المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

إسرائيل ومعضلة اتفاق يعترف بـ"إيران شبه نووية"

الأربعاء , 21 يونيو 2017 - 10:39 مساءٍ

نتنياهو
نتنياهو

من تتبع التغطية الكثيفة في وسائل الإعلام الإسرائيلية (طوال ليلة الخميس الماضي) لاتفاق لوزان بين إيران والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، يدرك الأهمية الكبرى التي توليها "تل أبيب" لذلك الاتفاق. ويتأكد في ذات الوقت أن الزمن المتبقي حتى نهاية يونيو القادم (الموعد المحدد لتوقيع الاتفاق النهائي) ستحتدم فيه المعارك حول الاتفاق النهائي، خاصة وأن إسرائيل (ومعها معارضي الاتفاق) لم تلق أسلحتها بعد. وفشل تل أبيب في قطع الطريق على "اتفاق الإطار"، سيشحذ همة حكومة نتنياهو من أجل الظفر بمعركة الاتفاق النهائي، طبعا دون أن ينفى كل ذلك، أن قطار الاتفاق النهائي قد غادر بالفعل محطة لوزان، وهيهات أن يتوقف بعد أن باتت الدول الست الكبرى، ملزمة بالدفاع عن توقيعها واحترام تعهداتها.

المقصد، أن المعركة ستكون ضارية بلا شك، وشياطين الأرض تقبع في التفاصيل، ولكن ضغوط المصالح وقوة الإرادة السياسية التي تكشف عنها كلا من: أوباما، وروحاني، تدفع للاعتقاد شبه المؤكد بأننا بانتظار توقيع نهائى.

*أولا: نجاحات وإخفاقات اسرائيل

فيما يبدو، أن وقع أتفاق لوزان وتأثيره على إسرائيل، أعطى دفعة لكى يتجه التفكير أولا ناحية مراجعة التجربة الاسرائيلية ذاتها فى التعاطى مع البرنامج النووى الايرانى طيلة الخمسة عشر عاما الماضية... استحضار نجاحاتها، والإحاطة بإخفاقاتها، للاستفادة منها فى المرحلة القادمة، حتى موعد الاتفاق النهائى، وما بعدها أيضا.

أبرز من تصدى لهذه المهمة فى إسرائيل، هو" جيورا آيلاند" المستشار الأسبق للأمن القومى، حيث سجل فى يديعوت أحرونوت، أن إسرائيل طيلة الـــ 15 سنة الأخيرة نجحت في أمور أربعة:

1- خلق وعي دولي بالخطر النووي الايراني.

2- الدفع باتجاه قرارات، وفق صيغ محددة في موضوع العقوبات على طهران.

3- توفير معلومات استخباراتية حيوية لإسرائيل، وللدول الصديقة لها.

4- تشويش تقدم المشروع الإيرانى بطرق سرية.


 

وإلى جانب هذه النجاحات، فشلت اسرائيل في عملين أساسين:

1- محاولة تعزيز العلاقة بين واشنطن وموسكو في الموضوع الايراني.

2- أن تصلب إسرائيل وتشددها، وبقائها عالقة مع مطالب غير معقولة، تسببت للعالم – بما فيه الولايات المتحدة - بالكف عن الاستماع لها.
وفى هذا السياق، معلوم أن تحقيق الشراكة الكاملة مع روسيا والصين، والهند، كانت شرطا ضروريا لعزلة ناجعة لإيران. ومن أجل أن يحصل هذا، كان يجب أن تتحقق موافقة روسية.

 

حدث بالفعل، أن توجهت موسكو لتل أبيب، وطلبت منها أن تؤثر على واشنطن لإجراء حوار واسع مع روسيا، في اطاره يوافق الكرملين على تشديد الضغط على ايران، اذا كان هناك اعتراف أميركي بأن الاقتراح الروسي لاستيعاب اليورانيوم الايراني المخصب هو المفتاح للحل.

 

وكان هذا الاقتراح الروسى يخدم " المصلحة الروسية والمصلحة الاسرائيلية". ولكن رفضت حكومات اسرائيل مساعدة الروس كي يساعدوها، وكانت النتيجة أن قلبت موسكو ظهر المجن للغرب، وهكذا باتت العزلة والضغط على ايران جزئية فقط.


الخطأ الثاني يتعلق بالجمود في الموقف الاسرائيلي. صحيح أنه حتى قبل بضع سنوات كانت الأسرة الدولية، مثل إسرائيل، ترى أنه محظور السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم، غير أنه جرى بعد ذلك تقديم التنازل الدولي في هذا الموضوع قبل سنين، وأصبح لا مرد له. في وضع كهذا، كان ينبغي لإسرائيل – بحسب جيورا آيلاند- أن تتمترس خلف خط دفاع أبعد، وبموجبه حتى لو كان مسموحا لإيران أن تخصب اليورانيوم، فمن واجبها أن تنقل المادة الى دولة ثالثة، بحيث يعاد اليها فقط في شكل "قضبان وقود" – مادة خام لإنتاج الكهرباء، ومن ثم لا يمكنها مواصلة تخصيبه الى مستوى قنبلة.

 

قبل سنة اعتقد الأميركيون أن هذا ما ينبغي المطالبة به، ولكن اسرائيل فضلت الإصرار على الطلب العبثي "صفر تخصيب" – والنتيجة هي أن خرجت إسرائيل من دائرة التفاعل الحقيقي التى تستهدف إيجاد تسوية واقعية.

 

ثانيا: القراءة الإسرائيلية لوثيقة لوزان

الآن، وبشكل عام تأخذ إسرائيل على الاتفاق أنه لم يزل المخاطر المؤجلة. حيث ترى أن الاتفاق سيحرم إيران من بناء قنبلتها النووية، لكنه لا يمنعها أن تبقى "مؤهلة" للتسلّح النووي مستقبلا.. الاتفاق يسمح لها بالتخصيب والاحتفاظ بكل سلسلة الإنتاج النووي... وعليه، ستبقى لديها المعرفة وأدوات التخصيب (وإن كانت ستوضع تحت الرقابة حتى لا تنتج سلاحا نوويا) ومن ثم ستظل قادرة على امتلاك التقنيات والخبرات التي تؤهلها لصناعة نووية عسكرية فى المستقبل.

 

والمعنى الكامن وراء ذلك، أن إسرائيل ستجنى المكاسب الآنية للاتفاق، لكنها تجد نفسها مطالبة بالتحرك منذ الآن لاحتواء ما تعتبره تبعات سلبية له.

 

- مكاسب آنية:

من دون شك أن إسرائيل، فى هذه الآونة، تستعد لكسب مزايا محددة من اتفاق يجمد إيران عند "عتبة النووي". وهذا معناه أن التهديد الفورى باعتداء نووي( مفترض) ضد إسرائيل، تراجع أو تلاشى بالمطلق. ومن ثم ستقل حاجة إسرائيل إلى تعزيز مستوى عال من الجاهزية العملياتية لإجهاض أي قدرات نووية إيرانية، فى الوقت الراهن.

- مخاطر فى المستقبل:

لكن من منظور استراتيجي، تتحسب إسرائيل للتداعيات بعيدة المدى لاتفاق مع القوى الكبري، يشكل اعترافا دوليا بحق إيران في أن تصبح "دولة على أعتاب النووي" أو "شبه نووية"، حيث سيشكل ذلك، بالإضافة إلى منحها حرية الوصول إلى تكنولوجيتها النووية والاحتفاظ بها، رفعا للعقوبات واعترافا دوليا بوضعها الخاص في الشرق الأوسط. وفى هذا السياق يمكننا أن نستعرض عدد من النقاط الهامة التى تتحسب لها إسرائيل، بعد توقيع الاتفاق مع إيران:

 

* في ظل رعاية الاتفاق، ستبني إيران بنية تحتية ووفرة ( بعد رفع العقوبات) قد تجعلها أقرب فأقرب إلى الحافة أو العتبة – بمعنى القدرة على الانطلاق نحو قنبلة في أقصر وقت ممكن. فالسيطرة على معظم عناصر دورة الوقود النووي، امتلاك بنية تحتية علمية – تكنولوجية متقدمة، مخزون من مواد التخصيب، والقدرة على تثبيت رأس حربي نووي على منصة أسلحة مناسبة، هي الشروط الضرورية لهذا الوضع.

 

* ترى إسرائيل أن الاتفاق يحتوى على عدد من الثغرات، على سبيل المثال، هناك بند يقيد استخدام أجهزة الطرد المركزي الجديدة في العشر سنوات القادمة، ولكن لا شيء يُذكر عن تقييد التطوير والانتاج لاجهزة طرد مركزية محسنة أكثر بكثير، ويمكن استخدامها بشكل فورى، في اليوم الذى تقرر فيه طهران ذلك. كما ليس واضحا ماذا سيكون عليه جهاز الرقابة الوثيق من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي قال عنه اوباما بأنه "غير مسبوق".

 

* تتشكك إسرائيل فى إمكانية أن يعيد مجلس الامن العقوبات تلقائيا، اذا ما خرقت ايران الاتفاق فى المستقبل. وتعتقد أنه وبمجرد أن تعود إيران إلى أسرة المجتمع الدولى، سيكون من الصعوبة بمكان تجنيد العالم مرة اخرى لفرض العقوبات.

 

* وضع "الدولة شبه النووية"، معناه أن طهران طورت، مستندة إلى اتفاق مع المجتمع الدولي، درجة ما من الحصانة ضد أي هجوم عسكري على منشآتها النووية، وسيصبح الضغط عليها أصعب فيما يخص تدخلها السلبي في شؤون إقليمية. وفوق كل ذلك، الأرجح أن المجتمع الدولي سيخشى من أن سياسة تحد النظام الإيراني في مواجهة سلوكه السلبي في الشرق الأوسط، وداخل إيران، سينتج عنه انتهاك "آيات الله" للاتفاق النووي وعبور عتبة النووي بالفعل، وليس الوقوف عندها. وفى السياق ذاته، وبسبب ختم الموافقة الذي يمنحه الاتفاق، ستجد إسرائيل من الصعب أن تبرر اعتداء على البنية التحتية النووية لإيران، من دون أن تدان بخرق وتقويض اتفاقات دولية.

 

* الاتفاق لم يستجب للمطلب الاسرائيلي، عبر الولايات المتحدة، بضرورة ان تعترف إيران بإسرائيل كشرط لإبرام هذا الاتفاق، هذا المطلب الذي اعتبرته الدول التي فاوضت إيران، دليلاً على أن اسرائيل لا تسعى إلى أي اتفاق على الإطلاق وأنها فقط تريد تعطيل التوصل اليه.

 

لكن بالمقابل، اعتراف العالم، وتحديدا في الشرق الأوسط، بوضع إيران كدولة على أعتاب النووي، سيساعدها على توسيع وتعزيز نفوذها في الإقليم، على النحو الذى يمكنها من تقديم "مظلة حماية" لحلفاءها ووكلاءها من الفواعل ما دون الدولة في الإقليم، ويخولها "سلطة ابتزاز" أطراف ثالثة. وفى السياق ذاته، سيمكنها الاتفاق من الاستمرار في التدخل في ساحات عديدة وتجنيد منظمات داخل المحور الشيعي الراديكالي الذي تقوده إيران. وبالتداعي المنطقي، سيعزز هذا الوضع الإقليمي لطهران، وقدرتها على إحباط عمليات لا تخدم أهدافها.

 

* صورة الردع الإيراني بعد الاتفاق، أصبحت قابلة للتعزيز، بسبب بقاء قدراتها ونواياها محلا لشك دائم. وهذه الحالة ربما ستشجع بلدان أخرى فى المنطقة( السعودية – الإمارات – مصر) على تبني النموذج نفسه، بتطوير برنامج نووي، وهي النية التي أعلن عنها البعض بالفعل.

 

ثالثا: تدابير إسرائيلية فى المستقبل

فى الوقت الراهن، ليس من الواضح بعد( بالنسبة لنا على الأقل) إذا كانت إسرائيل قد حصلت بالفعل على ملخصات كاملة ودقيقة عن صورة التحقيق والإشراف الدولى المفترض بموجب الاتفاق، أم لا ؟ . كذلك لا نعلم، على وجه الدقة، درجة قناعة إسرائيل بآليات المراقبة والتفتيش الدورى، وهل يمكن تعزيزها بأدوات استخباراتية إضافية أم لا ؟!.


لكن كل هذا لا يحول دون إمكانية حصر ما يمكن أن يدخل فى دائرة الفعل الإسرائيلية، أو الإشارة إلى التدابير التى من المتوقع أن تقدم عليها إسرائيل فى الفترة القادمة، وذلك على النحو التالى:


* من الآن فصاعدا، من المؤكد أن إسرائيل معنية بتصعيد مراقبتها الاستخباراتية، بهدف الحصول على حقائق لا لبس فيها حول خرق الاتفاق بواسطة إيران، ولتطوير آليات لتحذر من أي تغيير حقيقي تمارسه إيران، ومنه الانطلاق إلى تطوير بنية تحتية نووية عسكرية، أو نقل تكنولوجيا نووية أو مواد إلى طرف ثالث.

* أغلب الظن أن إسرائيل ستبحث فى القادم من الأيام إمكانية صياغة اتفاق استراتيجى مع الولايات المتحدة، يشمل خطة مشتركة تتضمن استجابة عملياتية في حالة انتهاك إيران للاتفاق.

 

* خلال القادم من الأيام، ربما تسعى إسرائيل للتأكد من استمرار وجود درع دفاعي( أمني وسياسي) بضمانات أمريكية، يحول دون الضغط على تل أبيب، فيما يخص الإشراف على مواقعها.

* إسرائيل ستكون معنية فى الفترة القادمة، بأن تصل إلى درجة "الكمال" في القدرة على الجمع والتحليل الاستخباراتي، بهدف رصد محاولات بلدان أخرى فى الإقليم لخلق توازن نووي مع إيران.

 

* إسرائيل قد تسعى لانتهاز الفرصة الراهنة، فى التوصل إلى تفاهمات مع عدد من دول المنطقة، حول ما ينبغي عمله في حالة ما إذا انتهزت إيران فرصة الوضع الجديد، الممنوح لها بواسطة الاتفاق مع القوى الكبرى، كي توسع من تأثيرها السلبي في ساحات عديدة في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، ستحاول إسرائيل التوصل إلى اتفاق تنسيق استخباراتي وعملياتي فيما يخص كيفية التعامل مع وكلاء إيران وكثافتهم العملياتية المرتفعة.


تبقى الإشارة إلى أن إسرائيل فى الوقت الراهن، الأرجح، أنها ستسعى للاستفادة من أخطاء الماضى، وستتجنبها بكل ما فى وسعها. ففى السابق لم تلتفت " تل أبيب" إلى التأثير الذى يحدثه التوتر السياسى مع إدارة أوباما، على مستوى التنسيق المهنى بين المستويين الفنى والأمنى فى كلا البلدين. بل كانت تعتقد أن التعاون المهنى بين المسئوولين فى البلدين سيبقى مفتوحا وحقيقيا، دون صلة بالتوتر على المستوى السياسى. ثم تبين لها بعد ذلك أن اللحظة التي كان يتلقى فيها المستوى المهني الاسرائيلي التعليمات للإصرار على مواقف غير واقعية، هى ذاتها التى يدير فيها الفنيون الأمريكيون ظهورهم لنظرائهم الإسرائيليين.

 

ثمة من يعتقد بأن نتنياهو سيلجأ، خلال الفترة القادمة، إلى التصعيد الإعلامى ضد أوباما، ليحصل على ما يريد. لكن ثمة وجاهة فى الاعتقاد بالمقابل بأن الاسرائيليبن استوعبوا الدرس، وبدلا من الاستمرار فى مهاجمة إدارة أوباما ووصمها بالضعف أو التردد، سيجرى تكثيف التعاون بهدووء من أجل الوصول إلى توافق مع "البيض الأبيض" على خطوط الحد الادنى التي يمكن التعايش معها.