الحد الأعلى دولتين اثنتين، بقية الدول، تميزت مشاركتها بطابع رمزي – سياسي، أملتها قوة المال وسطوة الطاقة.

 

في سوريا استغرق الأمر أربع سنوات، قبل أن تبدأ أطراف عديدة بالتعبير عن ضجرها وضيقها من استمرار الأزمة... وفي اليمن، لم يمض اسبوعان، حتى بدأ الضجر والقلق يتسربان إلى أروقة الأمم المتحدة ومشاريع قرارات وقف إطلاق النار والهدنات الإنسانية.


في سوريا ثمة قناعات بأن "الحسم العسكري" ضربُ من الخيال ... وفي اليمن هناك من يتحدث عن " الحرب البرية" المستحيلة، قبل أن يُتم حديثه عن استحالة حسم الحرب من الجو والسماء.

 

في سوريا استغرق الأمر عدة سنوات قبل أن تعم القناعة بوجوب الحل السياسي وحصريته... في اليمن، بدأ الحديث عن الحل السياسي حتى منذ لحظة إعلان البيان رقم واحد للعمليات .... في سوريا يقال إنها "حرب عبثية"، وفي اليمن يقال إنه العبث في هيئة الحرب وشكلها.

 

في سوريا، بلغت فاتورة الدم ذروتها، وفي اليمن، بدأت الشاشات تعرض أشلاء الأطفال والنساء المنتشلين من تحت أنقاض بيوتهم وأسرهم المنكوبة.
في سوريا، قيل عن حرب بالوكالة ... في اليمن، عزّ الوكلاء، فانطلقت الحرب بين "الأصلاء" من دون قفازات أو ستائر تخفي وجوه اللاعبين الرئيسين أو تحجب هوياتها.

 

سوريا واليمن، حرب واحدة في ساحتين، تماماً مثلما هي الحروب المندلعة في العراق، وليبيا، ولبنان الذي يقف على شفير هاوية من الحرب.
سوريا ليست اليمن، هذا صحيح ... لكن اليمن ليس سوريا بدوره .... وما لم ينجح في بلاد الشام، لا أظنه سينجح في وطن العرب الأول ... الحكمة يمانية كما يقال، وفي ظني أن الجميع سيدرك، وبأسرع مما يُظَن، بأن خيار الحرب لن ينجح في اليمن، وأن حلاً سياسياً متوازناً، هو المخرج من هذا الاستعصاء ... والاستعصاء هنا لا يعتصر اليمنيين وحدهم، بل يضرب طوقاً كذلك حول الخصوم الإقليميين الذى يتصارعون من أجل النفوذ على بلدهم ، وربما بصورة أشد وطأة.

الخلاصة، أن مرور الزمن ليس بالضرورة في غير صالح اليمن واليمنيين، إن كان هناك من يقرأ ويدقق ويبني السياسات على المصالح والمنافع، لا على العصبيات والثارات القبلية.