المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

حماس وصعود نشاط " داعش" في غزة

الأحد , 02 يوليو 2017 - 01:00 مساءٍ

القسام وداعش
القسام وداعش

تحاول حركة حماس تضييق الخناق على نشاط عناصر السلفية الجهادية في قطاع غزة، وسط مزاعم ومؤشرات على نشاط مرتبط بداعش في المنطقة. ترغب حماس في تعزيز وضعها كقوة سياسية مهيمنة، وكسر عزلتها والانخراط مرة أخرى مع قوى إقليمية، على رأسها مصر.

سيعتمد نجاحها على التحرك فى هذا المسار على قدرتها على الحيلولة دون أن تتحول غزة -سواء بشكل واقعي أو في أنظار الآخرين– إلى قاعدة عمليات لداعش.

 

التحليل

أشارت العديد من الأحداث في غزة، خلال الأشهر الأخيرة، إلى تواجد محتمل لعناصر منتمية لداعش. كان أكبر حدث من نوعه اعتقال أحد علماء السلفية في السادس من إبريل الماضى بواسطة قوات أمن حماس. الأكمثر أهمية هي سلسلة الهجمات التي سبقت وتلت اعتقاله. حيث

تم وضع عدد من العبوات الناسفة حول مدينة غزة داخل قطاع غزة. لكن كما هى عادة تلك الأحداث فى غزة، تسببت هذه الأعمال في أثر تدميري قليل وعدم وقوع خسائر فى الأرواح. زعمت مجموعة تطلق على نفسها " الدولة الإسلامية- ولاية غزة " مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. رغم أن الهجمات لم تكن كبيرة، وكلا من حماس وجماعات سلفية في غزة هونوا سريعا من مزاعم تواجد داعشي، يبدو أن هناك نوعا ما من النشاط الداعشي الذي قد يمثل تهديدا لسلطة حماس.

صدر عن الجماعة التي تزعم أنها تمثل "ولاية غزة" عددا من البيانات وزعمت مسؤوليتها عن العديد من الهجمات منذ أواخر 2014. مثلا ادعت الجماعة مسؤوليتها عن الاعتداء على المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة في أكتوبر 2014. بعدها بشهر أصدرت الجماعة بيانا تطالب فيه النساء بالالتزام بالقواعد الإسلامية فيما يخص الزي. و في ديسمبر 2014، أصدرت الجماعة بيانا تهدد فيه بقتل كتّاب وشعراء في غزة إذا لم يتوقفوا عما اعتبرته "إهانة الإسلام".

في أعقاب اعتقال قوات الأمن التابعة لحماس، الشيخ السلفي عدنان خضر، صدرت بيانات موقعة من "ولاية غزة" طالبت بالإفراج عن أي عضو ينتمي لداعش في سجون غزة. فى ذات الوقت انفجرت عبوات ناسفة في مدينة غزة في السادس والعاشر والسابع عشر من إبريل2015. الهجمات، مثلها مثل هجمات أخرى وقعت فى أواخر 2014 ، تعتبر إشارة تحذيرية واضحة. إلا أنها، لم تمتد إلى استهداف الناس أو البنية التحتية.

مارست حماس ضبط النفس في التعاط مع هذه الهجمات وتهديد النشاط الداعشي في غزة بشكل عام. رغم أنها تحاول احتواء أنشطة جماعات سلفية جهادية، لم تسع حماس إلى المواجهة علنا مع السلفيين. في الماضي، حاولت حماس احتواء الأنشطة السياسية لحركات سلفية، لكن الآن هناك علامات على أن حماس قد تتحول باتجاه استراتيجية تقويض أنشطة السلفيين، مع الاستمرار فى ذات الوقت فى التقليل من قضية داعش... إذ عادة ما تصرح قيادات حماس بأنه لا وجود لداعش في غزة، وربما حتى يتكتمون على أنباء الهجمات التي تنفذها "ولاية غزة".

إنكار نشاط داعش في غزة هو جزء مهم من عملية حماية مشروعية حماس. داخليا، كان لحماس دوما معارضة، ولكن ظهور جماعة سلفية جهادية في شكل فرع لداعش قد يثير تساؤلات حول مدى قدرة حماس على السيطرة بفاعلية على التشدد والتطرف في غزة. وخارجيا، تحتاج حماس، بهدف تعزيز سلطتها وتمثيل غزة في المفاوضات – سواء مع مصر أو إسرائيل – لإظهار سيطرتها على قطاع غزة.


 

احتمالية تواجد داعشي

تتعاطف قلة من الجماعات في غزة مع داعش. إحدى هذه الجماعات التي يمكن أن تكون ذات صلة بالهجمات في غزة، والتي تمثل أيضا تهديدا خطيرا في هذه المنطقة، هي التنظيم الذي كان يُعرَف في الماضي بأنصار بيت المقدس. هذه الجماعة تعمل منذ 2011 وتتمركز أساسا في شبه جزيرة سيناء ، حيث تقوم بنشاط إرهابى هناك. ولكنها كانت أيضا نشطة في غزة. في الواقع، يتم الإشارة إلى تواجد هذه الجماعة في هذه المنطقة تحت اسمين منفصلين هما: "ولاية سيناء" و " ولاية غزة" . تبنت الجماعة هذه الأسماء بعد انقسام التنظيم، والذي انتهى بمبايعة الفصيل المتمركز في سيناء لداعش في نوفمبر 2014.

الشيخ السلفي الذي اعتُقِل في السادس من إبريل الماضى كان ينتمي إلى "ولاية سيناء". يشير اعتقاله إلى أن حماس وجدت من الضروري البدء في تضييق الخناق على الجماعة. لم تحدث هناك بعد مواجهة أو هجمات كبيرة، ولكن في حال تزايد الضغط المتبادل بين حماس وولاية غزة ، وتمكنت الأخيرة من الحصول على دعم من التنظيمات العاملة فى سيناء قد تعاني حماس من صعوبات في احتواء أو تقويض الجماعة.

فالمعروف أن "ولاية سيناء" ليست هى التنظيم السلفي الوحيد ذو الصلة بداعش في قطاع غزة. و "مجلس شورى المجاهدين" هي جماعة أخرى ممثلة جيدا في سيناء وفى ذات الوقت منتشرة أيضا داخل غزة. ذكرت الجماعة أيضا بشكل علني أنها تؤيد داعش ولكنها لم تعلن مبايعتها لها. ومع ذلك، فإن هذه الجماعة معروفة بتجنيد مقاتلين فلسطينيين للانضمام إلى قوات داعش العاملة في سوريا.

جماعة أخرى، أكثر غموضا، هي جند "أنصار الله" دخلت هذه الجماعة في حالة من الكمون منذ الحملة الثقيلة التي شنتها عليها حماس في 2009 والتي انتهت بمقتل زعيمها عبد اللطيف موسى، و معظم قادة التنظيم. في الحقيقة، كانت هذه الحادثة التي تسببت في إدانة داعش – كانت تُعرف آنذاك بالقاعدة في بلاد الرافدين – لحماس. صعدت جند أنصار الله مؤخرا على السطح مرة أخرى بعد أن بثت فيديو يزعم مسؤوليتها عن الاعتداء الثاني على المركز الثقافي الفرنسي في غزة، ديسمبر 2011. في هذا الفيديو، زعمت الجماعة أنها نفذت عددا من الهجمات تأييدا لداعش. أيضا، يُشتَبَه في وجود اتصالات بين جند أنصار الله، ووحدة مقاتلين فلسطينيين في سوريا تعمل تحت مظلة داعش.

من الواضح أن داعش لديها خطوط اتصال عديدة ومختلفة ودرجة ما من التأييد الشعبي لأنشطتها في قطاع غزة، إذ أن الأوضاع المزرية تقدم أرضية خصبة للتطرف. ومع ذلك، لا توجد إشارة على دفع مركزي من عناصر داعش في سوريا أو العراق لممارسة النفوذ أو تنفيذ عمليات في غزة. تقدم داعش منصة جديدة لمحاولات التوسع. أشارت حماس إلى حد كبير إلى قدرتها على التعاط مع هذه التحديات. إلا أنه، على الرغم من أن سيطرة حماس على قطاع غزة قد لا تكون موضع تساؤل، فإن نشاط داعش ربما يضر تنظيم حماس بالفعل.


 

تعقيدات محتملة

تعتمد حماس على قوى خارجية، كإيران، لتعزيز سلطتها في غزة. ولكن العلاقات المتحولة في الشرق الأوسط تسببت في ترك حماس من دون خط واضح ومضمون للدعم والتأييد. تقاتل مصر ضد الإرهاب في سيناء، والعلاقة بين القاهرة وإسرائيل تسببت في تضييقها الخناق على أذرع إمداد حماس عبر شبه جزيرة سيناء، مسار تدهور أكثر فأكثر بعد نجاح السعودية في جذب السودان بعيدا عن نطاق النفوذ الإيراني. التزامات إيران في سوريا والعراق، والأكثر أهمية، سلوكها على ضوء الاتفاق النووي مع قوى عالمية، غير من دعمها لحماس.

في هذا السياق، تحتاج حماس لأن تتأكد أنه لا يُنظَر إليها بوصفها راعيا محتملا لداعش، الأمر الذي قد يضر أكثر وأكثر صلاتها بمصر. إذا، تمثل العناصر الراديكالية غير المحكومة في غزة خطرا بالنظر إلى احتمالات تصعيد الصراع مع إسرائيل. تاريخيا، كان الهجوم على جماعات مثل جند أنصار الله وجماعات سلفية لها صلات بداعش تنفذ هجمات على إسرائيل، عنصرا رئيسيا من بين عناصر قدرة حماس على تعزيز وضعها بوصفها الفاعل الفلسطيني الرئيس في المفاوضات حول غزة . وبالتالي، وإلى حد كبير، كانت حماس ناجحة في احتواء نشاط داعش في قطاع غزة، ولكن هذا قد يتغير في حال إذا ما اتجهت حماس إلى خنق هذه التنظيم بصورة أكبر أو تركت هذه المشكلة من دون حل.

إذا كانت جهود حماس فعالة، بإمكانها استعراض قدرتها على التصد للمشكلة أمام مصر، ومساعدة القاهرة في التعاط مع مشكلة سيناء. إلا أن سياسة المواجهة مع الجهاديين في غزة ستجعل حماس أيضا الهدف الأكبر لهجماتهم.