المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

انقسامات و صراعات طائفية .. أزمة ممتدة في جمهورية إفريقيا الوسطى

الأربعاء , 21 يونيو 2017 - 09:54 مساءٍ

مشاهد العنف في إفريقيا الوسطى
مشاهد العنف في إفريقيا الوسطى

تشهد جمهورية إفريقيا الوسطى، ومنذ حصلت على استقلالها عن فرنسا عام 1960، سلسلة من الأزمات الممتدة، تتسم بموجات متقطعة من العنف، على خلفية دولة مفككة، اقتصاد يكافح من أجل البقاء وانقسامات إثنية عميقة. وتتسم الجماعات المسلحة في إفريقيا الوسطى (ومنها قطبي الأزمة الحالية "الأنتي بالاكا" و "السيليكا") بالتشظي والانخراط في أعمال إجرامية؛ وقد أدت التوترات المجتمعية البينية حتى الآن إلى عرقلة جهود تعزيز الوحدة الوطني وإصلاح النسيج الاجتماعي لإفريقيا الوسطى.

 

إفريقيا الوسطى، وكما يبدو من اسمها، هي (خاصرة) القارة الإفريقية، حيث تتوسط القارة السمراء، جغرافياً، وهي نقطة انطلاق رئيسة لجميع أرجاء القارة، خصوصاً مع امتلاكها حدوداً جغرافية شاسعة مع ست دول إفريقية. وتحدها من الشمال تشاد ومن الشرق السودان ومن الجنوب الكونغو كينشاسا والكونغو برازافيل ومن الغرب الكاميرون وىي دولة قليلة السكان اذ يبلغ تعدادهم حوالي أربعة ملايين ونصف نسمة قياسا بمساحتها الكبيرة، والتي تبلغ 622,984 كم2. وبحكم الجغرافيا والتاريخ، تقع إفريقيا الوسطى على مفترق طرق بين منطقتين وشعبين: في الشمال ؛ منطقة الساحل الإفريقي بمجتمعاته من الرعاة والتجار. وغالبية سكانه من المسلمين، وفي الجنوب؛ وسط أفريقيا بمجتمعاته من السافانا، والتي كانت تدين بالوثنية في البداية ولكنها الآن ذات أغلبية مسيحية.

 

وقد مثل استيلاء جماعة "السيليكا" على الحكم في إفريقيا الوسطى عبر الانقلاب في مارس 2013 تحولا أساسيا في المشهد السياسي التقليدي. فللمرة الأولى منذ الاستقلال، تتولى قوة منبثقة من السكان المسلمين في شمال وشرق البلاد مقاليد الحكم. أدت الاشتباكات التي تلت ذلك بين "السيليكا" وقوات "أنتي بالاكا" إلى توترات طائفية قوية تفاقمت بسبب توظيف الدين والشروخ المجتمعية والمخاوف الجماعية، وإحياء الذكريات المؤلمة من عهد تجارة الرقيق قبل الاستعمار.

 

هذه الصراعات، والتي بلغت ذروتها بقتل وتشريد المسلمين غرب البلاد، لا تزال وتيرتها مرتفعة جدا في وسط البلاد، على خط المواجهة بين الجماعات المسلحة. وبالتالي، يمكن القول أن الصراع بين أنتي بالاكا والسيليكا امتزج بالصراع بين الطوائف المسلحة. في المناطق التي تتكرر فيها وقوع اشتباكات بين الطوائف، نلاحظ أن الصلة بين المجتمع والجماعات المسلحة قوية: يُنظَر إلى مقاتلي السيليكا كحماة للمسلمين. بينما يُنظَر لمقاتلي أنتي بالاكا كمدافعين عن الطوائف المسيحية.

 

على هذه الخلفية نحتاج بفهم وتفكيك الأوضاع في جمهورية إفريقيا الوسطى، إلى النظر للمكون السياسي والطائفي الإثني هناك. ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية للبلاد، والتي كان لها دور فاعل في تأجيج التوتر، واستدعاء التدخل الدولي على النحو الذي سنورده في الأقسام التالية من هذه الورقة.

 

النظام السياسي في إفريقيا الوسطى

 

يعتمد النظام السياسي لجمهورية إفريقيا الوسطى على التعددية الحزبية، وهو ما أقره الدستور في ديسمبر 2004، عقب انقلاب الرئيس فرانسوا بوزيزيه على الرئيس باتسيه عام 2003 . وحسب النظام الجمهوري المعمول به، فإن النظام يتأسس على وجود ثلاث سلطات:

 

  • السلطة التنفيذية: وتتكون من مجلس الوزرراء ورئيس الدولة الذي يقوم بدوره بتعيين رئيس مجلس الوزراء ويقترح رئيس الوزراء على رئيس الجمهورية أسماء الوزراء على أن يقوم بتعينهم. ورئيس الدولة هو القائد العام للقوات المسلحة. كما يتم انتخاب رئيس الدولة عن طريق الانتخابات العامة التي يتولى بعدها فترتين رئاسيتين مده كل فترة 5 سنوات.

  • السلطة التشريعية: وتتكون من مجلس تشريعي واحد هو الجمعية الوطنية. ويتم اختيار أعضائة بالانتخاب ويتكون من 105 عضو، ودورته 5 سنوات .

  • السلطة القضائية: تتكون من المحكمة الدستورية والمحكمة الجنائية ومحاكم الاستئناف والمحاكم العرفية التي تتولى الفصل في النزاعات القبلية.

 

الوضع السياسي الراهن .. جذور الأزمة

لا بد من الإشارة أن أزمة جمهورية إفريقيا الوسطى أقدم بكثير عن الأزمة الحالية، فهذه الأخيرة ليست إلا محصلة لسلسلة من الأزمات التي عرفتها الجمهورية، حيث كانت آخرها في سنة 2010، تاريخ أول تمرد ضد حكم بوزيزيه، حيث انطلقت شرارتها من شمال البلاد وهو التمرد الذي عرف آنذاك بـتمرد "بيرادو" لكنه لم يستمر طويلا نتيجة للتنسيق والتعاون مع القوات النظامية التشادية للقضاء على المتمردين وحماية نظام الرئيس السابق آنذاك.

 

وهناك من يرجع جذور أزمة جمهورية إفريقيا الوسطى إلى الانقلاب الذي قاده تحالف " السيليكا"، والتي تشكل الدرع العسكري لتحالف الأحزاب المعارضة، وينتسب إليها مختلف مسلمي البلاد. وتمكنت هذه الحركة المسلحة في النهاية من التقدم والإطاحة بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، الذي عانت البلاد خلال فترة حكمه (2003 ــــــ 2013)، من الفساد المستشري والتخلف والمحسوبية والتسلط. بالإضافة إلى تركيز السلطة في دائرة عِرقية عائلية ضيقة، وهو ما أضعف النظام كثيرًا.

 

وقد أذكت هذه الاستراتيجية السياسية تخوفات من إجراء تغييرات دستورية تسمح بولاية ثالثة لبوزيز؛ كل هذا أدى إلى توترات في معسكره الخاص ودفع في اتجاه توحد فصائل المعارضة المسلحة المعروفة باسم تحالف "السيليكا" وخروجها للمطالبة باحترام اتفاقية السلام الموقعة بين عامي 2007 و2011 والتي تنص على نزع السلاح وإعادة دمج المتمردين في الجيش، الأمر الذي تطور في النهاية إلى الإطاحة ببوزيزيه في 24 مارس2013، وتنصيب زعيم تحالف السيليكا؛ "ميشيل دوجوتوديا" في الثامن عشر من أغسطس2013 رئيسا للبلاد.

 

جدير بالذكر، أن تحالف "السيليكا" لا يتألف من عناصر مسلمة فقط، بل يضم أيضا مجموعات أخرى غير مسلمة من معارضي نظام فرانسوا بوزيزيه. وقد بدأ التحالف هجماته منذ ديسمبر عام 2012. وتمكن من إحكام السيطرة على مدن في المناطق الشرقية والوسط من البلاد مما فرض على نظام بوزيزيه الدخول في مفاوضات السلام مع التحالف المتمرد في يناير 2013 على إثره تم تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت قادة المتمردين، سرعان ما انهارت، وسقطت البلاد في دوامة من العنف دفعت الرئيس بوزيزيه إلى التخلي من السلطة والفرار في مارس 2013م. ثم تنصيب جوتوديا كأول رئيس مسلم في دولة غالبية سكانها من المسيحيين، وتشكيل حكومة انتقالية في ابريل 2013، تحت مسمى المجلس الوطني الانتقالي.

 

مثّل وصول "السيليكا" بقيادة الرئيسي ميشيل دوجوتوديا إلى السلطة عام 2013 صدمة كسرت قواعد اللعبة السياسية التي كانت تتحكم فيها طبقة سياسية تمثل المجموعات العرقية في غرب البلاد ووسطها وتدور في فلك الحكم العسكري. ونشأت في المقابل جماعات مسلحة أخرى من غرب البلاد أطلقت على نفسها بالأنتي بلاكا وبدأت الصراعات المسلحة بين الجماعتين.

 

ويمكن أيضا إدراج رد الفعل ضد السيليكا ضمن نطاق التوتر الإثني في البلاد بين سكان المناطق الساحلية وسكان الغابات. وقد بالغ الرئيس بوزيزيه في وصف هذا التغيير السياسي ووصفه بالمؤامرة الإسلامية. لكن هذه الدعاية لم تحظ بتأثير كبير. إلا أن التجاوزات التي ارتكبها مقاتلو سيليكا في غرب البلاد وفي العاصمة بانغي أدت إلى تزكية العنف الطائفي على النحو الذي سنوضحه في نقطة تالية.

 

اعلان المرحلة الانتقالية

اضطر الرئيس ميشيل دوجوتوديا  إلى الاستقالة في 10 يناير 2014.بسبب عدم القدرة على السيطرة على البلاد. وأوجب ذلك انتخاب رئيس انتقالي واعلان حكومة انتقالية وجمعية وطنية انتقالية، قبل الانتخابات الوطنية في 2015.

 

بالفعل تم ترشيح الرئيسة سامبا بانزا وعلى الرغم من كونها مسيحية الديانة الا أن ذلك لم يؤثر على الطرفين، ويحسب لها اقرار ببعض التعديلات التي أعطت مؤشرا على أن الوضع يسير في المسار الصحيح وتتمثل فيما يلي:

 

  • قامت بتكليف محمد كامون بقيادة الحكومة الانتقالية في إلماحة إلى الحاجة إلى التوازن في النظام السياسي، بعد فترتين شهدت أولاهما تحيزا للقوميات المسيحية وأخراهما تحيزا للقوميات الاسلامية.

  • دعت إلى مصالحة وطنية وطلبت دعم مالي من المجتمع الدولي لإصلاح اقتصاد البلاد المنهار وتعويض المتضررين من العنف الأهلي.

  • سعت إلى استعادة سلطة الجيش الوطني واحتكاره لمهام الأمن والدفاع، وذلك، بطلب رفع حظر التسليح المفروض على الجيش بموجب قرار من الأمم المتحدة.

  • قامت بعمل تعديلات دستورية على دستور 2004 ، منها على سبيل المثال:

  1. اشتراط عدم خوض أعضاء الحكومة الانتقالية الحالية في الانتخابات التشريعية أوالرئاسية.

  2. تحديد فترات الرئاسة بفترتين فقط.

  3. إنشاء غرفة برلمانية ثانية "مجلس الشيوخ".

  4. رفع الحصانة عن أعضاء البرلمان والمحكمة الدستورية في حالة صدور اتهامات بالخيانة العظمى بحقهم، بحسب الدستور.

 

وقد قام محمد كمون، رئيس الوزراء، بعد تجدد الصراع في مدينة بانغي، على خلفية ذبح سائق شاب مسلم في الخامس والعشرين من سبتمبر 2015، بإعلان حظر التجول حيث زادت حصيلة القتلى نتيجة الاشتباكات الطائفية على الثلاثين وبلغ عدد الجرحى أكثر من ذلك، وعَمَّ السلب والنهب وامتدت أيدي الميليشيات المتصارعة وخصوصًا "أنتي بالاكا" إلى مقرات المنظمات الإنسانية، وبعثة الأمم المتحدة بالبلاد المعروفة اختصارا باسم: المينوسكا (Minusca).

 

ورغم أن الأطراف المتصارعة كانت قد وقعت اتفاق وقف القتال والعنف في 23 يوليو 2014 في الكونغو برازافيل، غير أن الأزمة تطورت في العاصمة بانغي بشكل مطَّرد. لم يمنع حظر التجول المعلن عنه من طرف الحكومة الانتقالية من أن تهدد ميليشيا "أنتي بالاكا" وزارة الدفاع ومبنى الإذاعة الوطنية بالاقتحام، واقتحام هذه المليشيات سجن نجاراجبا في بانغي مما أدى إلى هروب أكثر من 500 سجين قضايا إجرامية، وهو أمر يهدد بشكل خطير أمن المدنيين. كما نظَّمت تلك الميليشيا حملة على مبنى رئاسة الجمهورية مهددة باقتحامه ومطالبة باستقالة رئيسة البلاد كاترين سامبا بانزا مما أدى بقوات المينوسكا إلى الدخول في مواجهة مع الميليشيا المذكورة وسقوط ثلاثة قتلى من بينهم جاي ميزمبل (Guy Mazimbele) زعيم ميليشيا "أنتي بالاكا". ومن المعلوم أن عدد قوات المينوسكا بإفريقيا الوسطى يبلغ اثني عشر ألفًا، وهي تعمل في البلاد بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما يخوِّلها استعمال السلاح.

 

ويُجمع المراقبون على أن اختيار هذا الوقت بالذات لإشعال أزمة طائفية في البلاد كان منتقى بعناية؛ حيث كان من المقرر نظريًّا أن يُجرى استفتاء دستوري يوم 4 أكتوبر2015 ليُنظَّم الشوط الأول من الانتخابات الرئاسية في الثامن عشر من الشهر نفسه. فجاءت هذه الأعمال الدامية لتنسف هذه التواريخ، ولتضع برنامج الحكومة الانتقالية السياسي كله في مهب الريح. وعلى هذا الأساس لم تستطع الرئيسة سامبا بانزا إكمال زيارتها لنيويورك، التي تأتي في سياق مشاركتها في الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، فقطعت برنامجها على عجل لتعود إلى بانغي.

 

وحول الدافع وراء إشعال هذه الأزمة الجديدة قبيل الانتخابات بوقت قليل للغاية؛ هناك رأيان: الأول؛ أن أنصار الرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، الذي أطاحت به ميليشيا "سيليكا" سنة 2013 وأجبرته على التخلي عن الحكم والعيش منفيًّا في الكاميرون، هم من يقف وراء ما يحدث من تجدد الصراع، وأن هذه الجهات المحسوبة على بوزيزي قد حرَّكت ميليشيا "أنتي بالاكا" التابعة لها، فحددت هدفها بعناية واختارت له الظرفين المواتيين: الزماني، وهو مساء عيد الأضحى، والمكاني قرب مسجد بحي يقطنه مسلمون؛ مما ولَّد فكرة الثأر لدى المسلمين وأعطى للشحن الطائفي وقودًا جديدًا. والثاني: أن من بين الأوساط السياسية المقربة من الحكومة الحالية من لا يرغبون في وصول البرنامج الانتقالي إلى نهايته، ويرون في تجدد الصراع سببًا في بقاء الحكومة الانتقالية فترة أطول، وبالتالي تضمن تلك الجهات المتنفذة داخل الدولة الإبقاء على مصالحها ما دامت الحكومة الانتقالية قائمة، وأن هذه الجهات ربما كانت المسؤولة عن تأجيج الصراع من جديد.

 

أيا ما كان الدافع الحقيقي، فهذا يعني في الحاصل الأخير أن الحديث عن تطور سياسي سلمي وسلس قد تلاشى ليترك المجال للحديث عن المواجهات بين "سيليكا" و"أنتي بالاكا".

 

 

الأحزاب السياسية

عانت أفريقيا الوسطى لفترة طويلة من نظام الحزب الوحيد. إلا أن الإصلاحات التي قام بها الرئيس الأسبق فرانسوا بوزييه فتحت الباب أمام التعددية الحزبية. ومن أبرز الأحزاب على الساحة السياسية هناك:

 

  1. تحالف التقدم والديمقراطية Alliance for Democracy and Progress or ADP: تأسس الحزب في أكتوبر من أحزاب المعارضة 1991، وفاز بستة مقاعد في الجمعية الوطنية في انتخابات عام 1993، وانضم لائتلاف جان لوك ماندابا بالحكومة. وفي الانتخابات البرلمانية عام 1998 كان حزب "تحالف التقدم والديمقراطية جزءا من اتحاد قوى من أجل السلام (UFAP)، الذي عارضت الرئيس آنج فيليكس باتاسيه، وفاز الحزب بخمسة مقاعد، وحصل اتحاد قوى من أجل السلام على أغلبية 55 من 105 مقعدا في الجمعية الوطنية. ومع ذلك، كانت حركة تحرير شعب أفريقيا الوسطى الحاكمة آنذاك قادرة على إعادة تشكيل الحكومة بعد تراجع الاتحاد.

  2. حزب التجمع الديمقراطي لأفريقيا الوسطى Central African Democratic Rally PSD : تم تأسيس الحزب في 6 فبراير 1987، باعتباره وسيلة سياسية للرئيس أندريه كولينغبا. وكان الحزب الشرعي الوحيد في البلاد حتى عام 1992. وفاز الحزب ب 13 مقعدا في أول انتخابات للجمعية الوطنية، باعتباره ثاني أكبر حزب يلي حركة تحرير شعب أفريقيا الوسطى (MLPC). وترشح زعيم الحزب "أندريه كولينغا" للرئاسة عام 2005. إلا أنه خرج لحصوله على 16٪ من الأصوات. وشهدت الانتخابات التشريعية التالية أيضا تقلص حصة حزبه إلى سبعة مقاعد في الجمعية الوطنية. واستمر تراجع الحزب، حتى أنه حصل في انتخابات الجمعية الوطنية عام 2011 على مقعد واحد فقط.

  3. الحزب الديمقراطي التحرري PLD Liberal Democratic Party: تأسس عام 1991 ورشح مجموعة من أعضائه في انتخابات الجمعية الوطنية عام 1993 ، ليفوز بسبعة مقاعد، ويصبح ثالث أكبر حزب من حيث عدد أعضائه في الجمعية الوطنية. وفي انتخابات الجمعية الوطنية عام 1998 كان الحزب الديمقراطي التحرري قد تحالف مجددا مع حركة تحرير شعب أفريقيا MLPC، وشارك معها في تشكيل حكومة "أنيست جورج دولوجيلية" بعد انشقاق المعارضة، تولى فيها أربعة مناصب وزارية . وفي أبريل 2001 تحالف مع التقارب الوطني "كوا نا كوا" من أجل انتخابات 2005. وفاز التحالف بأربعة مقاعد، بينما حصل الحزب الديمقراطي التحرري بثلاثة مقاعد . وفي عام 2010 انضم الحزب إلى تحالف الأغلبية الرئاسية في إطار التحضير للانتخابات العامة عام 2011. ورشح الحزب 15 مرشحا لانتخابات الجمعية الوطنية، وعلى الرغم من أن التحالف فاز ب 11 مقعدا، إلا أن الحزب لم يحصل على أية مقاعد في البرلمان.

  4. حركة تحرير شعب أفريقيا الوسطى MPLC Movement for the Liberation of the Central African People: تأسس الحزب في 28 مارس عام 1978 في باريس من قبل رئيس الوزراء السابق أنجي فيليكس باتاسيه كحركة معارضة للنظام السياسي في إفريقيا الوسطى. ودعا إلى خلع الرئيس ديفيد داكو من قبل المجلس الوطني لإعلان حكومة وحدة وطنية مؤقتة". وبعد أن تم إعادة إقرار التعددية الحزبية أوائل عام 1990، فازت الحركة في انتخابات عام 1993. وانتخب الرئيس باتاسيه في الجولة الثانية من الانتخابات، أما بالنسبة لانتخابات الجمعية الوطنية فقد فازت الحركة بعدد كبير من المقاعد لتصبح أكبر حزب سياسي من حيث عدد الأعضاء في البرلمان. وفي انتخابات الجمعية الوطنية لعام 1998 فازت الحركة ب 47 مقعد من 105. ومع ذلك، فإن اتحاد القوى من أجل السلام (UFAP)، التي عارضت باتاسيه، حصل على الأغلبية في الجمعية الوطنية. وتمكن من تشكيل الحكومة. وفي الانتخابات الرئاسية عام 1999 فاز باتسليه في الجولة الأولى ب51٪ من الأصوات، ولكن تم عزله من منصبه في انقلاب عام 2003. وأجريت انتخابات عامة مرة أخرى عام 2005، فاز فيها قائد الانقلاب فرانسوا بوزيزيه على مرشح الحركة "مارتن زغويلي" في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وعلى الرغم من أن حركة تحرير شعب إفريقيا الوسطى برزت كأكبر حزب في الجمعية الوطنية، إلا أنها حصلت على 11 مقعدا فقط، في حين حصل تحالف التقارب الوطني "كوا نا كوا" مجتمعا على 42 مقعدا. و في أواخر يونيو 2006 انتخب زغويلي رئيسا لحركة تحرير شعب إفريقيا الوسطى في مؤتمر الحزب الاستثنائي، في حين علقت عضوية باتاسيه من الحزب لمدة عام. وللمرة الثانية رشح الحزب زغويلي في انتخابات الرئاسة لعام 2011 وحصل فيها على المركز الثالث من بين خمسة مرشحين ب 7٪ فقط من الأصوات. أما انتخابات الجمعية الوطنية فحصل الحزب فيها على مقعد واحد.

  5. الجبهة الوطنية من أجل التقدم FPP Patriotic Front for Progress: تأسس الحزب عام 1991. وحصل على سبعة مقاعد في الجمعية الوطنية في انتخابات عام 1993، ويعتبر ثالث أكبر حزب. وعلى صعيد الانتخابات الرئاسية، ترشح زعيم الحزب "ابيل جومبا" الذي حصل على 21.7٪ من الأصوات في الجولة الأولى، لكنه هُزِم أمام أنجي فيليكس باتاسيه، وفاز الحزب بسبعة مقاعد مرة أخرى في انتخابات المجلس الوطني عام 1998. وفي الانتخابات الرئاسية للحزب في العام التالي ترشح جومبا مرة أخرى؛ وحصل على المركز الرابع من أصل عشرة مرشحين ب 7٪ من الأصوات. وفي الانتخابات العامة 2005 ترشح جومبا مرة أخرى، وحصل على 2.5٪ فقط من الأصوات وجاء في المركز السادس من أحد عشر مرشحا. وانخفض عدد مقاعد الجبهة إلى مقعدين فقط.
    رشح جومبا ابنه Alexandre بعد ذلك خلفا له كرئيس للجبهة الوطنية في 5 مارس 2006 في جمعية عمومية غير عادية للحزب، لكن تبع ذلك نزاع داخلي استمر عامين. وفي النهاية اعترف مجلس الحزب بشرعية انتخاب الكسندر جومبا في 16 مايو 2008، وتم انتخابه كرئيسا لحزب الجبهة الوطنية من أجل التقدم في 4 أكتوبر 2008.
    وفي الانتخابات العامة عام 2011. رشح الحزب 20 مرشحا، إلا أنه فشل في الحصول على أية مقاعد.

  6. الحزب الديمقراطي الاجتماعي social democratic party (PSD): أنشئ عام 1991، وفاز الحزب بثلاثة مقاعد في الجمعية الوطنية في الانتخابات العامة عام 1993، وترشح زعيم الحزب "اينوك لاكو" Derant Lakoué للرئاسة وحصل على المركز الخامس من أصل ثمانية مرشحين ب2.4٪ من الأصوات. واستطاع الحزب في انتخابات الحمعية الوطنية 1998 الفوز بستة مقاعد. وترشح "لاكو" Lakoué في الانتخابات الرئاسية عام 1999، و حصل على المركز السابع من بين عشرة مرشحين بنسبة 1.3٪ من الأصوات.
    وفي انتخابات الجمعية الوطنية عام 2005 كان الحزب جزءا من تحالف أحزاب المعارضة السياسية. وفاز التحالف ب 11 مقعدا في الجمعية الوطنية، وكان نصيب الحزب الديمقراطي الاجتماعي منها خمسة مقاعد. إلا أنه وفي عام 2011 فشل الحزب في الفوز بأي مقعد.

  7. تحالف التقارب الوطني "كوا نا كوا The National Convergence "Kwa Na Kwa" ": تأسس في 21 أغسطس 2004 وهو تحالف من الأحزاب السياسية الصغيرة، ورجال الأعمال والقادة السياسيين أطلقوا عليه اسم التقارب الوطني "كوا نا كوا"، وساعد هذا الحزب في وصول بوزيزيه للحكم. وضم التحالف مجموعة من الأحزاب هي؛ الحزب الوطني لوسط أفريقيا الجديدة (PNCN)، حزب العمل من أجل التنمية (PAD)، والحركة من أجل الديمقراطية والتنمية (MDD)، والاتحاد الوطني للديمقراطية والتجمع (UNADER)، الجبهة الوطنية الديمقراطية (FND)، والحزب من أجل الديمقراطية في وسط أفريقيا (PDCA) والحركة من أجل الديمقراطية والاستقلال والتقدم الاجتماعي (MDI-PS).
    في أعقاب الاستفتاء على الدستور في ديسمبر 2004 وإعلان الانتخابات الرئاسية في 30 يناير 2005، أعلن بوزيزيه أنه سيرشح نفسه للرئاسة كمستقل بدعم من تحالف "كوا نا كوا" في اجتماع حاشد في بانغي، مؤكدا أنه سيخوض الانتخابات لتحقيق مهمة إعادة بناء البلاد، وتم تأجيل الانتخابات حتى مايو، وفاز بوزيزيه بالانتخابات الرئاسية ب 64.6٪ من الأصوات في الجولة الثانية، في حين أن تحالف "كوا نا كوا" فاز ب 42 مقعد من 105 مقعدا في الجمعية الوطنية. وفي الانتخابات الرئاسية عام 2011 فاز الرئيس بوزيزيه ب 64.4٪ من الأصوات في الجولة الأولى، في حين فاز التحالف ب 61 من أصل 100 مقعد في الجمعية الوطنية.

 

التنوع الديني والإثني في إفريقيا الوسطى

ينقسم شعب أفريقيا الوسطى من حيث الديانة إلى مسيحين ومسلمين ومعتقدات تقليدية ويمثل المسيحين (50%) من إجمالي عدد السكان منهم بروتستانت(25%)، وكاثوليك(25%)، أما المسلمون فيمثلون(15%)، وتمثل المعتقدات تقليدية (35%)، كما تعتبر اللغة الرسمية هي اللغة الفرنسية والسانجو لغة قومية مشتركة.

ويجدر الاشارة إلى أن يوجد أكثر من 80 جماعة عرقية أهمها:

 

- البايا (33%): يعيشون في جمهورية أفريقيا الوسطى ولهم امتداد في شرق ووسط الكاميرون الكاميرون وفي شمال وشمال غرب جمهورية الكونغو الديمقراطية. كان عددهم 970،000 في نهاية القرن ال20. هم أكبر مجموعة عرقية في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي تضم 33٪ من السكان.

- جماعة الباندا (27%): وهي مجموعة عرقية لها امتداد في جمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون وجنوب السودان. بلغ إجمالي عددهم في القارة الإفريقية 1،300،000 في مطلع القرن ال21. ويعيشون في القرى الصغيرة.

جماعات أخرى تمثل أقليات الماندجا(13%) والسارا(10%) والموبوم(7%)والماباكا(4%) والياكوما (4%)

 

التدخلات الدولية والإقليمية

 

  • قوات حفظ السلام الأممية والإفريقية: مع تزايد حدّة العنف في البلاد، وبإيعاز من فرنسا في الأمم المتحدة، اعتمد مجلس الأمن الدولي، في 5 ديسمبر 2013 م، القرار رقم (2127) حول إفريقيا الوسطى، والذي يقضي بنشر قوة حفظ سلام في البلاد بقيادة إفريقية، وأعرب القرار، الذي حصد إجماع مجلس الأمن، عن القلق من تدهور الوضع الأمني في البلاد في أعقاب إسقاط الحكومة في شهر مارس 2013 م، كما يدين القرار بشدة الانتهاكات المستمرة للقانون الإنساني الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان وخروقاتها الواسعة النطاق التي ترتكبها الجماعات المسلحة، وبخاصة عناصر جماعة (سيليكا) وعناصر جماعة (أنتي بالاكا)، و (جيش الرب للمقاومة)، والتي تشكّل خطراً يتهدد السكان، ويشدّد على ضرورة تقديم مرتكبي هذه الانتهاكات للعدالة، ويدين القرار بشدة استغلال الموارد الطبيعية لجمهورية إفريقيا الوسطى الذي يسهم في إدامة النزاع، ويؤكد أهمية وضع حدٍّ لهذه الأنشطة غير المشروعة.

 

 

كما نصّ القرار (2127)، في الفقرتين (49) و (50) منه، على أنّ مجلس الأمن يأذن للقوات الفرنسية في جمهورية إفريقيا الوسطى، في حدود قدراتها ومناطق انتشارها، ولفترة مؤقتة، بأن تتخذ التدابير اللازمة لدعم بعثة الدعم الدولية في الاضطلاع بولايتها على النحو المنصوص عليه في القرار"، كما يرحّب المجلس "بالتعزيز المقترح للقوات الفرنسية من أجل تقديم دعم أفضل لبعثة الدعم الدولية، ويشجع مفوضية الاتحاد الإفريقي على العمل من أجل تنسيق عملياتي فعّال بين البعثة والقوات الفرنسية.

 

ووفق قرار الأمم المتحدة تم نشر قوات فرنسية قوامها 1600 جندي وأخرى إفريقية لحفظ السلام تابعة للاتحاد الافريقي وصل عددها إلى أربعة آلاف جندي. إلا أن انتشار هذه القوات لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني في البلاد. على نحو ما سيرد في نقطة تالية.

 

- التدخل الفرنسي : لم يؤد التدخل الفرنسي ومنذ العام 2013 في إفريقيا الوسطى بنشر قوة فرنسية لحفظ السلام إلى تهدئة التوتر هناك. على العكس. كان التدخل أحد أهم أسباب زيادة حدة الصراع الطائفي بين المسلمين والمسيحيين. فبعد حصول فرنسا على الضوء الأخضر من لدن مجلس الأمن الدولي باعتماد هذا الأخير لمشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا، ومفاده اللجوء إلى القوة العسكرية بعد استعصاء التوصل إلى الحلول السياسية بين الأطراف المتنازعة، قامت فرنسا بنشر 1600جندي لتأمين مطار بانغي أثناء ثورة السيليكا عام 2013، وحماية لمصالحها واستثماراتها في إنتاج الماس. وقد شكل ذالك الموقف الفرنسي تغيرا واضحا في إستراتيجية الرئيس فرانسوا هولاند في علاقاتها مع مستعمراتها السابقة، حيث سبق أن أعلن في زيارة له في العاصمة السنغالية "دكار" في شهر أكتوبر عام 2012 أن «مستقبل أفريقيا سيبنى عبر تعزيز قدرة الأفارقة على أن يديروا بأنفسهم الأزمات الأفريقية. لكن تحت وطئة الحماية بمصالحها تغيّر سريعا في موقفها السابق، وتتدخل بغية رعاية نفوذها والحفاظ على دورها التاريخي في هذا البلد رغم الصعوبات المالية التي تواجهها،وقد اتهمت القوات الفرنسية بانحيازها الواضح إلى جانب الأطراف المسيحية.

 

وكان الرئيس هولاند قد أعلن أنّ بلاده تعتزم القيام بتدخل عسكري سريع لحماية المدنيين في جمهورية إفريقيا الوسطى، مؤكداً أنّ دور بلاده في جمهورية إفريقيا الوسطى سيكون مختلفاً عن دورها في مالي، حيث قاتلت الجماعات الإسلامية المسلحة).

 

ومع ذلك، بدأت القوات الفرنسية تبدي تحيزا لجماعة الأنتي بلاكا، وفي9 ديسمبر 2013 أقدمت القوات الفرنسية بالتعاون مع القوات الإفريقية الموجودة في البلاد على نزع السلاح من أكثر من سبعة آلاف من مقاتلي سيليكا، ووضعهم في ثكنات مختلفة بالعاصمة، وهو إجراء أغضب المسلمين، باعتبار أن هذه القوات كانت تمثل لهم شيئًا من الحماية في مواجهة الميليشيات المسيحية التي لم يتم نزع سلاحها؛ لذلك نظّم المسلمون احتجاجات في بعض شوارع العاصمة، منددين بالانحياز الفرنسي لصالح المسيحيين، وأقاموا المتاريس بالإطارات والحجارة، احتجاجًا على انتشار القوات الفرنسية، وقالوا إن هذا الأمر يترك المسلمين عزلاً من دون حماية من ميليشيا أنتي بلاكا وهو ما أجبر الرئيس دوجوتوديا على الاستقالة.

 

وباتت عمليات نزع السلاح، والتسريح، والتجميع، بحسب لغة الأمم المتحدة، مصدراً إضافياً للنزاعات في إفريقيا، خصوصاً أنها مجتمعات منقسمة عرقياً ودينياً، حيث يغدو الأشخاص والأسر والمجموعات التي تمّ نزع سلاحها مهددين بالتعرض لعقوبات من القسم الآخر من السكان الذين لم يُنزع سلاحهم، بعد أن باتوا دون غطاء مسلح يحميهم من الطرف الآخر.

 

وبعد تصاعد أعمال العنف الطائفية، والتي تزايدت بفعل التدخل الفرنسي، وتطييف الصراع السياسي في إفريقيا الوسطى، نزح ما يزيد على ربع سكان البلاد - وفقاً لمنظمة العفو الدولية عن ديارهم، خوفاً من الهجمات الانتقامية التي أودت بحياة المئات من المسلمين المدنيين، كما فرّ عشرات الآلاف من المسلمين النازحين إلى دولتي الكاميرون وتشاد المجاورتين، خوفاً من عمليات القتل على الهوية التي تمارس بحقّهم تحت مرأى ومسمع من قوات الجيش الوطني والقوات الفرنسية والإفريقية المتدخلة.

 

من جانبها أبلغت فاليري أموس المسؤولة عن العمليات الإنسانية بالأمم المتحدة ، المجلس أن جمهورية أفريقيا الوسطى تواجو مخاطر بأن تصبح دولة فاشلة. وقالت إن كل فرد من سكان البلاد البالغ عددهم 3.5 مليون نسمة – بعد فرار أكثر من مليون شخص خارج البلاد - نصفهم من الأطفال تأثر بالأزمة. وأضافت أن نحو نصف مليون شخص في حاجة ماسة للمساعدة، وأن أكثر من تسعمائة وخمس وثلاثين الفاً نزحوا داخل البلاد، بينما فر نحو 51 ألفا إلى دول مجاورة. وتشير تقارير ان 1.1 مليون شخص خارج العاصمة بانغي و إلى أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد أو المتوسط، وأن الوضع الأمني يشهد تدهورا كبيرا وسط أعمال العنف الطائفي ، وأصبح الميدان الرئيس في مدينة بوسانغوا الواقعة شمال البلاد بمثابة خط فاصل بين المسلمين والمسيحيين وترك السكان منازلهم ولجأوا الى مخيمين أقيمت على الجانبين وتدخلت القوات الإفريقية للفصل بين المتنازعين.

 

- التدخل التشادي: للقوات التشادية حضور قوي بداخل إفريقيا الوسطى. ولهذا الحضور تمثلات عدة، منها؛ التدخل العسكري عن طريق الكتيبة التشادية في بعثة الاتحاد الإفريقي. ومنها ممارسة النفوذ السياسي عبر تقديم الدعم والرعاية لأطراف الصراعات السياسية داخل جمهورية آسيا الوسطى. فالرئيس السابق "أنجي فيليكس باتاسيه" أتى إلى السلطة في تسعينات القرن الماضي بدعم من تشاد، كما تولى كل من دجوتوديا وسلفه بوزيزي السلطة بموافقة الرئيس التشادي "إدريس ديبي".

 

وبعد أن دعم بكل الوسائل بما فيها المالية، نظام فرنسوا بوزيزي في أفريقيا الوسطى لسنوات عدة، تخلى “ادريس ديبي” عنه عندما اعتبره عاجزا عن ضمان استقرار الحدود الطويلة المشتركة بين البلدين ودعم الرئيس الجديد في بانجي مطلع 2013.

 

الدافع الرئيس وراء تحول التفضيلات السياسية للنظام التشادي يتمثل في رؤيته للمصالح واعتبارات الأمن القومي التشادي. فهو لا يريد أن تتحول جمهورية إفريقيا الوسطى إلى قاعدة خلفية للجماعات المسلحة النشطة في تشاد. كما أنها تحرص على استخدام مراعي إفريقيا الوسطى لرعاية مواشيها أثناء فصل الصيف. ولأن القوات التشادية كانت أكثر ميلا إلى مسلحي السيليكا، فقد تسبب هذا في بعض الاحتكاكات بين القوات الفرنسية والقوات التشادية. تبعته حملة من الاتهامات الموجهة للقوات التشادية بقتل مدنيين في العاصمة بانجي حتى إبريل 2014، عندما قررت تشاد سحب قواتها ضمن قوات حفظ السلام الإفريقية، من إفريقيا الوسطى، على خلفية هذه الاتهامات.

 

- جمهورية الكونغو(الوسيط السلمي): عمل رئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو كوسيط إقليمي رئيسي في الصراع، ففي يوليو 2014، قام بتسهيل محادثات السلام في برازافيل والتي انتهت بتوقيع "اتفاق وقف الأعمال العدائية" بين ممثلي السيليكا وممثلي أنتي بالاكا، وكذلك بعض السياسيين وممثلي المجتمع المدني. ومع ذلك، انتهكت الجماعات المسلحة الاتفاق على الفور.

 

الحالة الأمنية

تأسس الجيش الوطني بعد الاستقلال عام 1960 وهو جهاز يتسم بالضعف ويعتمد على القوات الدولية ضد الميليشيات في الصراعات المسلحة الأخيرة، كما أنه فقير من جهة قدراته عملياتية. ولا يملك جيش جمهورية إفريقيا الوسطى أية قوات بحرية، وتقتصر المعدات البحرية على طائرات تقليدية للدوريات النهرية، أما على مستوى القوات الجوية فلديه عدد محدود من القوات الجوية والقليل من الطائرات التي تستخدم في عمليات النقل، ويصل عدد القوات المسلحة إلى 2000 فرد وعدد لقوات الجوية 150 فرد والقوات شبه العسكرية 1000فرد.

 

وعلى الرغم من ضعف الؤسسة العسكرية الا أنها لعبت دورا هاما في تاريخ جمهورية أفريقيا الوسطى السياسي، حيث شغل الرئيس السابق الجنرال فرانسوا بوزيزيه منصب رئيس هيئة الاركان الجيش السابق، وتضمنت حكومته العديد من الضباط العسكريين رفيعي المستوى. وقد تقلد ثلاث من رؤساء هيئة أركان الجيش مناصب الرئاسة منذ الاستقلال عام 1960. وتأكيدا على ما سبق سنجد أن القوات العسكرية ساعدت بوزيزيه كي يستولي على السلطة عام 2003، وبدأ بعد ذلك عمليات النهب وترويع وقتل المواطنين العاديين، بالإضافة إلى أن عمليات الإعدام كانت تتم بشكل سريع بموافقة ضمنية من الحكومة. وتدهور الوضع منذ بداية عام 2006 وقيل أن الجيش النظامي والحرس الرئاسي قام بتنفيذ عمليات ابتزاز وتعذيب قتل وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان بشكل منتظم، وليس هناك إمكانية للتحقيق في هذه الحالات من قبل نظام قضائي. وفي نهاية عام 2006، كان هناك ما يقدر بنحو 150.000 نازح داخليا.
 

ومع اندلاع الصراعات المسلحة، قامت الجماعات المسلحة بالاستيلاء على مخازن سلام تابعة للجيش الأمر الذي جعل الأمم المتحدة تفرض حظر تصدير السلاح لأفريقيا الوسطى. وطرحت برنامجا لإصلاح القوات المسلحة، أولوياته؛ دمج العرقيات فيه، كما ينبغي أيضا أن تدمج الجماعة المتمردة الخاصة بوزيزيه (التي تتألف أساسا من أفراد قبيلته البايا). وكذلك أيضا العديد من الجنود ياكوما الذين غادروا البلاد بعد التمرد في الفترة 1996-1997 وعادوا.

 

المليشيات المسلحة غير النظامية

السيليكا: نشأت في الشمال الشرقي من أفريقيا الوسطى وتلقوا تدريبا في دارفور . وبرزت في إفريقيا الوسطى عام 2012 بقيادتها حركة تمرد ضد حكم بوزيزيه. ومن ضمن أسباب ظهورها أيضايأيضاأ؛ تهميش الحكومة للإقليم الشمالي الشرقي وتنامي نفوذ تشاد والسودان، بالإضافة الى عجز الحكومة عن فرض سلطتها على كافة أطراف الدولة خاصة المناطق النائية. والسياسة القمعية للجيش هناك. وبالتالي وجدت السيليكا حواضن آمنية في المناطق شمال شرق البلاد.


وانعكست التطورات الاقليمية أيضا في صورة تزايد في أعداد المتمردين هناك، فقد هرب أثناء الحرب الأهلية الثانية بين الشمال و جنوب السودان العديد من المسلحين من جيش تحرير السودان إلى إفريقيا الوسطى، البعض منهم لا يزالون في مخيمات اللاجئين في مبوكي جنوب شرق البلاد.
وكان من أثر الاضطرابات الإقليمية أيضا تزايد عدد أسواق الأسلحة المتاحة أمام المتمردين بشكل عام وتعد "أم دافوك" التي تقع على الحدود مع دارفور أحد أسواق تزويد المقاتلين في الجماعات بالشمال الشرقي.


وفي عام 2006، برز عمق الاستياء الشعبي عندما قام الحرس الرئاسي بوزيزيه بمهاجمة السكان المدنيين في غولا الأمر الذي أثار سخط السيليكا وبعض قوي السياسية مثل اتحاد القوى الديمقراطية التي تعد واحدة من الدعائم التي قام عليها التحالف السابق للسيليكا، وكذلك دعمهم ميشيل دوجوتوديا من خلال مجموعة العمل الوطنية لتحرير جمهورية أفريقيا الوسطى (GAPLC)؛ بالإضافة الى تدعيم الجبهة الديمقراطية لجمهورية أفريقيا الوسطى (FDC)، بقيادة حسن جوستين، وهوعضو سابق في الحرس الرئاسي لباتاسيه. ويذكر أنه انضم الى السيليكا ضباط ممن ساعدوا بوزيزيه في الاستيلاء على السلطة مثل أبكار سابوني، نور الدين آدم وغيرهم.

 

أنتي بالاكا: ظهرت هذه المجموعات من أتباع الرئيس بوزيزيه منذ سبتمبر/أيلول 2013 في شمال غرب أفريقيا الوسطى ردا على التجاوزات التي ارتكبها مسلحون من صفوف تحالف سيليكا المتمرد، ولرغبتهم في انتقال الحكم إلى رئيس مسيحي. تعرف مليشيا أنتي بالاكا أو مناهضة السواطير بلغة السانغو أيضا بالمليشيات المسيحية للدفاع الذاتي، وهي جماعات مسلحة محلية أنشأها الرئيس المسيحي فرنسوا بوزيزيه، وتضم في صفوفها بعض جنود الجيش الذين خدموا في عهده.

 

وقد مارست بالاكا عمليات قتل وحشية ضد المدنيين المسلمين على الرغم من عجزها عن تحقيق أي نتيجة أمام تحالف سيليكا، وتضمنت جرائم هذه المليشيات بحق المسلمين حرق الجثث وبتر الأعضاء وتدمير المساجد وتهجير أعداد كبيرة من السكان المسلمين.

 

فحسب تصريحات نقلها مصدر صحفي أجنبي عن السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، فقد تعرضت جميع المساجد في جمهورية أفريقيا الوسطى والبالغ عددها 436 مسجدا إلى الدمار الكامل.

 

وحسبما قالت السفيرة الأمريكية والتي زارت إفريقيا الوسطى في مارس 2015 فقد قتلت العصابات الطائفية المسيحية 5 آلاف مسلم (6 آلاف بحسب الأمم المتحدة) منذ انفجار العنف الطائفي ديسمبر 2013، كما تم تهجير وتشريد مليون من 4.5 مليون من سكان البلاد أغلبهم من المسلمين.

 

وقال وفد الأمم المتحدة إن السلطات في جنوب إفريقيا قالت أن 417 من مساجد البلاد تحطمت بالكامل، وتضرر الباقي، وزار الوفد المسجد الوحيد الذي قال إنه باق في حي المسلمين في العاصمة بانجي، ووصف أوضاع السكان هناك بأنهم يشعرون بالذعر الشديد في ظل استمرار أعمال العنف التي لم تتوقف ضدهم.

 

وتوصّلت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن ميليشيات مسيحية في جمهورية أفريقيا الوسطى، نفذت عملية “تطهير عرقي” في حقّ السكان المسلمين أثناء الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، لكنها لم تتوصل إلى دليل على وجود نية “إبادة جماعية”، بحسب تقرير رسمي.

 

وجاء في التقرير النهائي للتحقيق، والذي تسلمه مجلس الأمن الدولي في 19 يناير الماضي، أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قُتلوا، مشيرًا إلى “أن مثل هذه التقديرات تخفق في تصوير الحجم الكامل لعمليات القتل التي وقعت“.

 

تردي الحالة الأمنية على ضوء الصراع الطائفي

من أبرز التحديات الأمنية التي تواجهها إفريقيا الوسطى محاولة احتواء العنف الإجرامي وفرض القانون والنظام في بلد يعج بالميليشيات المسلحة، ويمزقه الصراع الطائفي، في الوقت الذي لا تتمتع فيه قواته الأمنية بالكفاءة اللازمة للتصدي لهذه التحديات؛ وأهمها؛

 

  1. انتشار السرقات وتشريد الأهالى: يوشك أن يوصف وضع العديد من السكان بالمشردين الأمر الذي يشير إلى أوضاع كارثية بسبب اقتصار مواردهم على الحصول على المساعدات الإنسانية. مما زاد من انتشار عمليات السرقة والنهب. وأكد تقرير صادر عن الأمم المتحدة في سبتمبر 2013 أن معدلات الجريمة قد ارتفعت الى 13.6 % لكل 100.000 فرد وذلك حتى عام 2012، وأشارت التقارير الأخيرة الى ان المؤشرات قد تزايدت بعد عام 2013.

  2. صعوبات في عملية نزع السلاح: إن عملية نزع السلاح ليست بالأمر السهل في مناخ وصل فيه العنف إلى ذروته. ناهيك عما ذُكِر بشأن انتقائية تنفيذ القرارات الأممية الخاصة بنزع سلاح الميليشيات المتورطة في العنف هناك. ويُذكِر أن السيليكا كانت قد استولت على كميات كبيرة من مخزون الأسلحة الوطني في أوائل عام 2013 التي كانت سابقا تحت سيطرة الرئيس السابق الرئيس فرانسوا بوزيزيه، كما أنها لا تزال تحتفظ بكميات كبيرة من المخزون في معاقل شمال بانجي والباقي تحت سيطرة متمردين يسيطرون على أجزاء كبيرة من شمال البلاد، بما في ذلك المناطق متجاورة مع تشاد والسودان وقد يعاد نقلها إلى الأنتي بلاكا كمكاسب من الحرب مع السيليكا. بالاضافة الى صعوبة تطبيق المطالبات بنزع السلاح من الأنتي بلاكا وتحويله الى حزب سياسي لسببين أولهما لوجود قناعة لدي الجماعة بعدم قدرة النظام الحاكم على السيطرة على الوضع جماعة السيليكا، والثاني، أزمة الثقة في جماعة السيليكا نواياها للخضوع إلى الحل السلمي.

  3. انتقال السلاح عبر الحدود: قامت الأمم المتحدة بعمل حصر للأسلحة المخزونة لدى الطرفين التي تم إلقاء القبض عليها ما بين ابريل وسبتمبر 2014 لمعرفة إذا كانت من مصادر دون المصادر الحكومية، وتشير المؤشرات إلى أن الأسلحة التي ضبطت مع السيليكا قد تكون بنسبة كبيرة من مخزون الأسلحة الحكومية والسودان، لأن مصدرها الصين وإيران ودول أوروبا وهي ذات المصادر التي تورد للبلدين، فالصين المصدر الرئيسي للأسلحة في أفريقيا الوسطى بينما تعد إيران المصدر الرئيسي لتسليح السودان لذلك من المرجح أن تكون قد انتقلت عبر الحدود، بالإضافة إلى ذلك وجد بعض الأسلحة مصدرها ايطاليا واسبانيا ورجح خبراء الأمم المتحدة أن يكون قد تم نقلها من الكاميرون للأنتي بلاكا لأنهما مصدر تسليح الكاميرون.

  4. مؤشرات على مطالب الانفصال: تسيطر السيليكا على معظم البلدان الشمالية والشرقية ويتمركز في البيراوة ومن المحتمل في حال استمرار الصراع وتصعيده أن تدفع باتجاه الانفصال. هذه المخاوف دفعت الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحذير من أن افريقيا الوسطى مهددة بالتقسيم إلى مناطق للمسلمين وأخرى للمسيحيين. وقال "كل من المسلمين والمسيحيين قتلوا وتم إجبارهم على هجر مساكنهم . وأضاف أن الوحشية الطائفية تغير ديموغرافية الدولة.

 

المؤشرات الاقتصادية دولة إفريقيا الوسطى

تحتل إفريقيا الوسطى وفق التصنيف الذي وضعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية للدول حسب مؤشر التنمية البشرية لعام 2013 المرتبة 180 من بين 187 دولة، فضلاً عن كونها دولة ذات دخل منخفض حيث يبلغ عدد سكانها 4,8 مليون نسمه، كما يبلغ اجمالى الناتج المحلى الإجمالى لعام 2014 وفقاً لتقرير البنك الدولى نحو 1,783 مليار دولار.

ويعيش نحو 62,4% من سكان جمهورية أفريقيا الوسطى بـ 1,250 دولار في اليوم وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 28٪ من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وتصنف على أنها واحدة من البلدان الأقل نماء في العالم، ويقدر نصيب الفرد من الناتج القومي السنوي بنحو 547 دولار عام2014.

 

ويعتمد اقتصاد جمهورية إفريقيا الوسطى على الزراعة كأحد أهم الأنشطة الاقتصادية فى الهيكل الاقتصادى للدولة مثله كمثل باقي الدول الافريقية، ويمثل القطاع الزراعي والغابات العمود الفقرى للاقتصاد في أفريقيا الوسطى ويعمل حوالي 65% من القوة العاملة بهذا النشاط، ورغم هذا لايزرع من أرضها سوى 2% فقط، ومن أهم المنتجات الزراعية : القطن- البن- التبغ- الذرة- الموز- الفول السودانى، كما يستخرج بعض المعادن الاحجار الكريمة منها الماس والقليل من الذهب، وخامات اليورانيوم، ويسهم الماس بنحو 54% م ن إجمالى الناتج المحلى وتسهم الغابات بنحو 16% من عائدات التصدير.

 

وتعد الصناعات الخشبية- المنسوجات- الاحذية- صناعة الزيوت من أهم الصناعات التى يتم انتاجها فى افريقيا الوسطى، كما أنها دولة عضو فى العديد من المنظمات الأفريقية ومنها العضوية فى: منظمة الفرانكفونية- تجمع الساحل والصحراء- الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا- الاتحاد الافريقي- مفوضية حوض بحيرة تشاد، وتعتبر الأنهار أهم سبل المواصلات لاسيما نهر أوبانجي الذي يصلها بالعالم الخارجي عن طريق نهر الكونغو، وتعد أفريقيا الوسطى من أفقر الدول ويعتمد معظم اقتصادها على المعونات.

 

ولا توجد أرقام حقيقية حول الإنتاج من الثروة المعدنية في جمهورية إفريقيا الوسطى، إذ لا يزال قسم كبير من النشاط في مجال التعدين والتنقيب عن النفط خارجًا عن سيطرة الدولة.

ولكن من السهل تقدير ضخامة حجم الثروة المعدنية هناك، واعتماد بلد مثل فرنسا بشكل أساسي عليه للحصول على ما تحتاجه من مواد خام، وذلك من خلال تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي قال في معرض تسويغه لتدخل قوات بلاده في جمهورية مالي العام الماضي -: "لقد كانت المصالح الأساسية بالنسبة لنا ولأوروبا ولإفريقيا على المحكّ، لذلك كان علينا التحرك بسرعة."

 

بالنسبة لخام اليورانيوم؛ تعتمد فرنسا في تلبية نحو 75 % من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، وتمتلك إفريقيا الوسطى خامات واعدة من اليورانيوم الخام، خصوصاً في إقليم (باكوما Bakouma) جنوب شرقي البلاد، وتعدّ خامات اليورانيوم في (باكوما) فريدة من

نوعها، من حيث محتواها العالي من اليورانيوم، والتي تعدّ أعلى المعدلات جودة في مناجم إفريقيا جنوب الصحراء، حيث أظهرت الدراسات العلمية أنّ ثمة 41 مليون باوند من خام "اليورانيوم 308" يوجد في مناجم وإذا كانت مصادر خام اليورانيوم الأولية التي تعتمد عليها فرنسا، بشكل متزايد، في إنتاج احتياجاتها من الطاقة الكهربائية تتركز بالأساس في جنوبي الجزائر وشمالي تشاد والنيجر، فيبدو أنّ تلك المصادر باتت مهددة بفعل ما يسمّى (الحرب على الإرهاب)، خصوصاً أنّ تلك المناطق باتت بؤرة عمليات لوجستية من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين لاستهداف الجماعات الإسلامية المسلحة والمرتبطة بتنظيم القاعدة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، ومن ثمّ فقد باتت الحاجة ملحّة بشكل أكبر لإيجاد بديل آمن لخام اليورانيوم، بعيداً عن تلك المناطق المضطربة، ومن هنا تأتي أهمية مناجم اليورانيوم بإفريقيا الوسطى في هذا السياق.

 

ولقد قامت شركة أريفا Areva الفرنسية، كبرى الشركات العاملة في مجال الطاقة، باستثمار نحو 200 مليون دولار أمريكي في مشروع (باكوما) لاستخراج اليورانيوم في إفريقيا الوسطى، منذ العام 2010 م، بهدف إنتاج نحو 1200 طن/سنة، باعتبارها نقطة بداية، على أ

يبدأ التشغيل الكامل للمشروع بكامل إنتاجيته المستهدفة بحلول العام 2015 .

 

ولكن نظراً لانخفاض أسعار اليورانيوم، والظروف الأمنية الصعبة، فإنّ شركة أريفا، وفقاً لموقعها الإلكتروني على الإنترنت، قد أوقفت أنشطتها الاستكشافية والتعدينية في إفريقيا الوسطى منذ العام 2012 م، ومن ثمّ فإنّ التدخل الفرنسي كان يهدف في بعض أبعاده إلى خلق واقع أمني جديد، أكثر مناسبة وملائمة، يمكن من خلاله لشركة أريفا، والشركات الفرنسية الأخرى العاملة في مجالات الطاقة والتعدين والتنقيب بشكل عام، استئناف مشروعاتهم الطموحة في مناجم إفريقيا الوسطى البكر.

 

أما الذهب والألماس؛ فقد بدأ اكتشافهما في إفريقيا الوسطى مع بدايات القرن العشرين، إبّان حقبة الاستعمار الفرنسي للبلاد، ثم لم يلبث الألماس أن أصبح ثاني صادرات الإقليم بعد القطن، حيث سيطرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على امتيازات الاستخراج والتصدير

بشكل كامل، وقد شهدت شركات التعدين الدولية أوجها في خمسينيات القرن الماضي.

 

ومع حصول إفريقيا الوسطى على استقلالها عام 1960 م؛ استمر النفوذ الفرنسي مهيمناً على قطاع التعدين في البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بالذهب والألماس، حتى حينما بدأت بعض الحكومات الوطنية الخروج عن هيمنة المستعمر السابق على ذلك القطاع المهمّ وتطالب بحصة من الإنتاج؛ فإنها كانت تفعل ذلك بدافع من الفساد والاستحواذ على مقدّرات البلاد، وليس لمصلحة الدولة والشعب، وقد حدث ذلك خلال حقبة (بوكاسا)، كما حدث أيضاً في عهد (باتاسيه) الذي أسّس شركات تعمل في مجال التعدين، وكلّف وسطاء لجمع الألماس لحسابه، كما منح امتيازات لشركات أجنبية خارج إطار القانون، وعبر ممارسات تعفي هذه الشركات من أية التزامات قانونية تجاه الدولة.

 

وتبدو الأرقام الرسمية حول إنتاج إفريقيا الوسطى وصادراتها من الألماس والذهب مضلّلة بشكل كبير، ولا تعبّر عن حجم الثروات الحقيقية التي تمتلكها تلك الدولة، إذ تؤكد بعض التقديرات أنّ نحو 30 % من إنتاج البلاد من خام الألماس إنما يخرج منها بطرق سرية غير مشروعة.

 

كما تكثر عمليات الفساد والجريمة المنظمة في هذا القطاع، خصوصاً مع الشحنات الأصغر حجماً، والتي يشكّل إجماليها مبالغ مالية ضخمة تضيع على الشعب الأفروسطي الذي يحلّ ضيفاً دائماً على قائمة الشعوب الأكثر فقراً في العالم على الرغم من ثروات بلاده الطائلة، وكذلك الحال بالنسبة لخامات الذهب، حيث تقدّر بعض الدراسات حجم الصادرات غير القانونية من خامات الذهب في إفريقيا الوسطى بنحو 95 % من إجمالي الإنتاج المحلي، والذي يبلغ، وفقاً

لتلك التقديرات ما يزيد عن طنين سنوياً.

 

تداعيات الأزمة على الاقتصاد

تمر دولة إفريقيا الوسطى بأزمة اقتصادية نتيجة التقلبات السياسية التى بدأت تعصف بمفاصل الدولة قبل استيلاء تحالف سيليكا على السلطة في 2013.

 

ويلاجظ حدوث انخفاض كبير في حجم الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا الوسطى. ففي التسعينات كان يعمل هناك أكثر من 250 شركة ولكن مع بداية عام 2013 واستيلاء تحالف سيليكا على السلطة تقلص عدد الشركات العاملة الى نحو 25 شركة أغلبها فى مجال التعدين. وانسحب الكثير من المستثمرين الأمر الذى أدى الى التقلص التدريجي للنشاط الإنتاجي وغياب الاستثمارات وسيادة الاقتصاد غير الرسمي، ونتج عن ذلك هبوط المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات أدنى من المعدل في إفريقيا. ولا يخفف من وطأة هذه الأزمة الاقتصادية العميقة إلا الاعتماد الكبير على المعونات الأجنبية.

 

وحدث تذبذب فى الأداء المالي لافريقيا الوسطى حيث ارتفعت بفضل الدعم الخارجي مما أدى الى انتعاش الإيرادات الحكومية بشكل كبير وبلغت الايرادات الحكومية نحو 154 مليار فرنك أفريقي في 2014 (18.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي) فى مقابل 63 مليار فرنك افريقى في عام 2013 (بنحو 8.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي)، ويتم دعم الميزانية من المؤسسات المتعددة الأطراف (مصرف التنمية الأفريقي، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي) والشركاء الثنائيين (الكونغو وأنغولا).

 

وفي اطار تداعيات الأزمة تزايدت معدلات التضخم منذ عام 2011 إلى عام 2014 من 1.2% إلى 14% كما هو موضح بالجدول أعلاه، كما أن القيمة المضافة في القطاع الصناعي في حالة انخفاض من 13.8% عام 2011 إلى 11.4 % عام2013 .