المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

صراع الجغرافيا والديموغرافيا.. جمهورية الكونغو الديمقراطية .. البلقان الإفريقي

الاثنين , 19 يونيو 2017 - 08:52 مساءٍ

جمهورية الكونغو
جمهورية الكونغو

تقع جمهورية الكونغو الديمقراطية في قلب بؤرة الصراع الملتهب في منطقة البحيرات العظمى الإفريقية. وقود هذا الصراع، العداء التاريخي بين الجماعات الإثنية الرئيسية هناك منذ أيام الاستعمار، بالإضافة إلى مصالح القوى الإقليمية الراغبة في تغيير خريطة التوازن داخل الكونغو، وأخيرا دور الفواعل الدولية وفواعل من غير الدول عابرة للقوميات، الذي يكمل ملامح صورة الصراع المستمر في "البلقان الإفريقي".  

 

على هذه الخلفية، نشأ في "الكونغو الديمقراطية" وغيرها من دول وسط وشرق إفريقيا مثل الصومال، وسيراليون، ما يمكن أن نسميه "صراعا لأمراء حرب في دولة منهارة". فبسبب الصراعات التي يشهدها النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات فإن النخب المحلية والإقليمية تحصل على أرباح خيالية من خلال عمليات النهب والسلب المنتظمة للموارد الطبيعية التي تتمتع بها هذه الدول. ومن الملاحظ أنه كلما ازدادت حدة الصراعات بين القوات الحكومية وقوات المتمردين في الكونغو الديمقراطية كلما ازدادت عائدات تجارة الألماس بشكل خيالي ، وبالتالي، فإن الحافز على إنهاء الصراع لدى هذه النخب المسيطرة يكون ضعيفاً.

 

فيما يلي، نقدم عرضا مفصلا للأوضاع في الكونغو الديمقراطية ومدى ارتباطها بحالة الصراع هناك:

 

الجغرافيا والديموغرافيا.. محركات الصراع في الكونغو

تتوسط جمهورية الكونغو الديمقراطية قارة إفريقيا وعاصمتها كينشاسا. استقلت عن بلجيكا عام 1960. وتعتبر ثالث أكبر بلد إفريقية من حيث المساحة بعد السودان والجزائر. وتشترك في حدودها مع 9 دول إفريقية، حيث يحدها شرقا أوغندا ورواندا وبوروندي وتنزانيا، وشمالا جنوب السودان وإفريقيا الوسطى. فيما تحدها جنوبا زامبيا وأنجولا وغربا جمهورية الكونغو برازافيل.

 

يقارب عدد سكان الكونغو الديمقراطية 70 مليون نسمة، يتوزعون على جماعات إثنية يتراوح عددها ما بين 200 إلى 450 جماعة إثنية، غالبيتها تنحدر من عرق البانتو. والقبائل الأربعة الكبرى المكونة للجماعات الإثنية هناك هي: المونغو والكونغو واللوبو والمانغيبة أزاندي.  وعلى الرغم من انتماء الكونغوليين إلى عرق البانتو الذي تنحدر منه جماعات إثنية صغيرة متناثرة في طول البلاد وعرضها، إلا أن التناقض الإثني الأبرز في البلاد يتمثل في أقلية "التوتسي" شرق الكونغو التي تربطها صلات وثيقة وتحالفات وارتبطات إقليمية مع أقلية التوتسي الحاكمة في كل من رواندا، أوغندا وبوروندي. مع العلم أن سبب ارتباط توتسي شرق الكونغو بالبلدان المجاورة يعود إلى كونهم ذوي أصول رواندية وبوروندية قام الاستعمار البلجيكي بتهجيرهم إلى شرق الكونغو.

 

ونظرا لاتساع رقعة الكونغو الديمقراطية وتقاطع حدودها مع تسع دول إفريقية يربطها ببعضها تاريخ من العلاقات العدائية ومعاناة بعض من هذه الدول من التوترات الأمنية، وفشل الحكومات الكونغولية في السيطرة على أرجاء الدولة وضمان أمن الحدود، ناهيك عن توفر الموارد الطبيعية في الكونغو في الوقت الذي تعاني منه معظم الدول التسع المجاورة من الفقر الشديد باستثناء  أنجولا والسودان، الأمر الذي جعل من الكونغو الديمقراطية في ظل تنوع تركيبته الإثنوغرافية بؤرة متجددة من الصراعات الإثنية.

 

كما كان لأثر الانتشار الجغرافي للصراع تجلياته في الكونغو الديمقراطية، والمثال الأبرز على هذا انتشار العنف الإثني بين قبائل "الهوتو" و"التوتسي" من رواندا إلى بوروندي والكونغو الديمقراطية. كذلك، فقد أدى الصراع المستمر هناك إلى تحويل العنف الإثني في الكونغو الديمقراطية إلى بؤرة جاذبة لفواعل أخرى، كي تنخرط فيه أو تستثمره. والمثال الأبرز على هذا؛ تدخل سبع دول محيطة بجمهورية الكونغو الديمقراطية في الصراع منذ العام 1999، لدعم طرف أو آخر من أطراف الصراع.

   وقد خاضت الكونغو الديمقراطية ثلاث حروب كان العامل الجغرافي والديمغرافي هو المحرك الرئيسي لها.

حروب الكونغو الثلاث

 

* حرب الكونغو الأولى:  بدأت الحرب الأولى في السادس من أكتوبر 1996، بعد أن اندفع جنود روانديون إلى الحدود داخل الكونغو الديمقراطية (كانت تدعى آنذاك زائير) لتدمير قواعد القوات العرقية المتألفة من بقايا النظام القديم وميليشيات "الإنتراهاموي" في مخيمات لاجئي "الهوتو" في الكونغو الديمقراطية. وحتى تحقق رواندا هدفها بتدمير قوات الهوتو ومنعها من التراجع غربا إلى منطقة حوض نهر الكونغو، احتاجت إلى حلفاء كونغوليين لشرعنة غزوها الكونغو. فكان أن تحالفت مع "لوران ديزيه كابيلا"، الثوري المتقاعد والمنتمي للأقلية التوتسية في الكونغو، التي كانت تقاتل آنذاك من أجل الاعتراف بهم كمواطنين كونغوليين. ونفذت القوات الرواندية مذابح قتلت فيها الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من لاجئي "الهوتو" في المنطقة بين البحيرات العظمى في الشرق والحدود بين جمهوريتي الكونغو في الشمال الغربي.

 

ساعدت الحرب "لوران كابيلا" على التقدم نحو العاصمة كينشاسا والإطاحة بنظام موبوتو، في السابع عشر من مايو 1997. والواقع أن مجموعة متحالفة مؤلفة من ست دول إفريقية بقيادة أوغندا ورواندا، وتشمل أنغولا، إريتريا، تانزانيا وزمبابوي، تحالفت مع كابيلا للتخلص من موبوتو، الذي كان يلعب دورا في إثارة الاضطرابات في وسط وجنوب إفريقيا. وقد عزز تفكك وانهيار الدولة وقواتها المسلحة تحت وطأة فساد نظام موبتو من فرص الإطاحة بالأخير. وتعرض البلاد للغزو الخارجي.

 

بدأ الرئيس لوران كابيلا حكمه تحت وصاية رواندا وأوغندا. واحتل "التوتسي" في الكونغو ذوي الصلات الوثيقة بنظام جبهة تحرير رواندا مواقع رفيعة في إدارة "كابيلا". أما أوغندا، فقد تمركزت كتيبة كاملة من جيشها في الكونغو، يُفتَرَض لوقف تسلل المتمردين الأوغنديين الفارين إلى الكونغو إلى أوغندا مرة أخرى. ولكن الرئيس كابيلا، قرر في الثامن والعشرين من يوليو 1998، - بعد استشعاره ثقل الوصاية من جانب رواندا وأوغندا - إخراج القوات الرواندية والأوغندية والمستشارين من البلدين من الكونغو. فكان أن تحركت رواندا وأوغندا لغزو جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدها بخمسة أيام في الثاني من أغسطس 1998، لتبدأ حرب الكونغو الثانية.

 

* حرب الكونغو الثانية: تقسيم وسلب

   جاءت حرب الكونغو الثانية نتيجة لمجموعة عوامل متشابكة؛ أهمها؛

  1. تجدد التوتر الإثني في شرق الكونغو وذلك قبل مرور عام على وصول كابيلا للسلطة إثر قيام ميليشيات الماي ماي بالتعاون مع القوات الحكومية الكونغولية بتوجيهه ضربات مسلحة إلى قبائل البانيا مولينجي المستوطنة لشرق الكونغو الديمقراطية تزامنا مع اتهام نظام حكومة أوغندا بتهريب الألماس والذهب من الكونغو ليدعم ذلك بداية تمرد جديد استطاع لوران كابيلا أن يحرز تقدما ملحوظا أمام القوات الحكومية ويستولي على مناطق إستراتيجية وتذرع المتمردون بفشل كابيلا في تحقيق الاستقرار ومعاداته للتوتسي على نحو ما فعل موبوتو، حيث شكل معارضوا كابيلا تنظيمين هما: حركة تحرير الكونغو والتجمع من أجل الديمقراطية، وانشقت الأخيرة على نفسها إلى قسمين.
  2.  غضب قبائل التوتسي التي ساعدت الرئيس كابلا في تمرده ضد الرئيس السابق، فقد اتهمه قادة الجيش من التوتسي في منطقة كيفو الواقعة شرق الكونغو بالفساد وسوء الإدارة وعدم وجود برنامج سياسي واضح.                                                           أيضا، ازدياد هجمات بعض الجماعات المسلحة التي تنتمي إلى قبيلة الهوتو على وحدات الجيش الرواندي الموجودة في جمهورية الكونغو، ومما زاد الوضع سوءا أيضا اعتماد كابيلا في تكوين الجيش  الجديد على "الإنتامغي" وهي ميليشيات تنتمي إلى الهوتو ويحملها التوتسي المذابح التي وقعت في بوروندي عام 1993 والتي راح ضحيتها أكثر من 250 ألفا من التوتسي.                                                             وأخيرا،غضب قبائل التوتسي من خطاب كابيلا الإثني ضد رئيس أنجولا جوزيف سانتوس بسبب صفقات أسلحة لتدعيم حركة يونيتا، حيث اتهم أوغندا ورواندا وأنغولا بالسعي لإقامة إمبراطورية التوتسي في منطقة البحيرات العظمى، وإقامه أقلية التوتسي في شرق البلاد بمحاولة الانفصال عن جسد الدولة الكونغولية والانضمام إلى هذه الإمبراطورية المزعومة وهدد بنقل الحرب إلى تلك البلدان.
  3.   قرار كابيلا إعادة وحدات الجيش الرواندي التي آزرته في انقلابه على موبوتو، وتعليله  قراره برغبته في تكوين جيش كونغولي خالص-على الرغم من اعتماده على الهوتو المتمردين وبعض الجماعات المناهضة لأنظمة الحكم في بلدانها في تكوين هذا الجيش.
  4.   كل ذلك زاده تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن دعم كابيلا بسبب علاقاته مع الصين وكوريا الشمالية إضافة إلى دور فرنسا المناهض له الذي كان يعادي الدور الفرنسي المساند قديما للنظام السابق، وهكذا تجمعت كل الأطراف الداخلية والخارجية ضد كابيلا ليقتل على يد قائد حراسة في 2001 وتولى ابنه سدة الحكم ليجد في يديه تركة ثقيلة من الأزمات في الكونغو الديمقراطية.

  بدأ جوزيف كابيلا حكمه عقب وفاة والده في 2001 بعقلية مغايرة عما سبقه من حكام وذلك من خلال إدراكه منذ اليوم الأول أن الاستقرار في بلد ضخم كالكونغو لا يكون إلا بتهدئة الوضع مع جاراته الثلاث رواندا وبوروندي وأوغندا، وتناغم المصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبلجيكا، وهو الأمر الذي تجسد فعلا من خلال إحياء اتفاقيات السلام التي توجت بتوقيع اتفاق السلام في 2003، وكذا محاولته إيجاد مساحة من الاستقلالية في موقف بلاده عن حلفائها أنجولا وزيمبابوي وناميبيا.

 

* ما بعد اتفاق السلام 2003.. "حرب الكونغو الثالثة"

لم يحول توقُف الحرب بموجب اتفاق السلام الموقع من العديد من الجماعات المسلحة، دون استمرار الصراع الإثني. إذ رفضت قبائل التوتسي الانضمام إلى الجيش الكونغولي وفق اتفاقية السلام التي أنهت الحرب، وهاجمت مرارا الجيش بعد اتهامه بدعم الهوتو.

 

لقد أصبح وجود لاجئي الهوتو والتوتسي (على خلفية الصراعات الإثنية في رواندا وأوغندا وبوروندي وأنغولا) أحد أبلغ وجوه النزاع في الكونغو الديمقراطية بسبب الأعداد الكبيرة لهؤلاء اللاجئين والعلاقات العدائية بينهما التي دفعت الكونغو بسببها أثمانا باهظة نتيجة استضافتها لهم بسبب القرب الجغرافي وضعف الدولة في الكونغو وانعدام قدرتها على استيعاب هؤلاء اللاجئين ناهيك عن السياسات الانتهازية للقادة الكونغوليين في التعامل مع التنوع الاثني ، الأمر الذي مكن الجماعات المسلحة بين صفوف اللاجئين من العبث بالموارد الوطنية للدولة.

 

وهنا نذكر قائد المتمردين لوران نكوندا (Loren Naconda) الذي لم يكن هاجسه حماية حقوق التوتسيين في الكونغو فحسب بل الظفر بالثروات المعدنية التي يزخر بها الإقليم الشرقي، ومحاولة للسيطرة والاتجار بخمس موارد أساسية وهي القصدير والذهب والألماس والنحاس والكلتان الذي يستخدم في صناعة الهواتف المحمولة، والحاسوب المحمول، حيث تضم الكونغو الديمقراطية حوالي 80% من الاحتياطي العالمي من هذا المعدن. ويُعتَقَد أن (Naconda) وغيره من الجماعات متورطون في تهريب المعادن من خلال وسطاء، حيث ينتهي المطاف بأغلبها إلى الأسواق الآسيوية. ويستمر الصراع والنهب الممنهجان لثروات شرق الكونغو على يدي العديد من الجماعات المسلحة هناك، التي تشهد مرحلة من الازدهار ويصل عددها إلى العشرات.

 

وفي يناير 2014، شنت الحكومة عملية عسكرية ضد الجماعة المسلحة "تحالف القوى الديمقراطية" في منطقة بيني، شمالي إقليم كيفو. وبينما أجبرت "عملية سوكولا 1" هذه ("عملية التطهير"، بلغة لينغالا) متمردي "تحالف القوى الديمقراطية" على الفرار من قاعدتهم في الغابات، إلا أنهم عادوا وتجمعوا في أكتوبر2014 ليشنوا سلسلة من الهجمات، أدت إلى قتل واختطاف مدنيين. واستمرت أنشطة الجماعات المسلحة الأخرى في أقاليم شمال كيفو وكاتانغا وجنوب كيفو وإيتوري، حيث ارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد المدنيين.

 

نظرة على الوضع الإنساني في جمهورية الكنغو الديمقراطي

بحلول عام 2008، كانت الحروب وتوابعها قد أدت إلى وفاة 5.4 مليون شخص في الكونغو، مات معظمهم بسبب المرض والمجاعة. مما جعل حرب الكونغو ثاني أكثر الصراعات دموية على المستوى العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. كما أنه ومنذ ما يقرب من عقدين من الزمان، تستمر أعداد كبيرة من البشر في الكنغو الديمقراطية في النزوح بسبب نشاط الجماعات المسلحة المذكورة آنفا. مما أدى إلى خلق ثقافة نزوح مست تقريبا جميع من يعيشون في المناطق الشرقية. وقد قُدِرَ عدد النازحين في سبتمبر 2014، بنحو 2.7 مليون نازح داخلي في الكنغو الديمقراطية.

 

ورغم أن الأرقام تتباين على امتداد الأعوام، إلا أن عدد النازحين الداخليين بشكل عام يدور حول رقم 2 مليون منذ أكثر من عقد مضى. أعلى رقم نزوح داخلي تم تسجيله في الكنغو كان 3.4 مليون نهاية 2003. وفي نهاية 2013، ارتفع الرقم مرة أخرى إلى 2.9 مليون، ولكن هذا الرقم تراجع ويقف الآن عند 2.6 مليون. وتحتل الكنغو المرتبة الخامسة على قائمة أعلى معدلات نزوح سكاني داخلي في العالم، بعد سوريا (7.6 مليون)، كولومبيا (5.7 مليون)، السودان (3.4 مليون) ونيجيريا (3.3 مليون).

 

ويلاحظ، أنه على امتداد الصراع في الكنغو الديمقراطية، لم تميز الجماعات المسلحة والميليشيات العاملة في المناطق الشرقية، ومنها القوات المسلحة لجمهورية الكنغو الديمقراطية بين المدنيين والمسلحين. الأكثر من ذلك، أن هذه الجماعات اعتدت بانتظام على سكان مدنيين، ارتكبت جرائم قتل تعسفية، سرقة واختطاف نساء، نهب للقرى وتجنيد الأطفال بالقوة ضمن قواتها. ويدفع الناس لهذه الجماعات ضرائب مقابل الحماية والمرور وهم مجبرون على تقديم إمدادات لجماعات مسلحة. على ضوء الاضطراب المستمر في الكنغو، اضطر الناس إلى الهرب من منازلهم بشكل متكرر وعلى نحو منتظم. الغالبية العظمى من النازحين يأتون من خمس مقاطعات شرقية، "شمال كيفو"، "جنوب كيفو"، كاتانجا، أورينتال ومانيما.

 

القوى الكبرى والصراع في الكونغو

القوتان الكبرتان المنخرطتان في المنطقة هما الولايات المتحدة وفرنسا. وبما أن لدى القوتان مصلحة استراتيجية في المعادن النادرة المتواجدة هناك، فقد تركزت اهتماماتهما بضمان مصالح الشركات العابرة للقوميات في هذه الموارد. وبما أن مصالح هذه الشركات لا تتحقق دوما كما سنفصل في نقطة تالية، بتحقيق الاستقرار والسلام في البلدان التي تعمل فيها، فيمكننا القول أن دور القوتان الكبرتان في استقرار الأوضاع هناك كان سلبيا أحيانا ومغذيا للصراع في بعض الأحيان.

 

أيضا، تردد أن تنظيم القاعدة، استخدم الماس اشتراه من سيراليون والكونغو الديمقراطية لتمويل نشاطاته، بعد بيعه مرة أخرى عبر ميناء دبي. لهذين السببين، شهدت منطقة البحيرات العظمى ولا تزال تدخلا أمريكيا، فرنسيا مباشرا في السياسات الداخلية لبلدان المنطقة ومنها جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 

تعتبر الولايات المتحدة أن مصلحتها الرئيسية في إفريقيا تتحقق بمحاربة التهديدات العابرة للحدود ومنها الأصولية الإسلامية، الإرهاب، تجارة المخدرات والكوارث الإنسانية. لهذا تحالفت الولايات المتحدة مع إريتريا، إثيوبيا، أوغندا، ورواندا كي تعملا كحائط صد أمام التهديد الإسلامي القادم من السودان. دعمت واشنطن رعاية الدول الأربع السابقة للرئيس الكونغولي السابق، لوران كابيلا. ولكن صداقة كابيلا بدول معادية للولايات المتحدة دفعت صانع القرار الأمريكي إلى التخلي عنه.

 

حتى يوليو 1998، كانت عناصر الجيش الأمريكي تقوم بتدريب القوات الرواندية لمكافحة التمرد، وشوهد فريق عسكري ودبلوماسي أمريكي على الحدود بين رواندا والكونغو عندما اندلعت الحرب في الثاني من أغسطس 1998. وكان لهذا التواجد الأمريكي أثرا كبيرا، في تبرير توغل القوات الرواندية داخل أراضي الكونغو بحجة ضمان عدم حدوث تطهير عرقي جديد. وقد حصلت رواندا وأوغندا في الحقيقة على دعم مالي آنذاك من الولايات المتحدة والبنك الدولي، الأمر الذي شجعهما على الاستمرار في عدوانهما على الكونغو.

 

أما من جهة فرنسا، التي ارتبطت بشكل واضح بإثنية الهوتو في جمهوريات وسط إفريقيا، فيلاحظ أنها لم تنجح في تقويض نفوذ التوتسي في مواجهة أنظمة موالية للولايات المتحدة. بل إن "كابيلا" الأب كشف عن عداء سافر لها، بمحو أي أثر للغة الفرنسية، ثم طرده بشكل مباشر لرجال الأعمال الفرنسيين بالكونغو خاصة الذين تعاونوا مع موبوتو. ودفع ذلك فرنسا إلى السكوت عن تحركات توتسي الكونغو مع الداعمين لهم في رواندا وأوغندا.

 

رغبة فرنسا في وضع يدها على الدول الناطقة بالفرنسية وتوسيع آفاق الفرنكوفونية في القارة، إضافة إلى رغبتها الملحة في الاستثمار في المنطقة الغنية بالموارد جعلها في تنافس وصدام في المصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية القادم الجديد بالنسبة للوجود الفرنسي في القارة، لكن دعم فرنسا للهوتو عجل بانحسار نفوذها في القارة وتبحث باريس عن سبل جديدة للعودة بقوة.

 

دور الأمم المتحدة في الكونغو

تُعَد بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة موجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عام 1999، من أكبر عمليات حفظ السلام في العالم بوجود ما يقرب من 20 ألف فرد على الأرض، كُلِّفت البعثة بحماية المدنيين، والمساعدة في إعادة إعمار البلاد، وأدَّت دورًا أساسيًّا في تنظيم انتخابات ديمقراطية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما شنَّت عدة عمليات عسكرية ضد مختلف الجماعات المتمردة.

 

في فبراير 1999، وَقَّعت 11 دولة إفريقية على إطار السلام والأمن والتعاون لجمهورية الكونغو الديمقراطية والمنطقة في أديس أبابا تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة؛ اتفقت الدول الموَقِّعة على عدم التساهل مع الجماعات المسلحة، أو تقديم أي نوع من أنواع الدعم لها؛ وعلى عدم إيواء أي شخص متهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، أو مدرج ضمن قائمة عقوبات الأمم المتحدة، أو توفير أي نوع من الحماية له، كما اتفقت على التعاون مع مبادرات العدالة الإقليمية. في هذا السياق، عين ماري روبنسون، الرئيس السابق لأيرلندا، مبعوثًا خاصًّا للأمم المتحدة لمنطقة البحيرات الكبرى من أجل دعم تنفيذ هذا الاتفاق.

 

في عام 1999، تم نشر بعثة منظمة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ وذلك بغرض تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، واتفاق لوساكا الذي وَقَّعَت عليه الأطراف المتحاربة، ضمن أغراض أخرى كذلك. وشاركت البعثة أيضًا في عملية نزع السلاح والتسريح والإعادة إلى الوطن، وإعادة التوطين وإعادة الإدماج، وتسهيل الانتخابات التي أجريت عام 2006، كما كُلِّفت بحماية المدنيين عام 2000.

 

في 24 من يناير 2013، أسفرت المحادثات بين زعماء المنطقة اتفاقًا بشأن إطار السلام والأمن التعاون لجمهورية الكونغو الديمقراطية والمنطقة، ووافق الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، ورئيس الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، ورئيس المؤتمر الدولي المعني بمنطقة البحيرات الكبرى على الاضطلاع بدور الضامن لهذا الاتفاق.

 

ينص إطار السلم والأمن والتعاون على مجموعة من المبادئ على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، من بينها: استكمال إصلاح القطاع الأمني وتعزيز سلطة الدولة على المستوى الوطني، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وعدم تقديم المساعدة أو الدعم للجماعات المسلحة على المستوى الإقليمي، ومراجعة استراتيجية بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية على المستوى الدولي. وتم إنشاء آلية رقابة إقليمية لتعزيز هذه المبادئ.

 

مثَّل التوقيع على إطار السلم والأمن والتعاون خطوة أساسية نحو قبول نشر لواء التدخل؛ ففي 28 من مارس 2013، اعتمد مجلس الأمن القرار 2098 لعام 2013، الذي ينص على إنشاء لواء للتدخل ضمن بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ يتألف اللواء من 3 آلاف جندي من مالاوي وجنوب إفريقيا وتنزانيا.

 

وفي يوليو 2010، تحولت البعثة إلى البعثة القائمة حاليًّا، ألا وهي "بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية"، انتُدبت البعثة لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار وتوطيد السلام.

 

استمر الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية على الرغم من وجود قوات الأمم المتحدة، ونشأت حركة تمرد جديدة في إبريل 2012 متمثلة في حركة 23 من مارس. ولأجل وضع حدٍّ لدوامة العنف المتكررة، أقرَّت الأمم المتحدة في مارس 2013 تشكيل لواء للتدخل ضمن إطار بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحصل اللواء على تفويض صريح بالهجوم، بما في ذلك الحق في تحييد الجماعات المسلحة؛ ويعد هذا هو التفويض الأول من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة. وبالفعل، استطاعت القوات الكونغولية النظامية بالتعاون مع اللواء القضاء على حركة 23 مارس وتفكيكها تماما في أكتوبر 2014.

 

الشبكات العابرة للقوميات

من أبرز الفواعل في الكونغو "الشبكات العابرة للقوميات"، سواء المشروعة أو الإجرامية. تمثل شركات التعدين العابرة للقوميات النمط الأكثر مشروعية من ناحية الشكل للشبكات العابرة للقوميات. التحقت شركات التعدين العابرة للقوميات من جميع أنحاء العالم بنظرائها في جنوب إفريقيا، بهدف التدافع على الحصول على اميتازات وحقوق التنقيب في جميع أنحاء إفريقيا. وتسعى هذه الشركات إلى استغلال مناخ العولمة، والدفع نحو الخصخصة، للسيطرة على الحصص الضخمة من المعادن التي تضمها أرض إفريقيا.

 

وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي المتردي للكونغو الديمقراطية والاضطراب السياسي، فلا تزال الكونغو جاذبة لهذه الشركات بسبب ثروتها المعدنية الوفيرة. ورغم أن الاستقرار السياسي شرط ضروري لضمان المصالح الاقتصادية لهذه الشركات، فقد استطاعت هذه الشركات ضمان مصالحها بطرق أخرى. في البداية، عبر الاتفاق مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في البلاد، والتي كانت تحصل على عمولات كبيرة من هذه الشركات، فعلى سبيل المثال، قُدِرَت ثروة موبوتو بثلاثين مليار دولار، مما جعله من أغنى أغنياء العالم ، في حين قام خلفه كابيلا الأب بتحويل حصيلة البنك المركزي الوطني إلى منزله.

 

ثم تحولت هذه الشركات نحو ممارسة سياسة الابتزاز لثروات البلاد عبر التحالف مع قوى التمرد في مواجهة النظم الحاكمة كما حصل ضد لومومبا، وتتحالف الآن مع زعامات جماعات متمردة، ومنها جماعة 23 مارس المدعومة من كل من أوغندا ورواندا، أو الاستعانة بشركات أمن خاصة "المرتزقة" ليس فقط لتأمين أعمال التعدين والتنقيب، وإنما أيضا للمشاركة في الحرب مع أو ضد النظام، مقابل الحصول على عقود إذعان. فضلا عن ذلك، فإن هذه الشركات لها علاقات وثيقة مع الدول الأم التابعة لها، سواء أكانت شركات أمريكية، أم أوروبية، أم حتى إقليمية مثل الشركات الزيمبابوية والرواندية وغيرهما ، وهو ما يحكم تدخل هذه الدول من عدمه في عملية الصراع.

 

وعلى ذلك، فإنه من الصعوبة بمكان تصور وجود أي حل لهذه الأزمة بمنأى عن هذه الشركات التي يجب أن تؤخذ مصالحها في الحسبان. ولعل هذا ما يفسر لنا عدة أمور، أولها: لماذا الصراع دائما في الشرق وليس في الجنوب الغربي، حيث العاصمة كينشاسا؟، ولماذا الضحايا من المدنيين الأبرياء ، ولم نسمع عن تعرض حقل واحد من حقول التعدين للسلب والنهب؟، ولماذا الدول الخارجية أو المجتمع الدولي غير راغبين في التدخل بقوة في الأزمة، بالرغم من الضعف الواضح لقوات حفظ السلام الدولية الموجودة هناك، والتي تعد أكبر بعثة سلام، حيث يبلغ عددها 19 ألف جندي، مقابل تدخل رواندا تلك الدولة الصغيرة في الصراع؟

 

أما النمط الثاني من الشبكات العابرة للقوميات في الكونغو الديمقراطية فهو الشبكات الإجرامية، وتشمل تجار السلاح، والمخدرات، وجماعات غسيل الأموال وجماعات مافيا من جميع الأنواع، بعضهم وصفه تقرير صادر عن لجنة خبراء بالأمم المتحدة ب "رجال أعمال عديمي الضمير". دخلت هذه الشبكات في تحالفات مع دول وأمراء حرب للاستفادة من الأزمة وسلب الموارد الطبيعية للكونغو. ورغم أن هناك صعوبة في تقديم معلومات دقيقة حول تركيبة هذه الشبكات، فيكفي القول أن ازدهار تجارة السلاح هناك، وصل إلى درجة أن بندقية من طراز "كلاشنكوف" سعرها في الكونغو لا يتجاوز 10 دولارات للقطعة الواحدة. كما أن مساهمة تمويلات غير مشروعة في تعزيز استمرار الصراع المسلح في المناطق الغنية بالموارد مثل شمال شرق الكونغو، لهي تجلي واضح لانخراط هذه الشبكات بنشاط في تغذية الصراع.

 

مواقف دول الجوار الإقليمي للكونغو

أوغندا

تجمعها مع الكونغو الديمقراطية حدود من الجهة الشرقية. وقد سمح لها موقعها بأن تكون فاعلا في هذه الدولة المنهارة وذلك من خلال دعم قوات المتمردين في شرقي الكونغو وتنوع الدعم ما بين مساعدات وتسهيلات. وتعد أوغندا المغذي الرئيسي للصراعات الإثنية في الكونغو  بسبب طموحها في بناء نظام إقليمي يهمن عليه أقلية التوتسي. وقد دخل "موسيفيني" زعيم أوغندا، حربا ضد كابيلا الأب، لكون هذا الأخير سمح للمعارضة الأوغندية المتواجدة في الشمال بالقيام بعمليات ضد النظام القائم في أوغندا وأبرزها حركة جيش الرب للمقاومة.

 

من جانب آخر فإن أوغندا تشترك مع رواندا في نفس الطموحات الاقتصادية في موارد الكونغو فعلى الرغم من أن التدخل العسكري الأوغندي استهدف بالفعل تأمين الحدود ضد هجمات المعارضة المسلحة الأوغندية التي تتخذ من أراضي الكونغو منطلقا لها إلا أن الهدف الأهم كان ومازال وسيظل اقتصاديا إلى اليوم.

رواندا:

يمكننا القول أن ما تعيشه الكونغو الديمقراطية من أزمات متجددة يأتي في جزء كبير منه، بسبب التواصل الجغرافي بينها وبين رواندا حيث انتقل سيناريو العداء بين الهوتو والتوتسي من رواندا إلى الكونغو وأصبح مرهونا بما يحدث في الدولة الأصل، لذلك أصبحت رواندا –الدولة ذات المساحة الصغيرة جدا بالنسبة للكونغو- طرفا أساسيا ومحركا لأزمات الكونغو الداخلية. وتعلل رواندا تدخلها المستمر في الكونغو برغبتها في حماية حدودها من ميليشيات الهوتو المتمردة ، فعلى الرغم من الضربات التي وجهتها لهم إلا أن تلك الميليشيات ظلت متمركزة في كيفو التي شكلت قاعدة أساسية بالنسبة لهم ولا تزال متواجدة هناك حتى هذه اللحظة.

 

بالإضافة إلى محاولة تعويض فقرها باستغلال ثروات الكونغو، في هذا الصدد يرى بعض المحللين أن النظام في رواندا هو المسؤول أساسا عن عدم استقرار الأجواء السياسية والاقتصادية في منطقة البحيرات العظمى بما في ذلك هدف الإطاحة بالحكومة الكونغولية، الذي سيمكنها من الاستفادة بشكل أكبر من ثروات من الكونغو والحفاظ على التفوق الإقليمي في المنطقة.

 

وعلى الرغم من توقيع اتفاق سلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا عام 2002 إلا أن هذه الأخيرة لم تكف عن التدخل في الكونغو حيث أنها تنظر إلى كيفو على أنها عمق إستراتيجي لها لا يمكنها أن تأمن إن كانت في يد قوة معادية، وتسمى رواندا بإسرائيل البحيرات العظمى لما لها من فكر توسعي ، حيث أعلمت رواندا في 23 نوفمبر 2004 السفيرين الأمريكي والبريطاني عن قرب حدوث عملية لقوات الدفاع الرواندية ضد المحاربين الهوتو في شرق الكونغو الديمقراطية –القوات الديمقراطية لتحرير رواندا- اللاجئين في كيفو، وبررت رواندا هذا التدخل بنشاط هذه القوات في كيفو وتهديدها للأمن الوطني الرواندي.

بوروندي:

تأسس تواجدها في المعترك الكونغولي بناءا على ركيزتين؛ الأولى؛ تدعيم إحدى الفصائل المتمردة رغبة في تأمين حدودها الغربية مع الكونغو من هجمات الهوتو البورونديين. والثانية؛ إيجاد موطأ قدم في استغلال ثروات الكونغو.

أنغولا:

بدأ الدور الأنغولي في الكونغو منذ عهد موبوتو بسبب سماحه لحركة يونيتا المعارضة للحكومة في أنغولا بالعمل والنشاط في الكونغو. وكانت نتيجة ذلك مساندة المتمردين التوتسي والسماح لهم باستخدام أراضيها لتطويق العاصمة كينشاسا غربا، وقد ساندت أنجولا نظام كابيلا عسكريا ومنعت القوات الحكومية الأنغولية قوات "يونيتا" من استخدام الأراضي الكونغولية في الهجوم على نظام كابيلا. ويعود هذا الدعم لعدة اعتبارات أهمها كسب دعمه لأنغولا ضد حركة "يونيتا"، وخوفها من قيام تحالف بين التمرد الكونغولي وبين الحركة.

 

ووصل دعم أنغولا لكابيلا إلى حد الدخول إلى جانبه في حرب 1998. وانتهى الدور الأنغولي بمقتل زعيم حركة "يونيتا" وتوقيع اتفاق السلام بين الحكومة والحركة في إبريل 2002. واستضافت أنغولا محادثات السلام بين الكونغو وأوغندا.  

 

ويمكننا أن نقول أن معظم الدول المذكورة آنفا قد انحسر نشاطها في الكونغو الديمقراطية بفعل تلافي دوافع تدخلها فيه وتوقيع اتفاقيات سلام في البحيرات العظمى، لكن تبقى رواندا وبوروندي الأطراف الحاضرة والدائمة في أزمات الكونغو المتجددة.

مشروع الربط بين نهري الكونغو والنيل.. بين الممكن والمستحيل

هو مشروع ضخم لنقل المياه من نهر الكنغو إلي مجرى نهر النيل، أول من طرحه كان مهندسوا الري الإنجليز أوائل القرن الماضي ولكن لم يتم التنفيذ. ثم عاد المشروع مرة أخرى في عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات عندما قام بإرسال مجموعة من الخبراء إلي الكونغو لتقديم دراسة وتقييم عن المشروع، وقد عادت مرة أخرى فكرة المشروع بعد 25 يناير مرة أخرى.

 

الفكرة الرئيسية للمشروع تتمثل في الربط بين نهر الكونغو ” غزير المياه ” بنهر النيل من خلال قناة تصل من نهر الكونغو لتصب في أحد روافد نهر النيل في جمهورية جنوب السودان ومن ثم إلى بحيرة ناصر في مصر. كذالك سيعمل مشروع ربط النهريين على توفير طاقة كهرومائية كافية لكل من جمهوريتي السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر والتي يمكن تصديرها لباقي دول القارة الأفريقية.

تبدو فكرة إنشاء قناة لربط نهر الكونغو غزير المياه  قليل الاستفادة منه بنهر النيل فكرة أكثر من جيدة، قد تكون شبه مثالية في ظل ما يطرحه مؤيدو المشروع من تحقيق أهداف المشروع وتحقيق المصالح المشتركة لكل من مصر والكونغو ودولتي السودان، حيث يرى مؤيدو المشروع أنه سيعمل على توفير ما لا يقل عن 120 مليار متر مكعب من المياه.

 

ولقد تم اختيار نهر الكونغو لأسباب جغرافية وطبيعية منها؛ أن جمهورية الكونغو الديمقراطية هي إحدى المنابع الاستوائية لنهر النيل، وكذالك هي من أغني دول العالم من حيث الوفرة المائية؛ حيث إن المناخ في جمهورية الكونغو الديمقراطية مناخ استوائي ماطر، أي أن الأمطار تتساقط طوال العام عليها، وهو ما يجعل اعتماد الكونغو على مياه الأنهار قليلة واعتمادها بالأساس على مياه الأمطار في الزراعة والري.

 

بالإضافة إلى موقع الكونغو الديمقراطية على حدود جمهورية جنوب السودان وهي دولة ممر لنهر النيل، ويعد نهر الكونغو هو ثاني أكثر أنهار العالم غزارة وتدفقاً للمياه في العالم بعد نهر الأمازون، حيث يغذي النهر مجموعة كبيرة من الروافد وتصل نسبة تدفق المياه فيه الي 41800 متر مكعب في الثانية، يضيع معظمها في المحيط الأطلسي حيث يصب النهر.

2f1ce3259948c5b685287bf6779d49d3

على الرغم من النقاط الواعدة في هذا المشروع، إلا أن عددا من الخبراء قد شكك في إمكانية أو استحالة تنفيذ المشروع المطروح واعتبروه نوعاً من العبث، فقد أكدوا أن هناك مجموعة من العوامل الطبيعية والجغرافية نظراً لموقع نهر الكونغو وموقع إنشاء المشروع، مما قد يصعب أو قد يستحيل معها تنفيذ هذا المشروع. بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المشاكل والمعوقات السياسية والقانونية وكذلك العوامل اقتصادية والتمويليه، والتكلفة البيئية والمجتمعية التي ستترتب على هذا المشروع ويمكن ببعض من الإيجاز إيضاح  تلك المشاكل والمعوقات التي يراها المعترضين علي فكره المشروع  فيما يلي :

 

 

- المعوقات الطبيعية و الجغرافية

تأتي المعوقات الطبيعية والجغرافية في مقدمة العقبات الرئيسية لهذا المشروع نظراً للطبيعة الجيولوجية و الجغرافية للموقع المفترض إقامة المشروع عليه ومن أهم تلك العقبات ما يلي:

  1. اختلاف اتجاه المجرى بين نهر الكونغو مع اتجاه مجرى نهر النيل، فنهر الكونغو ينبع من الشرق باتجاه الغرب ليصب في المحيط الأطلسي وهو عكس اتجاه مجرى نهر النيل الذي ينبع من الجنوب ليسير شمالاً ويصب في البحر الأبيض المتوسط .
  2. المشروع يفترض نقل مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه من نهر الكونغو إلى أحد روافد نهر النيل في جمهورية جنوب السودان وفي حين أن الطبيعة الجغرافية والجيولوجية للمكان الذى سيصل بين النهرين منطقة وعرة للغاية تعج بالجبال والهضاب وهو ما يصعب عملية نقل المياه من خلال شق قناة أو مد أنابيب لمئات الكيلو مترات .
  3. كذلك عند الحاجه لنقل المياه سنحتاج إلى طاقه ضخمة قد تكون أكبر من طاقة السد العالي لتشغيل محطات رفع المياه لمحطات الرفع التي ستفوق إمكانات محطة توشكي, عبر تلك المنطقة المنطقة الوعرة من الكونغو لتصل وتصب في أحد روافد نهر النيل في جمهورية جنوب السودان وذالك لضمان تحقيق الجدوى الاقتصادية.
  4. وبافتراض إمكانية نقل المياه من نهر الكونغو إلي أحد الروافد نهر النيل في جمهورية جنوب السودان تكون هنالك مشكلة أكبر وهي أن منطقة جنوب السودان هي من أكثر مناطق الهدر المائي لمياه نهر النيل حيث تغرق تلك المنطقة في مجموعة من المستنقعات نتيجة لانخفاض معامل انحدار المياه في تلك المنطقة مما يجعل المياه تنتشر بشكل أفقي مكونة مجموعة ضخمة من المستنقعات، فهل يمكن أن تنقل مياه تقدر بمئات المليارات من الأمتار المكعبة إلي تلك المنطقة الغارقة أصلاً في المياه ؟
  5. الأهم من جميع ما سبق، هو مدى قدرة مجرى النيل على تحملمثل تلك المياه الإضافية،  في ظل ما نراه عند حدوث فيضان لمياه النيل يُغرِق مدناً بأكملها كما حدث بجمهورية السودان مؤخراً أو كما كان يحدث بمصر قبل إنشاء السد العالي , كذلك فالنيل الأبيض مفترض أن تعبر المياه من خلاله معروف بانخفاض ضفتيه ويفقد تقريباً نصف إيراده المائي عند عبوره لمنطقة المستنقعات لعدد عوامل منها التسرب والتبخر، فهل يتحمل تلك المليارات الإضافية من المياه ليحملها حتى التقائه مع النيل الأزرق في العاصمة السودانية الخرطوم ومن ثم جريانهم معاً حتى الوصول إلى بحيرة ناصر في مصر, أم سيغرق المنطقة المحيطة به ويحولها إلى مجموعه ضخمة من المستنقعات الجديدة.

الأوضاع السياسية لدول المشروع

لا تشجع الأوضاع السياسية لدول المشروع على المجازفة بمشروع بمثل هذه الضخامة. فبالنظر إلى الأوضاع التي شرحناها آنفا في جمهورية الكونغو يتبين صعوبة تنفيذ مثل هذا المشروع في بلد تعاني من صراعات أهلية وعرقية وإقليمية مستمرة منذ استقلالها تقريبا. ولا يختلف الوضع في جمهورية جنوب السودان عن الوضع في الكونغو، إذ تشهد صراعات سياسية و قبليه داخليه عديدة كان آخرها في محاولة لانقلاب عسكري فاشل، بالإضافة إلى الصراعات السياسية المستمرة مع جارتها الشمالية جمهورية السودان والتي وصلت أحيانا إلى مستوى الصراع العسكري علي المناطق الحدودية ومناطق النفط ومشاكل الرعاة عند الحدود بين الدولتين.

 

أما بالنسبة لجمهورية السودان فتعاني من مشاكل داخلية وخارجية كثيرة من صراعات مسلحة وخلافات شبه دائمة مع دولة جنوب السودان علي المناطق الحدودية، وكذلك مع مصر أحياناً علي مثلث حلايب وشلاتين.  ومن يعتقد أن هذا الأوضاع السياسية لن يكون لها تأثير على هذا المشروع فعليه أن يراجع المشروعات السابقة مثل مشروعات استقطاب فواقد المياه وقناة جونقلي في السودان، فهي خير شاهد على هذا.

 

المشكلات القانونية  :

هنالك مجموعة المشكلات القانونية للمشروع يأتي أولها في الخلافات المستمرة فيما إذا كان نهر الكونغو نهراً دولياً نظرا، لأن له روافده خارجية أم أنه نهر محلي نظراً لوقع المنبع والمصب داخل الدولة.

كما أكد مجموعة من الخبراء منتقدي المشروع أن القوانين الدولية لا تسمح بنقل المياه من أحواض مائية إلى أحواض مائية أخرى كما في حالة المشروع المطروح لنقل المياه من حوض نهر الكونغو إلى حوض نهر النيل، كذلك لا يعلم إذا ما كانت دول حوض النيل ستوافق علي هذا المشروع أم لا؟ نظراً لأن نهر النيل نهر دولي ويجب موافقة دول حوض النيل علي مثل هذا المشروع .

المعوقات الاقتصادية و التمويليه :

تمثل مشكلة التمويل للمشروع أحد العقبات الرئيسية للمشروع، هذا في ظل ما تشهده تلك البلاد القائم على أراضيها المشروع من ضعف اقتصادي لايمكن معه تحمل تكاليف باهظة لمشروع لا يعلم مدى جدواه الاقتصادية مع تلك التكاليف المرتفعة.

 

كذلك اختلاف الأولويات بين تلك الدول ومصر، حيث إن هذه الدول لا تهتم كثيراً بقضية المياه نظراً لغناها المائي، وانشغالها بالصراعات الداخيلة والخارجية على حساب التنمية، مما قد يؤدي لرفض تلك الدول للمساهمة في تمويل هذا المشروع فماذا لو رفضت تلك الدول أن تساهم في التمويل في المشروع؟ فهل يمكن لمصر في هذا الوقت ان تتحمل تكاليف مثل هذا المشروع وحدها ؟

 

كما أن المشروع يحتاج إلى وقت طويل للتنفيذ نظراً لطبيعة المشروع من حفر ونقل للمياه، كذلك فسيكون هناك حاجة ماسة لتعويض المتضررين من المشروع نظراً أن بعض المناطق الرعي قد تغمر بالمياه أو قد يتم تجفيفها مما يؤثر علي حياة الرعاة وثرواتهم الحيوانية في تلك المناطق وسيحتاجون إلى تعويضات عن الأضرار التي ستلحق بهم.

 

وفي حالة اللجوء إلى طلب التمويل من المنظمات المالية الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد من الممكن أن يلاقي المشروع اعتراضات من منظمات حماية البيئة لما قد يرون أنها أضرار بيئية واجتماعية ستنشأ عن إقامة المشروع.

 

وقد جاء قرار وزارة الري والموارد المائية المصرية في يناير 2015، برفض المشروع المقدم من شركة "شاركو عبر البحار" متفقا مع الرأي السابق. بل بدا من التقرير الفني الذي رفعته الوزارة إلى رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية أن دراسة الجدوى المقدمة للمشروع لم تلتزم بالمعايير العلمية والفنية السليمة، ولم يسبقها دراسة مستفيضة لجميع الجوانب المرتبطة به. منها على سبيل المثال؛ أنها لم تحدد تكلفة أي عنصر من عناصر المشروع، ولم يقدم قائمة الكميات لأى من الأعمال المقترحة، علما أن التكلفة التقديرية الأولية للأعمال الرئيسية للمقترح خيالية. مع العلم أن المشروع المقدم لم يحدد مصدر تمويل المشروع، ولا شروط التمويل، ولا أسلوب السداد.

كذلك، لم تجري أي أعمال مساحية أرضية أو دراسات للتربة لتحديد مسار خطوط المواسير والمجارى المائية. كما أنها لم تحدد كيفية توجيه المياه من نهر الكونغو إلى الوصلة أو المجرى الذي سيجري إنشاؤه، واكتفي بالإشارة إلى إنشاء سد على نهر الكونغو.