المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الأزمة الأوكرانية وتداعياتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والسيناريوهات المتوقعة

الخميس , 15 يونيو 2017 - 08:57 مساءٍ

الاحتجاجات في أوكرانيا
الاحتجاجات في أوكرانيا

في ٢١ نوفمبر ٢٠١٣ اندلعت احتجاجات في أوكرانيا  بين مؤيدين ومعارضين للرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، المعارض للشراكة مع  الاتحاد الأوروبي وتحولت تدريجيا إلى مواجهات مسلحة في العاصمة كييف وغيرها من المدن الأوكرانية أدت في نهاية فبراير ٢٠١٤ إلى عزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا وصعود الأحزاب والقوى الموالية للغرب إلى السلطة.

 

وأدى ذلك بدوره إلى اندلاع احتجاجات في جنوب شرق أوكرانيا للسكان الناطقين بالروسية الذين رفضوا الاعتراف بالسلطات الجديدة في كييف وسياساتها بشأن اللغة الروسية والتكامل مع الغرب، مطالبين بالحفاظ على التعاون مع روسيا وإقامة نظام فيدرالي في البلاد.

 

وشهد جنوب شرق أوكرانيا فيما بعد إجراء استفتاء عام في شبه جزيرة القرم وانضمامها إلى روسيا، وإعلان استقلال جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك الشعبيتين من جانب واحد، ونشوب حرب حقيقية في منطقة دونباس أودت بحياة أكثر من ٦ آلاف شخص حتى منتصف أبريل ٢٠١٥. علاوة على ذلك، أثارت "الأزمة الأوكرانية" خلال عام ٢٠١٤ توترا حقيقيا في العلاقات بين روسيا ودول الغرب، ناهيك عن كارثة إنسانية أدت إلى نزوح مئات الآلاف من سكان شرق أوكرانيا من مناطق القتال إلى مقاطعات أوكرانية أخرى وإلى روسيا وغيرها من الدول.

 

وفي فجر ٣٠ نوفمبر ٢٠١٣  قامت الشرطة الأوكرانية بتفريق المتظاهرين في ميدان الاستقلال بوسط العاصمة. وعاد عشرات آلاف المحتجين للتظاهر، ورفعوا هذه المرة مطالب إقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة. وتعرضت بعض المباني الإدارية في العاصمة لاعتداءات، وحاصر المتظاهرون مقرات الرئاسة والبرلمان والحكومة، واتخذت الشرطة اجراءات لإبعاد المحتجين عن المقرات. وحاولت المعارضة في البرلمان حجب الثقة عن حكومة نيقولاي أزاروف، لكنها لم تتمكن من الحصول على العدد الضروري من الأصوات.

 

وعلى خلفية استمرار المظاهرات قام الرئيس فيكتور يانوكوفيتش بزيارة لروسيا لإجراء مباحثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وأعلن بوتين أن روسيا قررت استثمار ١٥ مليار دولار في السندات المالية الأوكرانية، كما تم الاتفاق على تخفيض سعر الغاز الروسي المصدر إلى أوكرانيا بشكل مؤقت. وحاولت السلطات الأوكرانية مواصلة المشاورات مع الاتحاد الأوروبي حول آفاق توقيع الاتفاقية، لكن المشاورات فشلت.

 

وخلال هذه الفترة، تكثفت زيارات مسؤولين وسياسيين أوروبيين وأمريكيين إلى كييف، حيث أجروا مباحثات مع ممثلي السلطة وكذلك المعارضة والمحتجين وزاروا ميدان الاستقلال في وسط العاصمة الأوكرانية. وتصاعدت المواجهات في كييف من جديد في منتصف فبراير ٢٠١٤ في كييف، مما أدى إلى سقوط نحو ١٠٠ قتيل، بينهم عدد من رجال الأمن. وتبادلت السلطة والمعارضة الاتهامات باستخدام أسلحة نارية في الاشتباكات. واتسعت الاحتجاجت لتشمل مدنا أوكرانية أخرى، خاصة في غرب البلاد. وفي مدينة لفوف هاجم محتجون ثكنة عكسرية، وأضرموا النار فيها

.

وفي ٢١ فبراير وقع الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش مع زعماء المعارضة اتفاقا لتسوية الأزمة، وذلك بحضور وزيري خارجية ألمانيا وبولندا وممثل الخارجية الفرنسية. إلا أن يانوكوفيتش غادر بعد ذلك العاصمة كييف، ثم غادر أوكرانيا، متوجها إلى روسيا. وفي اليوم التالي صوّت معظم نواب البرلمان الأوكراني على إقالة يانوكوفيتش من منصب الرئاسة بسبب عدم تنفيذ مهامه، وقرر إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في البلاد 25 مايو ٢٠١٤.

 

واتخذ البرلمان قرارا سمح بالإفراج عن رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو التي كانت تقضي فترة عقوبة في السجن،  وفي ٢٧ فبراير قرر البرلمان تعيين أرسيني ياتسينيوك رئيسا للحكومة الأوكرانية. وأدى هروب الرئيس الأوكراني من العاصمة إلى حدوث انشقاقات في حزبه، وحمّلته كتلة حزب الأقاليم في البرلمان الأوكراني كامل المسؤولية عن سقوط الضحايا في اشتباكات كييف. ولكن يانوكوفيتش أعلن أنه لن يقدم استقالته ويعتبر ما يجري في البلاد انقلابا.

 

الواقع الامني والعسكري بعد اندلاع الأزمة في أوكرانيا:

أعلن تقرير للمفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ٢٠ نوفمبر ٢٠١٤ (بمناسبة مرور عام على نشوب الأزمة الأوكرانية) أن النزاع المسلح في شرق أوكرانيا منذ اندلاعه في منتصف أبريل ٢٠١٤ أسفر عن مقتل ٤٣١٧ شخصا وإصابة ٩٩٢١. وأدت الأزمة الإنسانية والعمليات القتالية في شرق أوكرانيا إلى نزوح أكثر من ٣٨٠ ألف شخص من مناطق القتال إلى مقاطعات أوكرانية أخرى ولجوء أكثر من ٤٢٥ ألف شخص إلى خارج أوكرانيا، خاصة إلى روسيا المجاورة، حسب بيانات  الأمم المتحدة.

 

وأدت الازمة الاوكرانية إلي تدمير الشرق الاوكراني بالكامل (بنية اساسية وخدمات)، كما وقع  6000 قتيل و15 الف مصاب، بلغ عدد النازحين حوالي مليون نازح حسب احصائات الامم المتحدة.

 

وبعد نشوب الازمة الاوكرانية، أعلن المجلس المحلي في شبه جزيرة القرم أنه ينوي إجراء استفتاء حول تقرير مصير هذا الإقليم الذي يمثل الروس غالبية سكانه. وفي استفتاء عام جرى في القرم في ١٦ مارس ٢٠١٤ صوّت أكثر من ٩٥٪ من سكان الإقليم ومدينة سيفاستوبل لصالح الانضمام إلى الاتحاد الروسي. واعتبرت سلطات كييف وكذلك الدول الغربية هذا الاستفتاء غير شرعي، بينما أكدت روسيا أن استفتاء القرم عبر بوضوح عن إرادة سكان شبه الجزيرة وأنه لم يخالف القانون الدولي

.

وفي  نوفمبر ٢٠١٤، قامت القوات الروسية بتغيير السلطة في كييف بمحاصرة القوات الأوكرانية المنتشرة في القرم بهدف الحيلولة دون إراقة الدماء وللسماح لسكان الإقليم بالتعبير عن موقفهم حول تحديد مستقبلهم. وقامت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية بعد انضمام القرم إلى روسيا بفرض حزمة أولى من العقوبات على روسيا تمثلت في حظر سفر عدد من الشخصيات الروسية والأوكرانية إلى هذه الدول وتجميد أرصدتهم في تلك الدول.

 

وعمت احتجاجات مناهضة للسلطات الجديدة في كييف ومطالبة بإقامة نظام فيدرالي في البلاد مناطق جنوب شرق أوكرانيا، خاصة في مقاطعتي دونيتسك ولوجانسك. وفي أبريل ٢٠١٤ احتل محتجون في شرق أوكرانيا مقرات إدارية ومؤسسات حكومية وأعلنوا عن تأسيس جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك الشعبيتين وانتخبوا "محافظين شعبيين".

 

 

وأعلنت دونيتسك ولوجانسك الشعبيتان استقلالهما في ١٢ مايو ٢٠١٤ بعد استفتاء عام أجري في شرق أوكرانيا في ١١ مايو، صوت معظم المشاركين فيه لصالح انفصال مقاطعتي لوجانسك ودونيتسك عن أوكرانيا. واعتبرت السلطات الأوكرانية الجديدة "الجمهوريتين الشعبيتين" تنظيمين إرهابيين وأعلنت بدء "عملية لمكافحة الإرهاب" في شرق البلاد.

 

وفي ١٧ أبريل ٢٠١٤ وقّع خلال اجتماع رباعي أوكراني روسي أوروبي أمريكي في جنيف بيان لتسوية الأزمة الأوكرانية نص على ضرورة نزع سلاح التشكيلات المسلحة غير الشرعية وإطلاق حوار وطني شامل وإجراء إصلاح دستوري، إلا أن هذا الاتفاق لم ينفذ بسبب تصعيد الوضع واندلاع حرب حقيقية في شرق أوكرانيا بين قوات الأمن الأوكرانية وقوات "الدفاع الشعبي" التابعة لـ "دونيتسك ولوجانسك الشعبيتين" المعلنتين من طرف واحد.

 

وفي ٢ مايو ٢٠١٤ قام قوميون أوكرانيون متشددون بإحراق مخيم لنشطاء مناهضين لسلطات كييف، ومن ثم مقر دار النقابات الذي لجأ إليه النشطاء. وأسفرت أعمال العنف عن مقتل ٤٨ شخصا وإصابة أكثر من ٢٠٠ آخرين بجروح. ودانت موسكو بشدة هذه الجريمة، مطالبة بإجراء تحقيق شفاف ومعاقبة جميع المسؤولين عنها. وفي ٢٥ مايو جرت انتخابات الرئاسة في أوكرانيا باستثناء معظم مناطق مقاطعتي لوجانسك ودونيتسك، وصوّت نحو ٥٥٪ من الناخبين لصالح انتخاب بيترو بوروشينكو رئيسا جديدا للبلاد. وأعلن بوروشينكو في كلمته في مراسم التنصيب أنه سيسعى إلى الحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا وإعادة القرم وتعزيز قدرات الجيش وسياسة التكامل مع الاتحاد الأوروبي.

 

وشهدت العملية العسكرية الأوكرانية في أشهر صيف ٢٠١٤ بعض التقدم للقوات التابعة لكييف التي سيطرت في مطلع يوليو على مدينة سلافيانسك، وهي المعقل الأساسي لقوات "الدفاع الشعبي" المحلية، وغيرها من المدن والبلدات، إلا أن الوضع الأمني تعقد في أغسطس وزادت خسائر القوات الأوكرانية ناهيك عن سقوط الكثير من الضحايا بين المدنيين. واتهمت موسكو الجيش الأوكراني ووحدات المتطوعين الأوكرانيين بارتكاب جرائم بحق سكان منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، مطالبة بوقف القتال فورا.

 

وبعد تحطم طائرة "بوينج-٧٧٧" تابعة للخطوط الجوية الماليزية في شرق أوكرانيا في ١٧ يوليو. وقتل جميع ركابها الـ ٢٩٨، وكانت تقوم برحلة من أمستردام إلى كوالالمبور. اتهمت كييف والدول الغربية مقاتلي "الدفاع الشعبي" في شرق أوكرانيا بأنهم أسقطوا الطائرة المدنية باستخدام صاروخ من طراز "أرض - جو" أطلق من منطقة يسيطرون عليها، إلا أن قوات "الدفاع الشعبي" من جهتها حملت الطيران الحربي الأوكراني مسؤولية إسقاط الطائرة. بدورها اتهمت موسكو الغرب بانحيازه لكييف وعدم الرغبة في إجراء تحقيق حقيقي شفاف في حادث تحطم الطائرة الماليزية.

 

وأدى تحطم "بوينغ" الماليزية إلى زيادة التوتر في العلاقات بين روسيا والغرب. واتهمت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية موسكو بدعم المقاتلين في شرق أوكرانيا وحتى بإرسال قوات روسية إلى مناطق القتال، وأعلنت عن فرض مزيد من العقوبات على روسيا. من جانبها رفضت موسكو كل هذه الاتهامات رفضا تاما، معتبرة عقوبات الغرب ضدها مضرة بالاقتصاد العالمي ككل وأعلنت بدورها عن حظر استيراد بعض المنتجات الزراعية الغربية.

 

وأدى القتال بين القوات الأوكرانية وقوات دونيتسك ولوجانسك في صيف ٢٠١٤ إلى زيادة الخسائر البشرية بين العسكريين والمدنيين يوما بعد يوم، ما دفع جانبي النزاع المسلح للبحث عن وقف لإطلاق النار. وبعد لقاء لرئيسي روسيا وأوكرانيا فلاديمير بوتين وبيترو بوروشينكو في مينسك في ٢٦ أغسطس ٢٠١٤، اتفقت مجموعة الاتصال الخاصة بتسوية الأزمة الأوكرانية في ٥ سبتمبر ٢٠١٤على توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا.

 

وفي ١٩ سبتمبر وقع ممثلو كييف وشرق أوكرانيا بوساطة روسية على مذكرة مينسك الخاصة بتفاصيل الهدنة. ورغم عدم تنفيذ اتفاقات مينسك بشكل كامل واختلاف تفسيرات هذه الاتفاقات واستمرار التراشقات والقصف، سمحت عملية مينسك بتخفيف حدة العنف في مقاطعتي دونيتسك ولوجانسك. ودعمت الدول الغربية هي الأخرى تنفيذ اتفاقات مينسك ودعت إلى التزام الأطراف المعنية بها. وأكدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن التوصل إلى اتفاقات مينسك سمح باستبعاد عمليات عسكرية واسعة النطاق.

 

وفي 28 ابريل 2014 وصلت ٤ مقاتلات فرنسية إلى بولندا، فيما التحقت ٤ مقاتلات بريطانية بليتوانيا، في إطار مهمة لحلف الناتو تهدف إلى مراقبة الفضاء الجوي لدول البلطيق القريبة من حدود روسيا. وأكدت وزارة الدفاع الفرنسية أن المقاتلات الفرنسية من طراز "رافال" التحقت بقاعدة مالبروك الواقعة شمال بولندا، كما أفادت أن ٧٠ عسكريا فرنسيا قد توجهوا للقاعدة من أجل المشاركة في مهمة حماية الأجواء البولندية وتدريب أفراد من الجيش البولندي. فيما أكدت وزارة الدفاع البريطانية أنها أرسلت ٤ مقاتلات من طراز "تايفون" للقيام بدوريات جوية في كل من لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، وهي الجمهوريات السوفيتية السابقة الواقعة على بحر البلطيق والتي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بمجرد تفكك الاتحاد السوفيتي.

 

وكانت كل من لاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وإستونيا قد طلبت من الناتو والولايات المتحدة تعزيز الحضور العسكري على أراضيها على خلفية الأزمة الأوكرانية. ومنذ بدء هذه الأزمة بدأت طائرات الاستطلاع المتمركزة في قاعدة الناتو بألمانيا القيام بتحليقات يومية فوق جنوب رومانيا لإجراء استطلاع تجسسي لجنوب أوكرانيا ومولدافيا والقرم. كما أعلنت وزارة الدفاع الرومانية عن تحريك قطع عسكرية نحو الحدود الشرقية عبر العاصمة بوخاريست باتجاه مدينة كونستانتسا الواقعة على البحر الأسود حيث وصل قطار عسكري محمل بأسلحة الدفاع الجوي والشاحنات ومنظومات إطلاق صواريخ (أرض – جو). وأوضحت الوزارة أن هذه الأسلحة ضرورية لإجراء المناورات العسكرية بالاشتراك مع القوات الأمريكية والمقاتلات من طراز (إف – ١٦).

 

 

الخريطة الحزبية بأوكرانيا بعد اندلاع الأزمة:

فاز في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أوكرانيا في ٢٦ أكتوبر ٢٠١٤ حزبا الرئيس الأوكراني  بيترو بوروشينكو ورئيس الوزراء أرسيني ياتسينيوك "الجبهة الشعبية". كما تمكنت أربعة أحزاب أخرى من دخول البرلمان الجديد، بينها "الائتلاف المعارض"، الذي يمثل أعضاء "حزب الأقاليم" الحاكم سابقا. واحتفظ ياتسينيوك بمنصب رئيس الوزراء باعتباره رئيس "الجبهة الشعبية" التي فازت قائمتها في الانتخابات البرلمانية.

 

من جهة أخرى أجرت الجمهوريتان المعلنتان من جانب واحد في شرق أوكرانيا في ٢ نوفمبر ٢٠١٤ انتخابات برلمانية ورئاسية، فاز فيها زعيما دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين ألكسندر زاخارتشينكو وإيجور بلوتنيتسكي وحزباهما على التوالي. واعتبرت كييف وكذلك الدول الغربية انتخابات دونيتسك ولوجانسك غير شرعية ومخالفة لاتفاقات مينسك، بينما أكدت موسكو أنها تحترم إرادة شعب جنوب شرق أوكرانيا، مشيرة إلى أن سكان المنطقة انتخبوا ممثلين شرعيين لهم.

 

ولايوجد قوي سياسية فاعلة، يمكن الاعتماد عليها داخل اوكرانيا، لقيادة عمليات تصحيح لاثار الازمة السياسية والاقتصادية المشتعلة منذ سنوات، فدميتري ياروش، زعيم التيارات المتطرفة في اوكرانيا، اصبح له حزبا كبيرا، بجانب احزاب اخري للتيار اليميني المتطرف، تملك تمثيلا داخل مجلس النواب الاوكراني والحكومة ايضا، وحزب الاقاليم، الذي كان حاكما، قبل هروب الرئيس السابق يانكوفيتش الي روسيا،  تم مهاجمة مقراته، وتم منع نوابه ونواب الحزب الشيوعي من دخول المجلس، واستمر اضطهاد حزبي الاقاليم والشيوعي حتي خروجهما من البرلمان في الانتخابات الاخيرة.

 

اما بالنسبة للاعلام المستقل، فقد اصبح مستهدف باغتيالات سواء لصحفيين واعلاميين وملاك قنوات، ولم يعد هناك صوت معارض سوي مظاهرات العمال امام تصاعد نفوذ رجال الاعمال، وعلي راسهم الرئيس الاوكراني نفسه الملياردير بورشينكو.

 

التحركات الدبلوماسية لوضع حلول للأزمة الأوكرانية:

على الرغم من خروج قمة مينسك الثانية بعدد من المقررات الهامة حول التهدئة في شرق أوكرانيا ووقف إطلاق النار. غير أن المثير للتساؤلات هو تصريحات الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو بعد تلك القمة بيوم واحد ورد فعل القوى القومية المتطرفة في كييف. فقد أعلن الرئيس الأوكراني أنه غير واثق بأن جميع الأطراف ستنفذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها في مينسك في ١٢ فبراير ٢٠١٥.

 

ويأتي الأخطر من جانب القطاع الأيمن القومي المتطرف الذي أنكر تماما اتفاقيات مينسك، ومحاولات تسوية الأزمة الأوكرانية. إذ قال زعيم تنظيم "القطاع الأيمن" الأوكراني المتطرف دميتري ياروش إن تنظيمه ومقاتليه المشاركين في العملية العسكرية بجنوب شرق أوكرانيا لا يعترفون باتفاقية مينسك الأخيرة. وأعلن ياروش أن القطاع الأيمن يعتبر أي اتفاق مع "الإرهابيين الموالين لروسيا" لا يملك أي صفة قانونية وأنه يتعارض مع الدستور الأوكراني وتطبيق ما جاء فيه لا يعتبر ملزما لمواطني أوكرانيا. وقال ياروش إن أي أمر سيصدر عن القوات المسلحة الأوكرانية لسحب الأسلحة الثقيلة والمدافع ووقف إطلاق النار غير ملزم لـ "الفيلق التطوعي الأوكراني"، الجناح المسلح لتنظيم "القطاع الأيمن"، مؤكدا أنهم يحتفظون بحق إكمال العمليات العسكرية حسب برنامج العمليات الخاص حتى تحرير الأراضي الأوكرانية من "الاحتلال الروسي" حسب تعبيره.

 

الوضع الاقتصادي داخل اوكرانيا وتأثيره علي الاقتصاد الروسي:

إن اقتصاد أوكرانيا يشارف على الإفلاس، وتعتبر روسيا ودول الاتحاد الأوروبي من أكبر شركاء أوكرانيا في مجال التجارة، وقَدَّرَ صندوق النقد الدولي قيمة المساعدات المالية التي يحتاجها الاقتصاد الأوكراني في غضون ٤ سنوات لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي بنحو ٤٠ مليار دولار.

 

ويعتبر مراقبون أن العقوبات التي تم فرضها علي روسيا من جانب قوي الاتحاد الاوروبي وامريكا، علي ضوء اتهامها بالتورط في الازمة الاوكرانية، ان اكبر قطاع اقتصادي تأثر داخل الاقتصاد الروسي هو قطاع الطاقة الذي تراجع بنسبة 32%، وهي ضربة كبري لاقتصاد روسيا، لان 55% من عائدات مبيعات الطاقة الروسية تمول مصروفات الموازنة الروسية، خاصة بعد ان انخفض سعر البترول لاقل من 60 دولارا للبرميل، برغبة امريكية، فالولايات المتحدة امريكا تستخرج البترول بـ72 دولارا وتبيعه بـ60، لتخفيض الارباح الروسية.

 

  ورغم خسائر روسيا، الا انها ضخت الغاز لاوكرانيا بربع الثمن، لمساندة العقوبات الاقتصادية علي اوكرانيا، والتي تمثلت في: خفض السياحة لروسيا، ووقف التعاملات التجارية بين البلدين، وتوقيع عقوبات علي اكبر شركة غاز في اوكرانيا.

روسيا لديها احتياطات كبيرة من البترول.

 

ومن هنا جاءت رغبة بوتين، في الاعتماد علي الروبل الروسي في تصدير القمح لمصر، رغبة في زيادة كقيمة عملته المحلية، وتقليل اعتماده علي السحب احتياطات النقد الاجنبي الروسي، الذي انخفض الي ادني مستوياته كما انخفض الروبل الروسي بنسبة 30% .

 

ولجأت روسيا إلي رفع اسعار الفائدة في البنوك ورسوم اضافية  علي صادراتها الخارجية، بما ادي الي احجام الشركات الغربية عن الاستثمار في روسيا خوفا من العقوبات لتذهب الي بريطانيا، فالعقوبات الروسية رفعت اسعار استيراد مصر من القمح بسبب الرسم الصادر لذلك طلبت مصر استثنائها من الرسوم، اما السياحة الروسية عموما، فتراجعت لمصر  بسبب انخفاض الروبل، خاصة ان 33% من سياحة مصر من روسيا.

 

لكن احتمالات سقوط الاقتصاد الروسي، اصبحت ضعيفة، امام ازدياد شعبية بوتين الذي اصبح بطلا قوميا، لانه يواجه الغرب وامريكا في نظر شعبه.

 

ومن اللحظة الاولي، فإن الاتحاد الأوروبي، يسعي إلي تحميل روسيا نتائج الأزمة الاقتصادية في أوكرانيا، بينما روسيا، منذ اليوم الأول لاستقلال أوكرانيا، تدعم استقرار الاقتصاد الأوكراني، وتورِّد لها الغاز بسعر مخفض. في يناير عام ٢٠٠٩ وبمشاركة رئيسة الوزراء آنذاك يوليا تيموشينكو، تم التوقيع على عقد بيع – شراء الغاز الطبيعي لأعوام ٢٠٠٩ - ٢٠١٩ تضمّن تنظيم عمليات توريد الغاز وتسديد ثمنه، وكذلك ترانزيت الغاز عبر أراضي أوكرانيا دون عوائق.

 

 

إن حجم الغاز الطبيعي المورد إلى أوكرانيا خلال أعوام ٢٠٠٩ - ٢٠١٤ وصل إلى ١٤٧ مليار و٢٠٠ مليون متر مكعب بدون أي تغيير في الأسعار المثبتة في العقد. كما أن أوكرانيا حتى أغسطس ٢٠١٣ كانت تسدد ثمن الغاز بموجب هذه الصيغة. وبعد توقيع العقد منحت روسيا أوكرانيا عددا من المزايا والتخفيضات غير المسبوقة، منها تخفيض بموجب "اتفاقية خاركوف" عام ٢٠١٠، اعتبر سلفة عن إيجار مرافق أسطول البحر الأسود لما بعد عام ٢٠١٧. وكذلك تخفيض سعر الغاز المخصص لمؤسسات الصناعات الكيميائية الأوكرانية، وتخفيض آخر بسبب أزمة الاقتصاد الأوكراني ابتداء من شهر ديسمبر ٢٠١٣ ولمدة ربع سنة، ومنذ عام ٢٠٠٩ بلغت قيمة هذه التخفيضات ١٧ مليار دولار. وهنا يجب أن نضيف مبلغ ١٨ مليار و٤٠٠ مليون دولار لم تسدده أوكرانيا كغرامات بسبب عدم أخذها الحجم الأدنى السنوي من الغاز. وبذلك دعمت روسيا على مدى الأعوام الأربعة الماضية الاقتصاد الأوكراني بمبلغ قدره ٣٥ مليار و٤٠٠ مليون دولار. وعلاوة على ذلك، منحت روسيا أوكرانيا قرضا بقيمة ٣ مليارات دولار أمريكي في ديسمبر ٢٠١٣.

 

إن الاتحاد الأوروبي يستخدم الاقتصاد الأوكراني كمصدر للمواد الغذائية الخام والمعادن والموارد المعدنية، وفي الوقت نفسه كسوق لبيع منتجات جاهزة ذات درجة عالية من التجهيز (صناعة السيارات والكيمياء)، وذلك مع خلق عجز في الموازنة التجارية لأوكرانيا بأكثر من ١٠ مليارات دولار، يعادل ذلك نحو ثلثي إجمالي عجز التعاملات الجارية لأوكرانيا لعام ٢٠١٣. وبالتالي تؤثر أزمة الاقتصاد الأوكراني الناتجة بدرجة كبيرة عن عدم التوازن في التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي سلبا على تنفيذ الالتزامات التعاقدية لأوكرانيا فيما يتعلق بإمدادات الغاز الروسي.

 

أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن ما خطط له الأمريكان والأوروبيون في المنطقة قد فشل بنسبة كبيرة. ثم ظهرت الأزمة الأوكرانية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالطاقة وبالأمن الأوروأطلسي وبنفوذ الولايات المتحدة وطموحاتها في صراعاتها مع روسيا. كل ذلك شجع الأمريكيين والأوروبيين على إصدار إعلانات بفرض عقوبات على موسكو ومحاولات عزلها، سواء بتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، أو تمدد حلف الناتو نحو الحدود الروسية مباشرة. ولكن صفقة الغاز الروسية الصينية جاءت لتضع بعض النقاط على الحروف، حتى أن واشنطن أصدرت بيانا ملتبسا بهذا الصدد. وإلى الآن تلتزم الصمت إزاء هذه الصفقة التي أفسدت الكثير من حساباتها.

 

الادوار الاقليمية والدولية:

الازمة الاوكرانية ادت الي زيادة درجة الاحتقان الدولى و عودة الحرب الباردة  بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكيةً، وكانت قمة العشرين فى 2013، ابرز مشهد في هذه الحرب الباردة، بعد اتخاذ زعماء هذه القمة قرارات للتصدى  لروسيا اقتصاديا، وهو ما استغلته  الولايات المتحدة بتحاول لان تُجهز على روسيا من الناحية الأقتصادية وعزلها سياسيا، واخراجها من مجموعة الـ8.

 

 لكن الرصيد الروسي لدي الصين وعلاقاتها مع مجموعة البريكس بشكل عام  و حضورها القوى لدي مجموعة دول أمريكا اللاتينية خاصة  الأرجنتين التي وقعت مؤخرا مع روسيا أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية، فوتت الفرصة علي امريكا لعزل روسيا اقتصاديا وسياسيا.

 

الازمة الاوكرانية والدور الاوروبي:

تدخلت اوروبا منذ اللحظة الاولي في الشأن الاوكراني، حماية لمصالحها وتأمين توريد الغاز الطبيعي إليها، حيث سعت موسكو منذ اللحظة الاولي لاندلاع ازمة اوكرانيا لتحقيق هدفين رئيسين: الأول، استعادة السيطرة على شبكة أنابيب نقل الغاز إلى الدول الأوروبية، ومن ثم التحكم بدرجات كبيرة في اقتصاد هذه الدول.

 

 فبلوغ سعر برميل النفط ٦٠ دولارا (في عام ٢٠٠٦) وضع الكرملين في موقع القادر على التفاوض مع الأوروبيين لمدهم بما يحتاجونه من طاقة مقابل الابتعاد عن طريقه سواء في آسيا الوسطي أو البلقان أو جنوب شرق آسيا، أو المجال السوفيتي السابق. فروسيا التي لا تمتلك سوى ٦٪ من المخزون النفطي العالمي تستخرج بمفردها ما يقرب من ١٢٪ من الإنتاج اليومي العالمي، بينما تبدو هيمنتها على قطاع الغاز أكثر قوة إذ أنها تمتلك ٢٧٪ من المخزون العالمي وتنتج يوميا حوالي ٢٢٪ من الإنتاج العالمي.

 

الازمة الاوكرانية والدور الامريكي:

لا يشك أحد أن السيناريو الأمريكي لتمكين التيارات اليمينية الدينية المتطرفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من السلطة، كان ولا يزال بسبب موضوع "الطاقة" تحديدا. وبالتالي، فالنزاع الأوكراني الداخلي، الذي يصوره الغرب على أنه حرب بين روسيا وأوكرانيا، لا يمكن أن ينفصل عن الأحداث الدائرة في سورية، أو ما يجري في ليبيا تحديدا.

 

إن تزامن الأحداث الأخيرة في ليبيا مع خفوت نجم التيارات اليمينية الدينية المتطرفة وتصاعد حدة الأزمة الأوكرانية وصفقة الغاز الروسية – الصينية. ثلاثة محاور تشكل، مرحليا، الخريطة الجيوسياسية والجيواقتصادية في العالم حاليا. ففشل سيناريوهات الولايات المتحدة بتمكين القوى اليمينية الدينية المتطرفة، ودعم الإرهاب، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، دفعها للاستدارة واعتماد سيناريوهات مغايرة في مناطق أخرى مثل أوكرانيا تعتمد على نفس المنهج بدعم القوي اليمينية القومية المتطرفة، بعد أن يكاد مشروعها لدعم القوى اليمينية الدينية المتطرفة في الشرق الأوسط يشرف على الانهيار.

 

الازمة الاوكرانية وعلاقتها بالوضع في ليبيا والعراق وسوريا:

كان من الواضح أن واشنطن وأوروبا تخططان لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وحرمان موسكو من ورقة ضغط على المحور الأوروأطلسي. وكان من الضروري تمهيد طرق نقل الغاز القطري والعراقي عبر سوريا بعد تحويلها إلى إطار يمكن التحكم فيه ومده بنسق "ديمقراطي" شبيه بالنموذجين الأفغاني والعراقي، ومن ثم يمكن استخدام موانيها القريبة من أوروبا كدولة ترانزيت للغاز. ولكن فشل السيناريوهات الأمريكية الأوروأطلسية - إلى الآن – في سوريا، وخاصة بعد السقوط المدوي للقوى اليمينية الدينية في مصر، والتقارب المصري – الروسي، دفع بالولايات المتحدة إلى سيناريوهين هامين. الأول زعزعة الاستقرار في منطقة البحر الأسود عن طريق أوكرانيا، ومحاولات إغلاق المنفذ إلى البحر المتوسط عبر البحر الأسود أمام روسيا من جهة، والسعي لعرقلة تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا عن طريق الأراضي الأوكرانية كورقة ضغط على روسيا وعلى أوروبا في آن واحد.

السيناريو الثاني هو ما يجري في ليبيا بعد أن أصبحت مرتعا لكل الجماعات الإرهابية. إذ ظهرت إمكانية جديدة للجم هذه المنظمات والجماعات، وليس القضاء عليها تماما، بظهور قوة العسكريين.

 

 والنقطة الأخيرة تطرح تساؤلات خطيرة حول أنماط الديمقراطية التي تطرح حاليا في الدول "المنكوبة"، مثل أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها.

هناك إمكانية لدعم حفتر من أطراف مختلفة، سواء كانت دولية أو إقليمية، لا لأن حفتر سيقضي على الإرهاب فورا، وإنما لأنه قد ينجح في تأمين خطوط إمدادات الغاز الليبي أو غير الليبي إلى أوروبا في حال نجاحه في ضبط الأمور. وإذا كان الصراع في ليبيا يدور بين قوى متشابهة أحيانا ومختلفة في أحيان أكثر رغم تشابه مناشئها ومصادرها، إلا أن الصراع الحقيقي يدور بين الأطراف الداعمة لهذه القوى.

 

الازمة الاوكرانية والدور الاسرائيلي:

اسرائيل فاعلة فى كل مكان؛ فالاتحاد السوفيتى، كان يعد ثانى أكبر دولة يوجد بها يهود بعد الولايات المتحدة، فعلى الأقل مليون شخص هاجر من روسيا إلى إسرائيل، وإسرائيل تستغل دائما يهود اوروبا للتدخل في شؤون العديد من الدول ومنها اوكرانيا.

 

السيناريوهات:

يبدو أن السيناريو الاقرب، هو استمرار انهاك روسيا والضغط عليها حتي انهيار الاقتصاد الاوكراني، فالنزاع الأوكراني لن ينتهي إلا بانتصار أحد أطرافه، أما المصالحة ووضع قوات حفظ السلام، فلن تضع له حدا نهائيا.

 

الأمر الآخر ، هو أن السلام في أوكرانيا لا ينسجم مع مخططات الولايات المتحدة المستفيدة من هذه الحرب. فواشنطن ربحت خلال القرن الماضي كثيرا من الحروب التي نشبت في أوروبا، من خلال توريد الأسلحة أو منح القروض بفوائد عالية. إضافة إلى أن أحد أهداف الولايات المتحدة هو دق إسفين بين القارة العجوز وروسيا، وجعلهما تتنازعان اقتصاديا وجيوسياسيا، والحرب الأوكرانية تساعد كثيرا في بلوغ هذا الهدف. كما أن الإدارة الأمريكية تعتبر أن كييف تحارب موسكو وليس جيش الدفاع الشعبي. وبالتالي، فهذه الحرب تضعف روسيا بفرض عقوبات جديدة عليها، لذلك يجب أن تستمر هذه الحرب الى ما لانهاية.

 

وبعد ان توجهت أنظار أوروبا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إلى لقاء مينسك الثنائي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني بيترو بوروشينكو لمتابعة أي تطورات قد تطال الأزمة الأوكرانية والأوضاع المتفاقمة في الداخل الأوكراني بين كييف وشرق البلاد. غير أن المباحثات الثنائية لم تسفر عن أي تقدم في الشقين الاقتصادي والميداني. إذ أعلن بوتين صراحة، بعد ساعتين من المباحثات وراء الأبواب المغلقة، أن روسيا لا يمكنها أن تناقش شروط وقف القتال الذي لا تشترك فيه. وأوضح أن موسكو لا تستطيع الحديث عن أي شروط لوقف إطلاق النار أو أي اتفاقات محتملة بين كييف ولوجانسك ودونيتسك. ولكنها ستفعل ما بوسعها لدعم التسوية السلمية في أوكرانيا.

 

وإذا كان الرئيسان قد اتفقا على ضرورة استئناف مفاوضات إمداد أوكرانيا بالغاز ونقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، وعلى ضرورة التعاون في تقديم مساعدات الإغاثة إلى سكان منطقة الدونباس في جنوب شرق أوكرانيا، فهذا الاتفاق لا يتجاوز الإعلان الصحفي، أو في أحسن الأحوال، الإعراب عن النوايا الطيبة دبلوماسيا.

 

وقبل اللقاء الثنائي في مينسك، أعلن بوتين أن بلاده ستضطر إلى إلغاء الامتيازات التفضيلية الممنوحة للبضائع الأوكرانية المستوردة إلى السوق الروسية بهدف حماية سوقها، وستقوم بتطبيق نظام تجاري اعتيادي مع أوكرانيا، حال تصديق كييف على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

 

أما الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو فقد أكد خلال لقائه المفوضة الأوروبية العليا للسياسة الخارجية والأمن كاثرين آشتون في مينسك أن التصديق على اتفاقية الشراكة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي سيجري في سبتمبر المقبل على الرغم من حل البرلمان. وأشار بوروشينكو كذلك إلى أن نص الاتفاقية سيبقى دون أي تغيير، وسيساهم التصديق عليه في إجراء إصلاحات حقيقية في أوكرانيا.

 

وتبقى الخلافات الاقتصادية الحادة بين روسيا وأوكرانيا مع تصميم الطرفين على عدم التنازل أو إيجاد حل وسط يمكنه أن يساعد في حلحلة الشق السياسي – الميداني من الأزمة.

 

ويبقي غلاء الاسعار هو التهديد الوحيد للنظام الاوكراني الحالي المدعوم من اوروبا وامريكا، وهو العنصر الوحيد، الذي ربما يفجر حراك جديد ضد السلطات في كييف، في ظل ابتعاد التفاهم بين روسيا وامريكا التي ترفض سحب يدها من الداخل الاوكراني.