المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

بين الموقف المصري والدوافع السياسية.. الحسابات السعودية وراء زيارة وفد حماس

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 11:41 صباحاً

الملك سلمان وخالد مشعل
الملك سلمان وخالد مشعل

أولا: الدوافع السياسية:

  1. يمكن تناول زيارة وفد حماس للمملكة من زوايا محدودة النظر، تنتهي بأنها لا تمثل سوى استدارة تكتيكية من المملكة تسعى للتحرك الجزئي لتصحيح بعض الأوضاع الإنسانية في غزة، وتقريب وجهات النظر لأجل عقد مصالحة بين فتح وحماس.

  2. ويمكن أيضا تناولها من زوايا أوسع للنظر في ضوء أوضاع المملكة في الداخل وعلاقاتها الإقليمية والدولية في ظل الملك سلمان، ومن هذه الزاوية نرصد عددا من دوافع وأبعاد الزيارة على النحو التالي:

  • منذ تولي الملك سلمان الحكم في يناير 2015 سعت قوى الإسلام السياسي داخل المملكة وخارجها إلى الضغط على النظام لإعادة تبني المشروع الإسلامي بطبعاته الصحوية والإخوانية والتخلي عن سياسات الملك عبدالله. ومن المعروف أن لتيار الإسلام السياسي حاضنة مهمة في الخليج وفي المملكة. وعلى الرغم من الاعتبارات العديدة التي تجعل المملكة تبتعد عن هذا التيار، إلا أنها مضطرة للتقارب معه بدوافع مصلحية داخلية وخارجية.

  • في ظل الاحتضان القطري لمشروع الإسلام السياسي والعداء المصري - الإماراتي له، تريد المملكة إعادة حيازة ورقة الإسلام السياسي، عبر منهج وسيط بين قطر وكل من مصر والإمارات، على نحو يجعلها الطرف المتوسط بين نهجين متصادمين في المنطقة مما يجعلها في قلب سياسات المستقبل بالإقليم، وهو أمر يكرس دورها عربيا وإقليميا، خصوصا في ظل المرحلة المقبلة التي تتصادم فيها الدول العربية وفروع الإخوان.

  • تستشعر المملكة خطورة احتمال التحالف بين جماعات الإسلام السياسي وإيران، وأن توظف إيران (بعد الاتفاق النووي) هذه الجماعات الساخطة على نظم الحكم في مشروعها في المنطقة، وهو ما يمكن أن يكون مدمرا على منطقة الخليج والمملكة. وتريد المملكة بتحركها إعادة استجماع أدوات المواجهة الإقليمية مع إيران مستغلة كل الأوراق بما فيها ورقة التحصن المذهبي، خصوصا في ضوء احتمالات ازدياد الاستحسان من جانب قوى الإسلام السياسي للنموذج الإيراني في المواجهة مع الغرب، وتوظيف الغرب وإيران معا لهذه القوى في مشروع إقليمي ضد بلدانها.

  • لا تستهدف السعودية مصر بتحركاتها فيما يتعلق بموضوع الإخوان وحماس، ومن الصعب -من حيث التقدير السياسي- تصور أن تفضل المملكة الانحياز لقوى الإخوان والإسلام السياسي، وهي تعرف أن ذلك سيكون على حساب علاقاتها مع مصر والإمارات، لذلك من المهم استبعاد هذا الاحتمال كهدف سعودي.

  • تفرق السعودية بين كل من حماس وإخوان اليمن، وبين إخوان مصر، على الرغم من استمرار استضافتها لهم وتقديمها ملاذات آمنة للإخوان المصريين حتى في عهد الملك عبدالله، وهناك كثير من الإخوان المسلمين المصريين ممن فروا إلى المملكة في السنتين الماضيتين. وتعتقد المملكة أنهم أوراق مهمة لها في الإقليم مع تنامي الخطر الأشد لجماعات داعش والنصرة..،.

  • الملك سلمان ذو توجهات محافظة دينيا، وفي عهده تريد المملكة العودة لريادة مشروع إسلامي، وهو المشروع الذي تلقى ضربات شديدة داخل السعودية وبدول الخليج منذ التسعينيات من القرن الماضي، وازداد التنافر السعودي معه بعد أحداث 11 سبتمبر الذي اضطرت بعدها المملكة لتبني سياسات تقليصية ورقابية ضد منظمات العمل الخيري. ويريد الملك سلمان إعادة إحياء الهيكل "المعتدل" واحتضان هذا المشروع وإعادة توجيهه، وليكون سندا للمملكة في معركتها في مواجهة إيران وجماعات ما دون الدولة، يساعد على ذلك الانفتاح الأمريكي على أنصار هذا التيار وتخفيف القيود الأمريكية لمراقبة منظمات العمل الخيري.

  • إذا أخذت الزيارة في سياق التسريبات التي أصبحت حقائق حول حوارات سعودية - إسرائيلية في دوائر خلفية، فإنه لا يستبعد أن يكون ذلك في سياق التنسيق بين البلدين فيما يتعلق بإيران وتخفيف جبهات التوتر مع إسرائيل من خلال تخفيف الضغوط الإنسانية في غزة وبناء كيان اقتصادي مستقل لها، في ظل تعثر تحقق الدولة الفلسطينية بين غزة والضفة. حيث أن كلا من إسرائيل والسعودية هما الآن أكثر بلدين يعتبران إيران عدوا، وهذا التوافق غير المعلن بينهما في الإقليم، من المرجح أن تكون له تجليات وتوافقات غير موقّعة. لكن ستجد المنطقة دلائلها واضحة.

  • إعادة علاقات المملكة مع جماعات الإسلام السياسي يخفف الضغط الأمني الداخلي عنها فيما يتعلق بهجمات داعش الأخيرة، وهناك خميرة جهادية شبابية في المملكة تشترك بعناصرها القتالية ضمن داعش والنصرة، يمكن أن تشكل خطرا كبيرا خصوصا بعد تفجيري القطيف والدمام وبعد تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت. فمن شأن الإجراءات التي اتخذتها حكومة سلمان وحكومة الكويت للتقارب الوطني واسترضاء الشيعة بعد التفجيرات الثلاثة، أن تخلق ردات فعل معادية وسط التيار السلفي بالمملكة ودول الخليج (المعادي للشيعة أكثر من عدائه لإسرائيل)، ومن ثم لا يغيب الهدف الوطني الداخلي، حيث تؤكد المملكة بمساعيها نحو حماس استمرار تبنيها لمشروع الإسلام السياسي.

  • تجاوز تبعات مرحلة ما بعد الثورات العربية والإصلاحات السياسية الداخلية، بتوسيع الأفق والخيار الإقليمي، خصوصا في ظل الضغط على المملكة من كل من جبهتي سوريا واليمن وفشل رهانها في الدولتين، فليس هناك أمام الحكم في الوضع الراهن سوى خيارين، إما الانفتاح الداخلي والإصلاح السياسي، أو الانفتاح على مشروع إقليمي يعيد استيعاب قوى الإسلام السياسي وينهمك فيه قوى الداخل، ولقد تفادى النظام القلق الداخلي بتصويب عدائه نحو سوريا لأربع سنوات، والآن ليس أمامه سوى تجريب حالة جديدة، لتفادي سؤال الإصلاح الداخلي، وهو فتح جبهة خارجية تتجاوز عثرات جبهتي سوريا واليمن.

  • بعد الاتفاق النووي مع إيران، وتراجع التعهد الأمريكي بشأن أمن الخليج، تؤهل السعودية نفسها لمرحلة قد تطول لاصطفاف قوى الإسلام السياسي بالإقليم وزيادة عوامل التحصين والأمان قبالة إيران، وهي الهاجس الأساسي للمملكة، والذي يحتاج إلى تكاتف الجبهة الداخلية، وتأمين العلاقة مع قوى الإسلام السياسي المعتدلة، خصوصا مع التمددات الإقليمية للتنظيمات الداعشية التي تتلاقى مع إيران في المصالح، وإن تصادمت معها في الأيديولوجيا، وتهدف المملكة لإعادة الإمساك بالتنظيمات التي تفرخ الدواعش.


 

ثانيا: موقف مصر:

  • يصعب على مصر تصعيد الخلاف مع المملكة على سعيها لتوظيف قوى الإسلام السياسي إقليميا في تحقيق أمنها الخاص، أو توظيفها لهذه القوى في الصراع مع إيران. ولا يعني التقارب السعودي مع قوى الإسلام السياسي وفروع الإخوان في المنطقة التصادم مع مصر، فالوضع الراهن يختلف عن الوضع في الستينات، حيث أنه ليس هناك إمكانية لاستخدام الإخوان للضغط على الدولة المصرية، ومن المرجح أن ذلك ليس من بين أهداف المملكة في مسعاها الراهن.

  • هناك تناقض في الأهداف السعودية والأهداف الإخوانية من مساعي التقارب، حيث تستهدف المملكة توظيف الإخوان في دعم دورها الإسلامي خارجيا كراعية للمشروع السني، بينما يستهدف الإخوان توظيف المملكة للضغط على بلدانهم ومنها مصر، وفي الأغلب فإن انخراط الإخوان في شبكات مصالح وعلاقات داخل المملكة، قد يشغلهم عن هدفهم في استعداء الدولة المصرية، وقد يكرس انخراطهم في مصالح مادية داخل المملكة لسنين تقارب العقود التي عاشوها هناك منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات.

  • بشكل عام، لن يتحول التقارب السعودي الإخواني –إذا حدث- ليصبح نسخة من التحالف القطري الإخواني، فالمملكة لن تحل محل قطر، ولن تدعم مشروعا لإسلام سياسي هدام للأوطان العربية، لأنه ليس في مصلحتها الاستراتيجية.

  • يصعب أن يتطور الأمر إلى محور سعودي – إخواني، أو قطري – سعودي، أو سعودي - تركي، وليس هناك أي دلائل على مسعى رسمي من المملكة إلى ذلك، على الرغم من حديث عدد قليل من أنصار هذا المحور من المثقفين السعوديين من ذوي التوجهات الخاصة (الإخوانية تحديدا أو المتعاطفة مع الإخوان)، فلم يجر رصد أي خطوة رسمية تشير إلى ذلك بعد تولي الملك سلمان.

  • من الناحية الظاهرية، يتجه النهج السعودي إلى التصادم مع النهج المصري - الإماراتي المعادي بشدة لقوى الإسلام السياسي والإخوان، فخبرة مصر والإمارات تفيد باستحالة التعايش مع قوى الإسلام السياسي بعدما أصبحت تتحين الفرصة للانقضاض على الدولة، ومن ثم يصعب -من منظور مصر والإمارات- القبول بتوافقات تبقي على الجسد السياسي للإخوان كما هو، دون تغيير يطيح بأيديولوجيا وتنظيم الجماعة.

  1. لكن يمكن التفاهم مع النهج السعودي في إعادة توجيه الإسلام السياسي نحو مشروع حضاري يغير في مفهوم الجماعات الإسلامية، وتوظيف النهج السعودي في تذويب الطاقات العدائية للجماعات الجهادية الهدامة وإعادة توجيهها إذا كان ممكنا.

  2. والهدف من ذلك إبقاء السعودية على خط مصر - الإمارات، وليس الاختلاف معها، بما يدفعها للتقارب مع خط قطر – تركيا. خصوصا وأن هناك اعتبارات عملية وسياسية تقرب السعودية أكثر من مصر والإمارات، رغم مساعي وجهود قطر والإخوان الكثيفة لاجتذاب المملكة إلى صفهم.