المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"دبلوماسية الحج والعمرة".. حول حماس وزيارة وفدها للرياض

الأحد , 02 يوليو 2017 - 05:20 مساءٍ

خالد مشعل
خالد مشعل

لم تكن زيارة مشعل للسعودية مفاجأة، ولم تكن الترتيبات التي تمت بها، مفاجئة أيضاً، فلطالما استغلت مواسم الحج والعمرة، لغايات وأهداف من هذا النوع.. إنها “دبلوماسية الحج والعمرة” إن جاز التعبير.. أحاديث الاتصالات والمشاورات والترتيبات للزيارة، بين الدوحة “مقر مشعل” والرياض، وغالباً بوساطة قطرية، تطايرت قبل الزيارة بعدة أسابيع، فكان حدوثها من باب “تحصيل الحاصل”.

 

من كَشَفَ عن فحوى المحادثات التي أجراها خالد مشعل مع القيادة السعودية، هو “مغرد سعودي”، ينسب نفسه إلى من يسمون “الأمراء الأحرار”، اسمه الحركي “جمال بن”، وهو في مسعاه هذا، يسعى لاحتلال مكانة متقدمة على شبكة “تويتر”، سبقه إليها المغرد الأشهر “مجتهد”، لكن يبدو أن صدقية “بن جمال”، لا تساعده على أن يصبح مصدراً مهماً وموثوقاً للأخبار “الخاصة” عن مواقف المملكة وسياساتها، كما تشير بعض التقديرات.

 

لكن أحسب أن الشطر من التسريبات، والمتعلق بطلب مساعدات مالية لحكومة حماس في غزة (بصرف النظر عن قيمة المبلغ المطلوب)، يمكن أن يكون صحيحاً، فالحركة تواجه في غزة، مأزقاً مالياً واقتصادياً صعباً، والسعودية اشتهرت بكونها دولة “مانحة” لحلفائها وأصدقائها، وبأقدار متفاوتة، تبعاً لتفاوت التقديرات والحسابات السياسية المتغيرة في كل مرحلة من المراحل.

 

على أية حال، ليست هذه التسريبات هي ما يهمنا اليوم ، فالعلاقات السعودية – الحمساوية هي أكثر ما يهمنا، نظراً لارتباطها وتداخلها مع شبكة علاقات حماس الإقليمية، وبسبب ما تكشف عنه من توجهات وأولويات تهيمن على تفكير الحركة ومواقفها، في هذه اللحظة بالذات. وعند هذه النقطة ينبغى أن نعود إلى الوراء قليلاً.

قبل “عاصفة الحزم”، كانت الأنباء تتحدث عن زيارة وشيكة سيقوم بها قادة حماس لإيران ... يومها قيل إن خلافاً حول “رتوش” الزيارة وبروتكولاتها، هو ما يعيق تنفيذها ... مشعل طلب موعداً مسبقاً مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، والإيرانيون آثروا ترك المبادرة للجهة المضيفة، إذ حسب الناطقين باسمهم، ليس من اللائق أن يملي الضيف على المضيف، برنامج زيارته، وهكذا توقفت أنباء الزيارة عند هذه النقطة. طبعاً، لم يكن طلب مشعل اللقاء مع المرشد خامنئي عبثاً أو تطفلاً، فهو التقاه من قبل، وأي زيارة لطهران لا يتضمن برنامج عملها اجتماعاً بـ “القائد”، تعني تراجعاً في مكانة حماس ورئيس مكتبها السياسي لدى إيران ومرجعيتها.

 

أمر لا يريده مشعل ولا تقبل به حماس.. سيما وأن كثيرٍ من النقد و”الاتهام” قد وجّه إلى مشعل شخصياً بخذلان حلفائه القدامى والقفز من سفينتهم، ظناً منه أنها في على وشك غرق أكيد.. في المقابل، لم يكن “التبرير” الإيراني لعدم إبرام موعد بين الرجلين في محله، فقد قضت الأعراف الدبلوماسية و”البروتوكول” بأن يجري مسبقاً تحديد مواعيد الزائر وأجندة زيارته ... إيران، كانت تريد سبر أغوار مشعل وصحبه قبل اللقاء مع المرشد، فإن كانت الأجواء إيجابية، وإن قدمت قيادة حماس، ما يشي بـ “صدق التوبة والعودة”، سيُتمم اللقاء، ومن دون ذلك، ستبقى المحادثات دون سقف “الولي الفقيه”.

 

عاصفة الحزم”، ومن قبلها التغيير الذي أعقب رحيل الملك السعودي السابق عبد الله بن عبد العزيز في السعودية، وفرا لحماس فرصة للإفلات من تجربة “عودة الابن الضال” ... الملك سلمان والقيادة السعودية الجديدة، أظهرا انفتاحاً على جماعات الإخوان المسلمين، التي سبق للسعودية أن أدرجت بعض فروعها على لائحتها السوداء للمنظمات الإرهابية ... و”عاصفة الحزم” حظيت بتأييدٍ عملي من حماس، ما مثّل خروجاً جديدا على ما تدّعيه الحركة من “عدم تدخل” أو انحياز في الصراعات العربية البينية .

من ناحية أخرى، هذا التقرّب الحمساوي من الرياض أثار ويثير ردود فعل صامتة ومعلنة من قبل “المحور الآخر”، الذي يبدو أنه تيقن أخيراً، من أن حماس لا تنظر لنفسها بوصفها مكوناً عضوياً في هذا المحور، وأن علاقاتها به، تندرج في إطار “الطارئ” و”المؤقت” من المنافع والحسابات، لتعزز بذلك وجهة نظر دمشق ومعها بعض الأوساط الإيرانية، التي جاهرت برفض “عودة الابن الضال”، وطالبت بإخضاع حماس لاختبارات جدية وجادة، وقيامها بإجراء مراجعات كافية لمواقفها السابقة، قبل الإقرار باستعادة عضويتها في “نادي المقاومين والممانعين”. “محور المقاومة والممانعة” لم يغفل لحماس تورطها في دعم المعارضة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد، ولا هو نسي لرئيسها تلويحه بعلم المعارضة وراياتها في مهرجان إسطنبول.

 

صحيح أن ثمة تقديرات بأن حماس تسعى للجمع بين “الحسنيين”، بين طهران والرياض، وهذا حقها، لكن في ظل تفاقم حالة الاستقطاب بين العواصم والمحاور الإقليمية، تبدو المهمة صعبة.. فالزيارة للرياض قد تعني اصطفافاً في معسكر “عاصفة الحزم” حتى وإن كذب “جمال بن” في تغريداته.. ولن يقلل من هذا الأمر أية تصريحات ستتحدث عن “علاقات متوازنة ومع الجميع” تسعى حماس في نسجها .. ذلك أن توقيت الزيارة، وتأييد عاصفة الحزم، يضعان حماس في خانة أبعد عن المعسكر الإيرانى. والزيارة التي لا يمكن عزلها عن جهود قطر للوساطة بين السعودية والإخوان عموماً، وحماس خصوصاً، تأتي في سياق تزايد الحديث عن

 

"تهدئة طويلة الأمد" بين حماس وإسرائيل من جهة، ومناخات انفراج نسبية بين القاهرة وحماس من جهة ثانية. ناهيك أن.حماس، المقبلة على “تهدئة” والساعية للخروج من شرنقة الحصار في غزة، بحاجة للسعودية أكثر من حاجتها لإيران.. ووحدها الأيام المقبلة، بما تختزنه من تطورات، وربما مفاجآت، ستوضح النتائج التي ستؤول إليها سياسة “التنقل بين المحاور واللعب عليها”، بل وقد تتضح معها مصائر “نهج المقاومة والممانعة" .