المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

“حركة أمل” الهوية.. التحالفات.. سؤال المستقبل

الأحد , 18 يونيو 2017 - 10:49 مساءٍ

حركة أمل وحزب الله
حركة أمل وحزب الله

تأسست حركة أمل على أساس طائفي لتمثيل الشيعة في لبنان وذلك دون بقية مكونات لبنان التعددي، غير أنها حاولت أن تجمع بين تناقضات مركبة، كونها من ناحية مثلت حركة دينية اقصائية لبقية المكونات اللبنانية، ومن ناحية أخرى كون الحركة منذ أن تأسست على يد الإمام موسى الصدر حرصت على إتباع نهج سياسي يركز على الجمع بين البعد الديني- الطائفي وبين البعد الوطني اللبناني والانتماء العروبي.

 

وكانت التسمية الأساسية لها سابقا هي حركة "المحرومين" (شيعة الجنوب)، ثم جرى تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية- المسلحة، في إطار الدفاع عن الجنوب أو ما أسمته "مناطق المحرومين". وقد انغمست الحركة لاحقا في الحرب الداخلية وخاضت حروبا متعددة واتجهت أكثر نحو البعد المذهبي واعتمدت اسم حركة أمل.

 

وقد واجهت "أمل" تحديات عديدة ومركبة، بدءاً من خطف الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين في ليبيا، وصولا إلى الصراعات مع القوى الوطنية واليسارية وبعض الأطراف الفلسطينية، إلى نشوء حزب الله والصراع الذي جرى بينهما لفترة طويلة، وكذلك حرب المخيمات القاسية- ومع ذلك حافظت على وجودها، وإن تبدل ثقلها، بعد ظهور حزب الله اللبناني من رحم الحركة، وبتوافق إيراني مع بعض أعضائها السابقين، الأكثر ارتباطا بالمنهج الثوري الإيراني وسياسات طهران الإقليمية، خصوصا بعد اندلاع الثورة عام 1979.

 

وقد اعتمدت الحركة مبدأ " إبداء المرونة وإتباع منهج الوسيطة السياسية"  كأحد إستراتيجيات البقاء في مواجهة التحديات المرتبطة بتحدي القدرة على تمثيل الطائفة الشيعية في مواجهة حضور حزب الله، فضلا عن ضرورات بقاء خطوط التواصل مع المكونات والتحالفات السياسية الأخرى، بما يحفظ للحركة درجة من الاعتدال إذا ما قورنت بحزب الله.

 

* نشأة الحركة وسياقه:

بعد تأسيس حزب الدعوة في العراق، كانت محاولات الاستنساخ في لبنان على يد المرجع الشيعي موسى الصدر الذي عمل عقب عودته من طهران –التي حمل جنسيتها- إلى لبنان علي تجميع الشباب الشيعي لتأسيس كيان شيعي قوي (على غرار حزب الدعوة في العراق)، الذي أنشأ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى1967، وتأسيس حركة أمل.

 

وقد ضع موسى الصدر اللبنة الأولى للعلاقات الخاصة بين طهران ودمشق وحركة أمل، فهو لبناني الأصل، لكنه ولد وتعلم وعاش في قم بإيران لسنوات طويلة قبل أن يعود إلى لبنان، وهو مسقط رأس عائلته، بالإضافة لتأثره بعلاقته بقائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني، الذي تربطه به صلة نسب، حيث إن أحمد الخميني متزوج من بنت أخت موسى الصدر وابن الصدر متزوج من حفيدة الخميني.

 

توجه الصدر إلى لبنان عام 1958 وأقام فيها وحصل على الجنسية اللبنانية بقرار من الرئيس اللبناني فؤاد شهاب بعد فترة قصيرة من وجوده هناك، وخلال هذه السنوات اختير الصدر رئيسا للمجلس الشيعي الأعلى الذي أسسته الحكومة اللبنانية استجابة لطلبات الشيعة (  كونه يتمتع بعلاقات وثيقة مع "أنصار الخميني"، الذين فروا من إيران أواخر سنوات الشاه واستقروا في لبنان لمواصلة التحضير للثورة الإيرانية. ، وأدى إنشاء المجلس الأعلى للشيعة، في عام 1969، إلى فصلهم عن السنة لأول مرة، فصار الشيعة طائفة مستقلة مثلهم مثل الموارنة والسنة.  

 

بعد ذلك قام الصدر بإنشاء المدارس والنوادي الشيعية، وفي عام 1974 أنشأ "حركة المحرومين"، لتكون تجسيدًا للكيان السياسي لشيعة لبنان، ثم أنشأ عام 1975 (بعد اندلاع الحرب الأهلية) أفواج المقاومة الإسلامية التي عُرفت اختصارًا باسم (أمل) لتكون الذراع العسكري لـ"حركة المحرومين".

 

وتشير اتجاهات إلى أن "حركة المحرومين" و"أمل" لم تكن من لبنانيين وحسب، إذ انضم إليهما إيرانيون أيضا من بينهم مصطفى جمران، وهو ناشط إيراني عاش في لبنان قبل الثورة الإيرانية، وكان من كبار مساعدي موسى الصدر، كما كان يتولى الإشراف على فروع حركة أمل العسكرية قبل نشوب الثورة الإيرانية، وبعد نجاح ثورة الخميني عُين جمران أول وزير دفاع في الحكومة الإيرانية. وتشير الاتجاهات إلى أنه عبر حركة أمل وموسى الصدر ورفاقه الإيرانيين تعرف نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على الخميني وأفكاره قبل الثورة الإيرانية، حتى أن عددا من الناشطين الإيرانيين في "أمل" كانت معهم جوازات سفر دبلوماسية سورية للتخفي والتمويه[1].

 

وبقيت حركة أمل تحت قيادة موسى الصدر، إلى أن اختفي سنة 1978 في ظروف غامضة في ليبيا، ليحل محله حسين الحسيني في قيادة حركة أمل، ثم نبيه بري رئيس مجلس النواب الحالي.

جدير بالذكر أن هذه التطورات المتسارعة جاءت بعد حرب أكتوبر 1973، حيث عبأ موسى الصدر شيعة جنوب لبنان بسبب الصراع المسلح، بزعم حماية الشيعة في مواجهة اليهود في فلسطين المحتلة.

 

* أمل و6 آذار... التمايز فى إطار التجانس

جزء رئيسي من ثقل الحركة يرتبط بالأدوار التي يؤديها نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، والذي يعمل من داخل مؤسسات الدولة، دون أن ينفى ذلك تحالفاته العابرة للحدود. هذا الأمر يرتبط بطبيعة تأثر الحركة بتأسيس حزب الله عام 1982، ذلك أنه بينما شكل حزب الله دافعا لتعميق الحركة لتحالفاتها الإقليمية، فإن الحركة بدورها شكلت دافعا للحزب لمحاولة العمل من خلال مؤسسات الدولة (عبر محاولة السيطرة عليها)، وذلك وفق منطق التأثير والتأثر التبادلي. ومن يتابع أداء الحركة السياسي ويطلع على مواقف الرئيس نبيه بري ومواقف الحركة يلحظ محاولة التمايز الواضحة في أدائها السياسي وخصوصا بشأن علاقاتها ببقية الحلفاء في قوى 8 آذار.

وثمة تقديرات تشير في هذا الشأن إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أثبت خلال الفترة القليلة الماضية تمايزا واضحا عن حلفائه في المواقف والمحطات السياسية والاستحقاقات الدستورية ما حمل الكثير من المراقبين السياسيين على طرح علامات استفهام حول أبعاد هذا التمايز وخلفياته، ذلك انه لم يقتصر فقط على التيار العوني المعروفة طبيعة العلاقات بينهما والخلافات بشأن أكثر من ملف من النفط إلى الكهرباء وقانون الانتخابات وغيرها، وإنما امتد إلى تباين المواقف نسبيا مع حزب الله ذاته، وذلك بعد أن كانت العلاقة بين الطرفين علاقة تبعية شبه مطلقة (لصالح الحزب).

 

* حركة أمل بين العرب وإيران:

تمثل "أمل" حركة ثورية شيعية تتبع المذهب الجعفري الإثنا عشري. وتدعى أنها حركة سياسية، وليس لها أي نشاط ديني، وإن أردنا تصنيفها، فتصنف على أنها حركة علمانية، يخلو ميثاقها من المعنى الإسلامي، ولا تدعو إلى تحكيم شرع الله في لبنان، وقد تم صياغة ميثاقها عام 1975، من قبل 180 لبنانياً. وذلك بعد دعوة الإمام موسى الصدر في خطاب ألقاه في يناير 1975، بمناسبة ذكرى عاشوراء، دعا المواطنين اللبنانيين إلى تشكيل مقاومة لبنانية تتصدى للاعتداءات الإسرائيلية.

 

وتشير أدبيات الحركة أنها تأسست كحركة عربية، تولي أهمية إلى الارتباط بالمحيط العربي، والتمسك بمشروع الدولة اللبنانية الواحدة والعيش المشترك الذي قام عليه لبنان، بما جعلها بحكم التعدد اللبناني أقرب إلى حركة ليبرالية منها إلى حركة دينية بالمعني التقليدي للحركة الدينية، دون أن ينفي ذلك أن هناك من بين مؤيدي الحركة لهم ميول دينية.

 

وقد تأسست الحركة على مبادئ من الثقافة الدينية العامة في المناطق التي تسكنها غالبية من الطائفة الشيعية، التي تنظر باحترام وتقدير إلى العلماء ومراجع الدين بحسب موروثاتها الثقافية والاجتماعية. وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني ووصولها إلى السلطة، نشأت علاقة تقليدية بين حركة أمل اللبنانية والنظام الجديد في إيران، انطلاقا من محورية العامل المذهبي في أيديولوجية الطرفين، غير أن الخلافات الثقافية والسياسية لم تغب عن مسار علاقات الجانبين، فالحركة تقدم نفسها باعتبارها حركة عربية - شيعية، فيما المشروع الإيراني يقوم على تصدير أفكار الثورة الإيرانية للخارج.

 

لذلك فثمة محركان أساسيين صاغا علاقة الجانبين بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، يتعلق أولهما، بالإحباط داخل الحركة من طريقة تعامل إيران مع قضية اختفاء موسى الصدر، فقد توقعت أمل أن تعمل إيران على إنقاذ الصدر وإعادته من ليبيا إلى لبنان، خصوصا أنه لم يكن وقتذاك قد مضى على اختطافه أو غيابه سوى أشهر قليلة، وهو ما لم يحدث.

 

هذا فيما تعلق ثاني هذه لمحركات، بنمط الموقف الإيراني الذي ساند التنظيمات الفلسطينية في لبنان (بسبب العلاقة بين إيران والراحل ياسر عرفات، الذي راهن على دعم إيراني في مواجهة إسرائيل) على حساب أمل، التي كانت "تحمل لواء مد السيادة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية خلال المواجهات المسلحة بين الفصائل الفلسطينية وحركة أمل. كما لم تقف إيران إلى جانب الحركة في موجهة التيارات اليسارية اللبنانية، التي كانت تسيطر على الجنوب وكثير من المناطق اللبنانية[2].

 

ونتيجة لهذه الخلافات بدا من الواضع أن التحالف بين الجانبين لم يكن تحالفا صلبا وإنما "تحالف مرن"، نتج عنه ولادة "حزب الله"، فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كانت إيران قد عملت خلال السنوات السابقة لذلك على إعداد عناصر لبنانية قتالية دربها الحرس الثوري الإيراني، في إطار محاولات استنساخ النموذج الثوري الإيراني في لبنان والإقليم - الذي لم تكن "أمل" لديها المقدرة أو الاستعداد الكامل لاستيعابه.

 

*أمل وحزب الله:

نشأ حسن نصرالله في صفوف حركة أمل كعنصر في مجموعة شملت شقيقه حسين الأصغر سنا، وسرعان ما أضحى مسئولا تنظيميا عن الحركة في البلدة رغم صغر سنه. ولم تمضِ أشهر حتى قرر السفر إلى النجف لتحصيل علومه الدينية، وذلك سعيا لكى يغدو عالما دينيا، وبينما حالت الظروف السياسية هناك دون قدرته على أكمال دراسته في طهران، ليعود عام 1979 إلى لبنان، والتحق بـ"حوزة المنتظر" في بعلبك، واستأنف عمله الحزبي والتنظيمي في صفوف حركة أمل.

 

وفي عام 1982 انسحب حسن نصر الله مع مجموعة كبيرة من المسئولين والكوادر من حركة أمل اثر خلافات في الرؤية مع القيادة السياسية للحركة آنذاك حول سبل مواجهة التطورات السياسية والعسكرية الناتجة عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان.‏‏

 

وثمة من يقول في هذا الشأن، إنه بينما كانت حركة فتح تنظر لعلاقاتها مع إيران كطريقة لتعزيز قوتها في نضالها القومي من أجل استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن التباينات بين طهران وأمل أدت إلى ولادة حزب الله، كما أدت التباينات بين طهران وفتح إلى ولادة حماس والجهاد الإسلامي لاحقا.

 

ورغم اشتباكات حزب الله وحركة أمل بين 1988-1989، والتي كانت شكل من الصراع المحدود بين السوريين والإيرانيين، إلا أن "أمل" التزمت بعلاقات تحالفية نسبية مع حزب الله، وذلك في إطار تحالف عابر للحدود اللبنانية مع كل من سوريا وإيران. هذا التحالف بدا واضحا أنه غير متوازن، لكونه منح حزب الله صلاحية القيادة، فيما لعبت الحركة دور التابع للمرشد الرئيسي، والذي يقوم به حسن نصرالله، وذلك لتأمين النفوذ الذاتي عبر النفوذ الممتد لحزب الله في الدولة اللبنانية ومفاصلها الأمنية والعسكرية، وفق نظام المحاصصة السائد في البلاد، بما حول ذلك إلى نقطة جذب يدفع الكثيرين –من ضمنهم أمل- للرهان على ضفته، خصوصا كمصدر للأموال.

 

وقد تكشف الوثيقة رقم (06BEIRUT2072) الصادرة عن السفارة الأمريكية في بيروت عن حديث جرى بين المدير العام السابق لوزارة الإعلام والقيادي السابق في حركة أمل محمد عبيد والذي أقصي عنها مؤخرا، حيث عرض فيه لحقائق ما تمر به حركة أمل وعلاقة بري بحزب الله وإيران.

 

وتنقل المذكرة الأمريكية التي نشرها موقع ويكيليكس بعد أن صنفها السفير الأميركي جيفري فيلتمان على أنها سرية، مجريات لقاء يوم 21 يونيو 2006 مع مسئولي السفارة الأمريكية في بيروت، حيث أعرب "السياسي الشيعي محمد عبيد عن أنه يحاول القيام بإصلاحات من الداخل مستفيداً من السخط المتنامي على نبيه بري، والذي بات يُنظر إليه على أنه يقوم ببيع الحركة إلى حزب الله وإيران. وفقا لعبيد، فإن بري جعل من حركة أمل محض تابع لحزب الله في مقابل الإبقاء على رئاسته لمجلس النواب والحصول على مخصصات مالية من إيران".

 

* جمود " أمل " أم لبنان:

على صعيد الشأن السياسي اللبناني، فقد تبنى الرئيس بري الدعوة للحوار والتواصل منذ ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخلال السنوات الخالية، وهو صاحب المبادرة الأساسية في عقد مؤتمر الحوار الوطني وقد لعب دوراً مهماً خلال مؤتمر الدوحة بعد أحداث 7 مايو 2008. ويعتبر العديد من عناصر الحركة أن استمرار الحوار والتواصل والعمل لمواجهة "الفتنة المذهبية" في المنطقة ومواجهة العنف والتطرف، من أولويات نبيه بري وحركة أمل.

 

ويعد نبيه برى جزء من الإشكالية الداخلية كونه يتخذ موقف مستقل نسبيا عن 8 آذار، حيث يرفض التصويت للعماد ميشال عون، رئيس التيار الوطني الحر، كمرشح للرئاسة اللبنانية، ارتباطا بموقف الأخير الذي يتهم مجلس النواب (الذي مدد لنفسه في ظل جمود الوضع الداخلي) بأنه غير شرعي بسبب التمديد للبرلمان عدة مرات.

 

ويشير بري في هذا الإطار إلى أنه "كيف يصر عون على اعتبار مجلس النواب الحالي غير شرعي (ومن ثم الحكومة)، وفي الوقت ذاته لا يجد حرجا في أن يطلب من هذا المجلس "انتخابه رئيساً للجمهورية؟".

 

يوضح ذلك، أن الإشكالية في لبنان مركبة، فالكل مُدد له وانتهت مدته القانونية، غير أن الكل يربط التغيير من حيث لا يبدأ بمواقعه، بما فيها رئيس الأركان اللواء وليد سلمان، الذي يسعى إلى التمديد لمدة سنتين، وهو ما يرفضه العماد ميشال عون، وبدأ في التصعيد بدعوة تياره للنزول إلى الشارع، وهو ما قد يهدد بمواجهته للجيش اللبناني، الذي يأمل الكثير من قادته بدورهم التمديد لهم عامين آخرين، وهو ما يحتاج قرارا من مجلس النواب، الذي يعتبره عون غير شرعي.

 

وقد دفع ذلك وزير الدفاع، سمير مقبل، إلى التأكيد بإمكانية أن يطرح ثلاث أسماء لقيادات عسكرية، فإذا تم التوافق على أي من الأسماء الثلاثة سيعين، وحال ما لم يتم التوافق فسيستخدم صلاحيته لإصدار قرارا يقضي بتأجيل تسريح اللواء سلمان. وعلى ضوء مسار التصويت سيتحدد من هو المعرقل للتعيين؟ وإذا تم التمديد للواء سلمان فان العماد عون سيتخذ مواقف تصعيدية وكل الخيارات عنده ستكون مفتوحة.

 

أما حزب الله فيتبنى موقف التيار الوطني الحر حيث يدعو إلى تعيين رئيس للأركان والمجلس العسكري كله سلة واحدة، وذلك في رفض واضح لفكرة التمديد بحسب قرار يصدر عن وزير الدفاع، وهو ما يكشف عن تباين واضح بين "أمل"  والتيار الوطني الحر وحزب الله. والمشكلة الأكبر في هذا السياق أن هذا التباين داخل 8 آذار بات يعوق عمل الحكومة، وباتت شبه "مشلولة"، بما دفع تقارير إعلامية عديدة إلى الزعم بأن رئيس الوزراء تمام سلام يمكن أن يقدم استقالته، التي لا يحول دونها غير المواقف العربية التي ترفض ذلك.

 

وتشير بعض التقارير إلى أن موقع نبيه بري، باعتباره رئيس البرلمان اللبناني يحتم عليه أن يلعب دورا متوازنا للحفاظ على المؤسسة الشرعية الباقية في لبنان، في ظل تعطل مؤسسات الرئاسة اللبنانية وعدم انتخاب رئيس للبنان منذ مايو الماضي، وهو ينعكس على مؤسسة الوزراء، حيث باتت كل طائفة في لبنان تدير شئونها بعيدا عن مؤسسات الدولة الرسمية. لذلك فإن الحركة أصدرت بيان في منتصف مايو الماضي دعت فيه إلى إنجاز الاستحقاقات الداخلية في لبنان المتصلة بانتخاب رئيس للجمهورية وإنجاز القوانين ومنها قانون الانتخابات النيابية.

 

ويلعب رئيس حركة أمل دور الوسيط في حوار "حزب الله- المستقبل"، وتشير بعض التقديرات إلى أنه يحاول تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين ذلك أنه ليس من مصلحة نبيه بري أن ينحاز لطرف ضد آخر، من أجل استمرار دوره في إحداث التوازن المطلوب على الساحة اللبنانية، والحفاظ على حالة السلم الاجتماعي الهش بالبلاد.

 

* الموقف من الصراع فى سوريا:

هناك العديد من التقارير التي أشارت خلال الفترة الماضية إلى أن عناصر عسكرية تابعة حركة أمل باتت موجودة في القلمون بسوريا والعديد من المناطق بالعاصمة وبعض الريف السوري، وأشارت هذه التقارير إلى وجود أعلام الحركة بهذه المناطق، لكن بأعداد أقل بكثير من عناصر "حزب الله". وأوضحت هذه المصادر الإعلامية أن تسليح عناصر أمل "خفيف"، ويتواجدون في الخطوط الخلفية غالبا، ذلك أن مشاركتهم في النزاع المسلح تأتي فقط من أجل تأمين الخطوط الخلفية والثغرات. وقالت مصادر لبنانية أن حزب الله طلب مساندة عناصر حركة أمل من جهة الحدود اللبنانية في تأمين الإمداد له، وأكدت المصادر أن عناصر الحركة وصلوا إلى أماكن في جرود عرسال وبريتال لمساندة حزب الله.

 

وعلى الرغم من هذه التقارير، فقد نفت الحركة وقياداتها كل هذه التقارير وتم تفنيدها، والتأكيد على أن صور أعلام الحركة هى من مناطق داخل لبنان وليست من سوريا. يرتبط ذلك لكون الحركة حاولت على الصعيد المعلن الحفاظ على الخط الثابت من الأحداث في سوريا، ففي يوليو الماضي أصدرت بيان دعت فيه إلى وقف الحرب على سوريا والعمل الحثيث لإيجاد حل سياسي للازمة فيها.

 

وقد أكدت الحركة في بيان أصدرته في منتصف مايو الماضي، على "ضرورات الحل السياسي للازمة في سوريا تتزامن مع هزيمة الإرهاب وتكثيف الجهود لوقف تدفق الإرهابيين إلى سوريا والعراق وتجفيف مصادرهم المالية والتسليحية". وقالت الحركة في بيانها "إن الأساس يبقى في إنهاء الحروب العبثية على الدول العربية وتوجيه كل البنادق نحو العدو الإسرائيلي الذي يواصل عمليات القتل والاستيطان ضد أبناء الشعب الفلسطيني ويستغل الأوضاع العربية ليرسخ مشروع يهودية الكيان الغاصب".

 

وقد ارتبط ذلك بتقديرات الحركة للتداعيات السلبية للأحداث في سوريا على الوضع اللبناني، وقد أصدرت الحركة لذلك العديد من البيانات التي تطالب بالحفاظ على أجواء الحوار والتواصل في لبنان والمنطقة. ولم تتخذ مواقف حادة تجاه الأزمة في سوريا والمنطقة رغم تحالفها الاستراتيجي مع حزب الله وعلاقاتها المتشعبة مع إيران والقيادة السورية، فضلا عن مقتضيات العمل في إطار تحالف 8 آذار.

 

وعلى الرغم من أن نبيه برى ظل محافظا على نمط تحالفه مع حزب الله، متحسبا لأية تطورات تمس العلاقات المشتركة، بما دفع نصر الله إلى الإشادة به في الكثير من المواقف، غير أن هذا لم يكن دافعا إلى التسرع في الاستدراج إلى معارك الجوار السوري، بناء على حسابات برى الخاصة، التي اعتبرت أن الموقف يتدحرج بما قد لا يصب في المحصلة النهائية لصالح الأسد وحلفائه في الداخل اللبناني وكذلك الإقليميين، وهو ما قد يمثل فرصة للقدرة على التمييز بين الطرفين.

 

على جانب آخر، فإن ذلك ارتبط بتحركات "أمل" على الصعيد الداخلي لإظهار القدرة على حفظ الأمن في الضاحية الجنوبية من خلال العديد من الإجراءات والتدابير الأمنية، والتي تمثلت في اللجان والحواجز التي جعلت من الحركة شريكا في المعادلة الأمنية الجنوبية، وذلك في ظل الانشغال إن لم يكن الإنهاك الذي تعرض له مقاتلي حزب الله على مسرح العمليات السوري، بما منح الحركة بعض من الأفضلية والقدرة أن تشكل علاقة تحالفيه متوازنة مع قوى لبنانية أخرى خارج إطار 8 آذار.

 

وقد أفضى هذا التوازن إلى بعض الاختلالات في علاقة "أمل" بحزب الله في بعض المناطق بسبب ممارسات من قبل بعض العناصر في الجانبين التي تكشف عدم الاتفاق حيال طريقة التعاطي مع الشأن السوري.

 

* الموقف من الإتفاق النووى مع إيران:

اعتبر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أن اتفاق الإطار على الملف النووي بين إيران ودول 5 + 1 هو اتفاق يحقق الربح للجميع WIN TO WIN، وذلك بعد سنوات من الصمود الإيراني في وجه الضغوط الغربية. وأشاد بري بقدرة إيران على الوقوف بمفردها في مواجهة القوى الغربية والنجاح في التوصل إلى اتفاق يحقق مصالحها.

 

وقد اعتبر نبيه برى أن الاتفاق الذي أعلن عنه بين الجانبين كان يمكن أن ينجز نظراً إلى تقدم المفاوضات الأميركية - الإيرانية قبل أشهر، إلا أن الذي حال دون إعلان إنجازه التطورات التي طرأت على الموقف في الولايات المتحدة الأميركية بعد انتخابات الكونغرس التي فاز فيها الجمهوريون بالأكثرية، كونهم يعارضون سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

 

ولم يستبعد بري أن يكون قد جرى نوع من توزيع الأدوار بين واشنطن وباريس وبعض الدول الأوروبية كي تتشدد في موقفها حيال المطالب الإيرانية من أجل الحصول على مزيد من التنازلات من طهران.

 

وفيما يتعلق بالانعكاسات المحتملة للاتفاق إقليميا، بالتالي لبنانيا، يشير بري إلى "أن هذا يرتبط بموقف المملكة العربية السعودية، وما إذا كانت ستعتبر اتفاق دول 5 + 1 مع إيران في غير مصلحتها أم إنها ستنظر إليه على أنه يريح المنطقة ويسمح بانفراجات إقليمية، خصوصا أن الخلاف على الوضع في اليمن استجد وتصاعد على المسرح الإقليمي".

 

ويعتبر بري أن الوضع في لبنان لا يعدو كونه " أزمة" صغيرة، قياسا إلى الأزمات الإقليمية الأخرى مثل سوريا والعراق واليمن حيث الخلافات أكبر. وهو يتمنى أن يلتقي الجانبين السعودي والإيراني لتنتهي أزمة الفراغ الرئاسي لأنها طالت.

 

* مستقبل حركة أمل:

ثمة تقارير تتحدث عن مشكلات وانقسامات داخل الحركة بسبب الخلافات الداخلية، على النفوذ والقوة والمال، والصراعات على القوة وتدخّل "حزب الله". ذلك أن هناك ما يمكن اعتباره أنه يمثل "الجناح المعتدل" أو "الحرس القديم" داخل الحركة، وهؤلاء لا يحلو لهم الاقتراب مع حزب الله. وقد كان ذلك أحد محركات استقالة النائب هاني قبيسي، والذي كان قد بدأ كرئيس لفرع "حركة أمل" في النبطية عام 1987، ثم قاتل حزب الله في الثمانينات، وهو أحد الشخصيات التي تحظى بثقة وقبول لدى عناصر الحركة وكذلك من قبل أنصارها.

 

ولا ينفى ذلك وجود تيار آخر داخل الحركة يدعم مشروع حسن نصر الله، وهذا الاتجاه يعتبر أن مستقبل الحركة ومصالحها ترتبط بالتحرك إلى جانب حزب الله على الساحتين المحلية والإقليمية، هذا في مقابل التيار الآخر الذي يعتبر أن الحركة فقدت بعضا من شعبيتها بسبب مواقفها التي جعلتها محض تابع لسياسات حزب الله، والذي تصاعدت شعبيته بالمقارنة بالحركة في الأوساط الشيعية بسبب مواقفه حيال سوريا وإيران، هذا فيما يرى صقور الحركة أن بري استطاع بحنكته السياسية أن تظل حركته لاعبا على الساحة بسبب انسجامه نسبيا مع سياسات حسن نصرالله، خصوصا أن الحركة تفتقد إلى قضية جامعة أو كبرى على غرار الحزب يمكن أن تمنح شرعية لحضور سياسي واسع إذا ما قورن ذلك بحزب الله.

 

التيار المعتدل داخل "أمل" يعتبر أن إصلاح الحركة يمثل الخيار الأفضل لتحدي حزب الله الممسك بالطائفة الشيعية مقارنة بمحاولة تشكيل حزب شيعي ثالث. ويمثل حزب الله ثاني أكبر "مُشغل" في لبنان، ويتجه الكثير من الشباب الشيعي إلى الانضمام لحزب الله بسبب استراتيجيات التوظيف للشباب ودفع الرواتب والمخصصات التي يتبعها الحزب، بما يجعل حزب الله ثاني أكبر مشغل للأعمال في بيروت بعد الحكومة.

 

وقد أشارت اتجاهات ترتبط بالحركة إلى تصاعد الإحباط لدى الكثير من أعضاء حركة أمل، بسبب السماح للحزب بـ"ابتلاع الحركة"، بما جعل "أمل" ليست حركة قائمة بذاتها، فثمة مؤشرات تشير إلى تزايد إقبال شباب الحركة على الانضمام لصفوف حزب الله. وتشير هذه الاتجاهات إلى أن بري سلم الحركة "تسليم مفتاح" لحزب الله ليس وحسب لضمان موقعه الحالي في رئاسة المجلس، وإنما أيضا من أجل الحصول على المال عبر خطوط الإمداد المالي الممتدة من طهران إلى بيروت.

 

وتشير تقديرات إلى أن التيارات الإصلاحية أو المعتدلة فشلت حتى الآن في محاولة إعادة تقويم سياسات الحركة لتعبر عن شيعة لبنان وإصلاحها وإعادتها حزبا علمانيا، منفتحا، حيث أن بعض أعضاء حركة أمل لا يريدون أن يكونوا جزءا من السياسة الخارجية الإيرانية، وتعتبر اتجاهات أن ذلك يمثل خيارا أكثر قابلية للاستمرار بالنسبة للشيعة العلمانيين والمعتدلين مقارنة بمحاولة تشكيل حزب ثالث (بعيدا عن أمل وحزب الله)، ذلك أن ثمة قاعدة من الشيعة تفضل التعاطي بأفق مفتوح مع القضايا الاجتماعية والدينية.

 

وفيما يتعلق بمستقبل قيادة الحركة، فمن المحتمل أن تكون عملية إقصاء هاني قبيسي - باعتباره كان يمثل الشخصية الأقوى في قيادة حركة أمل في الوقت الحالي- مؤشرا على أن نبيه بري يعمل على تعبيد الطريق أمام نجله، عبد الله، وأنه لا يريد أن يشكل أحد تهديدا حقيقيا لمخططه.

 

وثمة تقديرات تشير إلى أن حديث بري بعد إعادة انتخابه رئيسا لحركة أمل في المؤتمر العام أواخر مارس الماضي، يوضح أهدافه في هذا الشأن، حيث أشار إلى أن الحزب في طريقة قريبا إلى أن يختبر "نفحة شبابية"، بما أعطى مؤشرات على قرب إعلان منح صلاحيات أوسع لابنه في إدارة شئون الحزب هذا على الرغم من سعى عبد الله بري، إلى نفي هذه الفكرة في بيان أرسله إلى موقع "النشرة"، قال فيه إن "أمل ليست ملكا لبري، بل هي ملك لكل العائلات اللبنانية".

 

ومع ذلك فإن استبعاد القبيسي وعلاقة عبد الله برى الجيدة مع حزب الله، الذي يظل التحالف معها أحد ركائز سياسيات ومحور سياسات الحركة، مؤشرا دالا على احتمالات تمرير سيناريو التوريث، السائد على الساحة اللبنانية.

 

وبصفة عامة، قد ينجح بري كقيادة تاريخية في الحفاظ على وحدة الحركة. ولكن في مرحلة ما بعد بري، سوف تبدو التناقضات بين القوى الداخلية أعمق، وذلك من جراء الانقسامات وتباين توجهات ورؤى عناصر الحركة بين جناحي الصقور والحمائم، بشأن العلاقة مع حزب الله ومسايرة سياساته على الساحتين المحلية والخارجية.