المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

قوات عسكرية تركية فى قطر.. الدلالات والمغزى الاستراتيجى

الأحد , 02 يوليو 2017 - 12:05 مساءٍ

قوات تركية في قطر
قوات تركية في قطر

قبل الإنتخابات البرلمانية فى تركيا التى جرت فى السابع من الشهر الجارى، لوحظ أن التعاون التركي مع دول خليجية يتنامى بشكل ملموس، منذ اللقاء بين رجب طيب أردوغان والملك سلمان بن عبد العزيز فى مارس 2015 في الرياض. ولوحظ أيضا أن هذه التنسيق بدأ مؤخرا يشمل شؤون أمنية.

 

في الواقع، التقارير حول تعاون عسكري بين تركيا وقطر ليست جديدة. وليس سرا أن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في زيارته إلى تركيا ديسمبر 2014، سعى للعثور على سبل ووسائل لتعزيز التعاون الأمني والعسكري بين قطر وتركيا. استأنف أمير قطر هذه المباحثات في زيارته إلى تركيا مارس الماضي. محصلة هذه الاتصالات رفيعة المستوى، تمثلت فى تمرير اتفاق التعاون العسكري التركي – القطري بسرعة فائقة، أولا في البرلمان التركي في 22 مارس، ثم من جانب أردوغان في 27 مارس، وفى اليوم التالى ( أى في 28 مارس) أصبح الاتفاق ساريا بعد نشره في الصحيفة التركية الرسمية.


يحدد الاتفاق الخطوط العريضة للتبادل الاستخباراتي بين تركيا وقطر، بالإضافة إلى التعاون العسكري وانتشار القوات في كل من البلدين. وهذا معناه أنه لم يعد هناك أي عائق قانوني أمام عودة الجيش التركي إلى قطر، الذي خرج منها في 19 من أغسطس عام1915.


خلال مناقشة ذلك الاتفاق فى البرلمان التركى السابق، ظهرت معارضة قوية من قبل حزب الشعب الجمهورى، وإن كان ذلك لم يحل فى الحاصل الأخير بين أردوغان وبين تمرير الإتفاق، مستغلا الأغلبية التى كان يتمتع بها العدالة والتنمية آنذاك . فى هذا السياق، و أثناء النقاش حول الاتفاق، أعربت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي عن وجهات نظر مختلفة... فقد تساءل النائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض علي أوزجوندوز: "هل تحتاج قطر أن ترسل تركيا جنودا كي تدربهم؟ لا توجد مثل هذه الحاجة... هناك جنود أمريكيون متمركزون في قطر... هل نحن في الواقع نرسل وحدة عسكرية ستلتحق في النهاية بقوة دولية هناك؟ نريد أن نعلم لماذا يذهب جنودنا إلى هناك؟ هل سيدافع هؤلاء الجنود عن قطر ضد طرف ما " ؟! كذلك اعترض أيتوج أتيسي، نائب آخر من حزب الشعب الجمهوري قائلا، "هل هناك من يعلم ما الذي ستفعله القوات المسلحة التركية في تركيا؟ لقد وقعت اتفاق تدريب وتجهيز مع الولايات المتحدة... إنني أقول الآن إنك ( موجها كلامة لمندوب الحكومة) سترسل جنود أتراك إلى قطر لتدريب وتجهيز المعارضة السورية في قطر".


وفى سياق الرد على تلك التساؤلات أشار بيان رسمي عن لجنة الشؤون الخارجية أنه لا يوجد صلة بين اتفاقات التدريب والتجهيز بين تركيا والولايات المتحدة لتدريب المعارضة السورية، والاتفاق العسكري مع قطر. حسب البيان، فإن الاتفاق مع قطر لا يجب أن يمتد إلى أي شئ خلاف ما نص عليه الاتفاق، ولا يشتمل هذا الاتفاق على أي شئ يربط بين القوات التركية والأنشطة الأمريكية العسكرية في قطر. أيضا، أشار البيان أن الاتفاق سيمكن قطر من إرسال عناصرها العسكرية إلى تركيا. ما أثار الانتباه كان الإشارة إلى تدخلات عسكرية خارجية في بلدان الخليج وأن اتفاقات مماثلة لاتفاق تركيا وقطر، قد تتم مع دول خليجية أخرى.


 

حسابات قطر وتركيا:

يحمل الاتفاق العسكري مع تركيا معنى خاص بالنسبة لقطر، القلقة من تصاعد النفوذ الإيراني في الخليج، وتحسن العلاقات الأمريكية – الإيرانية ونمو الدور الصيني في الشرق الأوسط. تفتقر قطر للقوة العسكرية اللازمة ويبدو أنها قررت التعامل مع ضعف الردع لديها في الخليج بالدخول في حلف عسكري مع تركيا وتنويع قدراتها الدفاعية. حيث سيمكن تحالفا عسكريا قويا مع تركيا، قطر من تعزيز كفاءة صناعتها الدفاعية، تحسين تدريب جيشها بتنويع شركائها العسكريين، كي تواجه النفوذ الإيراني، وربما حتى تطور تعاونا قويا مع حلف الناتو عن طريق تركيا.


والسؤال التالي هو، ما هي دوافع تركيا من وراءه عقد مثل هذا الاتفاق مع قطر؟ الإجلبة تتطلب الإلتفات إلى حقيقة أن الخليج مهم بالنسبة للمعادلة الاقتصادية – السياسية العالمية... وتركيا تريد أن يكون لها كلمتها في الخليج. من هنا سيزود التحالف العسكري مع قطر، وزارة الدفاع التركية بفرصة مغرية لدخول سوق مزدهرة. كذلك، سيقدم لتركيا سبيلا لمناوئة النفوذ الإيراني في الإقليم استراتيجيا، خاصة بعد توقيع طهران اتفاقا نهائيا مع الغرب حول المشروع النووى.. ناهيك عن تعزيز الدور التركى في الأمن العالمي بشكل عام، والأمن العالمي للطاقة بشكل خاص.


 

موقف الجيش التركى قبل وبعد الانتخابات:

تشير المعلومات المتوفرة إلى أن القوات المسلحة التركية تتبنى موقفا حذرا من هذا الموضوع، وتقترب من هذه القضية بشكل احترافي، حيث يجرى قادة الجيش دراسات جدية لحساب المكاسب والخسائر وتحليل المخاطر. حتى الآن، الرؤية حول القوات التي سيتم إرسالها إلى قطر أنها ستكون كتيبة مهمات قتالية: معززة بعناصر بحرية، وعناصر من سلاح المهندسين، وعناصر من قوات النخبة فى الجيش التركى. فى ذات الوقت تعمل قيادة تركيا عليا على وضع مسودة للمهمة، سلطتها، مهمتها، أدوارها في الاشتباك والجوانب القانونية الدولية المتعلقة بالقوة.

 

والملفت فى الأمر أن الجيش تعمد، فيما يبدو، أن يتحرك ببطء شديد فى هذا الأمر انتظارا لما ستسفر عنه الانتخابات!!.


ولا شك أن ذلك يبعث على التساؤل بشأن موقف المؤسسة العسكرية التركية الحقيقى من هذا الأمر: خاصة وأن بعض قادة الجيش يشتركون مع بعض قوى المعارضة بشأن المخاطر التى يمكن أن تترتب على هذا الأمر، فهم يعلمون أن ما بين قطر والسعودية الكثير من القضايا محل الخلاف، والنظام القطرى معرض فى أى لحظة لصراعات القصر على السلطة.. فضلا عن أن الدوحة منذ الشيخ تميم وحتى الآن تحاول أن تكون مؤثرة في التطورات الإقليمية بطرق غريبة ومثيرة للجدل.. وكل هذا يعني أن الجنود الأتراك الذين سيخدمون في قطر ربما يكونون عرضة لأشكال مختلفة من المخاطر والتوترات. ناهيك عن أن الجيش لم يحدد بعد إجابة واضحة للسؤال المتعلق بحدود الرد الإيرانى على نشر قوات تركية فى قطر!!.


وفى السياق ذاته، معلوم بأن السياسة الخارجية لتركيا ما بعد الإنتخابات الأخيرة ستكون محصلة توازنات موازين القوى الداخلية، التى تغيرت كثيرا فى غير مصلحة أردوغان وحزبة .


فى السابق منح أردوغان تحالفه مع قطر وتيار الإخوان أولوية كبرى، وتحمس لتحالف سنى مع الدوحة والرياض، فى مواجهة طهران .. الآن ما يزال من المبكر تحديد بدقة حجم التغيير الذى ستحدثة نتائج الانتخابات على توجهات أردوغان الخارجية، ومنها بالتأكيد نشر قوات تركية فى قطر!!.