المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

كامب ديفيد.. بددت شكوك الخليج أم كرستها!

الخميس , 22 يونيو 2017 - 11:37 مساءٍ

الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع اعضاء مجلس التعاون
الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع اعضاء مجلس التعاون

عاد القادة العرب الذين ذهبوا إلى كامب ديفيد بحثا عن اتفاق أمني مكتوب مع الولايات المتحدة، إلى بلدانهم من دون الحصول على ما يريدون. الرئيس باراك أوباما الذي دعا حلفاءه في الخليج إلى المنتجع الرئاسي أملا في الحصول على المزيد من الدعم لانفتاحه على إيران، لم يحقق سوى تقدما محدودا. ومع ذلك، يبدو أن أوباما والقادة العرب الست قد نجحوا، على الأقل، في ألا يجعلوا علاقتهم تسوء أكثر. وبالتالى يمكن أن نصف محصلة القمة بـــــــ " استمرار الوضع القائم ولا مزيد".

 

لا تغيير فى نهج أوباما

فبخلاف "الرطانة" الإنشائية التي تطرب المستمعين، لم يتكشف سيل التصريحات الأمريكية المرحبة بقادة الخليج والمثمنة للعلاقات الممتدة منذ روزفلت، عن أية فكرة جدية، تطفئ الظمأ الخليجي للأمان والاطمئنان ... كل ما صدر لا يزيد عن "خطاب النوايا الحسنة" و"الرغبة الأكيدة" في توسيع تجارة السلاح، غير "الكاسر للتوازن" مع إسرائيل بالطبع... بخلاف ذلك، لم نقرأ أية فكرة أو مبادرة نوعية محددة، من شأنها أن تحدث فرقاً أو تفضي إلى تغيير في المقاربات الأمريكية حيال المنطقة.

 

لقد حضر حاكمان فقط من بين الست الذين تمت دعوتهم، وقد أشار بعض المحللين إلى أن جزءا من أسباب بقاء الملك سلمان بعيدا أنه لم يكن يتوقع أية اتفاقات تمثل اختراقات على الأرض من القمة. فى ذات السياق فسّر تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" غياب الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، عن قمة كامب ديفيد، بأنّ ذلك بمثابة رسالة واضحة بعدم شعور السعودية بالرضا والارتياح في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. والحاصل أنّ الإعلان عن حضور وليّ العهد الأمير محمد بن نايف، بديلاً من الملك، جاء بعد ساعات من إعلان البيت الأبيض عن حضور الملك بنفسه، ومن ثم فالأمر هنا ربما يتخطى فكرة " عدم الإرتياح" إلى حيث التوبيخ لأوباما !!.

 

و السبب وراء الحرص على تقديم هذه الرسالة عشية القمّة، أنّ هناك فجوة في التفاهم بين الطرفين "السعودي – الأميركي" على ما هو المطلوب فى هذه المرحلة!! ففي حين يركّز الأميركيون على موضوعات تتعلق بالدرع الصاروخية، وتقديم ضمانات التزامهم بشأن أمن الخليج وبيع الأسلحة، فإنّ المخاوف الحقيقية لدى دول الخليج تتجاوز ذلك إلى التساؤل عن تداعيات الصفقة الأميركية-الإيرانية إقليمياً؛ أي ما يتعلّق بموقف واشنطن من النفوذ الإيراني والتمدد الحالي في المنطقة العربية.


بالطبع، مثل هذه المطالب تستدعي تراجعاً أميركياً عن الخط الراهن لإدارة أوباما، التى لا تدفع فقط نحو توقيع اتفاق نووي مع إيران، بل إلى مسايرتها وتجنب إزعاجها، وعدم الاصطدام بجهودها لمد نفوذها الإقليمي... فهو أشبه بمقايضة القنبلة النووية بالدور الإقليمي. وهذا تحديداً ما يزعج السعوديين والخليجيين، وهو ما يبدو أنّ أوباما ليس مستعداً للتنازل عنه، ولا استرضاء الخليجيين فيه.


وهنا تكمن المعضلة!!.. لأن ما يطلبه الخليجيون هو ما تعجز الولايات المتحدة عن تقديمه، أو "لا ترغب في تقديمه". وبالرغم من أنّ ذلك لا يعني على الإطلاق " إعلان الطلاق الخليجي-الأميركي"، بل ربما يخفف قليلاً من حدّة الأزمة المتنامية بين الطرفين، إلاّ أنّه يؤكّد، على الأقل، الشكوك العميقة التي بدأت تنخر في هذا التحالف التاريخي، ويثير تساؤلات حول مستقبله وجدواه. بل يتجاوز الخبير الأميركي في الشأن الإيراني، كريم ساجدابور، مرحلة التساؤلات والشكوك، إلى الإفصاح عن "إدراك جديد" ينمو في البيت الأبيض، فحواه "أنّ الولايات المتحدة والسعودية هما أصدقاء، لكنهما ليسا حلفاء، بينما الولايات المتحدة وإيران حلفاء لكنهما ليسا أصدقاء"!.

 

بيان لا يخفى الخلافات

 

لقد صدر عن القمة بيانا مطولا أعلنت فيه الأطراف المشاركة أنها ستمضي لتنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة والتنسيق بشكل أكبر في موضوعات مكافحة الإرهاب ، والأمن .. كالأمن البحري، والدفاع صاروخي. وروجت كذلك لخطط نقل سريع للأسلحة إلى دول الخليج العربي، وشددت على وحدتها في القتال ضد جماعة داعش المسلحة. بل لقد جا في البيان: "إن سياسة الولايات المتحدة تتمثل في استخدام جميع عناصر القوة لتأمين مصالحنا في منطقة الخليج، وردع ومواجهة العدوان الخارجي ضد حلفاءنا وشركاءنا، كما فعلنا في حرب الخليج، هو أمر لا لبس فيه." وأضاف أوباما في المؤتمر الصحفي: "إنني أعيد التأكيد على التزامنا الصارم بأمن شركاءنا في الخليج".

 

ولكن بالرغم من كل ذلك كان من الواضح أن خلافات جوهرية لا تزال قائمة.

لقد أراد بعض القادة العرب أن يروا معاهدة أمنية مكتوبة مع الولايات المتحدة، معاهدة تجبر واشنطن على الدفاع عنهم في حال الاعتداء عليهم. إلا أن مسؤولين أمريكيين استنكروا هذه الفكرة. قال نائب مستشار الأمن القومي بن رودس أن الولايات المتحدة منفتحة فقط على فكرة إعلان دول مجلس التعاون الخليجي، "حلفاء رئيسيون ليسوا من الناتو"، وهى تسمية تمنح الولايات المتحدة مجالا أكبر لتقديم دعم عسكري ومساعدات أخرى ولكنها لا تعني حلفا دفاعيا متبادلا.

 

ولهذا قال خبير أمريكى فى معرض تعليقه على ذلك: " إذا انخرطت دول الخليج في ممارسات إقليمية أكثر من دون انخراط الولايات المتحدة، أو إذا ما سعت لعقد المزيد من صفقات السلاح مع دول أوروبية، فإن هذا سيكون علامة على أن كامب ديفيد لم تطمأنهم".

 

فى السياق ذاته، جاء فى البيان المشترك أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يؤيدون بقوة جهود التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكن مع ذلك فقد حذر وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، في ظهور إعلامي منفصل في كامب ديفيد، من أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الاتفاق سيكون مرضيا.

 

أما أوباما فعندما سؤل ما إذا كانت الولايات المتحدة قد دفعت الدول العربية كي لا يعارضوا الاتفاق علنا، أخبر أوباما الصحفيين: "ليس لدينا وثيقة لنقدمها لهم كي يوقعوا أسفلها بإشارة الموافقة على سؤال، "هل ستوافق على اتفاق الإطار النووي هذا، لأن الاتفاق لم يكتمل".

 

ومضى ليجادل في أن نشاطات إيران خارج حدودها( يقصد تدخل إيران في الساحات العربية) إلى حد كبير ذات كلفة منخفضة وغير متطورة تكنولوجيا نسبيا، الأمر الذي يعني أنه حتى مع استمرار العقوبات، فإنها ربما ستبقي عليها ولن تتراجع عنها.

 

محصلة تتفق والمقدمات

إذن ما يمكن استخلاصه هنا: أن نتائج القمة لم تخرج عن التوقعات التى سبقتها... فمنذ البداية رسمت واشنطن سقفاً منخفضا للنتائج المتوقعة لقمة كامب ديفيد الأمريكية – الخليجية: الرئيس أوباماً يقلل من شأن التهديدات الإيرانية لأمن الخليج، ويُقّدم عليها التهديد الإرهابي ... يتحدث عن تهديدات الداخل الخليجي الأكثر خطورة من تهديدات الخارج ... أى أنه ينصح بالديموقراطية والإصلاح السياسي. مستشاروه أوضحوا بصورة لا لبس فيها أن "لا معاهدة دفاعية" ولا " اتفاقات أمنية مكتوبة"، أما عن الأسلحة والتسلح فالمسألة برمتها محكومة بسقف الالتزام الأمريكي بتفوق إسرائيل النوعي والاستراتيجي في المنطقة.

 

واشنطن ماضية في مفاوضاتها مع إيران وصولاً للاتفاق النووي، شاء حلفاء واشنطن أم أبو ... والاتفاق يستوجب إنهاء الحصار والعقوبات، بصرف عن النظر عن تفاصيل هذه العملية، وكل ما يرد واشنطن من اقتراحات وتساؤلات خليجية من نوع: ماذا ستفعل إيران بالمائة وعشرين مليار دولار المفرج عنها، تثير السخرية في واشنطن، ولا تعامل بجدية على الإطلاق.

 

خلاصة القول: من الواضح، إذن، أنّ القمة لم تزيل "الشكوك" التي كان يعتبرها البعض سابقاً أوهاماً، بل يبدو أنها كرّستها بوصفها وقائع حقيقية، على الجميع الاعتراف بها، وفي مقدمتها أنّ هناك متغيرات كبيرة ومياها كثيرة جرت تحت أقدام علاقة الإدارات الأميركية بالسعودية، منذ 11 سبتمبر 2001، وصولاً إلى سياسة أوباما الخارجية بالتقاطع مع الاضطراب الكبير في المنطقة.


ومن الآن فصاعداً، ستنشط القناة الثنائية الأمريكية – الإيرانية لمعالجة أزمات الإقليم وحرائقه المشتعلة ... واشنطن لم تنتظر حتى الثلاثين من يونيو القادم( موعد توقيع الاتفاق النهائى) لفعل ذلك، بل بادرت للاتصال والتنسيق مع طهران في أزمة اليمن كما بات معروفاً للجميع ... وليس مستبعداً بعد الصيف القادم، وفي حال سارت أمور "النووي" على ما يرام، أن تسعى واشنطن في لعب دور "الوسيط النزيه" بين حلفائها القدامى وصديقتها الجديدة !! .


 

والأخطر والأهم، أن الشكوك لم تطاول فقط علاقة السعودية بالولايات المتحدة الأميركية، وتدفع الطرفين إلى الاعتراف بالفجوة الفاصلة بينهما، بل ستضرب أيضاً العلاقات داخل البيت الخليجى ذاته... فتغريدات ضاحي خلفان الأخيرة عن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، تكشف عن الموقف الإماراتي الحقيقي من الحرب الراهنة على اليمن، حتى مع استدراك وزير الخارجية عبدالله بن زايد عليه، وفقاً لرأي سياسيين ومثقفين سعوديين.


والحال كذلك تنطبق على الموقف العُماني، والعلاقات السعودية مع اصدقائها من العرب... في حين تتحسّن بدرجة كبيرة علاقة الرياض مع تركيا وقطر، بعد التحول الواضح في الأجندة الخارجية السعودية.


ثمّة إعادة ترسيم للتحالفات والعلاقات والأولويات تجري على الأرض، مع التطورات الميدانية، بالرغم من عدم الإعلان الصريح الواضح عنها من قبل الأطراف المعنية والقوى الدولية والإقليمية.