المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

على رأسها القاعدة وأنصار الشريعة.. الأبعاد الإقليمية العابرة للحدود للسلفية الجهادية في تونس

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 12:03 مساءٍ

السلفية الجهادية في تونس
السلفية الجهادية في تونس

يتجلى البعد الإقليمي للتنظيمات السلفية الجهادية في تونس على نحو واضح. إذ لا تزال أكثر التنظيمات السلفية الجهادية نشاطا وتأثيرا في تونس- على رأسها القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة - ذات أطر تنظيمية وقيادية ذات طابع إقليمي، تضم قيادات وعناصر من بلدان مغاربية أخرى أهمها الجزائر وليبيا. هذا الطابع الإقليمي العابر للحدود بامتياز، يزيد من قدرة هذه التنظيمات على التكيف ومقاومة وامتصاص آثار الحملات الأمنية واستعادة القدرة على العمل بسرعة.

 

هذا الطابع الإقليمي لتهديدات السلفية الجهادية، يستوجب لمواجهته مستوى عال من التنسيق بين السلطات والأجهزة الأمنية في بلدان المغرب العربي، فيما يخص قضايا ضبط الحدود وتعقب العناصر والتنظيمات، وهو الشئ الذي لا يمكن الجزم بإمكانية تحقيقه سريعا، لأسباب ليس أقلها، ضعف أطر التنسيق والتعاون بين بلدان المغرب العربي، وكونها دائما عرضة لتقلبات الأهواء السياسية. وكذلك، الإنهاك الذي أصاب الأجهزة الأمنية والدفاعية في المنطقة بفعل استمرار الاضطرابات، وزيادة حدة المخاطر بدرجة كبيرة منذ أواخر 2010 وحتى الآن.

 

أولا: السلفية الجهادية قبل انتفاضة 2010-2011

بالعودة إلى جذور الظاهرة السلفية الجهادية في تونس، نجد أنها ليست بظاهرة جديدة هناك، رغم أن أبعادها الجهادية العنيفة تأكدت منذ 2011. إذ مارست بالفعل، القليل من الخلايا المسلحة "النشاط الجهادي" على عهد بن علي (1987-2011). أثناء ذلك قُتِل العديد من عناصر الشرطة التونسية وقوات الأمن في هجمات على الحدود مع الجزائرـ وكان الهجوم على الكنيس اليهودي عام 2002 في منتجع جربا السياحي الشهير هو أول عملية للقاعدة هناك. أيضا، وقعت عامي 2006 و 2007 مواجهات بالقرب من تونس العاصمة بين قوات الأمن وخلية تونسية تلقت تدريبا من الجماعة السلفية في الجزائر بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف سياحية.

 

أما جذور أيديولوجية السلفية الجهادية في تونس فتعود إلى عدة عقود مضت. جزئيا، إلى الصراع الهوياتي في تونس. إذ ربما كان تهميش الفواعل والهيئات والرموز الدينية بشكل عام في سياق مشروع تحديث وعلمنة (ربما وصل إلى حد التطرف) الذي سلكه أول رئيس لتونس، الحبيب بورقيبة، دافعا لظهور تيار متطرف في الاتجاه المضاد. وفي الثمانينيات، نمت حركة إسلامية ذات جناح راديكالي مستعد لاستخدام العنف. فبعد أن حظي مرشحو حركة النهضة بمكاسب واضحة في الانتخابات البرلمانية لعام 1989، تحول خلف بورقيبة، الرئيس زين العابدين بن علي إلى التضييق، ليحظر منذ أوائل التسعينيات كافة الأنشطة المتعلقة بتنظيمات الإسلام السياسى. أثناء ذلك لجأ كثيرون إلى الخارج وإلى الإنترنت، ومن هذه المنابر اتصلوا وكونوا شبكات مع تنظيمات وخلايا في المشرق والمغرب العربي. أيضا، ساهمت فجوة الثروة المتزايدة بين المناطق الشمالية الغنية والجنوب في دفع شباب الجنوب نحو التطرف وعلى امتداد الحدود مع الجزائر.

 

ثانيا: دفعة "الربيع العربي" للسلفية الجهادية في تونس

لا شك أن سلفيي تونس كانوا من بين المستفيدين من الانتفاضات العربية. إذ عملت العديد من المتغيرات لصالح تعزيز هذه التنظيمات، من بينها:

  1. تراجع سلطة الدولة بسبب الاضطرابات المستمرة: لم يقتصر هذا التراجع على جعل سلطات القانون والنظام فيما بعد الثورة أقل قمعا، بل أيضا أقل فاعلية، الأمر الذي سمح بزيادة نشاط هذه التنظيمات خاصة في مناطق الوسط الفقيرة نسبيا، وكذلك المناطق الحدودية المهمشة مقارنة بالمناطق الساحلية والشمالية الأكثر ثراء ورفاهية. وقد أفسحت الانتفاضة المجال للتنظيمات السلفية الجهادية كي تستثمر المآسي الهيكلية العميقة لمخلفات نظام بن علي، لصالحها. خاصة في ظل عدم قدرة الحكم بعد الثورة على استيعاب كثير من المآسي والمظالم الاجتماعية والاقتصادية.

  2. على رأس مظاهر تراجع قبضة سلطات فرض القانون والنظام في تونس، انهيار أي سلطة أجهزة الدولة على العديد من المساجد. بداية، وخلال الأشهر القليلة التالية على انتفاضة 2011، تم استبدال المئات من أئمة المساجد – قيل أنهم متواطئون أو سبق لهم التواطئ مع نظام بن علي - بأئمة آخرين، الأمر الذي فتح المجال للعناصر السلفية الجهادية باعتلاء منابر المساجد وبث دعوتهم لحشود المصلين. وفي أكتوبر 2011، أعلنت وزارة الشؤون الدينية أنها فقدت السيطرة على 400 مسجد، وأن أئمة هذه المساجد وأنشطتها لم تعد خاضعة لسلطة الوزارة. ورغم المحاولات المبذولة لاستعادة السيطرة على هذه المساجد، فلا يزال هناك حوالي 149 مسجدا خارج نطاق السيطرة، حسب بيان لوزارة الشؤون الدينية في مارس 2014، بينما قدرت وزارة الداخلية في بيان صدر في الشهر نفسه، عدد المساجد غير الخاضعة لسيطرة الدولة ب 380 مسجد. لا يُعرَف على وجه الدقة عدد المساجد التي تسيطر عليها عناصر سلفية جهادية. إلا أن أحداثا عديدة تشير إلى سيطرة عناصر سلفية جهادية على العديد من تلك المساجد، واستخدامها كمنابر لبث دعاياتها وحشد المؤيدين وتجنيد العناصر. من بين أبرز الأحداث الدالة على هذا، حث إمام مسجد سيدي علي بن صالح في بلدة "كيف" شمالي غربي تونس أتباعه على قتل عناصر شرطية، يناير 2014. أيضا، التحية التي وجهها أحد الأئمة يدعى " أحمد السهيلي"، في كلمة بثتها قناة "هانيبال تي في"، لجبهة النصرة، أنصار الشريعة، القاعدة،ـ داعش، والمجاهدين في الصومال ومالي والجزائر. قائلا: "إننا جميعا نقف متحدين ضد أعدائنا".

  3. أمد العفو التشريعي العام في فبراير 2011 عن كافة السجناء السياسيين هذه التنظيمات بعدد من العناصر القيادية، التي تملك خبرة في التخطيط للعمليات والحشد والتنظيم، من العناصر التونسية التي كانت قد غادرت في سنوات الثمانينيات، للجهاد في أفغانستان ثم البوسنة / و العراق فيما بعد. تمكن بعض هؤلاء الجهاديون من العودة إلى العمل، بشكل معلن ضمن أطر أحزاب سياسية أو تنظيمات غير عنيفة، إلا أن بعضهم استمر ماضيا على نهج العنف، ومنها قائد تنظيم أنصار الشريعة في تونس.

  4. عملت التطورات في بلدان عربية أخرى تأثرت بالاضطرابات لصالح الجهاديين في تونس. حسبما قالت بعض الشخصيات الرسمية فإن أكثر من 3 آلاف تونسي ذهبوا للقتال في سوريا. يقال أن عددا منهم عاد بالفعل، حاملا معه رؤية أيديولوجية أكثر تطرفا وخبرة عملياتية أكبر. الأمر الآخر، أن بعض هذه العناصر غادرت للجهاد في سوريا والعراق بدعم ورعاية تنظيمات سلفية جهادية مثل أنصار الشريعة في تونس. وبافتراض إمكانية إعادة هذه العناصر مرة أخرى إلى تونس، ستفيد هذه التنظيمات من الخبرة الميدانية والقيادية التي تلقاها هؤلاء في سوريا والعراق، لرفع كفاءة التنظيم على مستويي العمليات والتنظيم والتجنيد. كذلك، فإنه وبعد انهيار سلطة الدولة في ليبيا تحولت ليبيا إلى ملجأ للعناصر السلفية الجهادية، ومعسكرا لتدريب جهاديي تونس، ومستودع للحصول على السلاح وتخزينه، ثم تهريبه عبر الحدود الرخوة، العصية على السيطرة، إلى تونس وغيرها من بلدان المغرب بل والمشرق العربي أيضا.

  5. الائتلاف الحاكم بقيادة حزب النهضة (2011-2013) في البداية ربما يكون قد منح السلفيين الجهاديين مساحة كبيرة من حرية الحركة، متبنيا رؤية - غير مبررة - مفادها أن القمع يفضي وحده إلى التطرف. ولذلك، سعى حزب النهضة في المراحل الأولى بعد انتفاضة 2011 إلى دمجهم في العملية السياسية. ربما، أيضا لعب تطلع النهضة إلى استثمار رأس المال الرمزي لجماعات وعناصر سلفية، وكسب أصوات السلفيين والمؤيدين لهم دورا هنا. ولكن هذه السياسة انتهت تقريبا بعد سلسلة من الأعمال الإرهابية، مثل تفجير السفارة الأمريكية في سبتمبر 2012، كذلك مقتل بعض رموز المعارضة اليسارية عام 2013، بواسطة سلفيين أيضا، وتصاعد مطرد في حوادث الاعتداء على أفراد الأمن. المقصد أنه ومنذ العام 2013، حدثت قطيعة بين النهضة والسلفيين الجهاديين، ليتماهى خطاب النهضة تماما وخطاب حكومة الترويكا في تونس، الذي يصنف أكبرها – القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة – بوصفهما تنظيمان إرهابيان.

 

ثالثا: الجماعات العاملة في تونس

تتواجد العديد من جماعات السلفية الجهادية في كلا من الجزائر وتونس. ولكن تظل القاعدة في المغرب الإسلامي الجماعة الأكبر وفي كثير من الأماكن الجماعة الوحيدة. كذلك، تعمل سلسلة من الجماعات الأخرى في أقاليم جنوب الجزائر على الحدود مع مالي وليبيا، بعضها انفصل عن القاعدة في المغرب الإسلامي. وخلال السنوات الأولى بعد الثورة فى تونس ظهرت جماعتي أنصار الشريعة وكتيبة عقبة بن نافع كفاعلان مركزيان في تونس.

  1. القاعدة في المغرب

أ- بين الأيديولوجية والبرجماتية

للوهلة الأولى قد لا تختلف أيديولوجية، ودعاية، وكذلك الأهداف النهائية للقاعدة في المغرب الإسلامي بشكل كبير عن تلك التي تتبناها القاعدة في باكستان. الغاية هي تأسيس دولة إسلامية تلغي الحدود التي تقسم العالم الإسلامي وتنهي ما تعتبره تلك الجماعات "احتلال الكفار للأرض الإسلامية". في مقابلة عام 2008، قال زعيم القاعدة فى المغرب العربى "عبد المالك دروكدال" فيما يخص "العدو القريب": "الأهم أن ننقذ بلادنا من مخالب هذه النظم المجرمة الخائنة لدينها وشعبها." وتعكس هذه العبارات (بالإضافة إلى وثيقة يبدو بوضوح أنه هو من كتبها، عثر عليها صحفيون من وكالة أسوشيتد برس عام 2013 ) مقاربة سياسية واستراتيجية، وليس مقاربة شرعية أو أصولية. حسب كلمات دروكدال نفسه فإن التعبير بمصطلحات سياسية وليس دينية هو تكتيك لاسترضاء شركاء محليين محتملين والتمويه على الخطط التوسعية العالمية للقاعدة في المغرب الإسلامي.

يمكن النظر إلى براجماتية دروكدال التكتيكية من زاوية أحداث "الربيع العربي"، حيث لم تلعب القوى الجهادية أية أدوار في الانتفاضات، وتم تهميشها في البداية وسط زخم النشوة بإسقاط نظام بن علي، والتطلع نحو فتح آفاق الحريات على مصراعيها. أصدر دروكدال بيانات منمقة ترحب بالإطاحة بالمستبدين وتحث الجهاديين التونسيين على ممارسة ضبط النفس خلال العام الأول لحكومة حزب النهضة الإسلامي. عندما فقد الجهاديون تأييد السكان الخاضعين لسيطرتهم شمالي مالي عام 2012، أدان دروكدال تدمير مقامات الصوفية وطالب بتطبيق تدريجي للحدود، وليس بشكل مفاجئ. يوضح هذا أن القاعدة في المغرب الإسلامي وجدت نفسها مضطرة لأخذ اعتبارات الأوضاع المحلية وميول السكان المحليين في الاعتبار.

وعندما شرع عدد متزايد من الشباب المغاربي في التوجه لسوريا للجهاد، دعاهم دروكدال للبقاء والقتال في وطنهم بدلا من "الهجرة". ربما تشير هذه الدعوة إلى صعوبات في تجنيد العناصر وفقدان تنظيمه للجاذبية. وخلافا للجهاديين في سوريا والعراق، لم تحقق القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أية نجاحات عملياتية كبيرة بمفردها منذ سنوات، وليس بإمكانها تعزيز السيطرة على أراض. عائق آخر يتمثل في أن القاعدة في المغرب، خلافا لجماعات أخرى، ليست لها أية سلطة دينية مرتبطة بدعوة عالمية. تنحصر كاريزما دروكدال الدينية / الأيديولوجية في منطقة المغرب نفسها. ربما يعود هذا جزئيا إلى تقدمة التنظيم بنفسه. منصته الإعلامية اسمها "الأندلس". أما تعليقاته وفيديوهاته على التطورات السياسية في المغرب غالبا ما تكون بجودة منخفضة، ويقدمها محاربون مخضرمون بثياب مهللة، يعيشون تحت الأرض في أوضاع غير مريحة. هذا المظهر البائس لا يشع نجاحا ولا يغذي أوهام السلطة لدى الشباب من الذكور، وهي الدوافع الأقوى لتجنيد العناصر الشابة في المغرب، كما في أي مكان آخر، والمثال البارز على فاعلية هذه الدوافع يتمثل في "داعش".

 

ب- القاعدة في المغرب ... البنية التنظيمية والقاعدة الاجتماعية

تتألف القاعدة في المغرب الإسلامي من العديد من الكتائب (الوسطى والشمالية خاصة في منطقة القبائل، المناطق الشرقية بالقرب من الحدود التونسية والليبية، المناطق الغربية عبر الحدود المغربية، جنوبي الجزائر ومالي). تتباين مستويات نشاط الكتائب، وتتباين أيضا في درجة استقلاليتها عن قيادة التنظيم. ويلاحظ أن أقلها نشاطا تلك التي في الغرب.

 

لا يوجد تنظيم "رسمي" للقاعدة في المغرب الإسلامي، ولكن من المعلوم أن زعيمها الرسمي (الأمير) هو أبو مصعب الودود، المعروف أيضا بعبد المالك دروكدال، الذي كان زعيما أيضا للجماعة السلفية للدعوة والقتال منذ العام 2004. يُشتبه في أن دروكدال يختبئ في جبال الأوراس شمال شرقي الجزائر. الجهاز المركزي للتنظيم هو مجلس الأعيان، الذي يضم رؤساء اللجان الشرعية، العسكرية، الطبية، المالية، القضائية، والعلاقات الخارجية.

 

لبضعة سنوات، وجد التنظيم أنه يواجه منافسة متنامية جنوبي الجزائر، حيث أسس مختار بلمختار- قائد كتيبة القاعدة في الساحل حتى أقاله دركدال- جماعة المرابطون. انتزع بلمختار، بهجماته المتعاقبة على مصفاة الغاز في عين أميناس، لقب "رجل الأفعال" من دروكدال. كذلك، فإن إقصائه ربما تسبب في خسائر مالية لدروكدال وتنظيمه.

 

تمول القاعدة في المغرب الإسلامي نفسها عن طريق الفدي، السجائر، تهريب المخدرات والسلاح، والجبايات المفروضة على المهربين مقابل الحماية. هذه الموارد الكبيرة تسمح للجماعة بأن تدفع لمقاتليها لا الاعتماد على الولاء الأيديولوجي فحسب. ولكن منذ مغادرة بمختار وظهور جماعات جديدة في منطقة الساحل فقدت القاعدة بعضا من مواردها. رغم أنها وسعت نطاق عمليات الاختطاف التي تنفذها إلى منطقة القبائل شمالي الجزائر، فإنها لا يمكنها إلا استخلاص مقادير قليلة من الأموال من ضحاياها الجزائريين الفقراء. الأكثر من ذلك، أن البربر المحليين يقاومون عمليات الاختطاف عبر التنديد بأنصار الجماعة الجهادية. وضع هذا القاعدة تحت ضغط متزايد في شمالي الجزائر، حيث تعتمد كثيرا على الدعم المحلي.

 

هناك دلائل محددة على أن المجال الجغرافي لعمل القاعدة في هذه المنطقة من الجزائر قد تقلص. ومع ذلك، رغم تزايد المنافسة من جانب جهاديين آخرين، هناك آفاق جديدة لعمل ونمو القاعدة في المغرب، تحديدا في منطقة الحدود الجزائرية – التونسية وفي ليبيا.

 

لأكثر من عقد، تراوحت التقديرات بشأن حجم قوة القاعدة في المغرب الإسلامي داخل الجزائر من أربعمائة مقاتل إلى ألف مقاتل. ومع ذلك، ينبغي التعاط مع هذه الأرقام بحذر. في فترة ما، كانت وسائل إعلام محلية تنشر أخبار عن تصفية إرهابي أو أكثر شمالي الجزائر. إذا ما كان أولئك الذين قُتِلوا جهاديين بالفعل، وإذا ما كانت التقديرات السابقة عن عدد أعضاء القاعدة صحيحة، لكانت الجماعة قد انتهت منذ فترة طويلة مضت – أو لابد أن لديها جهاز تجنيد رائع.

 

أما من ناحية تطور نشاط القاعدة في المغرب داخل الأراضى التونسية ، فالملاحظ هنا أنه ظل محدود النطاق وغير ملحوظ بشكل كبير منذ تأسست الجماعة عام 2007 وحتى مطلع العام 2011. لكن هذا لا ينفى نجاح التنظيم فى اجتذاب بعض العناصر التونسية، وفى هذا السياق تشير تقارير أمنية جزائرية صدرت في تلك الفترة إلى وجود تونسيين بين الجهاديين المقتولين أو من ألقي القبض عليهم آنذاك.

 

لكن بعد سقوط نظام بن على، أصبح نشاط القاعدة في المغرب ملحوظا في تونس. ففي مايو 2012، حدث تبادل لإطلاق النار بين عناصر للقاعدة وقوات الأمن أودى بحياة اثنين من قوات الأمن التونسي من بينهم ضابط برتبة عقيد، بعد كشف قوات الأمن عن محاولة لتهريب السلاح عبر الحدود الجنوبية لتونس. وفي 2013، اندلع قتال بين مسلحين وقوات أمن بعد أن حاولت السلطات إيقاف مهربين للسلاح. وانتهى الصدام بمقتل عنصرين من المسلحين، والقبض على 12 آخرين، ومصادرة 34 سلاح أوتوماتيكي وحوالي 55 ألف دولار.

 

خلال هذه الفترة، حسب مسؤولون جزائريون، زاد تدفق السلاح عبر وداخل تونس (سواء من جهة ليبيا أو الجزائر)، وذلك بمراقبة المناطق الحدودية مع تونس. وبعد أشهر عديدة من البحث عن مسلحين في منطقة جبل شامبي، أعلى الجبال التونسية، كشفت قوات أمن تونسية عن مصنع محلي للذخيرة في 29 إبريل 2013، قالت قوات الأمن أنه يتبع "كتيبة عقبة بن نافع" الموالية آنذاك للقاعدة في المغرب الإسلامي. ولكن منذ ذلك الحين، بدا أن نشاط القاعدة في المغرب بدأ في تراجع تدريجي، لصالح كتيبة عقبة بن نافع، التي استطاعت في وقت قصير، إنجاز استدارة كاملة لتبتعد عن مجال القاعدة، وتدخل في فلك داعش.

 

2- كتيبة عقبة بن نافع... الهياكل، والقاعدة الاجتماعية

تشهد الساحة الجهادية التونسية عملية فرز وتغيير للولاءات والاصطفافات منذ العام 2011. يبدو أن أنصار الشريعة وعقبة بن نافع تمثلان الآن مركز الثقل الجهادي. أصبحت عقبة بن نافع الصغيرة نسبيا تحديا كبيرا لقوات الأمن التونسية. حسبما تقول الحكومة التونسية، فإنها المسؤولة عن الهجوم على متحف باردو في الثامن عشر من مارس2015 في تونس العاصمة، والذي أسفر عن وفاة أكثر من عشرين شخص، معظمهم من السائحين.

 

تعمل جماعة عقبة بن نافع في منطقة واسعة تمتد إلى الجزائر، حيث تنخرط أيضا في عمليات تهريب. كان ظهورها الأول عام 2012، عندما قتلت عنصر من حرس الحدود في تبادل لإطلاق النار. نفذت الجماعة صيف 2013، هجوم أودى بحياة ثمانية جنود. رغم التنسيق مع الجيش الجزائري، فشلت قوات الأمن التونسية في وقف نشاط هذه الجماعة. من بين أسباب الفشل في التصدي لها، نمط العلاقات الشبكية الجامع بين جهاديين ومهربين في منطقة الحدود الجزائرية – التونسية. كذلك، فإن مكافحة شبكات – معقدة، يفوق عدد عناصرها عدد قوات الأمن – هو أمر حساس بالنسبة للحكومة التونسية، في ظل الأزمة الاقتصادية، واستفادة السكان المحليين في المناطق الحدودية الفقيرة والمهمشة من التهريب والسوق السوداء المرتبطة به.

 

حسبما تقول مصادر رسمية تونسية فإن عناصر عقبة بن نافع هم تونسيون بالأساس، ولكن القيادة جزائرية. وتتراوح التقديرات بشأن أعداد المقاتلين ما بين عدة عشرات إلى مائة عنصر. عام 2012، أعلنت الحكومة التونسية أن عقبة بن نافع هي فرع يتبع مباشرة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ولكن ذُكِرَ أيضا أن أعضاء في الجماعة ظهروا في تظاهرات لأنصار الشريعة. هناك ما يشير إلى أن عقبة بن نافع تنحدر أساسا من محيط القاعدة في المغرب الإسلامي ولكنها انجذبت أكثر نحو أنصار الشريعة. إلا أنه وفي سبتمبر 2014، أعلنت الجماعة (أو أجزاء منها) عن بيعتها لداعش. تباعد هذه الخطوة بين الجماعة وبين القاعدة وأنصار الشريعة، اللتان تظهران حتى الآن موقفا سلبيا ومترددا تجاه داعش.

 

2- أنصار الشريعة

أ- الهياكل، والقاعدة الاجتماعية

ظهرت أنصار الشريعة في المشهد التونسي بعد أشهر قليلة من سقوط نظام بن علي، واستطاعت أن تحشد عدد ضخم من الأنصار والمؤيدين. في مايو 2012، احتشد ما بين خمسة إلى 15 ألف من المتعاطفين مع أنصار الشريعة في القيروان للاحتفال بالذكرى الأولى لتأسيسها. خلال عامها الأول، كان بالإمكان تصنيف أنصار الشريعة بوصفها جماعة سلفية راديكالية، ولكنها لم تمارس العنف أو الإرهاب. ولكن مع مقدم 2013، اتجهت الجماعة بشكل مطرد نحو التطرف وأيدت علنا النشاط الجهادي في تونس، بينما لم تكن من قبل تتبنى الجهاد إلا في سوريا.

 

بالنظر إلى السيرة الذاتية لزعيم أنصار الشريعة، فإن اندفاع الجماعة نحو التطرف والعسكرة ليس مفاجئا. في منتصف الثمانينيات، لعب أبو عياض التونسي (زعيم أنصار الشريعة في تونس) بالفعل دورا في مشهد العنف في تونس واندمج لاحقا في محيط السلفية الجهادية العالمية وهو في منفاه في لندن. في التسعينيات ذهب إلى أفغانستان، حيث تحرك في دوائر أسامة بن لادن وذُكِرَ أنه اشترك في هجوم القاعدة عام 2001 على التحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود. بعد إلقاء القبض عليه في تركيا عام 2003، سُجِن أبو عياض في تونس. وظل مسجونا إلى أن صدر قرار عفو عام عن جميع المسجونين في قضايا سياسية، فبراير 2011. عاد أبو عياض إلى العمل السري من مكان مجهول، بعد وقت قصير من تفجير السفارة الأمريكية في تونس، سبتمبر 2012، وقيل أنه بقي فترة في ليبيا.

 

تتوفر القليل من المعلومات حول البنى التنظيمية لأنصار الشريعة. للجماعة خمس مجالس للشورى تمثل هيكلها القيادي. أشهر وجوهها المتحدث باسمها سيف الدين الريس، الذي اعتقل في القيروان نهاية يوليو 2014، بتهمة تجنيد جهاديين للقتال في سوريا. تشير أخبار القبض على عناصر يقال أنها تعمل تحت قيادة أو بدعم من خلايا أنصار الشريعة إلى وجود شبكة من الخلايا العاملة على امتداد أجزاء كبيرة من البلاد. ولأن أنصار الشريعة كانت قادرة على العمل بشكل قانوني لأكثر من عامين، ركزت فيها على العمل الخيري، ربما لا يزال هناك جمعيات خيرية مرتبطة بها بشكل أو بآخر. اعتقلت الحكومة التونسية صيف 2014 – في تصعيد انتقده نشطاء حقوقيون وديمقراطيون دوليون ومحليون – عددا من العاملين في الجمعيات الخيرية وحظرت أكثر من مائة جمعية مشتبه في كونها تعمل في غسيل الأموال أو مرتبطة بجماعات عنف.

 

على النقيض من القاعدة في المغرب الإسلامي، لا تعتمد أنصار الشريعة على الجريمة المنظمة بشكل أساسي في تمويلها. حسب مصادر تونسية رسمية، تلقت أنصار الشريعة منح من الداخل والخارج، ومنها اليمن، ليبيا ومالي. هناك ما يشير إلى أن الجماعة مدعومة من أكثر من 120 كيان أجنبي، منها مؤسسات كويتية وسعودية، حيث تصل مساهماتها عن طريق تنظيمات تجمع بين العمل الخيري، والتبليغ والدعوة. ذُكِرَ أن الأموال تدفقت على أنصار الشريعة في تونس عن طريق التجمع التونسي للحفاظ على التراث الإسلامي، واستخدمت لتمويل نشاط جهادي. تُجمع تبرعات من تونسيين لصالح أنصار الشريعة في مساجد غير رسمية لا تخضع لسيطرة الدولة. أما مدى استفادة أنصار الشريعة من نفوذ تنظيمات السلفية والجريمة المنظمة في منطقة الحدود التونسية – الجزائرية فهو أمر لا يزال محل بحث.

 

بداية العام 2013، قيل أن أنصار الشريعة لديها أكثر من ألف من المؤيدين، منهم شباب تونسي وجد نفسه غير قادر على التماهي والعملية الانتقالية كونه لم يشهد أية ثمار اقتصادية لها، ورافض للنظام السياسي الجديد غير الإسلامي من وجهة نظرهم.

أنصار الشريعة متغلغلة بشكل خاص في المناطق الداخلية المهمشة اجتماعيا واقتصاديا وفي المناطق الحدودية (مثل بيزرت، منطقة القبائل، كيف، القيروان، جندوبة، قفصة، القصرين). تشير تقارير إعلامية إلى أن بإمكانها الاعتماد على الولاء أو على الأقل الصمت في بلدات صغيرة ومناطق بدائية "حيث التواصل الاجتماعي المباشر على أشده)، وعدم الثقة تجاه الحكومة على أشده أيضا. حتى مع تواري مؤيديها عن الأنظار منذ بداية القمع، صيف 2013، فإن هذا لا يعني اختفاء كل تعاطف تجاه "قضية أنصار الشريعة". يبدو أن جزء من أتباعها، مثل زعماءها، تحول إلى جماعات منشقة قريبة من القاعدة في المغرب الإسلامي أو داعش.

 

ب- التذبذب بين الدعوة والعنف

تريد أنصار الشريعة تأسيس دولة إسلامية. ولكن على الأقل في بواكير أيامها، اختلف نمط أفعالها بشكل حاسم عن تنظيمات جهادية أخرى بسبب قدرتها على العمل بشكل مشروع وداخل السياق الاجتماعي والاقتصادي المحلي. ربما تكون سمات المجتمع التونسي ككل ( أصوله الاجتماعية المتوافقة، ارتفاع مستوى التعليم والميل نحو العلمانية) أقنعت أنصار الشريعة باتباع استراتيجية براجماتية في البداية، توظف سبل الإقناع السلمية.

 

قدمت الجماعة نفسها، في عروضها الإعلامية حتى تم حظرها في أغسطس 2013، بوصفها المدافع عن الفقراء. يظهر في فيدوهاتها الدعائية صور أفراد في زي برتقالي يحمل شعار أنصار الشريعة أثناء قيامهم بعمل اجتماعي في أحياء فقيرة، أو جماهير تهتف بحماس في مسيرات جماهيرية للجماعة. في الحقيقة، تبني أبو عياض موقفا غامضا من استخدام العنف منذ البداية، قائلا أنه يتبنى دعوة الجهادية العالمية بحمل السلاح ضد "العدو البعيد"، ولكنه يعتبر أن تونس أرضا للتبليغ والدعوة. إلا أن الملاحظ أن أنصار الشريعة تؤمن منذ البداية بالحسبة، أي فرض التقاليد الإسلامية، والسيطرة على السلوك الاجتماعي بالقوة. لهذا على سبيل المثال، تظاهرت أنصار الشريعة للسماح للمنتقبات بدخول الجامعات التونسية. أيضا، استهدفت الجماعة في أيامها الأولى، بالقول وبأعمال عنف أحيانا، فنانين، مثقفين ووسائل إعلام اعتبرتها فاسقة.

 

ومع ذلك، ظلت أجندة أبو عياض حتى قرب نهاية 2012 أقرب إلى برنامج حزب سياسي سلمي. دعت أنصار الشريعة لتأسيس اتحاد تجاري إسلامي وأسلمة قطاعات المالية، الإعلام، التعليم والسياحة. وضعتها هذه المحاولات لتسويق نفسها كفاعل سياسي خارج التيار السلفي الرئيسي، الذي يرفض بصرامة المشاركة في عمليات سياسية لا ترتكز إلى الشريعة.

 

عقب حظرها في 2013، مالت أيديولوجية أنصار الشريعة نحو التطرف والعنف ضد "العدو القريب"، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، وضعت أنصار الشريعة حزب النهضة ضمن فئة الفاسقين ممن يجب محاربتهم. لا تزال أنصار الشريعة، مثل القاعدة في المغرب وجماعات جهادية أخرى، محجمة عن نشر فيديوهات لعمليات عسكرية، وترفض في الواقع تصنيفها كجماعة "إرهابية" – زاعمة في المقابل أنها منظمة إنسانية تحظى بتأييد واسع. ولكن العنف يلعب الآن دورا أكبر في مدونات الجماعة وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

في إبريل 2014، شنت أنصار الشريعة حملة "جهاد أمة" على الفيسبوك حيث تحث الجهاديين الذين ليس بإمكانهم القتال على الجبهة، بالتبرع لشراء أسلحة لـــ "أرض الجهاد". في ربيع 2014، ظهرت منصة إعلامية جديدة مرتبطة بأنصار الشريعة تحت اسم "شباب التوحيد"، من بين أنشطتها الدعاية للدولة الإسلامية. أخيرا نهاية رمضان 2014، احتفى بيان لأنصار الشريعة للمرة الأولى بهجوم وقع في تونس، تسبب في وفاة 15 من عناصر قوات الأمن.

 

رابعا: الجانب العابر للحدود والقوميات... التنسيق، المنافسة والصراع

أتاحت الاضطرابات السياسية في العالم العربي، خاصة في ليبيا وسوريا والتطورات في مالي، المزيد من الفرص للقاعدة في المغرب وأنصار الشريعة، ولكنها أوجدت أيضا تحديات جديدة كبيرة فيما يخص علاقاتهما الخارجية. فمن جهة، أتاحت الأوضاع تعاون كثيف وبدرجة أو بأخرى مفتوح بين جهاديين مغاربة وعناصر تنفيذية مماثلة فكريا من نيجيريا وحتى العراق. ومن جهة أخرى، أثرت تحولات رئيسية في سوق العرض والطلب الجهادي، على هاتين الجماعتين، إذ صعدت على السطح جماعات جديدة وأصبح لها قدرة جيدة على الحشد. وبالتالي، اشتدت المنافسة بين تنظيمات جهادية وبعضها البعض، وغذى اقتتال داخلي على زعامة الحركة الجهادية العالمية. الأكثر من ذلك، اشتعلت صراعات بين جماعات جهادية مرتبطة بأسئلة تكتيكية مثل شكل وأبعاد استخدام القوة المسلحة، وانعكست أيضا في تباين التوجهات نحو فواعل سياسية محلية.

 

  1. تعميم المعرفة .. التعاون اللوجستي

لأكثر من عقد كانت دوائر مطلعة على علم بأن الجماعة السلفية في الجزائر، وخليفتها القاعدة في المغرب الإسلامي تنظم تدريبات لجهاديين من بلدان مغاربية مجاورة ومن منطقة الساحل على استخدام السلاح. أعلن دروكدال عام 2010 أنه سيمد بوكو حرام أيضا بالسلاح والتدريب. في الوقت نفسه، ذُكِرَ أن العقل المدبر لهجوم بوكو حرام على الأمم المتحدة في أبوجا عام 2011، تلقى تدريبا مع القاعدة في المغرب. هذا التعميم لمعارف القاعدة المغربية ليس مفاجئا، بالنظر إلى أن جهاديي الجزائر لديهم اليوم خبرة أكثر من 20 عاما من الصراع المسلح والعمل السري.

 

تطورت الأوضاع المحيطة بمعسكرات تدريب تنظمها القاعدة، وشروط حيازتها وامتلاكها للسلاح بشكل كبير بعد "الربيع العربي". بحلول نوفمبر 2011، كانت تنشر بالفعل أنها وضعت يدها على أسلحة من مخازن القذافي، وأصبحت ليبيا ملجئا لجهاديي الجزائر. لا يمكن التأكد مما إذا كانت القاعدة في المغرب تدير معسكرات تدريب خاصة بها في ليبيا – أو حتى في تونس، كما تؤكد وسائل إعلام جزائرية. ولكن من المعلوم أن المقاتلين الذين هاجموا عين أميناس، ممن ينتمون إلى جماعة بلمختار، دخلوا الجزائر عبر الحدود من ليبيا. كذلك، فإن الهوية التونسية لأحد عشر من منفذي الهجوم هي أيضا إشارة واضحة إلى الطابع الإقليمي لهذه الجماعة جزائرية الأصل.

 

هناك مؤشرات على وجود درجة من التعاون بين أنصار الشريعة وجهاديين ليبيين. عام 2014، بث جهاديون ليبيون فيديو لعملية اختطاف دبلوماسي تونسي ورسالة للحكومة التونسية على منصة "شباب التوحيد" التابعة لأنصار الشريعة. يُشتبه في أن زعيم أنصار الشريعة أبو عياض يختبئ في ليبيا الآن. إذ أصبحت ليبيا محطة مرور الجهاديين التونسيين الراغبين في المغادرة إلى سوريا والعراق. يبدو أن جهاديي تونس يمثلون كتلة كبيرة من المقاتلين الأجانب في سوريا. حسب شخصيات تونسية رسمية، فقد غادر 2400 تونسي على الأقل إلى هناك حتى يونيو 2014، ويذكر أن 376 منهم قد عادوا مرة أخرى إلى تونس صيف 2014.

 

بالنظر إلى حجم سكان تونس ككل فإن هذه الأعداد تعتبر كبيرة للغاية، مقارنة بالجزائر مثلا، ذات الكثافة السكانية الأعلى. ومع ذلك، فإن عدد المقاتلين الجزائريين في صفوف داعش حوالي 500، وأقل منهم في صفوف جبهة النصرة. ربما تعكس هذه الأرقام نجاح دعوة دروكدال لقتال "العدو القريب". وربما تكون "الحرب الأهلية الطويلة" التي خاضها الجزائريين أحد أسباب قلة أعداد من مضى منهم للقتال في سوريا والعراق.

 

ب- وضع معقد وسط الجهادية العالمية

مقابل حرية التنقل والعمل وفرص التعاون أمام القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة في تونس، يبدو أن صراع هاتين الجماعتين مع فواعل جهادية أخرى قد تنامى. هنا تلعب الخصومات الشخصية والمنافسة على العناصر والموارد المالية نفس الدور الذي تلعبه بين القاعدة وداعش، أكبر تياران جهاديان في العالم العربي الآن. ليس من السهل على القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة أن يقاربا بين هذه المصالح المتضاربة في علاقاتهما الخارجية.

 

على سبيل المثال، تؤيد قيادة القاعدة في المغرب، القاعدة المركزية في صراعها الأيديولوجي مع داعش. في سوريا تؤيد القاعدة في المغرب جبهة النصرة، المتحالفة مع القاعدة المركزية. ولكن دعوة دروكدال الجهاديين المغاربة للقتال في الداخل بدلا من القتال في المشرق العربي، قيدت علاقاته بجبهة النصرة. كذلك، لم يمض قرار الاصطفاف إلى جانب جبهة النصرة من دون خلاف، إذ أعلنت شخصيات قيادية في تنظيم القاعدة في المغرب تأييدها لداعش. قرار "جند الخليفة" بالخروج على القاعدة في المغرب وبيعة زعيم داعش يؤكد أن شخصيات كبيرة من القاعدة في المغرب ليست محصنة ضد الهجوم الأيديولوجي لداعش.

 

وعد زعيم أنصار الشريعة في تونس، أبو عياض بتقديم الدعم لكلا من داعش وجبهة النصرة وعرض أن يكون وسيطا بينهما. ربما تكون الرغبة في تعزيز صفوف الجهاديين هي ما دفعه نحو تبني هذا الموقف، وربما يكون الطموح الشخصي. أيضا، قد تلعب الخصومة أو التعاون بين جهاديين تونسيين دورا في هذه الخيارات لأنصار الشريعة، إذ أن عددا من كبار وأهم قيادات داعش ذوو هوية تونسية.

 

أخيرا، تتصارع الجماعات الجزائرية والتونسية على المواقع والموارد في بيئة جهادية متغيرة بشكل سريع. ينبغي على القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة التونسية أن تتنافسا وجماعات عابرة للقوميات على العناصر والأنصار. ولكن ببساطة حتى تهربا من مجال الجذب المغناطيسي لداعش، ينبغي عليهما تصعيد القتال في الداخل وبناء صلات مع فواعل سياسية محلية غير جهادية. تمثل العلاقات بين أنصار الشريعة وأعضاء من حزب النهضة حتى عام 2013 مثالا على هذا. خلاف هذا، بفضل قنواتهما المالية، تعتمد القاعدة في المغرب وأنصار الشريعة التونسية على التشبيك مع تنظيمات جهادية أخرى في الساحل وليبيا.

 

خامسا: مستقبل تنظيمات السلفية الجهادية فى تونس

مصير ومستقبل تنظيمات ونشاط السلفية الجهادية فى تونس، سيتحدد بمجموعة من العوامل، أهمها:

أولا: قدرة القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة على المناورة بين أوضاعهما المحلية وأهدافهما المحلية من جانب، وفرص وتحديات تفرضها تطورات الحركة الجهادية العالمية من جانب آخر. بكلمات أخرى، ما إذا كانت هاتان الجماعتان ستنجحان فى تحييد آلة "داعش" الدعائية لتجنيد العناصر وجذب التمويلات.

 

ثانيا: تطورات الوضع السياسي والأمني في ليبيا على وجه التحديد، ربما تكون على رأس محددات مستقبل ومصير هذه التنظيمات في تونس. إذ لا تزال الدلائل تشير إلى أن القسم الأكبر من معسكرات التدريب، ومخازن السلاح تقع في ليبيا وليس في تونس. وفي حالة نجاح السلطات في ليبيا في ضبط الوضع الأمني في ليبيا، فإن هذا يعني فورا غلق الفناء الخلفي للخلايا والتنظيمات السلفية الجهادية في تونس، ومن ثم انحسار نشاطها ثم تآكلها.

 

ثالثا: تطورات الوضع في سوريا والعراق، لها تأثيراتها على نشاط الجهاديين المسلحين في تونس. فبالنظر إلى ضخامة عدد المقاتلين التونسيين في سوريا والعراق – نسبيا بالتأكيد -. وبالنظر إلى الخبرة القتالية التي يكتسبها هؤلاء في كل معركة جديدة يخوضونها في العراق وسوريا، فإن نجاح بعض العناصر في التسلل إلى تونس مرة أخرى، والاختفاء بعيدا عن أعين الأمن التونسي، الذي انتبه لخطورة هذه المشكلة، قد يُحدِث نقلة نوعية للنشاط السلفي الجهادي والإرهابي في تونس، بفعل بروز قيادات جديدة على الساحة التونسية قادرة على القيادة والمبادرة والتخطيط.

 

وأخيرا؛ نجاح أجهزة الأمن التونسية في تجاوز المشكلات الهيكلية التي أصابتها بعدم الفاعلية. وهو الأمر الذي لا توجد إشارات واضحة على إمكانية حدوثه في وقت قريب. يشير ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية في تونس العاصمة والسوس، إلى جوار الهجمات ضد الشرطة والحرس الوطني والجيش إلى التقدم الكبير الذي حققته جماعات جهادية في تونس. وفى المقابل تعاني أجهزة الأمن التونسية بشكل عام من التشظي وعدم الاحترافية والتعطش لإثبات سلطتها في مواحهة السلطتين التنفيذية والتشريعية. وكما هو معلوم، فإن إصلاح أجهزة الشرطة وتطويرها، ناهيك عن سيطرة الحكومة الكاملة عليها، يعتبر من أعقد وأصعب المهام في أعتى الديمقراطيات، فما بالنا بدولة تمر بمرحلة انتقالية، تواجه مخاطر وتهديدات إرهابية تقيد خطواتها. وحتى بافتراض تمكن قوات الأمن هناك من تطوير سريع لمهارات عناصرها في مكافحة الإرهاب، يظل نجاحها مرهونا بمستوى عال جدا ودقيق من التنسيق والتعاون بينها وبين أجهزة أمنية وجيوش دول مجاورة لتونس، أهمها الجزائر وليبيا والمغرب وربما مالي. وبالنظر إلى تاريخ طويل من عدم الثقة المتبادل بين هذه الأجهزة، وقلة عدد العمليات التي تمت بالتنسيق بين أجهزة أمنية من دول مغاربية مختلفة، لا يبدو أن بإمكان الأمن التونسي تحقيق تقدم كبير في مواجهة جماعات سلفية جهادية في المدى المنظور والمتوسط.

 

والأرجح، أن النشاط الإرهابي للجماعات السلفية الجهادية لن يشهد تراجعا في المدى المنظور في تونس. حتى مع استقرار الوضع السياسي هناك.