المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

أشكال متعددة للعلاقة بين الإخوان والسلفية الجهادية

الأحد , 18 يونيو 2017 - 11:35 مساءٍ

التنظيمات السلفية الجهادية في غزة
التنظيمات السلفية الجهادية في غزة

وصول العلاقة بين حماس والسلفية الجهادية في غزة إلى طريق  مسدود على خلفية التفجيرات المتزامنة الأخيرة التي شهدها قطاع غزة، يطرح من جديد، أسئلة العلاقة بين جماعة الإخوان والحركات السلفية في المنطقة العربية عمومًا، وفي الساحات المتفجرة والمحتربة على وجه الخصوص، وهي علاقة تراوح ما بين الصراع والتعاون و" التوظيف المتبادل".

 

الصراع بين المدرستين الكبريين في "الإسلام السياسي"، سمة تطبع العلاقة بينهما، وفي كل الأوقات والظروف، وإن اختلفت حدة هذا الصراع من بلد لآخر، ومن مرحلة إلى أخرى، "التنافس" على ادعاء النطق باسم "الإسلام الصحيح" هو أمر معتاد بين قوى تنهل من مرجعية واحدة، وتحصد من حقل واحد تقريبًا، لكن هذا التنافس، ينقلب في بعض الأحيان، إلى عداء مستحكم، تستباح معه، حرمة المساجد والأنفس والأرواح، وتراق الدماء على مذابحه، غزيرة ومن دون حساب، خصوصًا إن اتصل الأمر بالسلطة والسيطرة والنفوذ، وأحداث مسجد ابن تيمية في  جنوب غزة، فى العام 2009 في القطاع (قتلت خلالها حماس عبداللطيف موسي وعشرين من أنصاره) والتفجيرات الأخيرة في غزة، تنهض شاهدًا على ما نقول.

 

سياسياً وفكرياً، تميل السلفية بمدارسها المختلفة، الجهادية منها بخاصة، إلى توجيه سهام النقد والتشكيك، وأحيانًا التكفير، للمدرسة الإخوانية في الإسلام السياسي، فيما الإخوان عموماً، أقل ميلًا للاشتباك الفكري والسياسي مع السلفية، إن لاعتقادهم بوحدة المرجعية، أو لإيمانهم بأن ما يزرعه السلفيون كدعاة لـ"أسلمة المجتمع"، إنما يحصد ثماره الإخوان في صناديق الاقتراع، في ظل استنكاف السلفية عن العمل السياسي/ الحزبي المنظم( فى بعض الساحات وليس كلها) أو ضعف تجربتها في هذا المجال.

 

ثمة سبب ثالث، يتعلق أساساً بـ "التثاقف" المتبادل، فثمة تيارات إخوانية، باتت أقرب للسلفية في أنماط تفكيرها ومرجعياتها خصوصاً بعد سنوات اللجوء الخليجية المديدة التي عاشها قادة الجماعة وكوادرها... وثمة سلفيون تأثروا بدعوى الإخوان ووسائل عملهم وتنظيمهم، سيما المدرسة القطبية في الجماعة ذات البصمات التي لا تنكر على تكوين وتشكل " السلفية الجهادية"، ولطالما اجتمع هؤلاء في الخندق ذاته، في ساحات "الجهاد العالمي" وميادينه، خصوصاً في سنوات "الربيع العربي" كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا، واخيرًا مصر.

 

التعاون، تجربة ليست حديثة في العلاقة بين المدرستين، بدأ منذ الحرب الباردة ومواجهة "الخطر الشيوعي"  والمدارس القومية واليسارية العلمانية واستمر حتى يومنا هذا، رأينا إخوانًا يهجرون بلدانهم المحتلة للجهاد مع " قاعدة الجهاد" في أفغانستان،  ورأينا سلفيين، يستنفرون لضمان نجاح مرشحي الإخوان المسلمين في انتخابات " يكفرونها"، إخوان سوريا وسلفيوها يتبعون غرف العمليات ذاتها، التجمع اليمني للإصلاح يقاتل في عدن وتعز جنبًا إلى جنب مع السلفية، في ليبيا يصعب التفريق بين السلفية الجهادية وإخوان ليبيا، في مصر تصالحوا وتعاونوا وتنابذوا، وفقًا لمقتضيات الحال ومستجداته، وكذا الحال في فلسطين.

 

والتعاون لم يقتصر على السلفية بمدارسها التقليدية أو العلمية أو الإحيائية أو غير ذلك من أسماء ومسميات يقترحها الباحثون في شؤون الحركات الإسلامية، بل تمدد وتوسع حتى شمل مدرسة السلفية الجهادية، بمن فيها " القاعدة" ومشتقاتها وتفريخاتها، إخوان سوريا، يتحالفون مع النصرة ويتصدون لكل من يصنفها جماعة إرهابية، وكذلك يفعل إخوان اليمن وليبيا المتحالفون مع فروع القاعدة المختلفة، ولولا الحملة الدولية على داعش وبلوغ فظاعاتها حداً يفوق التصور، لكان داعش أيضاً من ضمن قائمة المستهدفين بالتحالف والتعاون، وفي مراحل معينة رأينا أشكالا معينة من التنسيق مع التنظيم الدموي، تارة بحجة درء الضرر وأخرى بموجب " الضرورات" التي تبيح المحظورات.

 

أما " التوظيف المتبادل"، فيجد تجلياته في غير شكل وعلى أكثر من صعيد، فما لا ترتضي الجماعة القيام به، لأسباب تتعلق ببنيتها وبرامجها ورهاناتها وتحالفاتها ومسؤولياتها، تقوم به «السلفية الجهادية» من دون تحسب أو حساب، مصر ما بعد مرسي، توفر نموذجاً لأسلوب التوظيف المتبادل: الإخوان يصرفون أنظارهم عن جرائم " الجهاديين" ومجازرهم ضد المدنيين، والجهاديون يضربون صفحًا عن " تكتيكات" الجماعة وتحالفاتها، طالما أنها قد تقربهم من إنفاذ شريعة الله على الأرض، أو أقله، طالما أنهم يتلقون وعودًا بذلك من قبل قيادات الجماعة.

 

وتوفر التجربة التركية دروسًا كاشفة عن فكرة "التوظيف المتبادل"، فحزب العدالة والتنمية، أكثر تيارات الإسلام السياسي انفتاحا وليبرالية، لا يمانع في توظيف " داعش" لتحقيق أهداف استراتيجيته في سوريا، فيما لا يمانع التنظيم الذي اشتهر بتدمير التماثيل والآثار ومراقد الأئمة والأنبياء والصالحين،  في توفير حضانة آمنة لضريح جد مؤسس الدولة العثمانية سليمان شاه، وعمومًا، ثمة ما يشبه " المحاكاة" لقصة الشرطي الجيد والشرطي الشرير في السينما الأمريكية، حيث يفضل الإخوان تجسيد دور الشرطي الجيد، فيم لا يمانع السلفيون من تقمص شخصية الشرطي الشرير.

 

مثل هذا الالتباس في العلاقة بين المدرستين، يلقي بظلال كثيفة من الشك، حول ما يدعيه بعض رموز الإخوان فى بعض الساحات العربية ، من إمكانية تطوير خطاب مدني – ديمقراطي بمرجعية إسلامية.

والأهم من هذا ، يشكك كذلك بشأن عمق أو " أصالة" المكون المدني – الديمقراطي في خطاب جماعة الإخوان، بل ويطرح أسئلة محرجة حول " المساحات الرمادية" في خطاب الجماعة، خصوصاً حين يتصل الأمر بالموقف من الإرهاب وحقوق النساء والأقليات.