المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

استراتيجيات مكافحة الإرهاب.. قراءة في الحالة المصرية

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 12:46 مساءٍ

قوات الأمن
قوات الأمن

رغم القيود المفروضة فى الوقت الراهن على تحركها في الإقليم، اضطُرت " مصر- السيسي" للاستجابة للتحديات الأمنية عقب توليه الرئاسة مباشرة، وذلك بالنظر للفوضى الإقليمية الراهنة.. حيث تستمر الديناميكيات الإقليمية والمحلية في استنزاف المنطقة، و في ممارسة ضغوط كثيفة على الهياكل السياسية والاجتماعية الاقتصادية للعديد من دول الإقليم.

 

خلال هذه الفترة القصيرة أظهرت السياسية الإقليمية لــــ "مصر- السيسي"، القاهرة كطرف يكافح الإرهاب، ويتشبث بوحدة وتماسك الدول العربية، والحدود الثابتة والمستقرة.

 

فى مواجهة الأخطار المباشرة القادمة من الجوار المباشر مثل ليبيا وغزة (حيث التداخل الشديد مع الإرهاب فى سيناء وفى الداخل المصري) تبدو المقاربة المصرية إلى حد كبير ثمرة مخاوفها الداخلية بشأن الإرهاب وعدم الاستقرار، وعنف الإخوان (لاحظ فتوى نداء الكنانة يوم الأربعاء 27 مايو الماضي، والتي تعنى عمليا شرعنه العنف).

 

وخارج الحدود المباشرة لمصر، وفى مواجهة الأخطار غير المباشرة: حيث تتمدد داعش في العراق وسوريا، بالتزامن مع تعاظم نفوذ القاعدة (جبهة النصرة) في سوريا، وتتزايد فيه المخاطر على كلا من لبنان والأردن. وتعزز القاعدة من نفوذها ومواقعها في اليمن.. بشأن كل ذلك تبدو المقاربة المصرية أكثر تنوعا، وأقل تأثرا بالسياسة الداخلية.

 

في جوهرها، أظهرت السياسية الإقليمية لمصر، من هذه الناحية، القاهرة في صورة الطرف الذي ينأى بنفسه بعيدا عن الأجندة الطائفية (ثنائية السنة في مواجهة الشيعة) التي يجرى توظيفها فى صراعات الشرق الأوسط حاليا وعلى نحو متزايد. وكطرف ينحاز للحلول والتسويات السياسية، ويرفض الاستمرار أو الانخراط فى المواجهات العسكرية.. يهتم بالاستقرار الإقليمي أكثر من الولاءات الطائفية.. يقدم خطر تمدد داعش، على الانخراط فى سياسات التنافس الإقليمى.. يسعى لهندسة الوضع العبثى الراهن الذى يشكل بيئة حاضنة ومواتية لتمدد وانتعاش تنظيمات السفية الجهادية.. مثلما يعتقد بعبثية خيار" الحسم العسكرى" لتسوية الصراعات فى ظل نظام إقليمى محطم.. يهتم ببناء منظومة للأمن الإقليمى( القاهرة هى أول من دعا لإنشاء قوة عربية مشتركة) كون الشرق الأوسط هو من بين الأقاليم القليلة التي من دون أي مظهر للأمن الإقليمي، لمجابهة خطر الإرهاب، ولإحتواء الصراعات وإدارة الشؤون الإقليمية الداخلية.

 

مخاطر متشابكة واستراتيجيات متعددة

 

فى هذه الآونة تعيش مصر أجواء حرب يمكن تصنيفها بوصفها صراعا ذو كثافة منخفضة. يمثل هذا التصنيف نمطا من الحملات العسكرية تشتمل على: حروب شبه تقليدية تخوضها جيوش وأجهزة أمنية تنتمي إلى الدولة ضد مليشيات إرهابية- عصابية – مسلحة بشكل كامل، ولها تنظيم هرمي يعمل بين المدنيين، تمزج ما بين تكتيكيات ومنطق الإرهاب، وحرب العصابات.

 

فى ذات الوقت ( ووفقا لمعطيات مؤشر الإرهاب الدولى عام 2014 ) لم يعد الخطر الحالى جراء النشاط الأرهابى، خطرا رئيسيا وفقط، بل هو الخطر الرئيسي على الأمن القومى لعدد من دول الإقليم..!! ولما لا وهناك زيادة تقدر بـــــ 58% فى عدد تنظيمات السلفية الجهادية من أواخر عام 2010 وحتى 2014. فى حين تزايد عدد تلك العناصر - فى ذات الفترة - بأكثر من الضعف ؟!

 

فى سياق إقليمى ومحلى كهذا، من الطبيعى أن تشتمل الإستجابات المصرية على استراتيجيات متنوعة: تراعى تنوع مسارح المواجهات، والتفاوت فى درجة الخطر الذى تمثله كل جبهة. وتتأثر بطبيعة التحالفات الإقليمية، وما تتيحه من فرص، أو تفرضه من قيود على التحرك المصرى. ولا تصطدم بأحد أهم أولويات السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة الثلاثين من يونيو، والمتمثلة فى إعادة بناء التحالف المصرى - الخليجى. ناهيك عن أن تلك الاستراتيجيات ينبغى أن تستند إلى نسق فكرى استراتيجى يستوعب الديناميكيات المتعلقة بانتعاش وتمدد تلك الجماعات، أو تلك المتعلقة بانكماشها وفنائها.

 

وفى هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أهم تلك الاستراتيجيات المتبعة، على النحو التالى:

إستراتيجية الإنهاء:

عادة تعتمد الدول تلك الاستراتيجية حين تسعى لتقويض تنظيمات محددة بنزع سلاحها أساسا بالقوة العسكرية والتدابير الأمنية. يتطلب هذا تواجدا كثيفا للقوات البرية، والعناصر الأمنية، مع تكثيف وتطوير الجهود الاستخباراتية. وربما يستغرق الأمر سنوات لتحقيق النجاح.. يعتمد هذا فى الحاصل الأخير على حجم ومدى تقدم الفاعل المستهدف، مدى اختراقه للمجتمع المحلي، الموارد المخصصة لاستراتيجية الإنهاء، والأوضاع البيئية المحلية. مثال جيد على هذه الاستراتيجية؛ الحملة العسكرية والأمنية التى تقوم بها مصر فى سيناء منذ يونيو 2013 ، والتي تستهدف تطهير سيناء بشكل حاسم من تلك التنظيمات، من خلال تصفية عناصرها أو القبض عليهم ومحاكمتهم . ومؤخرا حدث تطور ملحوظ بشأن تلك الحملة، بدا من خلاله أن مصر أصبحت معنية فى الوقت الراهن، وبأكثر من أى وقت سابق، بتوظيف (أو على الأقل تحييد) الفواعل المحلية فى سيناء . تجلى ذلك فى مؤتمر قبائل سيناء فى العاشر من مايو الماضى. صحيح أن البيان النهائي من "اتحاد قبائل سيناء" لم يكن إعلانا للحرب ضد "ولاية سيناء" الداعشية، إلا أن، توصياته لها تأثيرات كبيرة على الحملة العسكرية المصرية في محافظة شمال سيناء، وعلى دوائر صنع القرار فى مصر، الذين يبحثون عن طريقة لعزل السكان بشكل عام عن العناصر المسلحة الإرهابية في هذه المنطقة.


 

إستراتيجية العقاب المحدود:

من بين جميع الاستراتيجيات الموجهة ضد الفواعل العنيفة من غير الدول، تعتبر هذه الاستراتيجية الأكثر محدودية. إنها تسعى بالأساس لردع ممارسات محددة تمارسها هذه الجماعات أو ربما تخطط لها، عبر وسائل تمثل أشكال رمزية من العقاب الموجه ضدها.

 

بالنسبة للقوات المسلحة، قد يتمثل ذلك فى المواجهة التى تستهدف خطوط إمداد تلك الجماعات (عبر دعم غارات بطائرات مقاتلة أو من دون طيار)، أو من خلال استهداف بعض معسكرات وأماكن تمركز تلك العناصر عن طريق الغارات الجوية أيضا، أو عبر عمليات معقدة لعناصر من الكوماندوز.

 

من بين الأمثلة على هذه الاستراتيجية، الغارات الجوية التى نفذها سلاح الجو المصرى، فى فبراير الماضى، عقب قيام عناصر داعش فى ليبيا بتصفية نحو عشرين من الأقباط، من الذين يعملون فى ليبيا،. كذلك ما ذُكر بشأن إرسال مصر بعض وحدات القوات الخاصة، لمهاجمة أحد معسكرات داعش فى شرق ليبيا. حيث سعت تلك العمليات إلى ردع تلك الجماعات عن القيام بهذا النوع من العمليات، من خلال إيصال رسالة مفادها أنه، وبرغم بُعد الشُقة، لن تتسامح القاهرة مع أى محاولة تستهدف أمن وسلامة مئات الآلاف من المغتربين ممن يعيشون ويعملون في ليبيا.

 

إستراتيجية التعطيل والتحييد:

تهدف إلى إضعاف الفواعل العنيفة خارج الحدود، بما يكفي لئلا تتمكن من تصدير العنف والإرهاب، إلى داخل البلاد. كذلك قطع خطوط التواصل بين الفواعل العنيفة داخل البلاد ومثيلاتها فيما وراء الحدود، بهدف حرمان الأولى من الدعم القادم لها من الخارج. أيضا قطع الطريق على كل محاولة لتحويل الجوار الجغرافى إلى مناطق دعم لوجستي للنشاط الإرهابى فى داخل الحدود. النموذج الواضح على تبنى تلك الاستراتيجية يتجسد فى التدابير والسياسات ذات الطابع الأمنى التى باشرتها مصر على الحدود مع كلا من غزة وليبيا.


 

فالمؤسسة الأمنية فى مصر تنظر لحماس كفاعل رئيسي مشترك في تأسيس أنصار بيت المقدس، كونها مسؤولة عن المنطقة التي تمثل الفناء الخلفي الضروري لاستمرار عملياتها. ومن هنا، فالصلة بين حماس في غزة والحملة الإرهابية المسلحة في سيناء هي السبب في إنشاء مصر منطقة أمنية محظورة بعرض 1 كم على امتداد الحدود مع غزة. وهي تعمل كذلك على تدمير البنية التحتية الممتدة من الأنفاق التي شيدتها حماس، واستخدمتها لتهريب أسلحة وعناصر تنفيذية من غزة إلى سيناء وعودتها مرة أخرى إلى غزة.

 

من ناحية أخرى، وفى أعقاب استيلاء مليشيات أنصار الشريعة، أوائل أغسطس 2014، على قواعد الجيش الليبي في بنغازي، عمد الجيش المصرى إلى زيادة وجوده على طول الحدود. وعزز حرس الحدود كمائنه المختلفة لمنع تسلل العناصر،عمليات التهريب. كما سعى الجيش إلى استمالة النخب القبلية فى المنطقة الشرقية فى ليبيا.

 

وبخلاف تركيز المؤسسة الأمنية المصرية على أمن الحدود، وحراسة الحدود الليبية، تعمق القاهرة صلتها يوما بعد الآخر مع برلمان طبرق، ومع شخصيات وقوى معادية لمليشيات فجر ليبيا( لاحظ مؤتمر القبائل الليبية فى القاهرة، قبل اسبوع). كما تسعى فى تكثيف التعاون الاستخباراتى، والتنسيق العملياتى مع الجيش الليبي.

 

باختصار، قضية ليبيا مثل قضية غزة، بالنسبة لمصر... تُفهَم في سياق علاقتها بالاستقرار الداخلي لمصر. و المقاربة المصرية بشأنهما تتمركز الآن حول الأمن، وربما تمتد فى المستقبل القريب إلى السياسة والدبلوماسية البناءة.

استراتيجية تدعيم الإستقرار فى إقليم غير مستقر:

عندما يتعلق الأمر بما وراء الحدود المصرية، تتبنى الدولة المصرية مقاربة تركز أكثر على الاستقرار عبر الاحتواء السياسي. هكذا يبدو الموقف المصرى من الصراعات فى سوريا والعراق واليمن. أى أن "مصر- السيسي" تعارض أي وكل تغيير في الأنظمة أو الحدود.. ومنها دول ليست حليفة بالضرورة. فرغم خصومتها طويلة المدى مع إيران، والتي لا يبدو أن هناك أية إشارة على أنها تتراجع، مضت مصر بنشاط على مسارات دبلوماسية مع حلفاء طهران في العراق وسوريا.. إنه موقف يتأسس على دعم الاستقرار، وليس المضي على طريق تعزيز أجندات إقليمية.

 

فعلى صعيد الأزمة السورية، نأت مصر بنفسها بعيدا عن فكرة تغيير النظام في سوريا، خاصة مع انتشار داعش على كلا الجانبين من الحدود السورية- العراقية. وإلتحاق العديد من المتشددين المصريين بالقتال هناك.. بل ولعل البعض داخل المؤسسة الأمنية المصرية قد مضى لما هو أبعد من ذلك، باعتبار قتال الأسد ضد داعش قضية مشتركة.

صحيح أن مصر ليست فاعلا دبلوماسيا مركزيا في سوريا، لكن مع ذلك تستعد لاستضافة مؤتمر المعارضة السورية خلال أيام قليلة. وهذه ليست المرة الأولى لاجتماع من هذا النوع... فقد سبق للقاهرة أن احتضنت مؤتمرا مماثلا فى يناير الماضي، برعاية " نصف رسمية" من الخارجية المصرية. وقد انتهى ذلك المؤتمر إلى توافق حول "نقاط عشر" تشكل خريطة طريق لمرحلة انتقال سياسي في سوريا. غابت عن تلك النقاط العشر قضية رحيل الأسد.

فى ذات السياق، كان الرئيس السيسي قد خطا، فى تصريحاته لصحيفة الاتحاد الإماراتية فى يناير الماضي، خطوة إضافية على طريق تظهير الموقف المصري من الأزمة السورية ... حيث لخص الرئيس الموقف بالنقاط التالية:

(1) سوريا بالغة الأهمية بالنسبة للأمن القومي العربي، المصري بخاصة، وما يجري فيها يمس بصورة مباشرة مصر، سلباً أم إيجاباً.

(2) وحدة سوريا هدف رئيس للسياسة المصرية، بما يعنيه ذلك، وحدة وحفظ مؤسسات الدولة السورية ومنع انهيارها كذلك.

(3) الأولوية في سوريا يجب أن تُعطى لمحاربة الإرهاب والجماعات الإرهابية.

(4) لا حل عسكرياً للأزمة السورية، الحل سياسي، وسياسي فقط، وعن طريق الحوار والتفاوض.

(5) لا قيد أو شرط مسبق على بقاء الأسد، أو أن يكون جزءاً من الحل، طالما أن الأمر سيتم بالتفاوض والتوافق.


 

وهنا يبدو البند الخامس والأخير في الرؤية المصرية للأزمة السورية، هو أوضح تعبير يصدر عن الرئيس المصري فيما يخص معايير الحل السياسي وشروطه، ذلك أن العناصر الأربعة الأخرى، سبق للرئيس وأكثر من مسؤول مصري رفيع أن تحدث بها.. وهذا تطور مهم في المقاربة المصرية، تميز به القاهرة نفسها عن بقية دول الإقليم، بمن فيها أقرب حلفائها.

 

هذا التوجه المؤيد لدعم الاستقرار أعرب عن نفسه بشكل أوضح وأكثر علنية فى خضم الصراع فى العراق.. فبعد سقوط الموصل بين يدي داعش، العام الماضى، تحدث الرئيس السيسي مباشرة لرئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي، عارضا الدعم المصري الكامل. تبع المحادثة الهاتفية المزيد من التعليقات المعلنة شجب فيها السيسي احتمال استقلال الأكراد وتقسيم العراق. قال السيسي إن الاستفتاء الذي يستفتي عليه الأكراد الآن هو في الحقيقة ليس أكثر من بداية لتقسيم كارثي للعراق إلى دول أصغر معادية. وأتبع هذا التصريح بإرساله وزير خارجيته لبغداد، في إشارة إلى المزيد من الدعم. فحوى رسالة وزير الخارجية كان مناقشة الخطر الإقليمي الذي تمثله مواجهة طائفية وانتشار التطرف والإرهاب.

 

جملة القول: بالنظر إلى أن مصر نفسها لا تزال تتعافي من اضطراباتها الثورية، فإن قدرتها على لعب دور نشط في استقرار بلدان أخرى مضطربة، مثل سوريا، العراق واليمن، تبدو محدودة. فضلا عن أن مصر،على المدى القصير، ستقيد نفسها بالعمل جنبا إلى جنب ودول الخليج العربي، تحديدا السعودية والإمارات. والعمل أيضا مع الجامعة العربية للمساعدة في إدارة الأوضاع الكارثية في هذه البلدان.

لكن حتى في ظل القيود الراهنة على حركتها، يبدو أن القاهرة تسعى من خلال الحوار الهادئ والمشاورات البناءة مع حلفائها الأقوى، إلى التأكيد على معنى هام، مفاده، أن القيادة المستحقة للنظام العربي، فى تلك اللحظات المصيرية، تتطلب بالضرورة الإلتفات إلى أولوية تجسير الفجوة بين مواقف وأولويات دول معسكر "الاستقرار العربى " أى السعودية ومصر والإمارات والأردن، من أجل استكمال معادلة القوة فى إقليم مضطرب.