المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"فوزا بطعم الهزيمة".. الانتخابات التركية.. نهاية الأردوغانية وتراجع الدور الإقليمى

الأحد , 02 يوليو 2017 - 11:59 صباحاً

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

جاءت خيارات الناخبين الأتراك فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مخالفة لطموحات " أردوغان". لقد منحوا حزبه( أى العدالة والتنمية) فرصة البقاء في الحكم، وفي الوقت ذاته قطعوا الطريق على مشروعه الشخصى، حيث تعتبر نتائج الانتخابات استفتاءًا غير مباشر على مطلب رجب طيب أردوغان بتغيير النظام السياسي في تركيا من برلماني إلى رئاسي، والنتائج تقول بشكل جلي إن الناخب التركي يضع في أولوياته: السياسات التنموية والاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والحقوق والحريات، وليس غير ذلك.

ما حققه حزب العدالة والتنمية يعتبر فوزا بطعم الهزيمة ... فنسبة 41 % التى حققها لن تمكنه من الوصول إلى سقف طموحاته، ولن تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده.

لا شك أن تركيا ستدخل مرحلة سياسية جديدة، تتسم بعدم الاستقرار، وقد تعود مؤقتا الى الحكومات الائتلافية التي ستقودها حتما إلى انتخابات مبكرة، وهو خيار قد يتخذه أردوغان في حال فشل حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومته.

فرص تجمّع أحزاب المعارضة التركية لتشكيل حكومة ائتلافية بدون حزب العدالة والتنمية، تبدو منعدمة تماما، بسبب عدم تجانسها.

نتائج الانتخابات تشير أيضا إلى أن تركيا تمثل المحطة الثالثة على التوالى التى يتراجع فيها الإسلام السياسى فى المنطقة، خلال العامين الماضيين، وذلك بعد كلا من مصر وتونس. ولا شك أن ذلك سيؤثر فى المستقبل القريب على مستوى الدعم الإقليمى الذى يقدم للإخوان المسلمين، بالنظر إلى أن أردوغان كان من أشد المنتقدين لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسى فى مصر.

نتائج الانتخابات ستكون لها انعكاسات سلبية على الدور الإقليمي لتركيا، لأن الحكومة التركية ستكون مضطرة للانشغال أكثر بالمشهد الداخلي. ومن المبكر فى هذه الآونة التنبؤ بمعالم العلاقات التركية – العربية، وإن كان من الطبيعى أن تٌطرح العديد من التساؤلات حول تداعيات الانتخابات على سياسات تركيا في المنطقة، وتحديدا حيال الأزمة في سورية، خاصة إذا ما تشكلت حكومة ائتلافية لا يملك حزب أردوغان الكلمة الطولى فيها... هل تتراجع تركيا عن دعم المعارضة السورية؟ ما مصير التحالف مع قطر، وكذلك التقارب مع السعودية ؟ وأي مقاربة للتعامل مع القضية الكردية ببعديها الداخلي والإقليمي؟.

  • التحليل:

تبدو تركيا اليوم فى مفترق طرق حقيقي، ففقدان العدالة والتنمية وضع الهيمنة سيفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة قد تشهدها البلاد، أهمها إعادة النظر في كل البرامج التنموية والتوجهات الخارجية التّي أرساها الحزب الحاكم خلال الــــ13 عاما الماضية.


لقد رسمت نتائج الانتخابات البرلمانية، التى جرت مؤخرا، ملامح مشهد سياسي وحزبى جديد فى تركيا، ومختلف تماما عما اعتاد عليه الجميع منذ العام 2002. بحيث يمكن القول أن " الأردوغانية" كنموذج أٌريد له أن يتجاوز حدود تركيا إلى حيث الكثير من الساحات العربية، وكتجربة سياسية، وكمرحلة استمرت طيلة الـــ13 عاما الماضية، وصلت إلى مفترق طرق، وأغلب الظن أن تلك الانتخابات قد خطت بداية النهاية بالنسبة لها. كذلك، تبدو تركيا اليوم مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، ستكبح قدرتها على الانخراط في قضايا جوارها الجغرافي بالشكل الذي كان خلال السنوات الأربع الماضية. ناهيك عن أن نجاح حزب كردى فى دخول البرلمان التركى لأول مره، معناه أن ثمة رقم كردي أصبح فاعلا بدرجة أكبر في المعادلات الإقليمية الحالية.

أولا: نتائج الانتخابات

جرت الانتخابات فى مناخ شديد الاستقطاب، وهذا يفسر الإقبال الشديد على الاقتراع، حيث حشد كل فريق أتباعه إلى الدرجة القصوى، ولهذا شارك أكثر من 47 مليونا وأربعمائة ألف ناخب، بنسبة مشاركة بلغت 87%، وعكست هذه النسبة المرتفعة جدا (حتى بمقاييس أعتى الديموقراطيات الغربية) مستوى وعي كبير من قبل المجتمع التركي الذّي استشعر، فيما يبدو، خطورة ما يسعى إليه أروغان، وأحس بأن هذه المناسبة تٌصنع فيها مصائر الأوطان. هذه النسبة صنعت فرحة غير مكتملة لأنصار العدالة والتنمية في تركيا، بينما أعطت أملا جديدا للأطراف المعارضة الأخرى في كسر هيمنة هذا الحزب على الساحة السياسية التركية منذ قرابة الـ13 سنة كاملة.

1- دلالات الأرقام: لقد تنافس فى تلك الانتخابات (20) حزباً، استطاع أربعة منها فقط تجاوز النسبة القانونية( أى 10%) لكى يحق له التمثيل فى البرلمان. حيث جاء في المقدمة حزب العدالة والتنمية (الحزب الحاكم) بنسبة 40.86% ، أى (258) مقعداً من إجمالي عدد المقاعد البالغ (550) مقعداً. ثم تلاه حزب الشعب الجمهوري (حزب ليبرالى) بنسبة 24.96% ، أى (132) مقعداً . ثمّ حزب الحركة القومية (حزب قومي) بنسبة 16.29% ، أى (81) مقعداً . وأخيرا حزب الشعوب الديمقراطي (الحزب الكردي) الذّي صنع الحدث ودخل البرلمان التركي لأوّل مرة في تاريخ البلاد بنسبة 13.12% ، أى (79) مقعداً.

وبذلك يكون حزب "العدالة والتنمية" قد تراجع من 49% ( أى 311 مقعد) فى الانتخابات الماضية عام 2011، إلى حوالى 41% ( أى 258 مقعد). وهذا فى الحاصل الأخير معناه أن الحزب لم يقتصر فشله فقط على عدم الوصول إلى 367 نائبا لتغيير الدستور عبر البرلمان، أو حتى فرصة طرحه على الاستفتاء الشعبي (330 مقعدا)، بل امتد هذا الفشل أكثر من ذلك، حيث أصبح الحزب غير قادر حتى على تشكيل الحكومة بمفرده بعد خسارته الأغلبية البرلمانية، إثر ثبات أصوات حزب الشعب الجمهوري، وتقدم كل من حزبي الحركة القومية، والشعوب الديمقراطي(الكردى)، حيث وضع الأخير بتخطيه حاجز 10% الانتخابي حدا لطموح العدالة والتنمية.

2- الخريطة الحزبية: أكدت نتائج الانتخابات أن المشهد السياسي التركي يتضمن أربعة تيارات رئيسة ممثلة في الأحزاب الأربعة التي نجحت في الوصول إلى البرلمان، وأنها خريطة مستقرة ومستدامة ومن الصعب تغييرها أو تجاوز أي من أطرافها في المستقبل القريب: العدالة والتنمية ممثلا لمعظم الإسلاميين، والشعب الجمهوري ممثلا لأغلب العلمانيين الليبراليين، والحركة القومية كتيار أساسي للقوميين، والشعوب الديمقراطي كإطار لغالبية الأكراد.

3- رفض مشروع النظام الرئاسي: إذ كان هذا المشروع أحد أهم أسباب تصويت نسبة كبيرة من الشعب التركى، وتخوف أطياف واسعة من الناخبين من إمكانية تحول البلاد إلى نظام أكثر سلطوية. فإن نتائج الإنتخابات تؤكد أن كل السيناريوهات الحكومية الممكنة ستتطلب تخلي أردوغان والعدالة والتنمية عن هذا المشروع، ولو مؤقتا.

ثانيا: أردوغان .. سلطان دخل القصر ولم يُتوج

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية التركي، لا تبدو نتيجة الانتخابات التي أجريت يوم السابع من يونيو الجارى، هزيمة كبرى بالمعنى الصريح للعبارة؛ فالانتخابات في البلدان الديمقراطية تحتمل الربح والخسارة. وما كان ممكنا لحزب، مهما بلغ من القوة والحضور، أن يحتفظ بالأغلبية المطلقة في البرلمان لأكثر من 12 سنة.
لقد تصدر "العدالة والتنمية" نتائج الانتخابات، لكنه فقد الأغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفردا، والسير في خطة تعديل الدستور. ومع ذلك، ما يزال يمتلك فرصة بدرجة ما على شغل موقع ربما متقدم في السلطة التنفيذية، شرط التحالف مع أحد الأحزاب الفائزة.
لكن الخاسر الحقيقي في الانتخابات التركية هو رئيس الجمهورية، وزعيم الحزب الأوحد، رجب طيب أردوغان. كان أردوغان يأمل بتسجيل حزبه نصرا كاسحا في الانتخابات، كى يُتوج من بعده سلطانا لتركيا. فهو لا يكتفي بمنصب الرئاسة الرمزية كما يحدده الدستور، ولكن تبنى مشروعا متكاملا لتحويل تركيا من جمهورية برلمانية، إلى جمهورية رئاسية يملك فيها الرئيس صلاحيات واسعة، خلافا للوضع القائم حاليا. بل لقد سعى لأن يكون رئيسا بصلاحيات واسعة، أكبر حتى من تلك الصلاحيات الممنوحة للرؤساء فى الأنظمة الرئاسية..

باختصار لقد أراء إنشاء تركيا جديدة على مقاسه هو دون غيره، وهيأ المسرح للاحتفال بالتتويج، وشيد قصرا يليق بسلطان عثماني، أنفق عليه الملايين من الدولارات( يقال بأن عدد غرف هذا القصر 1059 غرفة)... لكن خيارات الناخبين الأتراك جاءت مخالفة لطموحات السلطان. لقد منحوا الحزب فرصة البقاء في الحكم، وفي الوقت ذاته قطعوا الطريق على مشروع تتويج السلطان وتعديل الدستور.
لقد كان واضحا من مجرى الحملات الانتخابية أن الناخبين الأتراك، بمن فيهم جمهور حزب العدالة والتنمية، ليسوا متحمسين لتحويل تركيا إلى دكتاتورية رئاسية، لإشباع رغبة أردوغان في السلطة.
في الأصل، لم يكن هناك ما يبرر سعي أردوغان إلى النكوص عن دستور الجمهورية البرلمانية؛ فقصة النجاح الأردوغاني نفسها ارتبطت بهذا النمط من الحكم. إذ بفضل الصلاحيات الواسعة لرئيس الوزراء، تمكن أردوغان من قيادة تركيا إلى مصاف دول العالم الأولى. وما من سبب يدفعه إلى الانقلاب على هذه الصيغة، سوى طمعه بالسلطة بعد أن انتقل من موقع رئيس الوزراء إلى رئيس الجمهورية.
قبل أيام ، صدرت إشارات في تركيا توحي بأن أردوغان يتجه لتحميل رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو المسئولية عن نتيجة الانتخابات، وتكليف شخصية جديدة من الحزب بتشكيل الحكومة الجديدة. سيبدو مثل هذا الخيار( إن تم) غير اخلاقي بالمرة، وتعبيرا عن حالة إنكار يعيشها الزعيم !! ... أردوغان هو المسئول عن الإخفاق في كسب الأغلبية، وليس أوغلو. فالأخير لم يكن سوى ظل للسلطان... سايره في كل شيئ.. حتى فى سعيه إلى نزع صلاحياته هو شخصيا !!

لكن عندما احتكم الجميع لصناديق الاقتراع، رفض الأتراك مشروع أردوغان.
وبذلك يكون أردوغان قد كتب قصة نجاح حزبه من بدايتها، وها هو يكتب أيضا نهاية قصة سلطان سكن القصر ولم يتوج.

خلاصة القول إذن: نتائج الانتخابات لا تتوقف عند تراجع حزب العدالة والتنمية، بل تضع علامات استفهام كبيرة على مستقبل "أردوغان" الذي كان يحلم باستعادة أمجاد امبراطوريته العثمانية.

ثالثا: الأكراد.. حصان الانتخابات الأسود
تشير نتائج الاقتراع إلى أن الأصوات التي خسرها حزب العدالة والتنمية توزعت على الأحزاب التقليدية: حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وأحزاب صغرى أخرى، لكن ارتفاع شعبية هذه الأحزاب بنسبة 2 الى 3 % لا تؤهلهم الى أي دور فاعل في المشهد السياسي.

فى حين خرج حزب " الشعوب الديمقراطي" الكردى كأكبر الفائزين في هذه المعركة الانتخابية، فبعد أن كانت غاية طموحه أن يتخطى "العتبة الانتخابية" المتمثلة بنسبة 10% لدخول البرلمان، وجد نفسه أمام تمثيل تاريخي قياسي للأكراد في البرلمان ( 13%، بمجموع 79 مقعدا)، ومقدما نفسه كممثل شبه حصري لهم، بفضل عوامل كثيرة، أهمها:

1- حدة الخطاب والتراشق بينه وبين أردوغان تحديدا، ثم التفجيرات التي استهدفت بعض مقاره وأحد مهرجاناته الانتخابية في مدينة "ديار بكر" قبل الاستحقاق الانتخابي بيومين، حيث لعب ذلك على وتر "سيكولوجيا الأقليات" ومشاعر المظلومية، فحشد المترددين من أكراد الجنوب الشرقي للتصويت. بل إن ازدياد تصويت الأكراد لحزب الشعوب الديمقراطي لم يكن محصورا في جنوب شرق البلاد، وإنما ازداد في كل المدن الكبيرة وفي مقدمتها اسطنبول.

2- بنى الحزب حملته الانتخابية على أساس العداء مع العدالة والتنمية، ومع أردوغان شخصيا. وبدلا من وضع مرشحين مستقلين قام الحزب بترشيح قائمة قطرية من أجل الحصول على أصوات من هم ليسوا اكراد، لكنهم يعارضون أردوغان. وتعهد بدخول البرلمان لحرمان الحزب الحاكم من الأغلبية وتحويل النظام في البلاد إلى رئاسي، وهو ما أمّن له نسبة غير قليلة من أنصار حزب الشعب الجمهوري، خاصة وأن هناك الكثير من الاتراك كانوا مستعدين للتصويت للحزب الكردي، فقط من أجل منع حصول أردوغان على الاغلبية المطلوبة في البرلمان.

فى ذات السياق بدا ملفتا للنظر أن التصويت كان بناء على الهوية: حيث اتضح أن معظم الأكراد ( وليس كل الأكراد) قد صوتوا لحزب الشعوب الديمقراطي، وتشير النتائج الخاصة بكل منطقة على حده إلى انزياح حوالي 3% من أصوات العدالة والتنمية إليه، فُسرت على أنها أصوات "الإسلاميين الأكراد" الذين قدموا الهوية الكردية على غيرها من معايير الاختيار. لكن هذا لا يعنى ( كما سبقت الإشارة) بأن 100% من الأكراد تركيا صوتوا لحزب الشعوب الديموقراطى، إذ يوجد لدى الاكراد آراء مختلفة، فهناك من يعارض حزب الشعب الديمقراطي الذي يعتبر الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله اوجلان، وهناك ايضا تيارات محافظة ودينية تؤيد المصالحة التي بدأت قبل بضع سنوات، التي من شأنها منح الاكراد حقوق ثقافية وسياسية، لذلك فان الافتراض بأن جميع الاكراد قد صوتوا للحزب الكردي ليس منطقيا.

مع ذلك فقد تسبب هذا النمط التصويتى ( لمعظم الأكراد) القائم على الهوية العرقية فى إذكاء الحس القومي لدى أطياف كثيرة ساهمت في رفع نسبة الحركة القومية التركية، وهو أمر مفهوم وفق منطق الاجتماع السياسي بطبيعة الحال.

المقصد أن دخول حزب "الشعوب الديموقراطى" الكردى البرلمان الجديد بكتلة وازنة(79 مقعد) معناه أن التوازنات الداخلية في تركيا قد تغيرت لغير مصلحة أردوغان. خاصة وأن زعيمه الشاب صلاح الدين دميرطاش، يبدو قادرا على فرض استقطاب جديد في تركيا ينهي الاستقطاب " العلماني- الإسلامي" الذي لا يلحظ بشكل كاف قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة الدستورية بين المواطنين على اختلاف أصولهم العرقية والطائفية. بمعنى أن الاستقطاب الجديد الذي سيدور حوله الصراع السياسي في تركيا سيكون بين اليسار واليمين، وبين الأكراد والأقليات العرقية والطائفية من جهة، والأتراك الموالين لحزب "العدالة والتنمية" وحزب "الحركة القومية" من ناحية أخرى.

خلاصة القول فى هذه النقطة، أنّ هذه الانتخابات فتحت الأبواب نحو "تركيا جديدة"، والذين يريدون أنْ يكونوا عناصر فاعلة في السياسة التركية، عليهم أنْ يدركوا قضية " توجه الأكراد نحو مركز السياسة" فى تركيا، وعليهم أنْ يعيدوا صياغة سياساتهم ومفاهيمهم بناء على ذلك.

رابعا: الإخوان المسلمون والانتخابات التركية

وحدها قطر مع تنظيمات الإخوان المسلمين فى المنطقة هم الذين شعروا بخيبة الأمل والخذلان جراء ما أسفرت عنه نتائج الدورة الخامسة والعشرين من الانتخابات البرلمانية التركية. والمؤكد أنهم يراجعون الآن حساباتهم بدقة، خاصة وأن الكثير من رهاناتهم وآمالهم فى المنطقة كانت معلقة على تركيا، وتحديداً على الدور الخاص المنوط بزعيم الحزب ورئيس البلاد، الذي تحطمت أحلامه في استعادة مجد السلطنة والخلافة والإمبراطورية.

تراجع حزب العدالة والتنمية في تركيا، هو الحلقة الثالثة من تراجع الإسلام السياسي وتنظيمه المركزي "الإخوان المسلمون". كانت الحلقة الأولى هزيمة حكم الإخوان في مصر. والحلقة الثانية تراجع حكم الإخوان في تونس.
أسباب الفشل والتراجع في الحلقات الثلاث واحدة. وهي الاستفراد والاستحواذ على الحكم ومقاومة مبدأ الشراكة مع الآخر صراحة ومواربة. الرفض يعود الى استحالة التوفيق بين مدنية ودينية الدولة. كانوا يتحدثون عن دولة مدنية ويسعون الى دولة دينية، وحاولوا الجمع بينهما في موقف مزدوج، وكانوا ينتظرون اللحظة الملائمة للحسم لمصلحة الدولة الدينية.
إن من يدقق في المسار الذي اتخذه حزب العدالة والتنمية (وهو حالة متقدمة نظرا للتطور الاجتماعي والاقتصادي فى تركيا)، سيجد خطا بيانيا صاعدا وإن تعرج قليلا، نحو الدولة الدينية.
النموذج المصري صعد بسرعة فائقة نحو الدولة الدينية لكنه هوى من شدة الصعود. أما حزب النهضة فقد صعد سريعا لكنه تراجع وحاول التكيف مع الدولة المدنية. الشراكة والاندماج اللذان لا يمكن ان يتحققا إلا في دولة مدنية مستقلة عن استخدام المقدس الديني. إنه التحدي الذي ما يزال يواجه قوى الإسلام السياسي. فهل تستوعب قوى الإسلام السياسي ما جرى في الحلقات الثلاث.

الشيء المؤكد أن "الإخوان المسلمون" بمختلف فروعهم سيتأثرون بتراجع حليفهم في تركيا، حتى وإن تأخر ذلك لبعض الوقت. لأن الحزب الحاكم الذى انفرد بتحديد كل شيء داخليا وخارجيا، ورفض الشركاء على امتداد ثلاثة عشر عاما، ستفرض عليه نتائج الانتخابات الجديدة شركاء بسياسات داخلية وخارجية غير تلك التي اعتاد على اعتمادها وتصديرها. إنه التغيير الذي أتى به الشعب التركي مؤخرا، بل التغيير الذي صنعه الشعب الكردي في تركيا.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية لم يفقد صدارته الحزبية من حيث عدد المقاعد التي حصل عليها في البرلمان، لكنه سيواجه مشكلة جدية في عدم القدرة على تشكيل حكومة بشكل منفرد، ولا قدرة على تشكيل ائتلاف حكومي أيضا... !! وحتى في حال تشكل تحالف حكومي واسع فستكون المعضلة الأساسية هي السياسة الخارجية لتركيا، بحيث تخرج من يد حزب العدالة والتنمية بقيادة "أردوغان"، بمعنى سياسة تركيا لن تقاد من قبل "الإخوان المسلمين"، وهذا يخلط الأوراق ويعقد ويصعب الأمور على السلطان العثماني الجديد "أردوغان".

بعبارة أخرى، ما تمخضت عنه انتخابات السابع من يونيو الجارى، ليست قضيته وعقدته الجوهرية في تشكيل حكومة ائتلافية أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، فهذا هو بالضبط الشأن التركي الصرف الوحيد في الانتخابات ونتائجها، أما الشأن الإقليمي فهو أنّ السياسة الخارجية التركية لم تعد في يد "الإخوان المسلمين" ومشروع السلطنة، وصارت حاصل توازنات القوى الداخلية.

وبينما استعدى أردوغان فى السابق كل من هو ليس من حركة الإخوان المسلمين، وتدخل بشكل سافر في الشأنيّن السوري والمصري، وناصبهما العداء. تؤكد تصريحات الساسة فى تركيا( بما فى ذلك قادة حزب الرئيس التركي الذي تلقى الصفعة المدوية في الانتخابات) بأنّ عقدة الحكومة الائتلافية هي السياسة الخارجية وخصوصاً تجاه مصر، ومصير التدخل في سورية... والشاهد أن قادة المعارضة يتشاركون فى رفض المشروع الأردوغاني لسورية ويدعون إلى وقف الباب المفتوح لـ"القاعدة" بجناحيها "داعش" و"النصرة" نحو سورية.

ومن ناحية أخرى، من المهم الإشارة إلى أن تلك الخسارة التى مُنى بها أردوغان ستدفع الحركة الإخوانية فى تركيا إلى الانكفاء داخليا ولو لبعض الوقت من أجل المراجعة وإعادة قراءة الأوضاع على ضوء تلك المستجدات. وفى هذا السياق هناك من يتوقع عودة "عبد الله جول" إلى الواجهة مجددا، لكن ذلك ليس بالأمر السهل. وهناك من يرى أن الوضع الحالي سيدفع مدرسة العدالة والتنمية و من ورائها الحركة الأربكانية (نسبة إلى نجم الدين أربكان) إلى التسريع بولادة حركة سياسية برؤية جديدة وقيادة جديدة غير مستهلكة من نفس الرحم (كما ولد سابقا حزب العدالة والتنمية من رحم حزب أربكان) وهو أمر أصبح متداولًا منذ أكثر من سنتين بعد أن شعر الكثير أن حزب العدالة والتنمية (وقيادته) يحق له أن يتمتّع بمنحة الشيخوخة ويحال إلى التقاعد.

خامسا: سيناريوهات المستقبل

في ظل عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، تبدو البلاد أمام مشهد جديد تماما، يحتاج لمقاربة مختلفة عما اعتادته منذ 2002، ويلوح في الأفق أحد سيناريوهين:

السيناريو الأول: أردوغان وحزبه يشكل الحكومة من دون غالبية برلمانية، وذلك في ضوء التشرذم والتناحر اللذين تعرفهما المعارضة التي ستملك في هذه الحالة الغالبية البرلمانية مجتمعة، لكنها ستكون غير قادرة على تشكيل حكومة ائتلافية بسبب العداء الواضح بين حزب "الحركة القومية" اليميني المتشدد، ثالث أكبر الأحزاب التركية (يملك 81 مقعدا في البرلمان الجديد)، وحزب "الشعوب الديموقراطي" الكردي، رابع أكبر الأحزاب التركية (يملك 79 مقعدا). الأرجح أن هذا السيناريو سيقود الى انتخابات مبكرة قبل نهاية السنة، لأن طلبات حجب الثقة المتكررة عن الحكومة ستضعف كثيراً من حزب "العدالة والتنمية" وتعطل قدرته على إدارة الأمور، كونه لا يملك الغالبية البرلمانية.

السيناريو الثانى: أردوغان وحزبه يشكلان حكومة ائتلافية مع أحد أحزاب المعارضة. وفقا لهذا السيناريو يضطر حزب "العدالة والتنمية" الى تشكيل حكومة ائتلافية إما مع حزب "الحركة القومية" اليميني أو مع حزب "الشعوب الديموقراطي"، لأن بون الخلاف شاسع بين حزب أردوغان وحزب "الشعب الجمهوري". في حالة التحالف مع حزب "الحركة القومية" سيترسخ الاستقطاب القومي في تركيا، وسيكون ثمن هذا التحالف قيام الحزب الكردي بالتوجه إلى البرلمان الأوروبي لعرض مظالمه والحصول على اعتراف دولي واسع بتمثيله للأكراد في تركيا، وهي نتيجة لا يرغب بها أردوغان بالطبع. أما في حالة التحالف مع الأكراد، فسيضطر أردوغان إلى المضي قدما في محادثات السلام معهم، والتي ستبلور بالنتيجة نتائج سياسية تصب فى خانة الاستقطاب القومي أيضاً.

في هذا السيناريو أيضاً، سيضطر أردوغان وحزبه بغية الهروب من الأثمان المتوقعة جراء مثل هذا التحالف إلى اللجوء لانتخابات مبكرة قبل نهاية العام، وهى انتخابات غير مضمونة السياق أو النتائج.
إذن، في أغلب الأحوال، تبدو تركيا مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، فالمشهد الداخلي يتجه شيئا فشيئا إلى حالة أقل ما يمكن وصفها بالاستقطاب السياسي، الأمر الذى يفتح الباب أمام سيناريوهات ستخصم جميعها من الحضور التركى فى قضايا الإقليم.