المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الشرق الأوسط فى 2015 .. تقدير استراتيجى

الأحد , 18 يونيو 2017 - 09:42 مساءٍ

خريطة المنطقة
خريطة المنطقة

يبدو المستقبل القريب والمتوسط لمنطقة الشرق الأوسط ملبدا بعدم اليقين والتحديات الأمنية. ويعد العام 2015 بألا يكون أقل اضطرابا من 2014، إذ تستمر الديناميكيات المحلية والإقليمية في استنزاف المنطقة. يكمن وراء هذا المشهد المضطرب عدد من الاتجاهات والدوافع البنيوية التي كسرت أساسا قالب الشرق الأوسط  في العام2011، وتستمر في ممارسة ضغط كثيف على الهياكل السياسية والاجتماعية الاقتصادية.

وهدف هذه الورقة يتمثل فى تقديم مراجعة هيكلية للعوامل التى نحتاج أخذها فى الاعتبار فى مسعانا لاستقراء ما ينتظرنا خلال الأعوام القليلة القادمة. مع تحديد عدد من الاتجاهات الرئيسية التى ينبغى أن نبقيها صوب النظر، والأرجح أنها ستشكل الأحداث في 2015 ولسنوات عديدة قادمة.

 

أولا: حصاد العام 2014

 

بعد أربع سنوات من الانتفاضات التي كسرت قالب الشرق الأوسط القديم، وكشفت النقاب عن عقود من التوترات والخلل الوظيفي المكبوت في المجالات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقاقية؛ يمكن القول بأن حدود التغيير فى المنطقة ومحصلته النهائية حتى أواخر العام 2014، تتمثل فيما يلى:

  1. في 2014، سقطت أربع دول عربية سوريا، العراق، ليبيا واليمن- بشكل حاسم إلى مستوى الدول الفاشلة، فلم تعد هناك حكومة مركزية مسيطرة وفعالة على امتداد الحدود الوطنية.
  2.  صعدت "داعش" بوصفها التهديد الراديكالي الأضخم في تاريخ المنطقة الحديث، لتتحدى الحدود السياسية، مع محاولة  فرض هويات سياسية ونماذج مختلفة للحكم.
  3. تكثف الصراع السني – الشيعي عبر المشرق العربى ووصل إلى اليمن. فيما استمر الصراع السنى الداخلى بين أنصار ومعارضي الإخوان المسلمين.
  4. زادت السعودية والإمارات من أدوارهما في السياسات الإقليمية، بينما تراجع الدور القطري.
  5. استكملت مصر مسارها بعد إسقاط حكم الإخوان، فانتخبت السيسى كرئيس أعطى أولوية للأمن والاقتصاد، وشن حملة ثقيلة على الإرهاب.
  6.  وجد الوطنيون العلمانيون والإسلاميون في تونس طريقا لتسوية الخلافات والصراع السياسى بوضع دستور جديد، وانتخابات برلمانية ورئاسية شملت جميع الأطراف، وتراجعت حظوظ حركة النهضة فى كل تلك الاستحقاقات.
  7. خططت الأردن ولبنان لتعزيز الاستقرار رغم التدفق الكثيف للاجئين.
  8. الجزائر الحذرة عززت وضعها القائم، وأعادت انتخاب رئيسها المعمر لولاية رابعة.

9- استمرت المغرب في تجربتها للجمع بين العرش القوي، وحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية المغربي الإسلامي .

 10- في تركيا، فاز أردوغان بالرئاسة ومضى على طريق تعزيز سلطته، ولكنه اصطدم بالقضية الكردية، والخلافات الحادة مع الولايات المتحدة وأوروبا بسبب صعود "داعش"، ومع روسيا حول مصير الأسد.

 11- دخل براجماتيو  طهران ومتشدديها في صراع حول مستقبل التوجه الإيراني. حافظ المتشددون على دعمهم لنظام بشار الأسد ، حزب الله والميليشيات الشيعية في العراق، ليمتد نفوذهم إلى دعم قوات الحوثيين في اليمن. فيما يتعلق مصير هذا الصراع – إلى حد كبير-  على مفاوضات 5+1 النووية.

 12- جرب الفلسطينيون كلا من المفاوضات والعسكرة ضد الإحتلال الإسرائيلى، ولكن لم تؤت أيا من الاستراتيجيتين ثمارا، في الوقت الذي استمرت فيه انقساماتهما الداخلية العميقة.

13- تشبث قادة اليمين فى إسرائيل بوضع قائم غير قابل للاستمرار، ولا يمكن الدفاع عنه من دون رؤية بعيدة المدى، سواء لحل الدولتين أو لحل الدولة الواحدة أو أي حل آخر....

 

ثانيا: عام 2015... اتجاهات ومحركات

 

*موسم انتقالات سكانية ضخمة ولاجئون بلا حدود

الإضطراب الشديد الذى يشهده الإقليم منذ العام 2011، جلب معه موجات من نزوح السكان بمدى لم يشهده العالم  منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. الآن أكثر من 53% من اللاجئين على مستوى العالم، داخل المنطقة العربية التي لا تضم سوى 5% فقط من سكان العالم، فيما أثر الصراع على تسع دول على الأقل.

  فمن ناحية، تسبب تدفق السكان بمئات الآلاف خارج سوريا في أكبر كارثة إنسانية في العقود الأخيرة، وغيّر من ديموجرافية لبنان، الأردن، العراق وتركيا. وعلى المدى البعيد سيظهر أثر ذلك وبطرق لا يمكن التنبؤ بها.

كذلك، تسببت الصراعات في ليبيا والعراق في تحركات سكانية كبيرة نحو بلدان مجاورة.

 وإذا ما استمرت اليمن في الانهيار، ربما يؤثر تدفق للاجئين اليمنيين بقوة على السعودية.

هذه التحولات السكانية تأتي مدفوعة بسياسات الهوية على نحو متزايد وتعمل على تغيير التركيبة الاجتماعية والسياسية للإقليم، وبشكل دائم ولا يمكن الرجوع عنه.

ومع استمرار الصراع وقلة الموارد الطبيعية، قد تكون تحديات التحركات السكانية الضخمة تحديا أساسيا فى المنطقة للعقود القادمة.

أثرت هذه الصراعات على أنماط معيشة الكثير من سكان المنطقة بمعدلات كارثية. فقد الملايين أحباؤهم، منازلهم، ووسائل رزقهم. بالنسبة للمجتمعات المضيفة، هناك تنافس متزايد على الوظائف المتاحة وضغط على البنية التحتية القائمة. بالفعل، لبنان الآن التي تأوي حوالي 400 لاجئ فلسطيني تعتبر نموذجا صارخا من هذه الزاوية. تقريبا 20% من سكانها اليوم هم من اللاجئين السوريين. يهدد أثر انتشار الصراع السوري كلا من اللاجئين والسلام الهش للبلاد. مثال آخر يتمثل في أثر انتشار الصراع الليبي في تونس، والذي يملك إمكانية إثارة الاضطرابات هناك.

تمتد آثار موجات النزوح هذه إلى ما وراء الحاضر. عودة الملايين من السكان إلى مواطنهم الأصلية هو تحد على جبهات مزدوجة. ربما الأشد صلة بالموضوع هو مصير مئات الآلاف من الأطفال الذين هم الآن خارج المدارس، تركهم من دون مهارات وعرضة للاستغلال في المستقبل. كذلك، تقطعت أوصال الصلة بين المجتمعات المختلفة دينيا، إثنيا أو قبليا، في بلدان مثل العراق، اليمن، ليبيا وسوريا، والشقوق بين المجمعات ليست سياسية فقط ولكنها اجتماعية أيضا. الإقليم يتحول بالضرورة إلى موزاييك من المجتمعات غير المترابطة والمستقطبة. سيكون لهذا تداعيات سياسية كبيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.

صحيح أن هذه الهجرات الضخمة لم تنهي الدول الوطنية العربية، لكنها تشير إلى فشلها الكبير. إذا تُرك الحال من دون معالجة، فإنها ستبشر بعصر من الكوارث الأضخم والحاجة إلى استجابة عالمية تتجاوز الدعم الإنساني.

 

- معارك تضخم الشباب

 على رأس هذه الاتجاهات التضخم الديمجرافي للشباب: حيث تشير الإحصائيات إلى أن  ثلثا السكان فى المنطقة  أقل من 30 سنة، لتمثل نسبة تاريخية تفجر منابع عدم الاستقرار في الهياكل السياسية والاجتماعية الاقتصادية القديمة، وستستمر في الهيمنة على النظم الاجتماعية والمؤسساتية للإقليم لفترة زمنية. 

 ذلك أن بحث هؤلاء عن الوظائف، الهوية، والتمكين أو التحقق، سيشعل الاضطراب في الإقليم لسنوات عديدة. خاصة وأن الاقتصاديات لا تنتج  وظائف بسرعة كافية لاحتواء هؤلاء. والهياكل الحكومية ليست مفتوحة بما يكفي لاحتوائهم؛ ومن ثم سيستغرق هذا التضخم على الأقل عقدين من الزمن كي يفتح طريقا.

 

- نظام إقليمي محطم

   الشرق الأوسط هو من بين الأقاليم القليلة التي من دون أي مظهر للأمن الإقليمي، أو الاقتصاد الإقليمي، أو النظام السياسي لاحتواء الصراع وإدارة الشؤون الإقليمية الداخلية. النظام العربي الي كان قائما – رغم تهلهله – خلال معظم سنوات النصف الثاني من القرن العشرين تحطم على مراحل، إلى حد كبير بسبب تراجع مصر بعد 1967. انسحب الأسد في سوريا في البداية وتحالف مع إيران الثورية بعد 1979؛ سمح التأثير السوري بصعود حزب الله وتبعية لبنان للمحور الإيراني – السوري خلال التسعينيات. حطمت الولايات المتحدة النظام البعثي في العراق ووضعت بغداد تحت سيطرة النفوذ الإيراني عقب تدخلها هناك بين 2003 و 2011. ربما تكون العاصمة اليمنية صنعاء الحليف التالي لإيران. انتهت محاولات بناء نظام للتعاون الإقليمي، على الأقل بين العرب والإسرائيليين، بعد مؤتمر مدريد عام 1991 بلاشئ.

اليوم، هناك العديد من المحاور داخل الإقليم، ولكن لا يوجد أي تحرك نحو بناء أي هيكل لنظام إقليمي. تبدو آفاق سلام إسرائيلي – فلسطيني وإسرائيل – عربي ذكرى حزينة من القرن العشرين. العلاقات العربية – الإيرانية في أسوأ حالاتها؛ وتراجعت آفاق الشراكة العربية التركية على خلفية الأحداث الأخيرة.

 

 * تحولات النفوذ الدولى فى الإقليم

   الشرق الأوسط ظل طويلا ساقطا بين شباك النظام الدولي. بعد نصف قرن من الحكم التركي العثماني، سقط تحت الهيمنة الغربية خلال سنوات ما بين الحربين. بعد الحرب العالمية الثانية، خضع لهيمنة القطبين ليدور في فلكي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. خلال عقدين قصيرين من الزمان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت الهيمنة الأمريكية هي المظهر الرئيسى. ولكن التجاوز الإمبريالي الأمريكي في العراق وأفغانستان، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية في الداخل، أفضت إلى تراجع سيطرة الولايات المتحدة على الإقليم على عهد إدارة أوباما. وفى ذات الوقت تعاونت روسيا والصين لتتحديا الهيمنة الأمريكية في مجلس الأمن وكذلك السياسة الأمريكية، تحديدا بالنظر إلى سوريا.

على المدى البعيد، ستفضي التغيرات في أسواق الطاقة العالمية إلى التقليل من الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط خصوصا الخليج، بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة لأصحاب المصلحة في آسيا – الصين تحديدا. تباعد الثورة في استخراج النفط الحجري الولايات المتحدة عن مركزها كدولة معتمدة على الطاقة إلى دولة مصدرة للطاقة.

من هنا، فإن عقود الاعتماد الأمريكي الحيوي على نفط الخليج آخذة في التراجع، في الوقت الذي يزداد فيه اعتمادها على الصين وكثير من دول آسيا.

تتصارع الدول في الإقليم بالفعل مع الديناميكيات المتحولة جراء تحولات النفوذ الدولى فى الإقليم. حيث يخلق تراجع الهيمنة الخارجية اضطراباته الخاصة. وحتى الآن لم يتم العثور على نموذج جديد للعلاقات المستقرة بين الدول الكبرى فى الإقليم( كالسعودية ومصر وإيران وتركيا) في ظل تحول القوة العالمية باتجاه الشرق.

* الانقسام السني – الشيعي

 بعد انحسار الصراعات الأيديولوجية بين اليمين واليسار في العقود الماضية للقرن العشرين، صعدت السياسات الطائفية والهوية المجتمعية إلى المقدمة. وبعد تراجع القوة المصرية وصعود قوة السعودية، إيران وتركيا، تصاعدت أيضا الصراعات بالوكالة بينها مستخدمة الهوية الدينية كأداة ورافعة للسياسة الخارجية. مزق الصراع العراق وسوريا إلى أجزاء، وفي طريقه لتفكيك اليمن، ويستمر في زعزعة لبنان والبحرين. جزء من الصراع يعتبر عملية داخلية طبيعية لجماعات تطالب بحقوقها السياسية وتقاسم السلطة ضد أنظمة سلطوية؛ جزء منها هو مناورات بين إيران وخصومها في إطار الصراع على السلطة في الشرق الأوسط. في غياب مؤسسات سياسية جامعة وشاملة ومجتمعات مدنية حيوية، سيستمر النفس الطائفي في تحريك الحشد السياسي. حتى تقرر إيران ما إذا كانت دولة ثورية أو تقبل مبادئ العلاقات الدولية، وحتى يتم تسوية الخلافات بين إيران ومجلس التعاون الخليجي وفواعل إقليمية أخرى، سيستمر هذا الصراع الطائفي في إشعال الاضطراب في الشرق الأوسط لسنوات أو عقود قادمة. 

 

* الانقسام السني الداخلي

   في الوقت الذي يجمع بين الدول السنية القلق بشأن إيران، انقسمت الدول السنية بشدة حول تأييد أو معارضة الإخوان. قررت السعودية، الإمارات ومصر والأردن بالإضافة إلى الكويت والبحرين الوقوف في صف المعارضين، أما تركيا وقطر فقررنا الوقوف في صف المؤيدين. تصدر سقوط الإخوان الأحداث في مصر صيف 2013. أفضى هذا إلى توتر شديد فى العلاقات بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي، وأنهي احتمال تكوين تحالف تركي – عربي ممتد. قسم هذا جهود تأييد ودعم المعارضة السورية، وأفضى فقط إلى تعزيز إيران، التي ظل حلفاؤها وعملاؤها متحدين.

 

 

* فقدان النماذج

   بشرت الانتفاضات العربية 2011 بانكسار النماذج السابقة للحكم، ولكن هذا أوجد تزاحما بين النماذج الجديدة، وحتى تاريخه لم يظهر نموذجا أساسيا أو مهيمنا. انكسر النموذج القديم من السلطوية القمعية والجماهير الساكنة. ألقت الانتفاضات الأولية من دون عناية الخطوط العريضة لنموذج حكم ديمقراطي، جمعي وقائم على العدالة الاجتماعية. قدم الإخوان المسلمون نموذج الحكومة الإسلامية. يقدم الجيش في مصر نموذجا للوطنية الجديدة حيث النظام والنمو الاقتصادي هو الأساس. ربما يكون ملك المغرب في طريقه للتحول إلى عرش دستوري. تخطط كلا من لبنان وتونس لأنظمة سياسية تشاركية حذرة ولكن شاملة. تعبر بلدان الخليج عن أولوية التقدم الاقتصادي المطرد. قطع أبو بكر البغدادي الشوط بأكمله عارضا إعادة تأسيس الخلافة – وإن كان وفق شروطه الملتوية والإجرامية. قبل ثلاث أعوام مضت، كان الرأي العام العربي يردد أصداء نموذجا من التمكين الشعبي وحكومة شاملة خاضعة للمسائلة. اليوم نتيجة التجارب السياسية العديدة عبر العالم العربي، تبحث الحكومات والجماهير أيضا على نماذج للنجاح، وهم قلقون بسبب الأمثلة على الفشل.خاصة وأن تراجع الأمن في اليمن، ليبيا، العراق وسوريا وضع محاذير كثيرة على التغيير. والتجربتان اللتان ستكونا موضع مراقبة دقيقة عبر الإقليم هما تجربة تونس باتجاه الديمقراطية الحذرة، وتجربة مصر باتجاه السلطوية المحدثة.

فى ذات الوقت تدور مشاحنات وخلافات بابل بين نماذج متصارعة. حتى يستقر الإقليم على نموذجا للحكم – كما فعلت أوروبا الغربية، وإن كان بعد قرون من الصراع – ستستمر هذه المجموعة المتنافرة من الرؤى والأيديولوجيات في إرباك الإقليم.

 

* دول فاشلة وأخرى تترنح

   فشلت 20% من الدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية، دولا أخرى تترنح، والبعض منها تكيف، ولا تزال دولا أخرى في طور تشكيل جماعات لتعزيز السلطة القديمة. الدول الفاشلة – سوريا، العراق، ليبيا واليمن – تشترك في أوضاع ضعف الوحدة الوطنية، ولكنها فشلت لأسباب مختلفة. كان بإمكان سوريا والعراق تجنب الانهيار عبر مشاركة أساسية في السلطة والاحتواء داخل النظام السياسي ومؤسسات الدولة. لدى الليبيون موارد هائلة ولكن القذافي تركهم من دون أي مؤسسة حقيقية للدولة أو نظام سياسي كي يتعاملوا معه. كانت اليمن تنهار حتى قبل الانتفاضات، أساسا بسبب نفاذ المياه والموارد الاقتصادية الأمر الذي استثار الانقسامات الإقليمية والقبلية وهياكل الحكم المتداعية.

   فشلت السودان الكبرى وتمزقت قبل الانتفاضات. تمت شرعنة الانقسام بميلاد دولة جنوب السودان المستقلة، ولكن كلا من الشمال والجنوب اليوم يخوضان معركة مع تحديات للاستقرار. تترنح لبنان على الحافة، ولكنها عملت على تعزيز الهدوء الحذر عن طريق آليات تقاسم السلطة السياسية وإخماد الحرائق المتكرر، الذي نفذه الجيش الوطني.

السعودية والجزائر قادرتان على تقديم إرضاء اقتصادي كاف لتأجيل مطالب سياسية دراماتيكية، رغم أن الجزائر ربما تواجه التحديات الأصعب إذا ما استمرت أسعار النفط في الانخفاض.

 في مصر، ثارت الجماهير فى مواجهة الإخوان، ولكن استقرار الدولة في مصر يواجه بتحد التهديدات الأمنية القوية في سيناء وغيرها، فضلا عن الحاجات الاقتصادية العميقة، والتوترات السياسية التي لم تُحَل بشكل كلى.

 

* فواعل من غير الدول مؤيدة من دول وفواعل تتشبه بمظهر الدولة

   كان حزب الله طوال الأعوام الثلاثون الماضية في موقع ريادة الفواعل من غير الدول في الشرق الأوسط الحديث. بدعم من إيران صعد ليهيمن على لبنان ويمارس القوة ضد إسرائيل ومؤخرا في الحرب الأهلية السورية. يمكن للبعض أن يقول أن فتح وحماس كانتا أمثلة أقدم، ولكنهما كانتا تقاتلان لاستعادة دولة فقداها، ولم تصعدا لتحد دولة هما جزء منها. اليوم، داعش هي الاستجابة السنية. تسيطر داعش على أراض بحجم الأردن وتملك موارد وتماسك لا يستهان بهما. يعد حزب الله فاعلا من غير الدول مدعوم بالكامل من دولة، إيران؛ أما داعش فهي فاعل من غير الدول سريعا ما أعلن أنه يؤسس دولة، ثم خلافة. حركة الحوثيين في اليمن هي الفاعل من غير الدول الأحدث والتي لديها طموحا وقدرة كي تهيمن على دولة.

الميليشيا الكردية هي جزء من دولة فيدرالية في العراق، ولكنها تقاتل بهدف الاستقلال في سوريا. هناك العشرات، وربما المئات من الميليشيات الشيعية والسنية والجماعات المسلحة التي تتحد سلطة الدولة وتشن حربا داخلية، من موريتانيا مرورا بتونس، ليبيا ومصر، وعبر سوريا والعراق وصولا إلى اليمن. هناك القليل من الجماعات غير الإسلامية في سوريا، ولكنها بالأحرى جماعات وطنية تقاتل لإسقاط دكتاتورية الأسد وبناء جمهورية جديدة في سوريا.

 

 *تحديات انخفاض أسعار النفط

ربما يمثل انهيار أسعار النفط فى أواخر العام الماضى، تطور رئيسى بالنسبة للتحول التاريحي للإقليم. ذلك أن انخفاض مستمر لأسعار النفط إلى ما بين 70 و 75 دولار للبرميل سيؤثر بعمق على السياسات الشرق أوسطية. سيكون له تأثير مباشر على قدرة بلدان مثل روسيا وإيران على الاستمرار في تقديم الدعم للنظام السوري بمعدلاته الحالية. ربما تتأثر سياسة السعودية والإمارات في دعم الحكومة المصرية اقتصاديا على المدى المتوسط. رغم أن كلتا البلدين حشدتا عائدات ضخمة خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن انخفاض ثابت لأسعار النفط ربما يؤثر على قدرة السعودية على تقديم حزم من الحوافز الداخلية لمواطنيها على المدى المتوسط.

كذلك، ستتأثر الدول المستوردة للنفط ذات الاقتصادات شبه الريعية، وربما تشهد انخفاضا فى التحويلات والدعم الخارجي من بلدان الخليج.

باختصار، رغم أن النفط والغاز لا يتوزعان في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لكن الحقيقة أن كل اقتصاد في الشرق الأوسط يرتبط باقتصاد الطاقة. بعض البلدان تصدر كميات كبيرة من الطاقة، وبعضها تصدر كميات كبيرة من العمالة لبلدان تصدر الطاقة. عندما تكون أسعار الطاقة مرتفعة وثابتة، تعود الفوائد على الحكومات القائمة، وتمضي باتجاه تعزيز الوضع الراهن. لكن عندما تكون أسعار الطاقة منخفضة وغير ثابتة، فإنها تجبر على إعادة التفكير في جميع عناصر الحكم المحلي القائم. معظم البلدان المصدرة للطاقة في العالم العربي لديها مخزونات كافية للتصد لانخفاض مؤقت في الأسعار. ولكن مثلما تسمح الأسعار المرتفعة الثابتة بتطبيق استراتيجيات حكومية تعتمد على المنافع السخية للمواطنين، فإن انخفاض الأسعار وتذبذبها سيجبر على إعادة تقييم هذه الاستراتيجيات. في الوقت نفسه، فإن الدول الأقل ثراء أصبحت أكثر اعتمادا على الدعم القادم من الخليج كي تفي بمتطلباتها الداخلية، سواء عن طريق الدعم المباشر للحكومة، أو مدخرات العمال. الأرجح أن بلدان مثل الأردن، المغرب، ومصر، التي لا تملك مخزونات كبيرة كي تتكئ عليها، ستواجه خيارات صعبة في وقت قريب.

 

* الدولة والمجتمع المدني

   يظل المجتمع المدني نقصا أساسيا في العالم العربي. لعب دورا رئيسا في الدفع ضد هيمنة الإسلام السياسي والدفع باتجاه الانتقال السياسي في تونس. إنه ضروري للحفاظ على النظام الاجتماعي اللبناني المعقد والمضي بالمجتمع قدما. ولكن في بلدان المجتمع المدني فيها ضعيف، إما سيطرت عليها تنظيمات إسلامية منظمة بشكل أفضل، أو انقسامات طائفية أقوى. في محاولة لإعادة بناء الاستقرار الوطني، سواء في مصر أو أي بلد آخر، من المهم التيقن من أن المجتمع المدني هو حليف على مسار استعادة المجال العام والقوة الاجتماعية من الخطابات الإسلامية أو الطائفية المسببة للشقاق، وهو عامل أساسي في إنشاء هياكل ثابتة ودائمة للدولة. كلا من نظام مبارك في مصر ونظام الأسد في سوريا كانا يبديان شكوكا عميقة تجاه المجتمع المدني وفضلا أن تملأ التنظيمات الإسلامية الفضاء الاجتماعي. أفضى هذا في النهاية إلى إضعاف الدولة وإضعاف التماسك بين الدولة والمجتمع. على المدى البعيد، يقدم مجتمع مدني وسياسي صحي الرابط الحي بين الدولة والمجتمع ويقدم حجر الأساس لدولة مستقرة والترياق الأساسي للحركات الراديكالية.

 

 

 

 

 

ثالثا: دول الإقليم فى 2015... التفاعلات والأدوار

 

فى إطار محاولة استقراء ما سيحدث في 2015، ربما يكون الأفق قريبا بما يكفي للمجازفة بوضع القليل من التقديرات. وفى هذا السياق يمكن القول بأن غالبية البلدان فى الإقليم، ستتجه نحو تعزيز الإستقرار، في الوقت الذي تعمل فيه على مجابهة تحديات سياسية، اجتماعية واقتصادية عديدة. فقط الأقلية من هذه الدول، كسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، ربما ستستمر في أزمتها العميقة.

 

*الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وروسيا 

في الوقت الذي تمنح فيه الولايات المتحدة الأمريكية أولوية لاستراتيجية تطويق روسيا، فإن

الأخيرة ستستخدم  الشرق الأوسط كأداة للتأثير على اشتباكها مع الولايات المتحدة.

في هذا العام، الأرجح أن تقترح روسيا إجراء مفاوضات للتوصل إلى اتفاق تقاسم للسلطة في سوريا لإنهاء الحرب الأهلية. سيفتقر هذا الاتفاق إلى القدرة على فرض نفسه ومن غير المرجح أن يجذب الكثير من الانتباه، ولكن موسكو ستوظف الاقتراح لوضع نفسها في موضع الوسيط المسؤول، مدركة أنه ليس بمقدورها إفساد التعاون الأمريكي – الإيراني. وفى هذا السياق ستحاول روسيا إدخال نفسها وسط المفاوضات بين واشنطن وطهران بوصفها من يزود إيران بالوقود النووي، وبالتالي جعل الولايات المتحدة أشد اعتمادا على روسيا في إدارة صراعات الأقليم. كذلك ستسخدم روسيا أيضا علاقاتها الوثيقة فيما يخص ملف الطاقة في محاولة لتقويض مشروعات ممر الطاقة الجنوبي المصمم لتطويق روسيا.

  لكن، من ناحية أخرى، لن يكون للتحركات الروسية أثر كبير على ردع واشنطن عن مسارها الاستراتيجي الرئيس في الإقليم، والمتمثل فى تجنب الالتزام بنشر قوات برية كبيرة وشاملة على هذا المسرح، ومحاولة تحويل المزيد من الأعباء إلى فاعلين إقليميين كي يديروا التهديدات المشتركة مثل تهديد " داعش" . وفى هذا السياق يتعين الإلتفات إلى أن: المصالح المتضاربة لهؤلاء الفاعلين الإقليميين، بالإضافة إلى تفضيل الولايات المتحدة تجهيز قوى محلية لقيادة غزوات برية ضد " داعش"  يعني أن التقدم في العراق، والأهم في سوريا، سيكون بطيئا وغير مؤكد.

*استمرار صعود دول الخليج

ستستمر خلال العام الحالى محاولات دول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة السعودية ملء الفراغ في الإقليم، لتعكس إصرارا نادرا ومتزايدا. إذ تعمل الكتلة على تأمين المصالح السنية العربية التي تعتقد أنها لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة منفردة كي تدافع عنها. بدأ مجلس التعاون الخليجي عام 2015 بهدنة هشة بين الدول الأعضاء إذ تحشد مواردها السياسية والاقتصادية لمكافحة داعش بواسطة قوات جوية وبدعم من قوات برية محلية، في الوقت نفسه الذي تحاول فيه التعامل مع الطموحات الإيرانية في الإقليم.

   ستظل هذه علاقة عاملة هشة إذ تظل الانقسامات متجذرة حول العمل مع الإسلام السياسي وحول تباين درجات انخراط الدول الأعضاء مع إيران. ستلتزم البحرين والإمارات بشكل كبير بالسياسة السعودية، بينما الكويت وعمان ستتبع خطا أشد حذرا. ستتعاون قطر بشكل انتقائي مع هذه المجموعة كي تتجنب العزلة ولكنها ستسخدم إعادة انخراطها معها مرة أخرى، كي تدفع أعضاء آخرين في مجلس التعاون الخليجي إلى دمج، بدلا من القضاء، على الإسلاميين المدعومين من الدوحة في أماكن مثل مصر، ليبيا وسوريا.

   في ظل وفرة الاحتياطات المالية، سيستمر تعاون مجلس التعاون الخليجي حول الطاقة طوال العام 2015. وسيستمر منتجوا الخليج في مقاومة انخفاض الإنتاج، وسيحاولون الدفاع عن حصتهم في السوق في مواجهة توسع تكنولوجيا إنتاج الهيدروكربون غير التقليدية في أمريكا الشمالية. 

بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، الأرجح أن استمرار الثراء النفطي، التنوع الاقتصادي، النفقات العامة السخية، وسياسات التوظيف الوطنية، بالإضافة إلى سياسات أمنية قوية، سيفضى فى الحاصل الأخير إلى  إرساء الاستقرار الداخلي. المملكة العربية السعودية واجهت فى بداية العام إستحقاق انتقال الحكم وقد مضى بسلاسة ( ولكن ربما يفضي هذا الانتقال إلى اتجاهات جديدة في القيادة) . وربما تواجه سلطنة عمان الإستحقاق ذاته خلال هذا العام أيضا.

سيتركز القلق السعودي الرئيسى في أمرين: احتمال انتشار راديكالية داعش داخل المملكة، وتاثير الأحداث في اليمن – خاصة استيلاء الحوثيين على صنعاء. كما سيستمر أيضا القلق من نفوذ إيران، التي تهيمن الآن على أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت وربما صنعاء) ولا يبدو أنها تكبح جماح تدخلاتها وطموحاتها الإقليمية.

 وفى سياق كهذا ستستمر السعودية والإمارات في السياسات الخارجية الاستباقية. حيث سيستمر الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة في مصر، وفي سوريا انضمتا إلى جهود محاربة داعش وتؤيدان وتدربان قوات للمعارضة السورية المعتدلة، ولكنهما أيضا تصران على أن رحيل الأسد ونظام سياسي جديد في دمشق، هو جزء جوهري من اي استراتيجية في سوريا.

من ناحية أخرى، سيستمر داخل مجلس التعاون الخليجي، الضغط على قطر لإبعادها أكثر عن الإخوان والإسلام السياسي بشكل عام، رغم أن الخلافات حول ليبيا ومصر، ستستمر على الأرجح.

 من ناحية ثالثة، ستستمر البحرين في مصارعة التوترات بعد إحباط الاحتجاجات بين الأغلبية الشيعية في 2011. الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة قدمت بعض الفضاء السياسي، رغم مقاطعة حزب المعارضة الرئيسى الانتخابات. من غير المرجح أن تفضي التوترات إلى اندلاعات رئيسية في 2015، ولكن ستظل البلاد عرضة للتوترات القائمة على العلاقات العدائية بين السنة والشيعة.

كذلك سيستمر نشاط السياسات الكويتية، ولكن طموح حدوث تغيير كبير الذي صاحب الأيام الأولى "للربيع العربي" قد تلاشى، كما هو الحال في الأردن وبلدان أخرى. كذلك، فقد الإسلاميون قاعدة كبيرة في انتخابات 2013 بعد الطموحات الأولية التى صاحبت صعود الإخوان في مصر والنهضة في تونس، من أن بإمكانهم الهيمنة على البرلمان الكويتي أيضا. معظم الكويتيون الآن، مثلما هو الحال في الأردن، قلقون بشأن الفوضى التي تجري في بلدان مجاورة، والأرجح أنهم سيعملون مع النظام بدلا من الدفع باتجاه تغيير راديكالي.

 

* الإمارات... أدوار إقليمية جريئة

 في الوقت الذي يُمنَح فيه اهتمام كبير للأدوار الإقليمية للسعودية وقطر، وخصوماتهما الممتدة، هناك بلد خليجي آخر كان يوما معزولا سياسيا، صعد وسرق الأضواء من قطر. هذا البلد هو الإمارات العربية المتحدة.

 لقد أصبحت الإمارات فاعلا سياسيا واقتصاديا محوريا في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، وسيترسخ ذلك أكثر فأكثر خلال العام 2015.

فبعد الضربة القاسية للاقتصاد خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، خططت الإمارات كي تستعيد عافيتها وتعمل الآن على تنويع وتوسيع نطاق أنشطتها الاقتصادية مرة أخرى. ولكن في الوقت الذي نعلم فيه جيدا طموحات الإمارات الاقتصادية، شرعت البلاد مؤخرا فقط في مشروع سياسي يهدف لرفعها إلى مكان  الفاعل الإقليمي وربما الدولي. صعّدت الإمارات بشكل مطرد من مبادراتها الخارجية، من تدريب القوات المسلحة لحكومة الصومال الفيدرالية الانتقالية، إلى تعليم 13 ألف إمام في أفغانستان، إلى الانخراط في صراع نشط في كلا من ليبيا، حيث تهاجم ميليشيات إسلامية، وبوصفها عضو من التحالف ضد متطرفي داعش في العراق.

   رغم تدخلاتها المضاعفة، كانت الإمارات حريصة على ألا تكرر الخطأ القطري من محاولة تخطي "الشقيقة الكبري"  (السعودية). بالأحرى، اختارت الإمارات أن تظل عند مستوى أقل وأن تقدم دورها بوصفها "مساعدة" لا خصم ولا عدوة للمملكة. إصدار الإمارات أواخر 2014، لقائمة شاملة للتنظيمات المصنفة بوصفها "إرهابية"، والتي ترتبط بشكل أساسي بالإخوان المسلمون حلفاء قطر، قطع شوطا بعيدا في التخفيف من قلق الرياض بشأن صحوة محتملة للإخوان، الذين تعتبرهم السعودية تهديدا سياسيا رئيسيا. عند هذه النقطة، خططت الإمارات للفوز بثقة المملكة، الأمر الذي سيسمح لها بالمناورة بهدوء ، ولكن على مستوى استراتيجي داخل مجلس التعاون الخليجي وخارجه، خلال الأعوام المقبلة.

*عمان فى مواجهة استحقاق انتقال تاريخي

   أحد أركان العالم العربي التي تتوارى قليلا، ربما تكون على شفا اضطراب في 2015. في سلطنة عمان، انهيار صحة السلطان قابوس بن سعيد، الذي حكم البلاد لـــــ 44 عاما، تسبب في قلق واسع الانتشار حول القادم. بقي العاهل العماني البالغ من العمر 74 عاما، خارج البلاد لفترة طويلة بغرض تلقي الرعاية الصحية، وتخلفه غير المسبوق عن الظهور في الاحتفال باليوم الوطني للسلطنة في نوفمبر من العام 2014 نقل القلق إلى مستوى جديد. ليس للسلطان أبناء من صلبه ولم يعين خلفا له أو وليا للعهد. سيكون على مجلس العائلة المالكة اختيار خلفا خلال ثلاثة أيام من وفاة السلطان، ولكن تشكيل وإجراءات عمل هذا الكيان ضبابية وغير معلومة، وحتى تاريخه لم يلتئم هذا المجلس. يقولون من داخل عمان أنه لا يوجد بين العائلة المالكة من أقرباء السلطان شخص يحظى باحترام كاف لإدارة عملية الانتقال بشكل سلس، الأمر الذي يفتح المجال أمام المناورات والاضطرابات. في 1997، نص السلطان على أنه إذا لم يتمكن المجلس الملكي من القرار، سيكون على "مجلس الدفاع" فتح مظروف مغلق بالشمع، حيث حدد السلطان بالفعل اسمان من أبناء عمومته.

   بصرف النظر عمن سيتولى الأمر، فالأرجح أن السياسات الداخلية والتوجه الإقليمي لعمان سيتغير. الدور المحوري لعمان كقناة خلفية للوساطة يرتبط إلى حد كبير بشخص السلطان – سواء في المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية السرية، أو الوساطة في تحرير الرهائن من الغربيين لدى القاعدة في شبه الجزيرة العربية – وليس من الواضح إذا ما كان نفوذ خلفه سيمكنه من المضي قدما في ممارسة هذا الدور. كثير من العمانيون قلقون بشأن تزايد النفوذ السعودي بعد وفاة قابوس: هل ستستمر عمان في كونها "المنشق المبدئى" داخل مجلس التعاون الخليحى أو ستسقط داخل فلك أكبر جيرانها؟

   رغم إبحار السلطنة وسط احتجاجات "الربيع العربي" هناك تذمر مستمر في محافظة حوفر المهمشة منذ وقت طويل ومناطق هامشية أخرى. جزء كبير من قدرة عمان على إدارة هذا الاضطراب تعود إلى الشرعية الشخصية للسلطان وإلى تدفق المال السعودي بعد 2011. عصر ما بعد قابوس سيتزامن مع تراجع محتمل لهذه التمويلات بسبب انخفاض أسعار النفط. كل هذا سيجري على خلفية أهمية جيوستراتيجية ضخمة: تقع عمان إلى جوار مضيق هرمز، حيث يمر 40% من النفط العالمي.

 

*اليمن.. من إنتقال هش إلى إنقسام وطنى

 في شبه الجزيرة العربية، تحولت اليمن وبشكل خطير من انتقال هش إلى انقسام وطني. تترنح اليمن بالفعل، بسبب نفاذ المياه وموارد الطاقة، انقاسامات إقليمية وقبلية حادة، وحكومة مركزية ضعيفة. ولكن تمدد الحركة الحوثية – استيلاؤها على العاصمة وفرضها لشروطها السياسية- كسرت الانتقال الهش، بعد أن فضلت الحسم بالسلاح لا بالسياسة، لتتعمق بذلك الانقسامات الطائفية والمناطقية، وتفتح الطريق أمام المزيد من التأثير الخارجي. خاصة وأن الحركة الحوثية، بدعم متزايد من إيران، تعيد إنتاج نموذج حزب الله في لبنان من إملاء الشروط السياسية الوطنية بقوة السلاح. فضلا عن أن تمددها تسبب بتزايد نشاط القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، وإلى

تصاعد دعوات انفصال عدن في الجنوب نهائيا عن الاتحاد اليمني .

على المستوى الداخلى، سيحاول الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي توزيع المناصب الوزارية ومناصب رئيسية أخرى على الفصائل التي تتناحر على السلطة كسبيل للخروج من الحرب الأهلية. فيما ستستمر جماعة الحوثي في التنسيق بشكل فضفاض مع عناصر من القوات المسلحة اليمنية وقبائل أخرى محلية كي تدفع ضد القاعدة في المحافظات الخاضعة لنفوذ الحوثيين. وفى هذا السياق، ستظل القاعدة في شبه الجزيرة العربية نشطة في اليمن، لتشن اعتداءات ضد الجهاز العسكري والاستخباراتي للدولة، وفى مواجهة القبائل والحوثيين. إلا أن القتال ضد كل تلك المجموعات سيقيد من قدرة القاعدة على الانتشار ويحد من فرص توسع سيطرتها خارج نطاق مناطق نفوذها التقليدية في الشرق وأجزاء من الحنوب، وستقيد من قدرتها على شن هجمات شاملة وناجحة عملياتيا في العاصمة.

أما في الجنوب اليمني، فستستمر الحركة الانفصالية، المعززة بتوسع الحوثيين وضعف الحكومة المركزية، في الاحتجاج وتوجيه ضربات لانتزاع تنازلات من صنعاء. وقد يلجأ انفصاليو الجنوب( بسبب عدم قدرتهم على تحقيق هدفهم من تأسيس يمن فيدرالية مقسمة بين الشمال والجنوب عبر التفاوض حول الدستور) إلى العنف.

وعلى المستوى الخارجى، رغم أن الحوثيين ليسوا تابعين حقيقيين لإيران، فإنهم يجنون المزيد من الدعم كل يوم من طهران، وإذا ما تطلب الأمر، بإمكان إيران أن تنشئ تواجدا قويا لتوابع لها في اليمن الشمالية – مماثل لما لديها في لبنان والمشرق. إذا ما أرادت، بإمكان إيران استخدام هذا المعقل الجديد لتحد السعودية من الجنوب. في الوقت نفسه، ستظل السعودية تراقب عن كثب اليمن والتوازن بين الفصائل فيها، من بينها عناصر القاعدة المحليون، بهدف رئيسي هو الحيلولة دون انتشار العنف شمالا. وفى كل الأحوال سيحتفظ السعوديون بخيار التدخل عبر الضربات الجوية إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.

لقد قاتلت اليمن ببسالة كي تحافظ على وحدتها بعد الثورة في 2011؛ لكن ربما يكون العام 2015 هو العام الذي ستتبعثر فيه الوحدة الهشة.. فالبلاد معرضة بالفعل للسقوط في الفوضى مثل ليبيا وسوريا، بتداعيات مماثلة على اليمنيين أنفسهم وعلى جيرانهم.

 

*عقد ثابت مع إيران

   يبدو من وجهة نظر واشنطن، أن تعزيز العلاقة مع طهران أمرا مهما وضروريا لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن من غير المتوقع خلال هذا العام التوصل إلى اتفاق شامل حول كل القضايا يعلن عنه بين الجانبين. لكن من ناحية أخرى سيستمر الجانبان فى التعاون سرا في مناطق تتجاور فيها مصالحهما، مثل العراق وسوريا، حتى وإن واصلا معا الإنكار التام لمثل هذا التنسيق في العلن.

القضية النووية هي فقط ملف واحد من التفاوض الأكبر بين الجانبين. والمتوقع أن تفاهما ما سيحدث هذا العام، وستضع بمقتضاه إيران قيودا على نشاط التخصيب، في الوقت الذي ستخفف فيه الولايات المتحدة تدريجيا من القيود، معتمدة أساسا على السلطة التنفيذية كي تفعل هذا. ستقيد أسعار النفط المنخفضة إيران، و ستساعد هذه القيود على تثبيت هذا التفاوض. ومع ذلك، فإن التعقيدات السياسية المحيطة بهذه العملية، بالإضافة إلى القيود التكنيكية، تعني أن قطاع الطاقة الإيراني من غير المنتظر أن يشهد انتعاشا هذا العام يزيد بشكل كبير من كمية النفط الإيراني الموجود في السوق العالمى.

من ناحية أخرى، ستضيف عدم قدرة الرئيس الإيراني حسن روحاني على تحسين الأوضاع الاقتصادية في إيران هذا العام، من الضغوط الداخلية التي يواجهها لتقوية وضعه التفاوضي مع الولايات المتحدة. بشكل استباقي، سيحاول روحاني قطع دابر خصومه في الحرس الثوري عبر اتهامات بالفساد ووسائل أخرى تهدف إلى تقويض وضع الحرس كمتحكم رئيسى في الاقتصاد السياسي الإيراني. وسيدافع الحرس عن نفسه ولكنه في النهاية سيفقد القوة المؤسسية اللازمة لإصابة حكومة روحاني بالاضطراب، ومن ثم عرقلة المفاوضات.

من ناحية ثالثة، ستستمر السياسة الإقليمية الإيرانية بقيادة الحرس الثوري، في التوسع. والملاحظ هنا فى هذا السياق، أن التوابع الإيرانية في بغداد ودمشق فقدت، خلال السنوات الثلاث الماضية، السيطرة على بلادهم وتسيطر الآن على أجزاء قليلة منها. في سوريا، كان على إيران إرسال حزب الله وقيادات تابعة لها، مدربين، وموارد كبيرة لإنقاذ نظام الأسد من الانهيار؛ وسع هذا من نطاق نفوذ إيران وحزب الله، ولكن إيران لم تُبين أي مصلحة جدية في إجراء تغيير سياسي حقيقي في دمشق كمخرج للأزمة. لا نعلم ما إذا كانت زيادة التدخل الأمريكي والحلفاء في سوريا عام 2015 ستؤثر على ذلك الاتجاه. في العراق، كان على طهران أن تقبل في النهاية إعادة التدخل العسكري للولايات المتحدة والتخلص من نوري المالكي. سننتظر أيضا تطورات 2015، لنعلم ما إذا كان النظام فى طهران سيؤيد احتواء سني حقيقي ودمج السنة فى العملية السياسية في العراق كجزء ضروري من القتال ضد داعش. في الوقت نفسه، كسبت إيران ملعبا آخر في اليمن، حيث مضت الحركة الحوثية من معقلها الشمالي لتستولي على العاصمة وتهيمن على العملية السياسية. المشكلة بالنسبة لإيران – وبالطبع لجيرانها – أنه في الوقت الذي يزداد فيه نفوذها داخل الإقليم، تفضي سياساتها إلى انهيار دول كانت تعمل بكفاءة وظيفية يوما ما، وانفجار توترات طائفية. يعترف البراجماتيون في إيران بهذا، ولكن ثمة شكوك في إمكان أن يحظى البراجماتيون في 2015 على أرضية للتأثير على هذا المسار المدمر.

 

* تركيا معزولة

   رغم أن الولايات المتحدة وتركيا تشتركان في عدد من المصالح، بداية من كبح الطموحات الروسية في الشرق الأوسط، إلا أن شراكتهما ستبقى متوترة في 2015.

   ستعزز تركيا من وضعها العسكري الدفاعي على امتداد الحدود بالرغم من دعوات أنقرة الطموحة لفرض حظر طيران على سوريا، وهو المقترح الذي ستظل الولايات المتحدة أبعد عنه إذ يظل تركيزها على القتال ضد داعش. دعم تركيا لجماعات إسلامية تستلهم نموذج الإخوان، مضافا إليه تحفظها العسكري، سيهمش تركيا ويحيدها كثيرا عن العالم العربي، ليحرم تركيا من مسارها الذي تبغاه من شرعنة دورها كقيادة إقليمية.

   كذلك، ستحافظ تركيا على مسافة بينها وبين جهود الولايات المتحدة لاحتواء روسيا، لتفضل بدلا من ذلك تعزيز توازن حريص بين روسيا والغرب. على سبيل المثال، ستواصل تركيا مشروعات خط الغاز الطبيعي العابر للأناضول، والخط العابر للأدرياتيكي ومشروعات ممرات جنوبية أخرى تطوق روسيا، في الوقت نفسه الذي تعزز فيه علاقاتها مع روسيا في مجال الطاقة. بسبب عدم قدرتها على كسر اعتمادها على موسكو في مجال الطاقة، ستحصد تركيا بالأحرى مكاسب تجارية كدولة "ترانزيت" في الوقت نفسه الذي تجني فيه مكاسب من الطقس السياسي المتوتر كي تزيد من تجارتها مع روسيا، إذ تستمر مطالبها الأوروبية في التأخر.

بالنسبة لتركيا،مضت أيام شعارات "تصفير المشكلات مع الجيران" لتحل محلها المشاكسة إقليميا ودوليا ونفحة قوية من الحنين للماضي الإمبراطوري. فالقصر الرئاسي الجديد في أنقرة هو بالفعل إمبراطوري في عظمته، وأطلق أردوغان اسم "السلطان سليم" على جسر البوسفور الجديد، وهو اسم السلطان العثماني في القرن السادس عشر الذي هزم الإمبراطورية الفارسية الشيعية.   من ناحية أخرى، ستنشغل تركيا طوال وقت طويل هذا العام بالانتخابات العامة في يونيو. ستجري هذه الانتخابات وسط نمو اقتصادي متباطئ، ليرفع من معدل البطالة ومستوى النقد المسموع ضد السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية الحاكم. ستظل المعارضة مشتتة بما يكفي كي لا يسمح بحرمان الحزب الحاكم من الفوز، ولكن شعبية حزب العدالة والتنمية في الاقتراع ستنخفض، الأمر الذي يجعل من حصول الحزب على أغلبية الثلثين في البرلمان أمر غير مرجح. إلا أن هذا لن يمنع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من حشد السلطات بين يديه. سيواجه أردوغان اتهامات بمخالفة الدستور، ولكن المزاعم لن تكون مؤيدة من ثقل مؤسسي كاف لإعاقة الحكومة ومنع أردوغان من إدارة البلاد.

   سيسعى حزب العدالة والتنمية إلى الحصول على أصوات الأكراد عن طريق استمرار العملية السلمية مع حزب العمال الكردستاني، والفصائل الكردية في تركيا بدورها ستستخدم الانتخابات هذا العام كي تدفع بمطالبها قدما عن طريق مظاهرات الشارع والاعتداءات أحيانا. ربما يكون هناك مطالب بالتقدم في نقاط محددة، ولكن سيعوق هذه المفاوضات عدد من القيود. في ظل نشاط ساحات القتال على الحدود التركية، لن تنجح أنقرة في نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، ولا يملك حزب العدالة والتنمية القوة السياسية الكافية كي يوافق منفردا على أجزاء حساسة من اتفاق سلام.

 

 

*العراق.. شبكة مفاوضات معقدة

معلوم أن الانتفاضة السنية ضد انتهاكات حكم المالكي وما تبعه من دخول داعش ثاني أكبر مدن العراق "الموصل" وبعضا من مناطقها السنية أوجد أوضاعا سيكون من الصعب تغييرها. في 2015، سيكون أمام الحكومة الجديدة عمل شاق كي تستعيد ثقة السنة والأكراد. سيكون عليها حل الخلافات بين بغداد وأربيل والتي لا تزال تحجم عن نقل ميزانية الحكومة المركزية للخدمة المدنية لحكومة إقليم كردستان ومقاتلي البيشمركة. وعليها كذلك أن تستعيد ثقة العرب السنة: بإصلاح الجيش الوطني العراق، مشاركة السلطة والموارد، والنظر في تأسيس فيدرالية وحرس وطني من السنة العرب.

يتمتع العراقيون بدعم إقليمي ودولي واسع لهزيمة داعش؛ سيكون التحدى الرئيسى في 2015 هو ما إذا كانوا سيمضون على هذا المسار ويستعيدون وحدتهم الوطنية أم لا ؟

العراق على الأقل أمامها مسار محتمل للمضي إلى الأمام برئيس وزراء جديد وحكومة وبعض المشاركة في الحكم. وفى هذا السياق ينبغى الإلتفات إلى أن  حشد القوى المحلية في العراق لإزاحة داعش ستكون عملية بطيئة ومرهقة. وفي السياق ذاته، ستعاني محاولات حشد جيش وطني للتعامل مع التهديد من عدم الثقة بين السنة والأكراد تجاه بغداد. سيرغب الأكراد بمبادلة التنسيق الأمني بحقوق في الطاقة. كذلك السنة، في الوقت الذي يحشدون فيه ميليشياتهم الخاصة، سيرغبون في التفاوض حول الحقوق في موارد الطاقة في الأراضي الكردية التي يسيطر عليها الأكراد مقابل التنسيق الأمني. أما ممارسات الميليشيات الشيعية الأقل انضباطا والعاملة في المناطق السنية فستهدد بتقويض التقدم السياسي في هذه المفاوضات. ستحدد بغداد مدى اعترافها بأيا من هذه الجماعات في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على سلطة مركزية في العراق، والتعاط في الوقت نفسه مع القضية الأكثر حيوية ألا وهي "داعش".

 من ناحية أخرى، وضعت تركيا خطا أحمر تحت الاستقلال الكردي الجارى في العراق، واختارت في المقابل الانخراط مرة أخرى مع بغداد للتوصل إلى تفاهم حول الطاقة مع حكومة كردستان. دفعت الأزمة المالية والتهديد المشترك من جانب داعش، السلطة الكردية في أربيل مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات مع بغداد، التي ستسمح بزيادة إنتاج النفط في الشمال وإضافة المزيد من الصادرات عبر الشمال في 2015 إلى إجمالي الإنتاج العراقي. ومع ذلك، في ظل استعصاء عدد من القضايا المركزية على الحل، من بينها وضع الأراضي المتنازع عليها، فإن هذا التنازل سيظل عرضة للتراجع عنه. كذلك، ستضغط المشروعات المدعومة من تركيا لتطوير وتصدير الغاز الطبيعي عبر الأنابيب من شمالي العراق إلى تركيا، على الاتفاق بيت بغداد وأربيل في غياب إطار يحدد أيا من الأطراف سيكون له الحق في بيع الغاز الطبيعي.

  

*سوريا... استمرار السيوله وتحديات أكبر أمام النظام

 مصير سوريا يبدو أنه سيكون الاستمرار في الانهيار والتدهور في 2015، ولكن العام المقبل ربما يشهد بعض نقاط التحول.

كان العام 2014 ذرورة صعود داعش، ولكنه شهد كذلك دخول الولايات المتحدة مرة أخرى إلى المشرق وتأسيس تحالف للدخول في حرب طويلة ضد داعش. هذه الحرب الأولوية فيها للعراق، ولكنها ربما تنتشر بشكل أكبر إلى سوريا في 2015، حيث من المفترض أن تدخل سوريا القوات المسلحة التي تدربها الولايات المتحدة وحلفاؤها. إذا ما حققت أي نجاح ضد داعش، فإنها ستوجه كذلك ضربات لنظام الأسد. آنذاك سيكون على إدارة أوباما أن تقرر ما إذا كانت ستلتزم بسياستها الحالية المتمثلة فى إبقاء أهداف النظام بعيدا عن مرمى العمليات أم لا ؟! خاصة وأن الكثير من قادتها العسكريين، وجميع حلفائها الإقليميين يصرون على أن هذا غير ممكن. فضلا عن أن التطورات على الأرض داخل مسرح عمليات سورية قد تخلق أوضاع جديدة .

من ناحية أخرى، رغم أن أيا من خصومه لا يملك القدرة على إسقاطه، الأرجح أن نظام بشار الأسد سيواجه في 2015 تحديات أشد قسوة، نتيجة    يصارع النظام بالفعل كي يبقى واقفا على قدميه ماليا، ولكن الصعوبات الاقتصادية العميقة التي واجهها حليفتاه، روسيا وإيران، من المرجح أن تزداد كثافة في 2015، الأمر الذي يجعلهما أقرب إلى تخفيض لا زيادة دعمهما له. سيكون لهذا أثر كبير قدرة النظام على استيعاب الاستياء المتزايد داخل صفوف مواليه. تنحصر نتائج هذا بين ارتفاعات حادة في تكلفة المعيشة، استنفاذ المدخرات، وغياب أي فرص للاستثمار من جهة، بالإضافة إلى تراجع قدرة النظام على دعم معدل تبادل العملة والرواتب الحقيقية في القطاع العام من جهة أخرى. صحيح أن قوات النظام منتشرة بالفعل، ولكن الاضطراب المجتمعي يحد من قدرتها على توظيف المزيد من القوة القتالية البشرية.

 لكن رغم كل ذلك ، من غير المرجح إحراز تقدم على المسار السياسي، أو أن يتم إحياء عملية جنيف الأمريكية – الروسية. هذا على الرغم من أن المبعوث الأممي في سوريا يدفع باتجاه سياسة وقف إطلاق نار محلي لتهدئة الأزمة، بينما روسيا تجري مقابلاتها الخاصة مع بعض الشخصيات من المعارضة ربما لتقديم عرض جزئي ببقاء الأسد في منصبه وسيطرته على القوات الأمنية، مقابل تشكيل حكومة جديدة تشمل أعضاء من المعارضة.

الخلاصة إذن، أن الصراع السوري سيستمر لسنوات قادمة، ولكن التطورات العسكرية والسياسية في وضع شديد السيولة ربما تستمر في مفاجئتنا، ليخلق عند بعض النقاط المزيد من الدمار وإراقة الدماء وعند نقاط أخرى فرصا محتملة جديدة للتفاوض، التهدئة، والبحث عن تسوية سياسية نهائية.

 والأرجح أن داعش وجبهة النصرة ستظلان قوتان مهيمنتان على الكثير من المناطق السورية، ولكن قد يتم تقييدهما إذا ما عزز التحالف الأمريكي – الإقليمي قوة مسلحة بديلة ووضع بعض الأهداف التابعة للنظام على قائمة الأهداف. الدعم السني للتحالف وفصائل المعارضه سيمضون أساسا نحو الاعتراف بجدية مسعى التحالف نحو التغيير السياسي، مغارة الأسد، ونظام سياسي شامل جديدة في دمشق.

 

 

 

*الأكراد في 2015

   خلال العام الماضي، عزز صعود داعش والقرار الأمريكي بالتدخل عسكريا في سوريا والعراق، من تأثير الفواعل الكردية في الإقليم. رغم وضعهم كأقلية، تمركزت الأحزاب السياسية الكردية بشكل جيد في 2015 للتأثير على مسار الأحداث في العراق وسوريا، وبشكل أقل، تركيا. يظل الاقتتال الداخلي الورقة التي قد تضعف القبضة الكردية، ولكن "تأثير كوباني" ربما ساعد الأكراد على تطوير جبهة موحدة بشكل أكبر في العام الجديد.

   في العراق، التهديد الذي فرضته داعش إلى جوار الانخفاض الثابت في الأسعار العالمية للنفط، أعاقت أحلام استقلال كردستان. انتُقِدَ الرئيس الكردي مسعود برزاني على خلفية تعاطيه مع قضية داعش، وتبدو حكومة الإقليم الكردي وكأنها تعاني من اعتمادها المتزايد على تركيا. ومع ذلك، فإن انخراط الولايات المتحدة مرة أخرى في الإقليم الآن، الأرجح أنه سيفيد حكومة إقليم كردستان. وبينما تعترف معاهدة نفط تم توقيعها مؤخرا بين بغداد وإربيل بالدور المركزي للحكومة في السيطرة على صادرات النفط، فإنها تخول إربيل كذلك التوسع في الإنتاج من الأنابيب الجديدة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان، وتعزز وضعها داخل العراق الجديد. في الوقت الحاضر، الأرجح أن الأكراد العراقيون سيستخدمون نفوذهم المتزايد لتعزيز وضعهم داخل العراق الموحدة.

 في تركيا، باقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، ربما لم يعد هناك وقت لعملية سلام بين أنقرة وعبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني، المحظور في تركيا. رغم صعوبة التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن الوضع القوي لحلفاء حزب العمال الكردستاني في سوريا يقدم فرصة فريدة لعقد اتفاق يشمل تنازلات متبادلة على كلا الجانبين من الحدود. إلا أن مثل هذه الخطوة الجريئة ستتطلب دعم من برزاني، الذي كان مترددا في فعل أي شئ لتعزيز دور حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا.

في سوريا، غير الدفاع الكردي الدراماتيكي عن بلدة كوباني الحدودية العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي، الجماعة الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وكلا من واشنطن وأكراد العراق. يسعى حزب الاتحاد الديمقراطي لأن يكون حليفا قويا علمانيا ضد داعش، في الوقت الذي يرفض فيه الدخول في تمرد كامل ضد الرئيس السوري بشار الأسد. السؤال المحوري في 2015 سيكون حول مدى رغبة واشنطن في استكشاف هذه العلاقة المركبة، رغم الاعتراضات التركية والإشارات المزدوجة من إربيل.

 

*داعش تحت الضغط

  

ستظل جهود داعش مركزة على مسرح عمليات العراق / سوريا. سيجد التنظيم نفسه مقيد بشكل متزايد بشبكات تأييد لا يمكن الاعتماد عليها، وهجمات على شبكات دعمه اللوجستي والمالي. رغم أن داعش ستحافظ على قدرتها على تنفيذ هجمات تقليدية وإرهابية في مناطق عملياتها القائمة حاليا، فلن يكون بإمكان التنظيم حشد قوى أو توسيع نطاق الأراضي الخاضعة لسيطرته بشكل كبير.

   حتى في حالة رفع "جماعات جهادية" أخرى أو "قواعد جهادية" من خارج العراق وسوريا شعارات داعش، فإنه من غير المرجح أن تتطور قدرات التنظيم بشكل كبير.

وبالنظر إلى تركيز داعش على العراق وسوريا، وعدم وجود جهاز إرهابي عابر للحدود الوطنية، فإن هذان المظهران يمثلان تحول رئيسي سيفضي إلى القول أن ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات الإرهابية العابرة للحدود هو أمر غير محتمل.

 الأكثر من ذلك، أن الجهاديين في العراق، سوريا، اليمن، باكستان، القوقاز، الصومال ومنطقة الساحل الإفريقي الأرجح أن يظلوا تحت ضغط عسكري كبير هذا العام. في الوقت الذي تساعد فيه الولايات المتحدة قوات برية محلية في قتالها ضد داعش، ستعتمد الولايات المتحدة بشكل رئيسي على سلاح الجو لضرب أهداف جهادية في الإقليم – أساسا في العراق وسوريا ولكن يحتمل في مواضع أخرى.

 

*داعش فى سوريا.. تشبث بالمواقع ومحاولة الاندفاع داخل لبنان

 

 في سوريا، ستركز حكومة بشار الأسد على إعادة الاستيلاء على حلب وستحقق بعض التقدم نحو هذا الهدف. إلا أن، القوات الحكومية ستتم إعاقتها بشكل عام بسبب نشاط المتمردين في إدلب ودرعا بالإضافة إلى الدفع المستمر من جانب داعش للاستيلاء على دير الزور في الشرق. في محاولة لتفكيك القوة العسكرية لقوات الأسد، ستحاول داعش تجنيد جهاديين للدفع ضد حزب الله في منطقة القلمون الحدودية مع سهل البقاع اللبناني. سيجذب احتمال الدفع الجهادي في لبنان جهدا عسكريا أكبر بالنسبة لبيروت. سيستخدم حزب الله ورعاته في إيران التهديد المشترك كي يدفعا نحو المزيد من المفاوضات مع خصومهم الطائفيين حول اتفاق لتقاسم السلطة في لبنان.

 

* لبنان والاردن.. تصارعان للنجاه

 

 لبنان والأردن هما الدولتان الصغيرتان اللتان تصارعان للنجاة وسط الاضطراب العارم المتأجج خلف حدودهما في سوريا وجزء من العراق.

 

لبنان.. إشارات تحذيرية متصاعدة

 

كانت توقعات نهاية العام 2014حول لبنان تبدو متشائمة بعمق، بسبب أثر انتشار الحرب الأهلية السورية في الجوار اللبناني، ولكن اللبنانيون أظهروا صمودا إعجازي وكبير. قد يكون هذا العام أيضا مثالا آخر على هذا الصمود، ولكن الإشارات التحذيرية آخذة في التضاعف.

 من دون أن يبدو في الأفق نهاية للحرب السورية، فالأرجح أن تدفق اللاجئين سيتصاعد، أو في أفضل الأحوال، سيظل التدفق ثابتا عند معدله. بالنسبة للبنان، فإن هذا مقلق للغاية. تقريبا ثلث السكان في لبنان الآن هم من السوريين النازحين، معظمهم يعيشون في أوضاع صعبة للغاية وفي مناطق قريبة من السكان اللبنانيين الذين يزدادون عدائية نحوهم كل يوم، الأمر الذي يزيد من خطر حدوث انقسام دموي. الآمال في تعهد الفصائل السياسية والطائفية اللبنانية المتشاحنة بعدم استغلال هذه القنبلة الموقوتة، ثبت أنه من قبيل التمني. حتى الآن، تظل قضية اللاجئين تمثل عبئا إنسانيا واجتماعيا – اقتصاديا، ولكن إذا ما استمرت التوجهات الحالية ستتحول بالضرورة إلى تحد سياسي وأمني. إذا ما حدث في وقت ما أن مضى عدد كبير من اللاجئين ليحملوا السلاح ويحتشدوا، قد يقلب هذا المعادلة الهشة تماما.

 يتمثل ثاني المؤشرات المقلقة في الفراغ السياسي الآخذ في الاتساع في البنيان المؤسسي للبلاد. لا تزال لبنان من دون رئيس منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق. ولم تخطط لإجراء انتخابات برلمانية منذ أُلغيت الأخيرة في 2013. مدد البرلمان ولايته أوتوماتيكيا إلى 2017، الأمر الذي يصعد من مخاطر ألا تُجرى انتخابات رئاسية ولا برلمانية العام القادم. في الوقت نفسه، فإن حكومة تقاسم السلطة برئاسة تمام سلام تعمل بالكاد، وغير قادرة بالضرورة على اتخاذ قرارات سوى تلك المتعلقة بالقضايا اليومية. يُضاف إلى هذا التحديات لمنصب رئاسة القوات المسلحة وتمديدات متوقعة لولايات العديد من رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

   أحد سبل التكيف مع مثل هذه الضغوط قد يكون تكثيف الحوار بين القوات والشخصيات اللبنانية المتشاحنة. مثل هذه المحادثات، بينما لم تنجح دوما في حل المشكلات القائمة، ساعدت على تهدئة الصراع وقدمت الحد الأدنى من شبكة الأمان للبلاد في الماضي. ولكن اليوم، رفعت الصراعات السورية وصراعات القوى الإقليمية من المخاطر في لبنان بما يكفي للتهديد باكتساح جميع مثل هذه الآليات لإدارة الأزمة، وتضع القوى السياسية للبلاد على طريق الصدام مرة أخرى. خاصة أن انخراط حزب الله في سوريا وضع البلاد في خطر، وأعلنت كلا من داعش وجبهة النصرة أن لبنان وحزب الله المقاتل هما جزء من خطتهما للمعركة. أفضى هذا إلى مصادمات وتفجيرات بسيارات مفخخة في أجزاء عديدة من البلاد؛ وإن كانت لم تفض بشكل عام إلى عسكرة أو حشد المجتمع السني اللبناني. الجيش، في بعض الحالات يتعاون مع حزب الله، يكتسب المزيد من الكفاءة في حماية الحدود مع سوريا ويطفئ الحرائق في كل مكان تندلع فيه. لكن العدد الضخم من اللاجئين يعتبر عبئا ثقيلا على البنية التحتية للخدمات الاجتماعية للبلاد.

بعد العراق، لبنان هي البلد الأشد تعرضا للخطر بسبب الصراع السوري.

 

الأردن.. إلتفاف حول الدولة فى ظل جوار ملتهب

 

مضت الأردن عبر فترة خطيرة من الاضطراب في المراحل الأولى من "الربيع العربي" 2011 و 2012 عندما كانت المطالب الشعبية بالتغيير السياسي والعدالة الاجتماعية مدوية. ومع ذلك، وبعد سقوط سوريا، ليبيا والعراق إلى الحرب الأهلية، والتفاعل ضد صعود الإخوان في مصر، وشبح داعش وجبهة النصرة في سوريا، عاد معظم الأردنيون للالتفاف حول الدولة، غير راغبين في التعرض لخطر الانهيار الذي جلبته مطالب التغيير الشامل في بلدان مجاورة. ستستمر الأردن في مواجهة تحديات اجتماعية اقتصادية، من حفز النمو وخلق فرص عمل للسكان، إدارة ورعاية العدد الضخم من اللاجئين السوريين، احتواء تهديد الجيوب المتطرفة في بعض بلداتها، وإدارة الحدود الخطرة مع سوريا. ولكن هناك وعي عام بالحاجة إلى تعزيز الاستقرار في جوار مضطرب، ولدى الدولة دعم سخي من مجلس التعاون الخليجي، الولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين.

مع ذلك هناك مخاطر وتحديات جراء إشتعال الحرائق فى الجوار الإقليمى، تحديدا على الجبهتين الشمالية والشرقية للأردن. فمن ناحية هناك الآن الهجوم الكبير الذي تقوم به قوات من "حزب الله" اللبناني والحرس الثوري الإيراني على جنوب سوريا، (كما يشارك فيه مقاتلون عراقيون وشيعة أفغان) والذى تزامن مع هجوم سياسي وإعلامى على الأردن للضغط عليه، كي لا يقف في وجه هذه العملية العسكرية الخطيرة والمقلقة، والتي قد تدفع بمئات الآلاف من السوريين في ريف دمشق ودرعا إلى المغادرة، في حال استمر النسق الراهن من المجازر الدموية والقصف الذي يدمّر أي معنى للحياة في كثير من المناطق.

لاسيما وأن دوائر صنع القرار فى عمان كانت قد أرسلت بوضوح موقف عمان في الأشهر السابقة، إلى الروس (حلفاء الرئيس الأسد)، بأنّ الأردن لن يسمح بأي هجوم بري على درعا، لأنّه يعني في نهاية المطاف، بالنسبة للأردن، نقل جزء كبير من الأزمة إلى الحدود الأردنية، مع احتمال لهجرة كبيرة، وهو أمر لم يعد الأردن قادراً على تحمله.

ومن ناحية أخرى، فإن اقتراب الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، يطرح ولا شك تحديات سياسية وأمنية جديدة على الأردن، نابعة بالأساس من الخلاف في النظر إلى المسألة الفلسطينية أساساً، لا سيما في ظل تبني طهران والحزب، لمشروع إعادة تسليح الضفة الغربية، وهو مشروع سبق للمرشد العام للجمهورية الإسلامية أن أطلقه إبان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فى العام الماضى، وأعلن حزب الله عن تبنيه، لنقل تجربة "المقاومة في غزة" إلى الضفة، وقد تبنت حماس سراً وعلانية، هذا المشروع، إن لم يمكن في سياق " تصعيد المقاومة ضد الاحتلال"، فأقله في سياق الصراع المفتوح مع فتح والسلطة الفلسطينية على " السلطة " في الضفة الغربية.
ولأن أي مشروع لتسليح الضفة، يستوجب حكماً، المرور بالأردن، فإنه من المحتمل أن نشهد في قادمات الأيام، خاصة إذا ما استقر الوضع في جنوب سوريا لهذه الأطراف، عمليات تهريب للسلاح، أو الكشف عن شبكات وخلايا تتولى نقل الأسلحة وتخزينها وإيصالها إلى الضفة الغربية.

وفي سياق موازٍ، لا يبدو سير الأمور، سياسياً وعسكرياً، في العراق مريحاً. فالحكومة العراقية تتلكأ في تنفيذ إصلاحات سياسية عميقة، بالرغم من محاولات رئيس الوزراء حيدر العبادي. إذ من الواضح أنّ النفوذ الإيراني كبير، وأصبحت المليشيات الشيعية التابعة له أكبر حجماً من أي معادلة سياسية، ما يتناقض مع المقاربة العربية الرئيسة التي تقول بأنّ هزيمة تنظيم "داعش" عسكرياً مرتبطة بإدماج السُنّة سياسياً.
وبالرغم من الخسائر التي تكبدها "داعش" هناك، إلاّ أنّه مايزال من المبكر الحديث عن إمكانية حسم الأمور فى وقت قريب. ولا يبدو المجتمع السُنّي مطمئناً للأوضاع السياسية، لاسيما بعد اعتقال النائب زيد الجنابي وقتل من كان معه!!

فهناك شعور سُنيّ بالقلق والتهديد من الأجندة الإيرانية، فضلاً عن معاناة عشائر الأنبار إلى اليوم من عدم تسليحهم جدياً من قبل الحكومة العراقية.

الخلاصة: أن ما يحدث على الحدود الشرقية والشمالية الأردنية أصبح أمراً مقلقاً فعلاً، ومؤثراً على الأمن الوطني الأردني. وتبدو نظرية "الوسادات" التي اعتمدتها الدولة (أي الاعتماد على التحالف مع القوى السُنّية في أنبار العراق، ودرعا سوريا ) في مرحلة اهتزاز حقيقية.. فالخطر على الأردن يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى!
 

*انسداد إسرائيلي – فلسطيني

في المجال الإسرائيلي – الفلسطيني، سيستمر الإستعصاء التفاوضى بين الطرفين. وستشهد إسرائيل انتقالا سياسيا هذا العام بعد إجراء إنتخابات الكنيست الــ،20 سيجذب الحكومة أكثر نحو اليمين. سيصيب استعصاء إسرائيلي أكبر فيما يخص السياسات نحو الأراضي الفلسطينية، علاقاتها مع واشنطن بالمزيد من الاضطراب، ويشعل المزيد من التوترات في الضفة الغربية وإسرائيل نفسها، إذ سيلجأ مسلحون إلى المزيد من التكتيكات الذكية ضد أهداف إسرائيلية، وسيستمر نفوذ فتح في التراجع في الضفة الغربية.

من ناحية أخرى، نحتاج أن ننتظر الأشهر القادمة لنعلم ما إذا كانت الإضطرابات الميدانية ستؤدي بالفعل لاندلاع انتفاضة ثالثة في 2015 أم لا ؟ّ  ولكن فى كل الأحوال ثمة شكوك كبيرة في قدرة انتفاضة ثالثة( فى حال اندلاعها) على تغيير الحقائق على الأرض، وردع إسرائيل عن مضاعفة الاحتلال وسياسة العزل والبانتوستانات.

من ناحية ثالثة، سيظل البيت الفلسطيني يعاني من الفوضى، والإنقسام: جغرافيا بين الضفة الغربية وغزة، سياسيا بين حماس وفتح، واستراتيجيا بين المفاوضات والمقاومة المسلحة.

  أحد الاحتمالات يتمثل في أزمة حكم في السلطة الفلسطينية، ربما تنبع من مشكلة خلافة  الرئيس محمود عباس الذي سيبلغ الثمانين من العمر خلال العام القادم، ومن دون وجود إجراءات واضحة لمن سيحل محله. أو ربما انهيار أشد حدة، وهو احتمال نوقش بين الفلسطينيين. في الواقع ربما تؤثر أزمة في القيادة على الحياة اليومية بشكل أو بآخر أقل مما هو متوقع، في ظل وجود عديد من الأجهزة البيروقراطية والخدمية ذات هياكل تعمل من دون رأس قيادي إذ أنها تؤدي كثير جدا من المهام.

الاحتمال الثاني قد يكون اندلاع قتال في غزة. الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس كان مدمرا بشكل ضخم لحياة وممتلكات أهالي غزة ، ولكنه ترك الوضع السياسي من دون تغيير جوهري. تتم مناقشة احتمالات جولة جديدة من القتال وبشكل متزايد ، ولكن ليس من الواضح إذا ما كان سيكون لهذه الجولة المفترضة أي نتيجة عملية أكثر من المزيد من الدمار والمزيد من مؤتمرات المانحين.

 

*مصر... مواجهة الإرهاب فى ظل تحديات إقتصادية

ستستمر مصر في مواجهة تحديات أمنية، خاصة في سيناء، وتحديات اجتماعية اقتصادية ضخمة.

لقد أفاض الرئيس السيسي فى توضيح التهديدات الأمنية الحقيقية التي تواجه مصر، واتخذ قرارات اقتصادية صعبة مهمة بمعالجة قضية الدعم التي لطالما تم تأجيلها، وإطلاق موجة من المبادرات الاقتصادية الرئيسية، بعضها بدعم سخي من الخليج، وبعضها مع الاستثمار الوطني. وإذا ما استمرت حكومة السيسي في التحرك بجرأة على طريق الإصلاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار، فإنها قد تحقق مستويات كبيرة وذات قيمة من النمو الاقتصادي.

من ناحية أخرى، سيكون على الحكومة الاستمرار في التعاط مع احتجاجات الإخوان، رغم أن تلك الاحتجاجات ستظل تحت السيطرة. في الوقت نفسه، ستنفق القاهرة جهدا كبيرا في محاولة مكافحة جماعات إرهابية مثل أنصار بين المقدس، وأجناد مصر، في سيناء أو في مناطق أخرى من الأراضي المصرية.

ستستمر قوات الأمن المصرية في التركيز على سيناء ودلتا النيل في مسعاها لاحتواء نشاط تلك الجماعات، رغم أن حدود البلاد الصحراوية الطويلة مع زيادة الفوضى في ليبيا سيجذب المزيد من انتباه القاهرة.

ستعمل القاهرة مع داعميها في الخليج والحكومة الليبية المعترف بها في طبرق بهدف تقويض التهديدات القادمة من شرق ليبيا. إلا أن تدخل مصر لن يصل إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر: الأرجح أن مشاركة القاهرة في الصراع الليبي في 2015 سيكون مقيدا بالدعم اللوجستي، الأسلحة والذخيرة، والتعاون في الضربات الجوية.

من ناحية ثالثة، ستحاول حكومة السيسي المؤيدة من القطاع الأعظم من الشعب المصرى، ومن الجيش، تعزيز سلطتها هذا العام. مكون رئيسى في هذه العملية يعتمد على الانتخابات البرلمانية القادمة. سيسمح تشظي الإسلاميون والأحزاب المدنية( جنبا إلى جنب، مع ترتيبات ماهرة للمشهد الإنتخابى) للسيسي بأداة تشريعية منقسمة وبالتالي طيعة بدرجة كبيرة. من غير المرجح أن تقيد الخلافات المتوقعة حول نطاق المجال السياسي المسموح للإسلاميين غير المعارضين للحكومة( مثل حزب النور السلفي) من قدرة الحكومة على النجاح.

ولكن على الرئيس السيسي أيضا أن يقرر على المدى البعيد نظاما سياسيا في مصر...

لقد خلقت الفترة القصيرة الفاشلة لحكم الإخوان: رد فعل شعبي، ومنحته دعما شعبيا قويا، وشهر عسل طويل... ولكن في النهاية، بلد كبير، فقير في النفط، وذو أهمية كمصر، يحتاج للتحول على المدى البعيد نحو نظام سياسي تفاعلي ومؤسساتي بشكل أكبر. ومن ثم ينبغى على مصر أن تستفيد من الفترة القادمة كي تعيد فتح المجال العام للأحزاب والأفراد الذين يقبلون بقواعد اللعبة، والعمل نحو بناء نظام ثنائي الحزبية أو متعدد الأحزاب.

*ليبيا... إستمرار التشظى

استمرار التشظي سيكون عنوان ليبيا خلال العام 2015، إذ أن القوى الإقليمية والمجتمع الدولي يتبنيان استراتيجيات متعددة وغالبا متنافسة.

  لقد تجاوزت البلاد الموعد الذي فرضته لوضع مسودة  لدستور وإجراء انتخابات لحكومة دائمة، والآن وصل مسار الانتقال الليبي إلى مرحلة التوقف، إذ تسعى فصائل ثورية متنافسة، شخصيات من عصر القذافي، وميليشيات من إيديولوجيات متعددة، وخلفيات طائفية إلى التأثير والنفوذ. ومن ثم  هناك تعزيز لنفوذ جماعات وتنظيمات راديكالية ، بالإضافة إلى الصراعات القبلية والجهوية. فى ذات الوقت لا توجد سلطة حكومية مركزية تسيطر على البلاد.

لكن فى ظل عدم وجود انتصارات واضحة أو سهلة للحكومات المتنافسة سوا في طرابلس أو طبرق، فالأرجح أن العديد من الأطراف ستحاول التعبير عن دعمها للمفاوضات والدخول في محادثات، ولكن من غير المتوقع التوصل إلى هدنة مستمرة أو انتقال ثابت في 2015. أي دستور سيتم كتابته برعاية حكومة طبرق لن يحظى بتوافق وطني، وإذا ما تمت كتابته سيثبت أنه مؤقت، الأمر الذي يجعل من غير المتوقع الوصول إلى أي استقرار سياسي في ليبيا عام 2015.

ومن الصعب توقع أن بإمكان مصر، الجامعة العربية أو المجتمع الدولي لعب دور العامل الذي يفرض الاستقرار بالنظر إلى الصراع الإقليمي بالوكالة الذي استحثه الوضع الليبي، حيث قطر وتركيا تؤيدان جانبا، ومصر والإمارات تؤيدان بوضوح الجانب الآخر.

من ناحية أخرى، سيحول العنف وغياب الأمن دون وصول ليبيا إلى الكفاءة الكاملة في إنتاج النفط، وستستمر الضربات، الاحتجاجات، والهجمات في التسبب في تقلبات وانخفاض في الناتج الإجمالي على مدار العام. إلا أن القيمة الاستراتيجية لإمدادات النفط الليبية إلى الأسواق الدولية ستتراجع، خاصة في حال توسع أو ثبات إنتاج دول الخليج المنتجة وأعضاء الأوبك مثل العراق ونيجيريا.

  من ناحية ثالثة، ستراقب الولايات المتحدة وشركاء التحالف، ليبيا عن كثب بسبب النشاط المتزايد للتنظيمات الإرهابية. طالما ظلت الجماعات المنتمية للقاعدة أو لداعش معزولة في جيوب صغيرة في ليبيا ولم تبدأ في تنظيم هجمات ضد دول مجاورة مثل الجزائر، مصر أو الاتحاد الأوروبي، سيكون هناك ضغط أقل على القوى الخارجية كي تضرب بشكل استباقي ضد مسلحين ليبيين – وهي الخطوة التي قد تصيب البلاد بالمزيد من الاضطراب. لكن الأرجح، أن السعودية، الإمارات ومصر ستلزم نفسها بالدعم اللوجستي والضربات الجوية في إطار دعمها المستمر لقوات حفتر للحكومة الوطنية المعترف بها دوليا في طبرق.

 

*تونس... ديموقراطية هشة

 تونس انهارت بالفعل في 2013 ولكنها خطت خطوات كبيرة في 2014، مررت دستور توافقي وأجرت انتخابات برلمانية، حيث فاز الوطنيون العلمانيون، وكذلك انتخابات رئاسية فاز فيها قايد السبسى على المرزوقى. البلاد تبدو الآن وكأنها تبدأ في جني ثمار تقدمها السياسي، برئيس جديد، حكومة وبرلمان. لكن من الواضح أن التوترات العلمانية – الإسلامية، والتهديدات الأمنية من جماعات متطرفة تعمل على امتداد الحدود الليبية، ستستمر.

ناهيك عن أن استمرار الإستقرار مرهون بمدى قدرة  تونس على البدء في التركيز على القضايا الاجتماعية الاقتصادية الجوهرية والتي كانت السبب الرئيسى في اندلاع انتفاضة ديسمبر 2010.

 

*الجزائر فى مواجهة تحديات إدارة الانتقال

 

الجزائر كانت كانت إحدى الدول المرشحة لانتفاضات كتلك التى حدثت فى دول أخرى فى الإقليم . لديها الآن الكثير من التوترات (السياسية والاجتماعية الاقتصادية) نفسها التي أدت إلى إنتفاضات في بلدان أخرى، ولكن ذكرى الحرب الأهلية المدمرة بين الإسلاميين والدولة، بالإضافة إلى موارد النفط الوفيرة، أبقت الغطاء محكما. ولكن انخفاض أسعار النفط، الشباب المحبط، والخلافة التي لم تحل ( بعد رحيل بوتفليقة المريض) تعني أن 2015 سيكون عاما صعبا بالنسبة للجزائر.

والأرجح أن يتم الإعلان عن تعديلات دستورية هذا العام في الجزائر. على نفس القدر من الأهمية هناك الإصلاحات المتعلقة ببنية الحكم أو النظام الرئاسي أو مجلس الوزراء. كذلك الإصلاحات الاقتصادية.

لكن من غير المرجح انتقال السلطة من الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة إلى خلفه هذا العام، إذا ما استبعدنا حدوث أي تطورات صحية غير متوقعة، وبقاء الآلة السياسية الحالية خلف بوتفليقة في مكانها إلى حد كبير كي تساعد في عملية التحول.

من ناحية أخرى،  وخلافا للأعمال الداخلية، سيعمل الجزائريون على تطوير صلات مع فرنسا والاتحاد الأوروبي كي تساعد على تعزيز الحكم واجتذاب استثمارات خارجية يحتاجونها بقوة إلى القطاعات غير النفطية من الاقتصاد الجزائري، خاصة التعدين، صناعة الحديد والصلب والسيارات.

وعلى الصعيد الإقليمى ستظل إجراءات تأمين الحدود الأولوية الأمنية الأولى للجزائر، وذلك بالنظر إلى شمال مالي، تونس وليبيا. ولا شك أن فوز نداء تونس بالإنتخابات فى تونس، منح الجزائريين فرصة نادرة للعمل على توسيع نطاق التعاون الأمني والسياسي مع تونس. كذلك، سيعمل الجزائريون على إقناع عدد ضخم من قبائل، ميليشيات، وجماعات سياسية محلية في غرب ليبيا، بالمشاركة في مفاوضات مؤيدة دوليا بين الحكومتين الليبيتين المتصارعتين في طرابلس وطبرق.

 

 * المغرب.. عرش قوى وحكومة بقيادة إسلاميين

 

الأرجح استمرار تجربة المغرب من مشاركة غير شائعة للحكم، بين عرش قوي وحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي. يتمتع الملك بشرعية قوية، ويبدو أن مزيج الأفعال التي اتخذها مبكرا بعد الانتفاضات قد توصل إلى توازن ثابت حتى الآن. وذلك حين دفع باتجاه دستور ليبرالي من جهة، مع السماح لحزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات، برئاسة حكومة تعددية بسلطات محدودة، وتحت إشرافه من جهة أخرى.

لهذا فالتحديات المغربية الرئيسية تتمثل في خلق وظائف، وتحسين مستويات المعيشة لمواطنيه.

 

السودان.. ضعف الحكم وتحديات الفقر

السودان هي البلد الذي فشل حتى قبل الانتفاضات العربية، بسبب قضايا الهوية، الإسلام السياسي، والموارد . عبرت هذه الخلافات عن نفسها في الصراع بين الشمال والجنوب، والشمال ودارفور.

 سواء ما إذا كانت خبرة السودان تنطبق مباشرة على اليمن، سوريا، العراق وليبيا أم لا، فقد تعاطت مع خط الانقسام الرئيسي عبر الانقسام رسميا، وإنشاء دولة جنوب السودان (وإن كانت هذه الدولة تمر بأزمات شديدة).

من ناحية أخرى، هدأ الصراع حول دارفور مؤقتا عن طريق التفاوض. ولكن السودان (الشمالية) لا تزال غارقة في ضعف الحكم، مستويات مرتفعة من الفساد، والصراع الإقليمي الداخلي المتكرر. والمؤكد أنها ستستمر في مواجهة تحديات الفقر حيث يعيش أكثر من نصف عدد سكانها البالغ عددهم 40 مليونا تحت خط الفقر.

 

* خاتمة

 معلوم سلفا أن التنبؤ بشأن المستقبل دونه مصاعب جمة، فضلا عن أنه يظل معرضا للخطأ. لكن هذا لا ينفى أن التفكير في هذا المستقبل ودوافعه وسيناريوهاته المحتملة، يمكن أن يكون تدريبا صحيا لمحاولة فهم الحاضر، والنظر في خيارات لخلق مستقبل أفضل. ومن ثم فإن الأفكار السابقة، ومحركات الأحداث التى سبقت الإشارة إليها، والسيناريوهات والتقديرات المقدمة، ربما تساعد - على الأقل- على بعض التأمل والرؤى، في محاولة فهم اندفاعة الأحداث التي تشغل حياتنا اليومية.