المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

تركيا بعد الانتخابات القادمة.. دورة زمنية من عدم الاستقرار

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 01:03 مساءٍ

الانتخابات التركية
الانتخابات التركية

شكل الانهيار المقصود في مفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي في تركيا والدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة في الأول من نوفمبر القادم، أحد التطورات الرئيسية في صيف تركيا الملتهب، والذي مهد الطريق لاتخاذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجموعة خطوات يستهدف منها إعادة تموضع حزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية بعدما فشل خلال انتخابات السابع من يونيو في تشكيل الحكومة منفردا كما جرت العادة طيلة السنوات الثلاثة عشرة الماضية.


 

وقد جاءت مجموعة الخطوات والتدابير التركية عبر السماح للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام قاعدة انجرليك ضد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية داعش (ISIL)، وفي اليوم التالي مباشرة أقدمت تركيا على شن ضربات عسكرية ضد مواقع حزب العمال الكردستاني (P.K.K) في شمال العراق. وقد استتبع ذلك مجموعة من الإجراءات الأمنية استهدفت اعتقال نشطاء وصحفيين ومديري بلديات كردية في مدن جنوب شرق تركيا، والتي شهدت بدورها أعمال عنف غير مسبوقة سواء من حيث نمط وتكتيكات ونطاق تلك العمليات، أو الأسلحة المستخدمة فيها أو الخسائر المادية والبشرية المترتبة عليها.


 

وبينما أربك ذلك حسابات تركيا الداخلية والخارجية فإنه تمخض عن عدد من الإشكاليات الأخرى.. فمحاولة أردوغان مضاعفة حدة الاستقطاب العرقي ضد حزب الشعوب الديمقراطية الكردية (H.D.P) من خلال استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني، أوجدت من ناحية أولى معادلة قلقة قد تصب لصالح الحزب الكردي أكثر من حزب العدالة والتنمية، ومن المرجح أن تتمخض من ناحية ثانية عن خسائر اقتصادية ضخمة، وقد تؤدى من جهة ثالثة إلى إعادة المؤسسة العسكرية إلى واجهة الأحداث، بعدما غيبت أدوارها بسبب إجراءات حزب العدالة على المستويين القانوني والدستوري.


 

أولا: النتائج المتوقعة للانتخابات المقبلة

حصل حزب العدالة في انتخابات السابع من يونيو2015 على نحو 41 في المائة من أصوات الناخبين، بما لم يضمن له سوى 258 مقعد، وذلك بعد نجاح حزب الشعوب الديمقراطيى( الكردي) في اجتياز العتبة البرلمانية، ليحصد نحو 80 مقعد من مقاعد البرلمان، بما حال دون قدرة حزب العدالة والتنمية على تشكيل الحكومة، بعدما انخفضت شعبيته بنحو 9 في المائة. وعلى الرغم من إصرار أردوغان على عدم تشكيل حكومة ائتلافية والدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة، فإنه لا مؤشرات تشير إلى أن المعادلات السياسية التي أفضت إلى عدم قدرة حزب العدالة والتنمية على تشكيل الحكومة تتجه للتغير والتبديل.


 

فتذكية الاستقطاب الديني في الدولة العلمانية قد أفضى خلال السنوات الثلاثة عشر الماضية إلى تصاعد نسبة التأييد الشعبي "للعدالة والتنمية" بوتيرة مطردة، غير أن نتائج انتخابات السابع من يونيو قد أوضحت أن هذا الخيار لم يعد قابلا للاستنساخ، الأمر الذي دفع بتغيير الإستراتيجية الانتخابية عبر التركيز على تزكية الاستقطاب العرقي، بوقف مفاوضات السلام مع الأكراد بعد عامين ونصف من بداياتها، ثم بالتصعيد السياسي حيال حزب الشعوب الديمقراطيى، وعسكريا ضد عناصر حزب العمال الكردستاني على الجبهات التركية والسورية والعراقية.


 

ومع ذلك، فقد أشارات العديد من استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية "العدالة والتنمية" بالمقارنة بالنتائج المتدنية نسبيا التي حققها في يونيو الماضي، حيث أشار أحدث هذه الاستطلاعات إلى أن الحزب لن يحصل على أصوات كافية لتشكيل الحكومة بمفرده، وبلغت نسبة التأييد للحزب نحو 39% أي اقل من النسبة التي حصل عليها في انتخابات الأخيرة.


 

وأظهر الاستطلاع كذلك تقدما كبيرا لحزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي بحصوله على 28,1% مقابل 25% في يونيو الماضي. وحصل حزب الحركة القومي اليميني على معدل تأييد بلغ 16.8% مقابل 16.3%، فيما حصل حزب الشعوب الديمقراطي على 13.5% مقابل 13.1% في الانتخابات الماضية.


 

قد يعني ذلك أن تركيا مقدمة على مرحلة ائتلافات حكومية تشير الخبرة التاريخية أن أيا منها لم يستطع استكمال دورته الدستورية، كما أنها تترافق في العادة مع مراحل زمنية تشهد توترات حزبية تفضي إلى مشكلات اقتصادية واضطرابات مجتمعية تجعل المؤسسة العسكرية الطرف الأقوى بين قوى اللعبة السياسية.


 

وفي هذا السياق قال أوزر سنجار، رئيس مركز البحوث الاجتماعية والسياسية "متروبول"، - إحدى أكبر مراكز استطلاعات الرأي بتركيا- إن حزب العدالة والتنمية قد لا يمتلك الفرصة لتولي مقاليد السلطة بمفرده مرة أخرى، ذلك أنه لا يوجد أي تغيير في نسبة تأييد الحزب عن نتائج الانتخابات العامة التي جرت في يونيو الماضي، ولكن ثمة تغيير في أصوات حزبي الحركة القومية والشعوب الديمقراطيى، ذلك أن الحزب الكردي قد تتصاعد نسبة التصويت له، فيما قد تتراجع بالنسبة للحزب القومي المتشدد.


 

وبينما يوضح ذلك تصاعد احتمالات إرباك خطط الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والذي اتبع إستراتيجية تقوم على تفضيل خيار الدعوة إلى انتخابات مبكرة على خيار تقديم تنازلات سياسية تكفل تشكيل ائتلاف حكومي، فإن الأمر ذاته على جانب آخر يكشف نمط إدراك الرئيس المشارك للحزب الكردي، صلاح الدين دميرطاش، والخاص بأن ثمة تصاعد مقصود وغير مسبوق في الشحن العرقي، غير أن عدم استغلاله من قبل الحزب وترك هذه المهمة الثقيلة لحزب العدالة والتنمية ومن خلفه حزب الحركة القومية كفيل بأن يحمي الحزب من خطط أردوغان الخاصة بأن يظهر الحزب كداعم للإرهاب (العمال الكردستاني)، لتبتعد عنه أصوات الليبراليين واليساريين التي صوتت له نكاية في حزب العدالة (تصويت استراتيجي)، ويكفل للعدالة اكتساب كتلة عريضة من الأصوات القومية المتشددة.


 

ثانيا: تفاقم الأزمة الكردية

مشكلة توتر العلاقات بين تركيا والأكراد تتأسس على تصاعد قوة حزب العمال الكردستاني، واتجاهه خلال السنوات الأخيرة لتكديس الأسلحة في مخازن سرية بالعديد من المدن التركية وليس وحسب في جبال قنديل على الحدود التركية – العراقية – الإيرانية، كما ترتبط بقدرة الحزب على إيقاع خسائر بالغة بالقوات الأمنية، والتي تجسدت مؤخرا في استهداف أغلب المتمركزات الأمنية للجيش والشرطة جنوب شرق تركيا، وشملت تكتيكات عملياته استخدام العبوات الناسفة والقنص والسيارات المفخخة واستهداف المنشآت السياحية وقطع الطرق وحفر الخنادق واستهداف طائرات الهيلكوبتر المقاتلة.


 

وتقوم عناصر حزب العمال ومناصريه بمحاولة إبراز معالم إرساء الحكم الذاتي، من خلال العمل على منع دخول القوات الأمنية إلى مناطق تمركز الأكراد، وذلك من خلال بسط سيطرة الحزب عليها، عبر حفر الخنادق، ونصب الكمائن، كما تعمل على السيطرة على مداخل ومخارج تلك المناطق. ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية يتدحرج الوضع الأمني في المناطق ذات الغالبية الكردية ليصل إلى حد نسف الجسور وعزل مدن بأكملها عن بقية أنحاء تركيا وإعلانها مناطق حكم ذاتي"من قبل عناصر حزب العمال الكردستاني.


 

وقد أشارت تقارير دولية إلى أن بعض المناطق في جنوب شرق تركيا باتت خارجة بالكامل عن نطاق سيطرة الحكومة، بما دفع الأخيرة إلى طلب دفعات جديدة وعاجلة للقوات التي تخصص منذ ثلاث عقود لأكراد جنوب شرق البلاد لحفظ الأمن والاستقرار في مناطقهم. وقد وصل معدل تسلح الأكراد جنوب شرق تركيا إلى مستويات غير مسبوقة، دفعت بعض الاتجاهات الغربية إلى القول: أن ما تشهده مدن جنوب شرق تركيا تمثل "حرب أهلية"، خصوصا مع تصاعد المطالب الكردية بتأسيس إدارة مستقلة على غرار الوضع السياسي في العراق والواقع المعاش في شمال سوريا.


 

وقد قامت السلطات التركية باعتقال العديد من رؤساء البلديات الكردية، وذلك بتهمة السعى إلى تدمير الوحدة الوطنية من خلال تأييد الدعوة إلى الحكم الذاتي، كما تم توقيف الرئيس المحلي لحزب الشعوب الديمقراطي في هكاري، إسماعيل سيهات كايا، في إطار التحقيق في تحركات بعض المناطق ذات الغالبية الكردية لإعلان حكم ذاتي منذ بدء الأزمة الأخيرة.


 

وفي هذا السياق كانت ارتورول كوركجو، النائبة عن حزب الشعوب الديموقراطى، قد أكدت أن الحل الوحيد لوقف الاشتباكات ونزيف الدم في المنطقة هو تطبيق الديمقراطية من خلال النظام البرلماني.


 

وقالت كوركجو إن "حركة التحرر الكردية أعلنت منذ عشرات السنين، وهذا شيء غير مخفي ويعرفه الجميع، ونحن في حزب الشعوب الديمقراطيى ندعو إلى تحويل جميع المناطق إلى مناطق حكم ذاتي لأنه من غير الممكن أن تطبق نفس القوانين التي تطبقها في غرب البلاد على شرق البلاد، ولهذا يجب أن نطبق نظام الولايات، إذ تتمتع كل ولاية بحكم ذاتي في ديار بكر وفي إسطنبول في الإسكندرون وفي باقي الولايات لأن كل ولاية لها خصوصيتها التي تتمتع بها، ولهذا يجب أن تعاد صياغة نظام الحكم على أساس ديمقراطي فيدرالي"، معتبرة أن طلب "شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) الحكم الذاتي شيء طبيعي ويجب أن لا يفاجأ به السياسيون لأنه حق من حقوقهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولكن تحت سقف الجمهورية التركية الديمقراطية".


 

وفي هذا السياق كانت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور The Christian Science Monitor، قد أشارت إلى إن مطلب الحكم الذاتي لم يعد كافيا بالنسبة لبعض القطاعات الكردية في تركيا، الذين أصبحوا يطمحون إلى أكثر من حكم ذاتي ضمن حدود الدولة التركية، ذلك أن الحماس المتقد لشباب الأكراد للالتحاق بالقوات الكردية التي تقاتل تنظيم داعش، يقابله توجس وحذر في أوساط الأكراد الأتراك من الأجيال التي تعدت الأربعين من العمر. وقد أشارت تقارير أخرى إلى إن شباب الأكراد الأتراك يحضرون أنفسهم لحرب شوارع طويلة الأمد مع الحكومة التركية التي يتهمونها بهدر السلام مع الأكراد، والعودة بتركيا إلى مرحلة "التسعينيات المظلمة".


 

ثالثا: الجيش والطموح الكردي

إن المحدد الرئيسي لنمط المواجهة بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني، لا يتعلق وحسب بمحاولة أردوغان توظيف هذه المواجهة لتحقيق طموحه السياسي، وإنما الأمر نفسه ينطبق على الجيش التركي، ففي 24 يوليو أعلن أردوغان غبر التليفزيون الرسمي (TRT) توقف المفاوضات المشتركة مع القيادات الكردية، مشيرا إلى "أنه من غير الممكن الاستمرار في عملية السلام، وأن تركيا ستتجه إلى شن حرب ضد المليشيا الكردية الانفصالية. وبينما كان قرار الشروع في عملية السلام بمثابة تهميش الجيش لصالح السياسيين لتسوية أكثر القضايا التي قضت مضاجع الأتراك منذ عام 1984، بما يدعم من موقف الحكومة في مواجهة الجيش، فإن الفشل في تسوية هذه القضية يعيد شوكة الجيش التركي للظهور مرة أخرى، بما يعيد تلقائيا ترتيب أوزان القوى على الساحة السياسية.


 

ففي الوقت الذي أدار فيه أردوغان مفاوضات السلام، ظل الجيش التركي على الهامش، ولم يكن على علم بما يدور في الكواليس. وقد أكد رئيس الأركان في ذلك الوقت الجنرال نجدت أوزل أن المفاوضات تجري بمعزل عن القيادات العسكرية، وأنهم لم يحصلوا على أي معلومات في هذا الصدد.


 

بيد أن الزج بالجيش مرة أخرى في أتون الصراع الدموي الذي أفضى من قبل إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وترتب عليه مؤخرا مقتل ما يزيد عن 140 من عناصر الجيش والشرطة، قد دفع المعارضة إلى اتهام أردوغان بالوقوف وراء كل هذه الأحداث، بعد هزيمته القاسية في الانتخابات البرلمانية وفشله في الحصول على الأغلبية اللازمة لتحويل البلاد إلى النظام الرئاسي، خصوصا أنه بعد أيام معدودة من بدء الحملة العسكرية قامت السلطات التركية باعتقال أكثر من 1300 شخص، أغلبيتهم الكاسحة من الأكراد، ومن النشطاء اليساريين، وقد تصاعد الرقم إلى أكثر من 2000 شخص.


 

ويبدو أن أردوغان استهدف من ذلك أن يحقق السيطرة المطلقة على السلطة من خلال القضاء على منافسه السياسي الرئيسي، ممثلا في حزب الشعوب الديمقراطيى، وهو الأمر الذي استلزم رفع درجة الطوارئ وتصعيد مستوى العنف، بما يسمح للجيش بالتدخل، وبينما قد يعتبر البعض أن ذلك يمكن أن يحقق مصالح أردوغان على المدى القصير، فإن الثمن مقابل ذلك قد يكون باهظ، بالنسبة لأردوغان وحزبه، بما يشير إلى أنه حتى حال ما تحققت أهداف أردوغان فلن تغدو أكثر من مقدمة زاهية تخفى ورائها هزيمة سياسية محتملة، وذلك في ظل تصاعد مظاهر عودة الجيش إلى واجهة الأحداث في توقيت تتصاعد فيه أعمال العنف والتوتر الاجتماعي والسياسي.


 

وقد يزيد من مأزق أردوغان خسارته حلفائه في حركة الخدمة الذين ساندوه سابقا في وضع المئات من جنرالات الجيش التركي خلف القضبان، وذلك قبل أن تبرئهم المحكمة، ليصبح أردوغان وحيدا مستندا إلى حلفائه الجدد / خصومه السابقين- أى الجيش- ليغير نمط تحالفاته رأسا على عقب، ولكن في معادلة ليس بالضرورة أن يكون هو الطرف الأقوى فيها. وكان أردوغان قد حث رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو إلى دفع محافظ 81 مدينة تركية، لنقل مسئولية الأمن إلى القوات المسلحة، في ظل إقرار حالة الطوارئ في هذه المدن، وقد يزيد من خطورة هذا الوضع تصاعد النزعة القومية المتطرفة لدى الجانبين التركي والكردي.


 

رابعا: رهانات أردوغان... انقلاب السحر على الساحر

حاول أردوغان أن يحقق أكثر من مكسب من خلال التصعيد ضد حزب العمال الكردستاني سواء على الساحة المحلية أو الإقليمية، غير أنه على ما يبدو بات يجد نفسه أمام مشهد تركي جديد، خلافا لما كان يخططه من أجل الانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، إذ وجد نفسه أمام إقليم كردي بمحاذاة المناطق الحدودية الجنوبية مع سورية، تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، كما وجد أن الأخير بدلا من أن يسحب ثقله العسكري من الداخل التركي يخطط لإقامة إدارة ذاتية في جنوب شرق تركيا، حيث الغالبية الكردية، فيما تحول جناحه السياسي (حزب الشعوب الديمقراطيى) الذي فاز بنحو 13% من الأصوات إلى قوة سياسية ودستورية.


 

وبينما هذا الأمر قد يعني أن مكاسب الأكراد من غير الممكن التنازل عنها في ظل التطورات الإقليمية المحيطة، والمساندة الخارجية من قبل إيران وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإن الجيش بدوره لن يسمح بالمحاولات الكردية، التي أججها أردوغان مرة حينما ساهم في دخول حزب الشعوب الديمقراطيى إلى البرلمان (مفاوضات السلام وتعديلات قانونية ودستورية)، ومرة أخرى حينما حاول إخراجه من البرلمان عبر التصعيد العسكري مع العمال الكردستاني.


 

خامسا: "أتراك داعش"... تركيا فى مواجهة أخطار مزدوجة

تشير اتجاهات تطور الأحداث في تركيا ومساراتها إلى احتمالات تزايد ظاهرة الذئاب المنفردة أو الأسراب الهائمة Swarming Birds في تركيا، وذلك بالنظر إلى التصعيد غير المسبوق إعلاميا من قبل تنظيم داعش حيال تركيا، فقد أصدر تنظيم داعش مؤخرا العديد من البيانات والإصدارات التي تدعو إلى شن عمليات إرهابية داخل مدن تركيا المختلفة، كما أشار البعض من مناصري ومريدي التنظيم داخل تركيا عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إلى أن "الذئاب المنفردة في تركيا تنتظر إشارة من "الأمير" الداعشي. وباتت هذه الإشكالية مركبة مع قيام تنظيم داعش بإصدار فيديو شجب فيه أردوغان ووصفه بأنه "خائن"، داعيا المسلمين لاستعادة اسطنبول من "هؤلاء الملحدين والطغاة".


 

ويبدو أن التوتر الأمني مرشحا للتصاعد في ظل كثافة وجود الأتراك والأكراد في صفوف التنظيمات الإرهابية، فثمة تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 600 مقاتل في صفوف التنظيمات الجهادية من بلدة بينغول وحدها، والتي تقع في شرق الأناضول، ويبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف مواطن، معظمهم من الأكراد الزازا (أكراد من أصول عرقية وإيرانية)، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد أكبر من ذلك، وأن أغلب المناطق الكردية لم تعد تشمل ذئاب منفردة تابعة لحزب العمال الكردستاني( الذي تزايدت قدراته العسكرية على نحو لافت) وإنما أيضا لتنظيمات داعش والنصرة، في مدن مثل ديار بكر وبيتليس وباتمان وأدايمان، والذين يأتون من الجيل الثاني لـ"حزب الله" الكردي السلفي.


 

هذا الأمر يدفع للقول، إن "الجهاد الفردي" في صيغته القومية المتشددة والدينية المتطرفة بات يشكل خطرا متزايدا في تركيا، هذا في حين يشير تنوع تكتيكاته وأدواته وإستراتيجيته إلى احتمالات تصاعد تهديدات "الذئاب المنفردة" أو "الأسراب الهائمة" خلال الفترة المقبلة، لتتبلور تدريجيا حالة أمنية قد تكون أقرب إلى ما يعرف بـ"سنوات الكابوس المظلمة" التي شهدت تركيا موجتها الأخيرة خلال تسعينيات القرن الماضي. والمشكلة المستجدة في هذا الإطار أن الخطر الحقيقي سيكون مزيج من الاضطرابات الكردية والتهديدات الإرهابية من قبل تنظيم داعش فيما يمكن تسميته بالأخطار المزدوجة Double Dangerous"".


 

وعلى الرغم من الصلات الوثيقة التي استطاع جهاز الاستخبارات التركي (MIT) نسجها مع "الدواعش"، بما سمح أكثر من مرة بالإفراج عن الأتراك الذين يتم اختطافهم على يد التنظيم، بمقتضى اتفاقات لا يعلن عن طبيعتها، فإن ذلك بات يساهم من ناحية في تكوين علاقة أمنية تعد تركيا حلقتها الأضعف لقدرة هذه الجماعات على استهداف الأراضي التركية، فقد سمحت أنقرة للمجموعات المتشددة بالعبور عبر أراضيها والتأسيس لوجود كبير داخل المدن المختلفة، بما بات يخلق مشاكل هائلة للأمن التركي، يصعب معها اتخاذ إجراءات صارمة، لما قد يترتب على ذلك من رد فعل عكسي، خصوصا أن هناك "تجار حرب" ورجال أعمال باتوا متورطين في التجارة مع الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق.


 

سادسا: دلالات سحب " الناتو" لصواريخ الباتريوت

وعلى جانب آخر، فإن ذلك قد أفضى إلى تضرر غير مسبوق في علاقات تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، على النحو الذي ساهم في رفض واشنطن السماح لتركيا بإقامة منطقة أمنة في سوريا والاتجاه إلى دعم المليشيات الكردية رغم التحفظات والمعارضة التركية.

وعلى الرغم مما تشهده الساحة السورية من تطورات متسارعة بفعل التدخل الروسي في سوريا، إلا أن الولايات المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا، أعلنت نيتها الاستمرار في عملية سحب منظومة صواريخ الباتريوت من تركيا، والتي كانت نشرت بفعل التوتر على جانبي الحدود بين تركيا وسوريا، والمتمركزة في أنقرة منذ 2013.


 

وبينما يعكس ذلك، حجم التوتر المكتوم في العلاقات التركية – الأمريكية، فإنه يوضح أن تخلى الإدارة الأمريكية عن شراكتها مع القيادات العسكرية لصالح إسلاميها لم يؤمن مصالح الأمريكيين، خصوصا بعدما ساندت الإجراءات القانونية والدستورية التي اتخذها حزب العدالة والتنمية لترسيخ سلطاته بدعوى تحسين وضع تركيا الديمقراطي استجابة إلى اشتراطات الاتحاد الأوروبي، الذي أضحت تركيا أبعد ما تكون عنه في هذه الآونة بسبب سجلها الحقوقي وتوجهها السياسي، وهو الأمر الذي قد يجعل مواقف الجيش التركي أكثر تفهما من قبل القوى الغربية الشريكة لتركيا حال تصاعدها ضد حزب العدالة، بسبب ما تمخضت عنه سياسات الحزب من مشكلات لتركيا على الساحة الداخلية، وكذلك على الساحة الخارجية.


 

سابعا: العلاقة مع الجيش

في أغسطس الماضي أختار مجلس الشورى العسكري التركي الأعلى، برئاسة رئيس الوزراء وبمشاركة وزير الدفاع وجدي غونول، وكبار القادة العسكريين، قائد القوات البرية الفريق الأول خلوصي آكار رئيسا لأركان الجيش التركي، خلفاً لرئيس الأركان السابق نجدت أوزال. وقد اهتم خلوصي أكار بعائلات العساكر المحكومين بقضايا "المطرقة" و"الارغنكون" والتي فضل أن يلتزم الصمت فيها. وبسبب تقارب الأفكار بين خلوصي أكار والفريق الأول رئيس أركان الجيش التركي نجدت أوزال عمل أكار نائبا ثانيا له لسنوات عديدة، ولم يكن الأخير على وفاق تام مع الحكومة التركية.


 

وثمة مؤشرات عديدة تشير إلى أن قيام أردوغان بتحجيم المؤسسة العسكرية عبر إجراءات تدريجية يقابله في الوقت الراهن محاولة الجيش تدريجيا استعادة نفوذه المفقود على الساحة السياسية، ويأتي في هذا الإطار الكلمة التي نشرها الجيش التركي في عيد "النصر العسكري" الثالث والتسعين الذي تحتفل به تركيا في الثلاثين من أغسطس كل عام، إذ لا يمكن إغفال "ذلك النَفَس القومي الأتاتوركي" الذي يعد سابقة في قوته خلال السنوات الخمس الأخيرة، بل إن الكلمة أشارت إلى "الجمهورية التركية" في تشديد واضح على القومية التركية المؤسسة.


 

الخطاب الذي كتبه القائد الجديد لأركان الجيش الجنرال خلوصي أكار، عاود استخدام صفة "التركي" لكل مؤسسات الدولة التي ذكرها مرات في خطابه، وذلك عكس التوجه السياسي لحكومة حزب العدالة والتنمية التي بدأت منذ ثلاث سنوات حذف كلمة "التركية" تدريجا من العديد من مؤسسات الدولة، في إطار مفاوضات تسوية المسألة الكردية. ويمكن اعتبار أن ذلك ليس حدثا عارضا بالنظر إلى عدد من التطورات:


 

- أشاد الجنرال خلوصي أكار في حديثه باحتفال النصر بأتاتورك في شكل مبالغ فيه، ووصفه بأنه القائد العام الأعلى و"الأبدي" للجيش التركي، متجاهلاً اعتبار أردوغان القائد الأعلى للجيش الآن، بصفته رئيسا للجمهورية. وكان سياسيون من المعارضة حذروا من أن الحرب الحالية مع حزب العمال الكردستاني، قد تكون لها تبعاتها على دور الجيش في الحياة العامة، من ناحيتين: الأولى إطلاق يد الجيش مجددا من دون حسيب أو رقيب على الأرض في جنوب شرقي تركيا. والثانية، أن الجيش قد لا يسكت مجددا على عودة المفاوضات السلمية مع " حزب العمال الكردستاني" في شكل يُعتقد بأنه يتضمن "إساءة أو استهانة بدماء الجنود الذين قتلوا على يد الحزب أخيرا في هذه الحرب".

- لم تكن قيادة الجيش التركي ترضى عن محادثات السلام مع حزب العمال منذ أن بدأت في 2009. وفي أغسطس 2014، أعلن نجدت أوزيل رئيس الأركان، للمرة الأولى الاستياء من عملية السلام، وقال إن القوات المسلحة لن تصمت إذا ما تم تجاوز "الخطوط الحمراء" وتهديد وحدة الأمة التركية، وهو ما كان يمثل في العقود السابقة أشبه بـــــ "مذكرة تهديد" للحكومة.

- إن حديث رئيس الأركان على هذا النحو يشير إلى القدرة على التحرك، وأن الحكومة وقت الحاجة قد تُجبر على انتهاج السياسة التي يحددها الجنرالات. وقد تصاعدت قدرة الجيش على معارضة سياسات الحكومة، والشاهد على ذلك فشل أردوغان في ضم جماعة " كولن" إلى قائمة التنظيمات الإرهابية، خلال اجتماع مجلس الأمن القومي في نوفمبر 2014، والذي دام 10 ساعات، بعدما طلب الجيش أن تُدرج في القائمة كل الهيئات الدينية المشابهة لجماعة كولن، والمنظمات الكردية الداعمة لـ "حزب العمال الكردستاني"، فأُجل النظر في الأمر برمته. وقد أشار ذلك إلى رغبة المؤسسة العسكرية في لعب دور أكثر تأثيرا داخل المجلس.

- عدم اندمال جراح الجيش بسبب قيام أردوغان بالضغط على المؤسسة العسكرية لإرسال أعداد كبيرة من عناصرها للسجن في عام 2012 بدعوى محاولة الانقلاب على حكمه عام 2012، هذا على الرغم من إدعاءه بعد ذلك أن حركة كولن هى المسئولة عن ذلك.

ففي عام 2014 حكم بالسجن مدى الحياة على قائد الأركان الأسبق إلكر باشبوغ، مع العديد من القيادات الكبرى في الجيش، بالحبس مدى الحياة، لتورطهم فيما سمى مؤامرة الانقلاب، وعند الإفراج عن باشبوغ، هنئه أردوغان، مضيفا أنه يتوقع الإفراج عن بقية المتهمين في القضية من قيادات الجيش، وقد تم بالفعل تبرئة أكثر من 200 منهم في مارس 2015، بعد إعادة محاكمتهم.

- كشفت تطورات الساحة السورية الأخيرة عن تصاعد دور الجيش بالمقارنة بالحكومة، اتضح ذلك في الموقف الحذر الذي تبناه حيال خطط الحكومة الخاصة بالتدخل السريع في سوريا. وعلى الرغم من المفاوضات العديدة بين الجانبين، فقد رفض الجيش التدخل منفرادا لإقامة منطقة أمنة في شمال سوريا، ومع استمرار الضغوط الحكومية لدعم نشاط الجيش السوري الحر (FSA) ضد نظام الأسد، طالب رئيس الأركان السابق - حسب تقرير لصحيفة حريت ديلي نيوز- بقرار مكتوب من الحكومة التركية في هذا الشأن، متحججا بأن هذا الإجراء العسكري ليس سهل بالنظر إلى التداعيات التي قد تتعلق بمسار رد فعل نظام الأسد ومواقف كل من إيران وروسيا، هذا بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي تعارض أي تحرك تركي منفرد في هذا الشأن.


 

ثامنا: تراجع الأداء الاقتصادي

يعاني الاقتصاد التركي من مشكلات هيكلية تتعلق بارتفاع مستوى الدين الخارجي وانخفاض مستوى الادخار، وارتفاع مستوى البطالة والتضخم، وتستورد تركيا ضعف قيمة صادراتها، وقد انخفض سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار 26% هذا العام فقط، لكن الانخفاض المجمّع تجاوز ثلث قيمتها منذ 2013، متدرجة من 1.75، إلى 3.07 ليرات مقابل كل دولار في سبتمبر 2015، كأدنى سعر وصلت إليه منذ أن قامت حكومة حزب العدالة والتنمية بحذف ستة أصفار من يمين الليرة التركية.


 

وقد ارتبط ذلك بالتوترات السياسية والأحداث الأمنية داخل تركيا وفي الدول المحيطة بها، والتي دفعت وزير المالية التركي محمد شيمشك إلى إعلان أن أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد التركي تتمثل في عدم الاستقرار السياسي طويل الأجل والذي يسبب عادة عجزا في الميزانية وميزان المعاملات الجارية. وقال شيمشك في مؤتمر في اسطنبول إن الاقتصاد سينمو على الأرجح بنسبة 3% في 2015، محذرا في الوقت نفسه من أن غموض الوضع السياسي لفترة طويلة قد يضعف أوضاع المالية العامة التي تمثل حاليا عامل حماية من الصدمات الاقتصادية.


 

كما تعلق ضعف الليرة بتكلفة الدين الخارجي المقوم في غالبيته بالدولار، والفشل في زيادات الصادرات التي ظلت معتمدة على أوروبا واليورو الضعيف. وعلى الرغم من أن تراجع قيمة العملة يترافق مع زيادة أكبر في الصادرات تؤدي إلى دفع عجلة النمو، غير أن ما شهدته تركيا تمثل في أن انخفاض العملة أدى إلى رفع مخاطر الاستقرار المالي، كون الشركات تتعامل بالليرة، وتدفع ديونها بالدولار، هذا فضلا عن أن ثلثي عجز الموازنة التركية يرتبط بواردات النفط والغاز الذي ارتفعت أسعاره بالليرة التركية أكثر بكثير منها بالدولار. وقد أشار وزير الطاقة التركى، تانز يلدز، إلى أن استيراد بلاده من الغاز يكبدها 4 مليارات دولار إضافية بعد التراجع الحاد لقيمة الليرة أمام الدولار.


 

يضاف ذلك إلى أن البنك المركزي التركي لا يمتلك من النقد الأجنبي سوى 42 مليار دولار، وهو ما يغطي شهرين من الواردات وحسب، هذا في الوقت الذي يحتاج فيه البنك هذه الاحتياطيات لتمويل العجز في ميزان المدفوعات، ولأغراض التدخل في سوق الصرف الأجنبي للدفاع عن الليرة التركية. وقد يبدو الوضع الاقتصادي غير مستقر في ظل ارتفاع إجمالي ديون تركيا الخارجية لتتجاوز 420 مليار دولار، بما يجعل الليرة تعاني من حجم الديون والعجز في ميزان المدفوعات، وهو ما يفسر الانهيارات في قيمتها وارتفاع مستوى التضخم.


 

ويبدو ذلك مؤشرا سلبيا بالنسبة لحزب العدالة والتنمية كون الاستقرار الاقتصادي مثل العنصر الحاسم في بقاء حكم الحزب طيلة السنوات الماضية، رغم الصدام مع أغلب مؤسسات الدولة وجماعات المصالح.


 

تاسعا: سيناريوهات المستقبل

وفق المعطيات السابقة، فمثلما انتقلت تركيا من مرحلة الاستقرار إلى عدم استقرار عبر مربعات توتر متلاحقة فإن تركيا وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلا لن تنتقل إلى مرحلة استقرار قبل دوره زمنية تشهد فيها عدم استقرار سياسي ليست بالقليلة، وذلك بالنظر إلى عدد من المحددات أهمها أن عودة هدوء جبهة الصراع التركي – الكردي داخل تركيا لم تعد ترتبط بتطورات محلية، وإنما بتحولات إقليمية تتعلق بصعود أدوار الأكراد الأمنية والسياسية على الساحات المجاورة، كما أن مساندة القوى الكردية لم تعد ترتبط بإدارة صراع إقليمي وإنما بعلاقات قوى دولية ( كالولايات المتحدة) وتوجهاتها حيال شكل ونمط التفاعلات فى الإقليم.


 

يضاف ذلك إلى أن مراحل عدم الاستقرار السياسي في تركيا في الغالب لا تكون مراحل مؤقتة إذا ما جاءت في أعقاب حكم حزب واحد، ذلك أن أغلب الأحزاب السياسية التي حكمت تركيا بمفردها لم تستطيع العودة بعد انخفاض شعبيتها إلى سابق عهدها. بيد أن الرئيس التركي على ما يبدو يخطط إلى تصعيد التوتر على النحو الذي يجعل الجيش والدولة في مواجهة مع الإرهاب الكردي، بما يدفع المواطنين إلى الشعور بأنهم أمام خيار الاستقرار الذي شهدته تركيا طيلة حكم العدالة وبين مرحلة اللا-استقرار مع بداية انخفاض شعبيته.


 

ومع ذلك، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أحزاب المعارضة ووسائل الإعلام المحلية والدولية استطاعت أن تكشف خطط أردوغان، لذلك فلا مؤشرات تؤكد إمكانية عودة الحزب إلى السلطة منفردا، لذلك فقد يكون هناك احتمال أول وهو الأقل رجوحا يتعلق بتأجيل الانتخابات بحجة عدم القدرة على إجراء الانتخابات في أغلب مدن جنوب شرق تركيا، وهذا الخيار سيكون له تداعيات اقتصادية ضخمة، هذا في حين يتمثل الخيار الثاني في عدم إجراء الانتخابات في بعض المناطق الكردية وفرض عوائق إجرائية أمام قدرة الناخبين الأكراد في جنوب شرق تركيا على الإدلاء بأصواتهم، بما يساهم في منع حزب الشعوب الديمقراطيى من اجتياز نسبة 10% اللازمة لدخول البرلمان، أو على أقل تقدير خفض شعبيته لصالح حزب العدالة، بما يمنح الأخير القدرة على تشكيل الحكومة منفردا.


 

ويبدو خيار فرض معوقات إدارية أمام الناخبين الأكراد- بالنظر إلى التطورات الراهنة - مطروح بقوة، لكنه قد لا يفضى إلى تراجع نسبة أصوات حزب الشعوب الديمقراطيى، وفي حال ما منع ذلك من وصول الحزب للبرلمان وسيطرة حزب العدالة بمفرده على عملية تشكيل الحكومة، فقد يكون ذلك "السيناريو الكابوس" وليس "خيار النجاة" لحزب العدالة، بالنظر إلى حجم المشكلات الضخمة التي تواجهها تركيا سواء على الصعيد الداخلي أو على المستوى الخارجي، بما يعني أن العدالة والتنمية سيواجه بمفرده كافة الخصوم (الحرب بالجملة) في الداخل والخارج، هذا في وقت تدفع فيه كل التطورات بصعود أدوار المؤسسات العسكرية، وهو ما يجعل حزب العدالة فريسة سهله لخصومه القائمين والمحتملين.


 

ويمكن القول، أنه حتى فى حال ما أقدم حزب العدالة والتنمية على تقديم تنازلات بعد الانتخابات المقبلة بتشكيل حكومة ائتلافية، فلن يكون ذلك مؤشرا على بداية الاستقرار، وإنما قد يكون ذلك بداية الانحدار، وذلك في ظل الاضطراب السياسي والتوتر المجتمعي وارتفاع منسوب الاستقطاب العرقي والطائفي، وتصاعد مظاهر الضعف الاقتصادي.


 

وفي هذا السياق قد يكون للمؤسسة العسكرية التركية أدوار(أكدتها التجارب التاريخية) لن تتواني عن استكمالها أيا ما كانت العوائق الدستورية، وذلك بأسلوب يتناسب مع قيم ونمط توجهات حلفاء تركيا، التي قد يضطر البعض منها إلى التخلي عن حزب العدالة بعدما تحول بالنسبة للكثيرين إلى "عبء" وليس كما كان في السابق "فرصة".