المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

أزمة سد النهضة .. الى أي اتجاه

الأحد , 18 يونيو 2017 - 10:21 مساءٍ

مراحل بناء سد النهضة الإثيوبي
مراحل بناء سد النهضة الإثيوبي

تمر الأيام و ما زالت أزمة سد النهضة تعانى من حالة جمود فتارة تطفوا  على السطح إعلاميا و تارة تنحسر عنها الأضواء .. و تشعر أن هناك متسع من الوقت وأن الأخطار المحتملة من بناء هذا السد غير مؤثره و يمكن تداركها و أن الحلول موجوده و ما هى الا مسألة وقت .. أم أنه مسار إجباري نسير فيه و سيناريو يجب أن يكتمل لنهايته و لا تتوافر القدرة على مواجهته.

 

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هل الإجراءات التى تتخذها الدوله فى هذا الملف تتناسب مع حجم و عمق الأزمة ؟، و للإجابة على هذا السؤال يجب القاء الضوء على خلفيات الأزمة التى تعود جذورها منذ عشرات السنين من القرن الماضى وتعامل معها رؤساء مصر على مدار التاريخ بداية من عبد الناصر و نهاية بالنظام الحالي و التطورات المتسارعة التى حدثت بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك وظهور الأزمة كواقع فعلى على الأرض فى عهد الرئيس السابق محمد مرسى حيث أعلنت اثيوبيا عن تحويل مجرى النهر و بدء الأعمال فى المشروع فى اليوم التالي لرحيل الرئيس السابق من أراضيها و لم تتوقف الوتيرة المتسارعة فى العمل فى المشروع منذ ذلك الحين حتى الان .. و دعونا نتناول عمق الأزمة من احدى الزوايا الغير متناوله اعلاميا  و نتركها التقييم فيما بعد على النحو التالي.

 

لم تتجاوز أزمة بناء السد فى عهدى عبد الناصر و السادات سوى رغبة اثيوبيا فى بناء سد بمواصفات محدوده اى لا تزيد قدراته عن احتجاز أربعة عشر مليار متر مكعب من المياه لاستثمارها فى مجال توليد الكهرباء و قد تعامل الزعيمان مع هذا الملف بالطرق الدبلوماسية من منطلق القوه الناعمة لمصر و الأخير هدد بتوجيه ضربه عسكرية فى حال البدء فى اى أعمال تحضيرية فى هذا الشأن بل قام بتجهيز قاعده جويه بالسودان لهذا الغرض.

 

في عهد الرئيس الأسبق مبارك حدث جديد فى هذا الملف، فبعد ابرام معاهدة السلام مع اسرائيل و استرداد مصر لأراضيها المحتلة بسيناء، طرح على مائدة المفاوضات الغير رسمية رغبة اسرائيل فى الاستفادة من مياه النيل المهدرة من مصر و التى تصب فى البحر على ان يتحمل الجانب الاسرائيلى كافة التكاليف الانشائية لتوصيل مياه النيل اليها عبر سيناء من خلال مد ترعة السلام، الا ان الرئيس الأسبق رفض بشدة متعللا بأن مصر بصدد تنفيذ مشروعات عملاقة من شأنها استهلاك اى فائض فى حصة مصر من مياه النيل بل ستصبح مصر فى حاجه الى زيادة حصتها.

 

ومع تزايد الضغوط فى هذا الاتجاه لجأ الرئيس الأسبق الى الشقيقة الامارات لتمويل مشروع توشكي و ظهر هذا المشروع على أرض الواقع الا انه لم يكن له جدوى اقتصادية فبالرغم من قيام الدولة بتسويق مساحات شاسعة بأسعار رمزية لبعض أبرز المستثمرين العرب فى محاولته للترويج للمشروع الا انه قام باستصلاح جزء محدود من مساحة الأرض و توقف نتيجة عدم جدواه الاقتصادية ... الا انه قد اتى بثماره  من حيث الجدوى السياسية حيث توقف الملف المائى الاسرائيلى مرحليا.

 

ولكن هل اقتنعت اسرائيل بتلك النتائج و صرفت النظر عن هذا المشروع الطموح أم استبدلته بخطه طويلة الامد لتحقيق نفس الهدف ؟ بالطبع لم تضيع اسرائيل الوقت و اتجهت الى الدول الافريقية و اقامت علاقات سياسية و اقتصادية معها فى غيبه  للدبلوماسية المصريه نظرا لابتعاد مصر عن الساحه الافريقية فى أعقاب محاولة اغتيال الرئيس الأسبق بأثيوبيا عام 95 و قد ظهر بوادر نتائج هذا التحرك فى أقدام اثيوبيا الى عقد ما يسمى باتفاقية عنتيبى دعت اليها دول منبع حوض النيل  بعد فشل التوصل لاتفاق مع دول المصب و قد قام بالتوقيع على هذه الاتفاقية 4 دول عام 2010 زادت فيما بعد الى 6 دول بعد أحداث يناير 2011 تدعو هذه الاتفاقية الى اعادة توزيع حصص المياه فى اشاره الى عدم الاعتراف بالحق التاريخ لدول المصب بالأضافة الى سلب حق الاعتراض من مصر على اقامة اى مشروعات على النيل وفقا المعاهدات القديمة، وتروج اثيوبيا في هذا الشأن أن تلك المعاهدات أبرمت فى أوقات الاحتلال و من قام بإبرامها هم سلطات الاحتلال.

 

وفي عام 2013 أعلنت اثيوبيا عن البدء فى أعمال تنفيذ سد النهضة بمواصفات جديده و خطيره حيث ازاح الستار عن تنفيذ سد يحتجز 74 مليار م 3 من المياه و المعلوم مسبقا ان ما كانت تسعى اثيوبيا لانشاءه سد سعته 14 مليار م 3 ... الأمر الذي فاق كل التوقعات و ادخلنا فى حسابات أضرار مختلفه حول حصة مصر المائية خاصة فى السنوات التى سيتم خلالها ملء السد فكلما قلت سنوات ملء السد زاد العجز فى حصة مصر فى المياه  .. واذا اضفنا الى ذلك ان مصر فى ظل حصولها على كامل حصتها تعتبر تحت خط الفقر المائى وفقا للمعايير الدوليه نسبه الى عدد السكان .. اى بوضوح شديد ان الاضرار المحتملة من جراء أنشاء هذا السد من شأنها اعاقة اى مشروعات تنموية و الاضرار بالمشروعات القائمه فى مجال الكهرباء و الزراعة .. اما فيما بعد ملئ السد فان بامكان اثيوبيا التحكم فى كمية المياه الواردة للبلاد خاصه اذا لجأت الى بيع المياه أو مبادرتها أو نقلها خارج الحوض و هذا ما تدفع وراءه اسرائيل .

واذا ما نظرنا الى موقف الجانب الاثيوبى نجد انه موقف متعنت للغاية فى كافة المباحثات لم تبدى خلالها اى تنازلات بل انطلقت التصريحات بأنه لا توجد قوه على الأرض تستطيع اثناءها عن تنفيذ ما شرعت فيه .. كما أبدت عدم الاعتداد بتقرير اللجنة الثلاثيه المشكله من مصر و اثيوبيا و السودان و التى خلصت الى أن ما عرض عليها هى دراسات منقوصه يجب ان تستكمل لبيان مدى الاضرار الناجمة عن أنشاء هذا السد من حيث المواصفات الانشائية و كذا مدى تأثر دول المصب من حيث حصص المياه .. و أخيرا أعلنت الصحف الاثيوبيه عن عزمها الدخول فى معاهدات دفاع مشترك مع 13 دوله للحيلولة دون الاعتداء عسكريا على هذا السد .. بالأضافة الى ما تتناوله مسبقا حول عزم اثيوبيا بالرد على اى عمل عسكري تعتزم مصر القيام به بتوجيه ضربه للسد العالى .. ويأتي هذا التعنت من الجانب الاثيوبى مواكبا لاعلانها منذ حوالى شهر عن انتهائها من تنفيذ ثلث الأعمال الخرسانية بالسد.

 

أما عن الموقف المصرى فلم يتعدى بعض الخطوات الغير محسوسه حتى الان و يتمثل فى المشاركة فى اللجنة الثلاثيه السابق الاشاره اليها .. بالأضافة الى بعض جولات مباحثات ثنائيه مع الجانب الاثيوبى و ثلاثيه بحضور السودان .. و يتم الاعلان عن فشلها تباعا .. كما تقوم الخارجيه المصريه بمخاطبة الدول الممولة و المنفذة لهذا السد الا انها لم تحقق نتائج ملموسه حتى الان من شأنها ايقاف الأعمال أو عرقلته على الأقل .. واكب ذلك تصريحات غير ايجابية للسيد رئيس الوزراء خلال احد الاحاديث والاعلامية يستخلص منه عدم وجود اجنده واضحه معهد للتعامل مع هذا الملف .. ثم قيامه بجولة افريقيه استهدفت هذا الملف و لم تظهر نتائجها.

 

أما الموقف السودانى فبالرغم من المخاطر المحتملة نتيجة تقارير عوامل الامان الخاصة بالسد و التآمر تنذر باغراق مدن بكاملها و على راسها العاصمة الخرطوم فى حالة انهيار السد الا ان موقفها جاء متأرجحا و يميل الى مؤازرة الموقف الاثيوبى.

الى هنا يجب التوقف و التأمل فى اجابات بعض الاسئله التى تفرض نفسها وفقا للمشهد كالاتى :

* ما سر القوه فى الموقف الاثيوبى الذي وصل الى التعنت و لماذا فى هذا التوقيت بعد أحداث يناير 2011 و دخوله حيز التنفيذ و بقوه فى فترة حكم الاخوان .. علما بأن هذا الملف قائم منذ عشرات السنين كما ذكرنا عاليه .... و هل هذا الموقف نابع من حالة الضعف التى تمر بها البلاد أم نتيجة مساندة و تأييد بعض القوى العظمى ووقوفها خلف اثيوبيا لتنفيذ هذا المشروع لتحقيق أهداف كانت مستهدفه منذ وقت بعيد و حالت الأمور دون تحقيقه و لأنها ارتأت ان هذه الظروف هى المناسبه ؟.

 

* ما هية الضغوط أو الإغراءات التى تعرضت لها السودان جعلتها تحييد عن موقفها المساند لمصر على مدار التاريخ منذ بداية الأزمة و أصبح موقفها يميل الى مؤازرة الموقف الاثيوبى .. وما الذي حدا بها الى ان تغامر و تتحمل مخاطر كبيره محتمله من جراء بناء السد حيث أثبتت الدراسات من واقع تصميم السد ان معامل الامان للسد لا يتجاوز الواحد و نصف فى المائه اى اذا تعرض السد لزلزال اقوى من ذلك تعرض للانهيار و فى حالة احتجازه لقوته الاستيعابية من المياه 74 مليار م 3 فان مدن باكملها تتعرض للغرق و على راسها الخرطوم فهل هى نفوذ التنظيم الدولى للاخوان على النظام السودانى التابع له أم هى قوى عظمى تملك من الأوراق ما تستخدمه لتهريب و ترغيب النظام السودان .. أم الاثنين معا .. أم الطرفين يعتبران طرفا واحدا يسيران فى اتجاه واحد وفقال لمخطط  عزل مصر  و جعلها وحيده مما يضعف موقفها فى القضية ؟.

 

* هل هذا الملف كان من ضمن صفقات النظام السابق الاخوانى فى أطار توطيد علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية و اسرائيل و لتثبيت نظامه على رأس الدوله و فى هذا السياق فقد قدم الرئيس السابق الكثير فى هذا الشأن من السماح لاسرائيل بتركيب حساسات على طول الحدود مع سيناء و دخول مصر ضامن فى الهدنة بين اسرائيل و حماس و الموافقة على مشروع استقطاع جزء من سيناء لاستيعاب أبناء غزه وفقا للمخطط الاسرائيلى و قام ببعض الاعمال التمهيديه لتنفيذ ذلك من التوسع فى عمل الانفاق مع قطاع غزه و استقدام عناصر من حماس بالمنطقة و منح عدد كبير منهم الجنسيه المصريه و البعض الاخر بطاقات رقم قوى مزوره و سمح بتمليك الأراضي هناك و تصدى لهذا التحرك القوات المسلحة و كذا التنازل عن حبايب و شلاتين لصالح السودان و اسقطها من الخريطه و يمكن ان يكون ذلك ضمن الحوافز التى قدمت للسودان لتغيير موقفها وفقا للتفاهم العامه فى هذا الشأن .. و كيف نفسر اعلان اثيوبيا تحويل مجرى النهر و البدء فى الأعمال فى اليوم التالي لمغادرة الرئيس السابق الأراضي الاثيوبية .. و كذا تعامل الرئاسة مع هذا الملف فى الفترة التى تلت التحرك الاثيوبى و ابرزها المؤتمر الذي عقد بالرئاسة و دعت اليه بعض الشخصيات الغير متخصصه و ما دار خلاله من هزيان فى حضور الرئيس السابق و الأخير كان قد أصدر تعليماته باذاعة هذا اللقاء على الهواء و عبر الفضائيات دون ان يعلم المشاركين .. الأمر  الذي استغلته اثيوبيا على الصعيد الدولى فى اظهار نوايا مصر العدوانية لكسب التعاطف الدولى؟.

 

* الموقف المصرى الحالي الهزيل و الذي لا يتناسب مع حجم المخاطر بل يمكن القول بأن المفاوض المصرى شريك فى اضاعة الوقت و اتاحة الفرصة امام اثيوبيا لمزيدا من الانجازات فى بناء السد فمن الواضح ان طريق المفاوضات المباشرة مع الجانب الاثيوبى عديم الجدوى و لن نصل الى اى حلول للازمه نتيجة تعنت الجانب الاثيوبى و عدم استعداد الاخيره تقديم اى تنازلات و الغرض منها كسب الوقت لاستكمال بناء السد و هنا يكون للتفاوض. شكل اخر و السد قائم على أرض الواقع .. فهل قرأت السلطات المصريه هذا المشهد برمته و قررت بأنه لا جدوى من اى تحرك خارج هذا الاطار و ان اللجوء الى تدويل القضية سواء فى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن باعتبار ما أقدمت عليه اثيوبيا يمس الأمن القومى المصرى لا طائل منه فى ظل وقوف الولايات المتحدة الأمريكية و ومعظم الدول الاوربية بالتبعية  مع الجانب الاثيوبى و قررت الااستسلام فى هذا الأمر ... أم تنتظر الحكومه الحاليه الرئيس القادم لترحل اليه هذا الملف و فى هذه الحاله هل سيسعفه الوقت للتحرك أو ان الأمر سيكون قد انتهى و علينا ان نتفاوض فى اتجاه اخر ؟.