المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

نظام أمني جديد .. إيران وقطر على خطى المشروع الأمريكي

الاثنين , 19 يونيو 2017 - 10:50 مساءٍ

روحاني وتميم
روحاني وتميم

وقعت إيران وقطر في الثامن عشر من شهر أكتوبر الماضي اتفاقية للتعاون الدفاعي بين الجانبين، وتركز الاتفاقية أساسا على مكافحة الجرائم والإرهاب على الحدود البحرية المشتركة بين الجانبين، وقد نشرت تسريبات صحفية أن قطر وبموجب الاتفاقية ستسمح للحرس الثوري الإيراني بالتدخل في الإقليم البحري القطري والتصدي لأي عمل إرهابي بإعتبار أن إيران في المقام الأول تحمي نفسها، وتنص الإتفاقية التي وقعت بحضور مدير أمن السواحل القطري علي أحمد سيف البديد و العميد: قاسم رضائي قائد حرس حدود إيران على مساعدة وتدريب إيران للقوات البحرية القطرية في جزيرة قشم الإيرانية.

 

يمكن أن ننظر إلى هذه الخطوة بوصفها نقلة نوعية باتجاه توطيد العلاقات بين إيران ودولة خليجية – لم تتخلى عن طموحها في أن تكون أحد أقطاب الإقليم؛ الأمر الذي يمهد الطريق لإيران كي تدخل ضمن ترتيبات جديدة لنظام أمني إقليمي ترعاه الولايات المتحدة يضمن لها مصالحها الاستراتيجية في الإقليم من دون أن تضطر إلى مزيد من الانخراط المكلف سياسيا واقتصاديا.

 

في الوقت نفسه، تعكس الخطوة تغيرا في أولويات ورؤى طرفي الاتفاق بشأن السياسة الإقليمية لكل منهما. فالدوحة وعلى ضوء تراجع دورها الإقليمي بعد خسارة حلفاءها في أكثر من بلد عربي، وانحسار دورها في سوريا، وكثافة الصراع الطائفي الدائر بين السعودية وإيران، باتت تحتاج أكثر من ذي قبل إلى تعزيز سياسة التحالفات المزدوجة والفرقاء التي لطالما اتبعتها.  أما إيران فباتت تفضل، بعد توقيع الاتفاق النووي، تقليل التوتر الذي قد ينعكس على فرصها الاقتصادية. فاختارت البناء على علاقات التعاون بينها وبين قطر، وتوطيدها باتفاق جديد. وكانت آخر إتفاقية أمنية موقعة بين قطر وإيران في العام 2010 تضمنت التعاون في حراسة الحدود ومكافحة تهريب المخدرات ومكافحة الجرائم التي تقع داخل وخارج البلدين.

 

نظام أمني إقليمي جديد برعاية أمريكية

يتردد خلال الأشهر القليلة الماضية حديث مفصل حول مشروع برعاية أمريكية لإنشاء نظام تحالف أمني إقليمي جديد يتأسس على قواعد محددة تلتزم بها جميع الأطراف في منطقة الخليج. إذ ترى الولايات المتحدة أنه ومن دون هذا النظام، ستظل عالقة في الإقليم ومضطرة للعب الدور الأكبر في إطفاء الحرائق في المنطقة. وربما ترى الولايات المتحدة أن توقيع الاتفاق النووي مع إيران، يقدم فرصة وسياق مناسب لإيجاد ترتيبات مناسبة لتأسيس مثل هذا النظام.

 

وبما أن مجلس التعاون الخليجي هو كيان للأمن والدفاع الجماعي ضد التهديدات الخارجية والداخلية لأعضائه وعلى رأسها مواجهة التهديد الإيراني. وبما أن استمرار برامج تعاون لتطوير القدرات الدفاعية والأمنية لمجلس التعاون الخليجي هو من ضمن المصالح الأمريكية في الإقليم، فإن الحل الأكثر عملية وواقعية، من وجهة النظر الأمريكية يتمثل في استمرار مجلس التعاون الخليجي كتحالف للدفاع الجماعي، جنبا إلى جنب ونظام أمني إقليمي جديد يشمل في عضويته دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق، وقوى كبرى أخرى من خارج الإقليم ؛ ومنها الولايات المتحدة وإنجلترا وروسيا الفاعل الدولي العائد بقوة مؤخرا.

 

وتعتبر الولايات المتحدة أن إيجاد صيغة للتعاون الأمني والدفاعي بين دول الخليج العربي ومنها إيران، هو الوصفة السحرية التي تحقق جميع مصالح الولايات المتحدة في الإقليم؛ ألا وهي:

1-    ضمان بقاء التدخل الأمريكي في منطقة الخليج عند أقل حد ممكن يضمن مصالحها على المدى البعيد، وبأقل قدر من الكلفة السياسية والاقتصادية.

2-    مواجهة المخاطر والتهديدات العابرة للحدود، تتطلب تنسيقا متعدد الأطراف، متجاوز للعداءات الإقليمية واعتبارات التنافس الإقليمي.

3-    ضبط السلوك الإيراني وكبح جماح طموحاتها الإقليمية يعتبر غاية أبعد كثيرا من مجرد توقيع اتفاق بخصوص برنامجها النووي، ويتطلب تقديم فرص جديدة لإيران في الإقليم، ربما تدفعها إلى إعادة النظر في حساباتها وأولويات سياستها الإقليمية. وقد يخدم ربط إيران بنظام وقواعد ومؤسسات هذه الغاية.

 

ووفق المقترح الأمريكي الذي ترددت تفاصيله في أوراق مراكز بحثية مقربة من صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية فإن هذا المنتدى أو النظام الإقليمي الجديد، سيركز على قضايا ثلاث؛

  • الأمن الإقليمي؛ خاصة الأمن البحري ومكافحة جرائم القرصنة والإرهاب البحري، بوصفه تهديدا مشتركا قد يمثل نقطة تلاق بين الخصوم الإقليميين من وجهة نظر أمريكا. ولنلاحظ أن الاتفاق الموقع مؤخرا بين قطر وإيران يخدم هذه الغاية.  
  • البيئة (خاصة قضايا تغير المناخ ومكافحة الآثار البيئية الناتجة عن أنشطة نووية سلمية)؛
  • وأخيرا التجارة والاقتصاد (عند هذه النقطة تأتي أهمية العلاقات الاقتصادية القطرية الإيرانية والعمانية الإيرانية، كأساس يمكن توظيفه واستثماره لصالح توطيد العلاقات الإيرانية – الخليجية بعدة طرق ومنها أن تلعب قطر وعمان دور الوسيط بين إيران ومجلس التعاون الخليجي ككل والسعودية بشكل خاص).

وتشير المقترحات الأمريكية إلى أن هذا المشروع قد يستغرق نحو عامين كي يرى النور ولو في صورة أولية. فهناك صعوبات جمة في طريق تنفيذه؛ على رأسها؛ صعوبة قبول إيران الانخراط في نظام أمني تكون الولايات المتحدة طرفا فيه. ولذلك، يقترح البعض أن تكون الولايات المتحدة فاعلا من وراء الستار أو شريكا في منتديات أو مؤسسات تابعة للكيان الأكبر المزمع تأسيسه. أيضا؛ لا يتصور أن تقبل السعودية ابتلاع مثل هذه الصيغة بسهولة ومن دون ضغط يدفعها للقبول. هنا تشير إحدى الدراسات المهمة إلى أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى المزاوجة بين الضغط وتوظيف الوكلاء، فتضغط على السعودية للقبول بهذه الصيغة بالطرق السياسية والدبلوماسية. وفي الوقت نفسه؛ تجهز قطر للعب دور الوسيط بين إيران ومجلس التعاون الخليجي. على أن تكون قطر هي المضيف للقاءات رسمية وغير رسمية بين الأطراف.

يمكن القول إذن أن المزيد من التقارب القطري – الإيراني بات إحدى ضرورات وركائز نظام أمني إقليمي جديد أقطابه الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والسعودية بالطبع. مع ذلك، لا تزال التحديات التي تقف أمام تأسيس مثل هذا النظام الأمني الجديد أكبر من فرصه للنجاح. أهمها أن الرهان على الضغط الأمريكي وحده لم تعد له نفس قوته، على ضوء إعادة ترتيب القوى الخليجية لأولويات شراكاتها الاستراتيجية ومصالحها بعد أحداث الربيع العربي، وانخراط روسيا بقوة في الإقليم، في مقابل تراجع الدور الأمريكي.

 

أيضا، وبالنظر إلى إيران؛ فإن التحول نحو انخراطها في نظام أمني إقليمي جنبا إلى جنب و الولايات المتحدة (الشيطان الأكبر بحسب الخطاب الإيرانى) ودول مجلس التعاون الخليجي( زبانية الشيطان الأكبر بحسب الخطاب الإيرانى) هو تطور أكبر من اللعبة المزدوجة الحالية التي تلعبها السلطات الإيرانية – الاستمرار في الخطاب المعادي للولايات المتحدة وحلفاءها والتقارب معها على الصعيد العملي. إلا إذا نجحت الولايات المتحدة في إيجاد صيغة تسمح لها بالتواجد في الساحة الخلفية لهذا النظام الأمني الجديد، وتتيح لإيران فرصة تسويق قرارها بأنه خطوة على مسار إخراج الولايات المتحدة من الخليج. وهو الدور الذي تحاول قطر الآن أن تلعبه. رغم أنه وفي تقديري، أكبر كثيرا من قدرات وطموحات قطر، التي لا يمكن أن تكون ضامنا قويا للسلوك الإيراني ومنعها من التدخل في الشأن الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي. 

التقارب مع الدوحة.... تحولات السياسة الخارجية لطهران

 

تحتاج إيران فيما بعد توقيع الاتفاق النووي ودخول الأزمة السورية على مسار التسوية إلى إعادة ترتيب أولويات علاقاتها داخل الإقليم. وهنا قد تكون العلاقات الإيرانية – القطرية أداة توظفها إيران لصالح تحقيق عدة أهداف:

أولا: تحتاج إيران إلى حشد كل أوراق القوة التي تملكها في الخليج بين يديها خاصة بعد انخراطها في اجتماعات فينينا، ودخول الأزمة السورية على خط التسوية. وهنا تحتاج إيران إلى التأكيد على عمق علاقاتها بدول الخليج التي تربطها بها علاقات قديمة ومستمرة  ومنها قطر وعمان. هذا لا يعني أن إيران تسعى إلى استثمار المنافسة بين قطر والسعودية ودفع قطر للاصطفاف إلى جوارها على صعيد الملف السوري. فقطر رغم كل ما يقال عن دورها في دعم وتسليح المعارضة السورية، ليس لها أي دور حاليا في ترتيبات فيينا وما بعدها. ولكن في إطار التجاذب بين الأقطاب، تحتاج إيران إلى استعراض نفوذها داخل الإقليم.

 

ثانيا؛ أن متغيرات ما بعد الاتفاق النووي تفرض على إيران إعادة النظر في أولويات سياستها الخارجية. في فترة سابقة، كان إقصاء إيران من سوق النفط دافعا وراء توجيه سياستها الخارجية نحو إعطاء أولوية للعثور على حل لقضية برنامجها النووي. ولم يكن بين يدي طهران الدعم اللازم لتطوير سياساتها مع دول الخليج العربي، نظرا للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها والتي حدت من قدراتها. أما الآن فقد بات تقليل التوترات الإقليمية وخفض الأثر الاستراتيجي للديناميكيات الإقليمية المربكة والتي قد تؤثر على إيران، أحد أهم أولويات السياسة الخارجية الإيرانية. والمعادلة لتحقيق هذه الأهداف بسيطة ولكنها معقدة: الحوار وبناء جسور مع دول عربية خليجية بالأساس.

 

وفضلًا عن ذلك، قدّمت المواقف الإيرانيّة الأخيرة قدرة عالية على التكيف مع الواقع المعارض لنفوذها في المنطقة، فالقوى الإصلاحيّة دعت بعد الإتّفاق النووي إلى إنفتاح إيران على الخليج. ففي حوار لموقع "شفقنا" مع رئيس مجمّع تشخيص مصلحة النظام الشيخ هاشمي رفسنجاني في 18 أكتوبر، قال: إنّ تحسين العلاقة مع السعوديّة ضرورة، وهو أمر ممكن، وذلك باستخدام المنطق العقلانيّ نفسه الّذي اتّبعناه في حوارنا مع الغرب في الملف النوويّ.

 

كما أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ جواد ظريف صرّح في 14 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّه ليس من مصلحة إيران والسعوديّة أن يخسر كلّ منهما الآخر، و"إنّ إيران والدول العربيّة في سفينة واحدة إن غرقت غرق كلّ من فيها".

 

وأيضا التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية مؤخرا، وجاء فيها أن التعاون مع دول الجوار هو الأولوية لإيران الآن. هنا أيضا، تلعب قطر دوراً ترغب به إيران في تهدئة الأجواء بعض الأحيان مع دول الخليج كما حدث في 2007 حين حضر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد القمة الخليجية في الدوحة، كأول رئيس إيراني يحضر قمة خليجية، وعرض حينها التعاون الأمني بين ضفتي الخليج. ويذكر أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أعرب مؤخرا عن ترحيب إيران بإجراء حوار إقليمي في قطر.

 

ثالثا؛ أن ازدياد مخاطر الإرهاب القادم من جماعات إرهابية عابرة للحدود، واستمرار توظيف القوى الإقليمية والدولية لهذه الجماعات، يدفع كثير من الدول إلى توقيع المزيد من التفاهمات والاتفاقيات مع أطراف عديدة. بهدف خفض حجم التهديد إلى أقل قدر ممكن. هنا تأتي أهمية توقيع اتفاق تعاون في مكافحة الجرائم والإرهاب على الحدود البحرية بالنسبة لإيران. فأكبر حقل للغاز الطبيعي في المنطقة تتقاسمه قطر وإيران ويقع داخل المياه الإقليمية المشتركة بين البلدين. وبالتالي، فإن تأمينه وحمايته يعتبر في هذا التوقيت أولوية تتطلب بالفعل المزيد من التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين.

 

رابعا؛ أن المنشآت النفطية الإيرانية وأيضا منشآتها البحرية اللازمة لتصدير النفط والغاز، تحتاج إلى تطوير قد يستغرق أعواما. وحسب التقديرات، فإن رفع العقوبات الاقتصادية على إيران لن يؤتي ثماره الكاملة على اقتصاد البلاد إلا بعد عشر سنوات على الأقل. وبالنظر إلى تطلع إيران للاستفادة المباشرة والفورية من توقيع الاتفاق النووي لأسباب ترتبط باقتصادها وأيضا باستقرارها الداخلي، ومواجهة خصوم الاتفاق من المعسكر الأيديولوجي الإيراني، ربما تلجأ إيران إلى توظيف علاقاتها بدول الجوار لمساعدتها في نقل وتسويق النفط والغاز الطبيعي، ريثما تستكمل تطوير منشآتها. وهنا تأتي على وجه الخصوص أهمية توطيد علاقتها بسلطنة عمان، وقطر شريكتها في حقل الغاز الطبيعي.

 

الدوحة..  شبكة علاقات مزدوجة وطموح إقليمي.

للدول الصغيرة، ومنها قطر، نمط مميز لسياستها الخارجية، يعكس مخاوفها، ومصالحها، ويمتاز في جزء كبير منه بغياب "تأثير" الأيديولوجية وغلبة الطابع البراجماتي. والحديث عن سياسة خارجية مميزة للدول الصغيرة ليس فيه أي نوع من المبالغة، فالدول الصغيرة لها وضع مختلف، سواء على مستوى المدركات، أو على مستوى السياسات التي تتبعها لتحقيق مصالحها.

 

ولهذا لم تكن مفاجأة أن تسعى قطر في الآونة الأخيرة إلى التقارب مع المملكة العربية السعودية وعودها اللدود إيران في آن واحد، كلا منها على حدة. أيضا، ابتليت سياسة الدوحة الخارجية التوسعية في السنوات الأخيرة بالحسابات المخطئة والتحدّيات المحلّية والضغوط الدولية، وهي كلها قضايا تتصّل بعلاقة الدوحة مع الرياض. ونتيجة لهذه النكسات، تضاءل دور قطر الإقليمي. وزادت حاجتها إلى التمترس وراء شبكة من العلاقات المزدوجة والإشكالية مع أطراف عديدة.

 

والحال، أن التقارب القطري الإيراني يتأسس على جملة من الاعتبارات؛ منها:

  1. أن قطر التي كانت لفترة طويلة لاعباً إقليمياً صغيراً في ظل المملكة العربية السعودية- ترغب في الحفاظ على مسافة مع السعودية. إذ باتت تتخوّف الآن من صعود الدور السعوديّ في المنطقة، إثر التّصادم الإيرانيّ – السعوديّ الّتي تتوضّح معالمه في المعارك الدائرة في اليمن، بما يؤثّر سلبيّاً على ما تبقى من نفوذها الإقليمي. ولا ترغب قطر أن تتموضع داخل المخيّم السعوديّ في الصراع الطائفيّ القائم في المنطقة، فلها أصلاً خلافات تاريخيّة مع المملكة السعوديّة، وتعدّ نفسها ذات ثقل مستقلّ عن السعوديّة التي تطمح إلى أن تكون مركز الثقل العربيّ السنيّ في الخليج، بل في العالم العربيّ بأكمله، وهذا سبب آخر يدعو قطر إلى تنويع تحالفاتها عموماً، والإقتراب من إيران بعد رأب الصدع الإيرانيّ – الغربيّ.
  2. أن قطر كانت تترقّب نتائج الملف النوويّ الإيرانيّ، وراحت تكيّف تحالفاتها بالتّنسيق مع تطوّرات هذا الملف. لقد كانت قطر من أوائل الدول التي رحّبت بالإتّفاق النوويّ الإيرانيّ، إذ جاء على لسان وزير خارجيّتها خالد العطيّة أنّ هذا الإتّفاق يجعل المنطقة أكثر أمناً.                                                                                      وكان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد ركّز في كلمته أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 28 سبتمبر على ضرورة التعاون والتقارب مع إيران قائلاً: "إنّ العلاقة بين الدوحة وطهران تنمو وتتطوّر باستمرار على أساس المصالح المشتركة والجيرة الحسنة"، وإنّ قطر "تتطلّع بأمل إلى أن يساهم الإتّفاق النوويّ الإيرانيّ في حفظ الأمن والاستقرار في منطقتنا"، وأبدى أخيراً استعداد بلاده "لاستضافة حوار بين إيران ودول الخليج على أرضها".                                                                                         وقطعت قطر خطوة أخرى تجاه إيران، تعدّ تغيراً نوعيّاً، وذلك بتطوير إتفاقيّاتها الأمنيّة والعسكريّة معها. فقد أعلنت وكالة "الجمهوريّة الإسلاميّة للأنباء" أنّ إيران وقطر وقّعتا إتفاقيّة أمنيّة في 18 أكتوبر من عام 2015 لمكافحة الجرائم في المياه الحدوديّة للبلدين. وسبقت هذا الإتّفاق الجديد مجموعة من اللقاءات والتفاهمات بين الدولتين. ففي ديسمبر من عام 2010، استقبلت قطر سفناً عسكريّة للحرس الثوريّ الإيرانيّ، حاملة قيادات عسكريّة إيرانيّة لإجراء لقاءات من أجل التوصّل إلى تفاهمات أمنيّة بين الطرفين. وقد حضر الاجتماع سفير إيران في قطر عبدالله سهرابي والممثّل العسكريّ في السفارة ماشاءالله پورشه، وانتهى إلى توقيع إتّفاقيّة أمنيّة بين البلدين.
  3.  أن إدراك قطر لقرب انتهاء وضعها كأكبر قوة مصدرة للغاز الطبيعي في المنطقة على وشك الانتهاء. هذا الوضع الذي كان السبب في تمكينها من تمويل سياسة خارجية قوية ومستقلة. وكان العام 1991 هو نقطة الانطلاق بالنسبة للغاز مع بدء المرحلة الأولى من التنقيب في حقل غاز الشمال، الذي يقع في الخليج العربي في المياه الإقليمية المشتركة بين قطر وإيران، ويعتبر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. قاومت المملكة العربية السعودية المحاولات الأولية لتصدير الغاز عبر خط أنابيب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان والكويت. وربما كان هذا نعمة بالنسبة لقطر لأنه حثّها  على الاستثمار في منشآت الغاز الطبيعي المسال وتأمين الأسواق العالمية لصادراتها من الغاز، وهو ما مكّن، بالتالي، صادراتها من الغاز من التحرّر من القيود الإقليمية. وقد وفرت الاتفاقات طويلة الأجل لتوريد الغاز إلى اليابان ودول آسيوية أخرى والارتفاع المطّرد في أسعار النفط والغاز عائدات ضخمة للدولة القطرية، ومكّنت الدوحة من تمويل سياسة خارجية قوية ومستقلة.                                                                 ومن الواضح أنّ قطر تدرك بوضوح أنّ رفع العقوبات عن إيران سينهي وضعها المتميّز بالنّسبة إلى إيران، من حيث استقبالها وحدها للشركات الأجنبيّة للاستثمار في حقولها الغازيّة. وفي هذا السّياق، ستنطلق مشاريع الاستثمار في الحقول الغازيّة الإيرانيّة - القطريّة المشتركة بعد رفع العقوبات الأمميّة، وهذا يستدعي التّعاون والتفاهم بين البلدين لضمان المصالح الإقتصاديّة المشتركة في هذا الشأن.
  4.  يرتبط بما سبق ما يقال حول طموح قطر لتطوير إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال. ورفع قدرتها على المنافسة في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، بالمزيد من الاستثمار في حقل الغاز المشترك مع إيران. هذا المشروع الطموح يتطلب تمويلات ضخمة ستؤثر في الخمسة عشر سنة القادمة على ميزانية قطر. وأيضا يتطلب تنسيق مسبق ووثيق مع إيران، حتى لا تُتَهَم بسرقة الغاز الإيراني. في هذا التوقيت، من المتوقع أن تكون الاستجابة القطرية تجاه مشروعات قوى دولية قادرة على مساعدتها أسرع وإيجابية أكثر. والشئ نفسه ينطبق على رغبة صناع القرار في طهران نحو التقارب مع دول الخليج العربي.