المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

صراع قابل للإنفجار.. إثيوبيا.. اقتصاديات الطاقة وتسويق الزعامة الإقليمية والإفريقية

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 01:58 مساءٍ

خريطة اثيوبيا
خريطة اثيوبيا

تتحكم مجموعة من الاعتبارات الجغرافية والديموجرافية والاقتصادية أيضا، بالإضافة إلى الطموح السياسي الشديد، في سياسات إثيوبيا الخارجية. فكونها دولة حبيسة من دون واجهة بحرية يدفعها ذلك نحو طرق كل الخيارات- بما في ذلك الخيار العسكري- لتأمين وصولها إلى مرافئ بحرية في دول مجاورة لها. وكونها دولة تشترك في حدود طويلة ومتداخلة ديموجرافيا مع ست دول إفريقية أخرى، دفعها – وفرض عليها أحيانا- التدخل في بلدان مجاورة مثل إريتريا والصومال بهدف ملاحقة تنظيمات إثنية تسعى للانفصال عن إثيوبيا، أو حتى إسقاط أنظمة تثير الاضطرابات في الداخل الإثيوبي. وكونها دولة ذات اقتصاد هش، دفعها لاستخدام مواردها المائية الضخمة في مشروعات عملاقة لتشييد سدود مولدة للطاقة، قد تمكنها في لحظة تاريخية ما، من ممارسة دور الزعامة على الإقليم ومن دون منازع. حتى ومن دون النظر إلى مآلات هذا الجموح السياسي والدبلوماسي.


 

الجغرافيا السياسية والطبيعية لإثيوبيا

هي ثاني أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان (85 مليون نسمة) والعاشرة من حيث المساحة (مليون و 126.829 كم2). يحدها من جهة الشرق كل من جيبوتي و الصومال ومن الشمال دولة أريتريا و من الشمال الغربي السودان ومن ناحية الغرب جنوب السودان والجنوب الغربي كينيا.


 

وتغطي الأراضي الزراعية فيها حوالي (801.750) كم2 من إجمالي مساحة الدولة، أي ما يعادل نسبة 73%، مقابل حوالي 89 ألف كم2 غابات ومراعي، أي ما يعادل 7%، وحوالي (92.750 كم2) مبان وأراض وجبال، أي ما يعادل 8%، فضلا عن حوالي 121 ألف كم2 من المجاري المائية، أي ما يعادل نسبة 12%.

ويمثل الوادي المتصدع الكبير المحور الجغرافي الرئيسي في البلاد، والسهول العالية في سلسلة الجبال التي تشكل الوادي المتصدع تعتبر مثالية لزراعة مستقرة وقائمة على المحاصيل. من جهة أخرى، تتساقط كمية محدودة من الأمطار في المناطق المنخفضة الشاسعة والنائية التي تعتمد على نظم الأنهار، المتدفقة من ”برج المياه باتجاه السهل المركزي، للإمداد بالمياه العذبة، وترتكز الممارسات الزراعية في منطقة المنخفضات بصورة رئيسية على تربية الماشية التي تتخذ شكل الرعوية التقليدية. فليست إثيوبيا بكاملها ملائمة للزراعة إذ ثمة مناطق واسعة تغطيها الجبال الوعرة، والصحراء، والبراكين النشطة.


 

بفضل المرتفعات المروية بالأمطار، تحظى إثيوبيا بميزة زراعية مقارنة مع البلدان المجاورة التي تعتمد على الأنهار في الزراعة. من جهة، تشكل وفرة المياه العذبة موردا لا يقدر بثمن، ومن جهة أخرى، تظهر مخاطر تترتب عليها انعكاسات سياسية، دولية ومحلية على السواء. إذ أن مشروعات بناء السدود في إثيوبيا- رغم أن معظمها يهدف لتوفير الطاقة الكهربائية – من شأنها أن تؤثر على حصص دول الجوار الإفريقي لإثيوبيا وتلك المشتركة معها في حوض نهر النيل( خاصة مصر والسودان) من المياه العذبة، الأمر الذي قد يستتبع تدخل تلك البلدان بشكل مباشر أو غير مباشر في إثيوبيا، في حال عدم التوصل إلى اتفاق مرضي للأطراف الأخرى.


 

وتعاني إثيوبيا من عقدة أخرى، كونها بلاد داخلية، ليست لها واجهة بحرية. فقد خسرت واجهتها البحرية في الجهة الشمالية الشرقية حين نالت "إريتريا" استقلالها عنها عام 1993، وأغلقت ميناء "آصاب" أمام إثيوبيا". واليوم، بعد مرور 15 عاما على نهاية الحرب بين إريتريا وإثيوبيا التي امتدت من عام 1998 حتى عام 2000، ما زالت تقوم بين البلدين علاقات متوترة، بل عدائية.

ويوفر مرفأ بربرة في أرض الصومال نقطة لتفريغ بعض المواد الاستهلاكية المستوردة لصالح إثيوبيا، ولكنه يفتقر إلى المرافق التي يوفرها مرفأ جيبوتي، الذي تعتمد عليه إثيوبيا بشكل كامل تقريبا في تجارتها البحرية الدولية.


 

نظام الحكم ومستقبل الدولة الإثيوبية

الدولة الإثيوبية مُنظَمة في شكل "جمهورية فيدرالية ديمقراطية" والانقسامات العرقية متجذرة في أصول تركيب الدولة وتقسيماتها. فقد تم تقسيم الجمهورية الإثيوبية الفيدرالية الديمقراطية إلى تسع ولايات أو مناطق على أساس إثني، ومدينتين تحت الحكم الفيدرالي، وهما أديس أبابا ودير داوا.

 

أما الائتلاف الحاكم، أي الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، فيتشكل من أربعة أحزاب متمحورة حول الإثنيات وهي أورومو، والقوميات الجنوبية والأمهرة والتجراي. ويتكّون الائتلاف الحاكم من أربع جبهات حاربت نظام منغستو وأطاحته في مايو/ أيار1991، بعد نضال استمر 17 عاماً. تمكّنت الجبهات من إسقاط النظام وأقرّت نظام الديمقراطية الإثنية بحسب النسبة المئوية في البرلمان الفيدرالي. يملك إقليم أورومو في البرلمان الفيدرالي 178 نائباً، فيما يحتل إقليم أمهرا المركز الثاني بـ138 نائباً، ويليه جنوب شعوب إثيوبيا بـ123 نائباً، وإقليم تجراي في المركز الرابع بـ38 نائباً.


 

وتحت قيادة "ميليس زيناوي"، الذي ظل رئيسا لوزراء إثيوبيا لعقدين متتالين حتى وفاته في سبتمبر 2012، لعبت جبهة التحرير الشعبية للتجراي دورا حاسما في الإطاحة بمانغستو ، وفي قيام الحكومة الانتقالية في إثيوبيا، وتأسيس الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، والجمهورية الديمقراطية الفيدرالية في إثيوبيا. وتعتبر جبهة التحرير الشعبية المكون الأهم في الائتلاف الحاكم. ومن المسلم به هناك أن شعب التجراي، أو "التجرينية"، هو الذي يسيطر على الحكم في إثيوبيا.

 

وتوجد أحزاب سياسية عديدة في إثيوبيا ما بين أحزاب في السلطة – الأحزاب الأربعة المؤسسة للائتلاف الحاكم وهي؛ "جبهة تحرير شعب تجراي" و"الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو" و"الحركة الديمقراطية لقومية أمهرا"، و"الجبهة الديمقراطية لشعب جنوب إثيوبيا"- وأحزاب معارضة مثل "الاتحاد من أجل الديمقراطية والعدالة" و"الاتحاد الإثيوبي للقوى الديمقراطية". إلا أن معظم الأحزاب والائتلافات المعارضة تعاني من انقسامات عميقة على الصعيدين الإثني والقبائلي، ولا تحظى بدعم خارج مناطق نفوذها المحلية.

 

ومن المتوقع، أن تشهد إثيوبيا في السنوات القادمة تحسنا في كفاءة وفعالية الدولة، وتتجلى في قدرتها على تطبيق السياسات، فرض القانون والنظام وتقديم الخدمات. إذ يشير آخر إصدار لمؤشر مؤسسة MO Ibrahim الإفريقية المعنية بدراسة شؤون الحكم في إفريقيا، والصادر في 2015، إلى أن إثيوبيا حققت تقدما قويا على مستوى كفاءة الحكم، بوصفها واحدة من بين أعلى عشر دول حققت تقدما في القارة تحديدا فيما يخص الأمن وحكم القانون والتنمية الإنسانية. إلا أنها أظهرت أداء ضعيفا فيما يخص الفرص الاقتصادية المستدامة. وتحتل المرتبة الحادية والثلاثين على مستوى القارة الإفريقية من حيث كفاءة الحكم، والسادسة في منطقة شرق إفريقيا، بينما تحتل مصر المرتبة الرابعة والعشرين من حيث كفاءة الحكم وفق هذا المؤشر. ومن المتوقع حسب بيانات هذا المؤشر أن ترتفع كفاءة الحكم وقدراته في إثيوبيا بشكل مطرد خلال السنوات المقبلة وعلى المدى المتوسط.


 

المجموعات الإثنية في إثيوبيا

يوجد في إثيوبيا أكثر من ثمانين مجموعة إثنية مختلفة. وتعتبر "قبيلة الأورومو" هي الأكبر من بين القبائل الرئيسية الأربعة، وتمثل 35% من السكان. وتليها الأمهرية، التي تشكل لغتها اللسان الوطني المشترك في إثيوبيا وتمثل 27٪ من سكان البلاد، في حين أن العرقية الصومالية وتيجري تمثل 6.22٪ و 6.08٪ من السكان على التوالي. المجموعات العرقية الأخرى البارزة هي كما يلي: سيداما 4.00٪، 2.52٪ كوراج، ولايتا 2.27٪، 1.73٪ العفر، الهدية 1.72٪، 1.49٪ الإعراس وغيرها 12.6٪.


 

بناء على النموذج الفيدرالي الإثني في إثيوبيا، هناك أقاليم خاصة للمجموعات الإثنية. رغم أن هذه لم تكن الحال من قبل، فلطالما كانت المجموعات الإثنية في إثيوبيا مبعثرة في أنحاء البلاد، وصولا حتى إلى البلدان المجاورة، مع استثناءات قليلة للغاية. على سبيل المثال، قبيلة "الأورومو" ؛ لم ترتبط يوما بإقليم محدد إلى حين أوجدها النظام الفيدرالي. والصوماليون الإثيوبيون ينتسبون إلى الصوماليين في الصومال، كما أنه لقبائل جامبيلا والنوير والأنواك صلات قرابة في جنوب السودان المجاور لإثيوبيا.


 

ورغم ذلك، لم يفضي تحديد الأقاليم حسب الإثنيات بموجب هذا النظام إلى تقليل التوترات بين المجموعات الإثنية: فما زالت النزاعات التاريخية التي تحركها عوامل عنصرية تثور بين الفينة والأخرى، خاصة في المناطق الريفية حيث تكثُر النزاعات العنيفة حول الأراضي. إلا أن القبضة القوية للحكومة الإثيوبية سرعان ما تتكفل بقمع هذه التوترات بسرعة. لكن فيما يبدو أن سيطرة "التجرينيين" على السلطة واستبعاد الإثنيات الأخرى، استحث قيام مجموعات معارضة سرية مثل "جبهة تحرير الأورومو" و"جبهة تحرير أوجادين الوطنية".


 

وتشكل الشرطة الفيدرالية جهازا أمنيا حكوميا مهما. فهي منظمة شبه عسكرية كبيرة وواسعة الانتشار. وينتمي عناصرها إلى مجموعات إثنية ومناطق مختلفة يتنقلون في كافة أنحاء البلاد. أما في المناطق النائية، فغالبا ما تلجأ السلطات إلى ميليشيات محلية مسلحة (التاتاكي) قائمة على أساس إثني لفرض الأمن والنظام هناك.


 

اقتصاد مانحين واستثمار زراعي

أسست الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية نظام سياسي مهيمن على الاقتصاد الإثيوبي. فالصروح الاقتصادية الشامخة في أيدي الشركات المملوكة للدولة والنخبة من رجال الأعمال ذوي الارتباط الوثيق بمشروع الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية. وفى الانتخابات البرلمانية الأخيرة حصلت الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية وحلفائها على كافة المقاعد إلا اثنين من 547 مقعد. هذا الفوز الساحق، يعزز من سيطرة الدولة بشكل قاطع على الوضع الاقتصادي داخل البلاد. وهناك أيضا سبب آخر لترسيخ هيمنة النظام الإثيوبي على الاقتصاد، ألا وهو نجاح النظام في ترجمة علاقاته السياسية بالقوى الكبرى في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في شكل مساعدات ضخمة لدعم التنمية في إثيوبيا. إذ تساهم مساعدات المانحين في تمويل نحو ثلث الموازنة العامة لإثيوبيا، الأمر الذي يجعلها واحدة من بين أكثر البلدان اعتمادا على المساعدات على مستوى العالم.


 

وكان ميليس زيناوي رئيس الوزراء السابق، قد أقام، قبل عقد من الزمن، علاقات ممتازة مع طائفة واسعة من الشركاء، كي يتمكن من تحقيق طموحاته السياسية والاقتصادية. حيث تمتع زيناوى بصداقات شخصية مع توني بلير وبيل كلينتون وبيل جيتس وجوزيف ستيغليتز. كما ذهب في رحلات لدراسة المعجزة الاقتصادية الكورية الجنوبية ومناقشة اقتصاديات البنية التحتية الكبيرة مع "هوجين تاو". ولعب دور المتحدث باسم العالم النامي، بصفته ممثلا عن إفريقيا في قمة مجموعة العشرين وتغير المناخ.


 

وتعتبر إثيوبيا من أسرع البلدان غير المنتجة للنفط نمواً في أفريقيا. وتساهم الزراعة تقريبا بما مقداره 43% من الناتج المحلي الإجمالي، 80% من الصادرات، وتُشغّل 85% من اجمالي حجم القوى العاملة في البلد. كذلك تعتمد أغلب الانشطة الاقتصادية الأخرى علي الزراعة ويشمل ذلك التسويق، معالجة المنتوجات والتصدير. ويعتمد دخلها القومي بالأساس علي تصدير محصول البن، الأمر الذي يجعل اقتصادها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، ويجعلها أيضا في حالة اعتماد دائم علي القروض والمعونات الخارجية، مما دفعها إلي تدعيم علاقاتها مع دول الخليج النفطية، وكذا إسرائيل وتركيا وإيران، من أجل سد الفجوات الغذائية لشعبها، الذي يبلغ تعداده 85 مليون نسمة، ويقبع 40% منه تحت خط الفقر.


 

أما بالنسبة للتجارة عبر الحدود، فهي فى كثير من الأحيان غير رسمية وخارجة عن سيطرة الدولة وتنظيمها. ففي شرق أفريقيا، على سبيل المثال، أكثر من 95٪ من تجارة الماشية الإثيوبية عبر الحدود، تتم من خلال قنوات غير رسمية ... فالإبل والأغنام والماعز الإثيوبيى التي تباع في الصومال وكينيا وجيبوتي تقدر قيمتها الإجمالية بين 250 : 300 مليون دولار سنويا. هذه الطريقة تلعب دورا فى التخفيف من حدة التوتر عبر الحدود وتعزيز التكامل الإقليمي.


 

تجدر الإشارة إلى أنه خلال العام 2014 كان هناك ست اقتصادات كبيرة (بإجمالي ناتج محلي يزيد على مائة بليون دولار) في إفريقيا هي؛ نيجيريا (536 بليون دولار)، جنوب إفريقيا (454 بليون دولار)، مصر (263 بليون دولار)، الجزائر (233 بليون دولار)، أنغولا (126 بليون دولار)، والمغرب (116 بليون دولار). بينما احتلت إثيوبيا المرتبة رقم 11 على قائمة أكبر الاقتصادات في إفريقيا، بإجمالي ناتج محلي يبلغ 43 بليون دولار. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن أداء الاقتصاد الإثيوبي ينبئ بتحسن خلال السنوات القادمة، بحيث تصبح إثيوبيا سادس أكبر دولة من حيث حجم الاقتصاد في إفريقيا عام 2040. ويتوقع أيضا أن يصل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي في إثيوبيا لأكثر من 12%.


 

في الواقع، ليس ثمة تناقض بين هذا التوقع والوضع الاقتصادي الهش في إثيوبيا، على ضوء حجم المساعدات الضخمة التي تتلقاها إثيوبيا لدعم التنمية فيها. إذ تساهم مساعدات المانحين في تمويل نحو ثلث الموازنة العامة لإثيوبيا، الأمر الذي يجعلها واحدة من بين أكثر البلدان اعتمادا على المساعدات على مستوى العالم.


 

وتنظر دول الخليج العربي بوجه عام إلى إثيوبيا كمصدر مهم للمياه العذبة والاستثمار الزراعي والثروة الحيوانية. جدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية هي ثالث أكبر شريك تجاري لإثيوبيا، باستثمارات تبلغ قيمتها 13 مليار دولار. أما بالنسبة للإمارات، فقد وصل عدد الشركات الإثيوبية التي تعمل في مجال الثروة الحيوانية في الإمارات إلى 213 شركة حتى عام 2014.


 

أما بالنسبة لدولة قطر، فتركز على الاستثمار في قطاعات الزراعة والري والطاقة ، وفى هذا الإطار فقد وقعت العديد من الاتفاقات بين رجال أعمال قطريين وإثيوبيا. كما تم الإعلان عن مشروعات استثمارية قطرية بقيمة 500 مليون دولار في إثيوبيا، تشمل مصانع للأسمنت، والسكر والأعلاف.


 

سياسة إثيوبيا الخارجية .. التدخل وتسويق الدور الإقليمى

تعاني إثيوبيا من مشكلات عديدة: بداية من التوترات الإثنية الداخلية، وهشاشة الوضع الاقتصادي، والتداخل الديموجرافي مع دول الجوار. لكن يبدو، أن الحرص الإثيوبي على تسويق نفسها بحسبانها الحليف الإقليمي القادر على خدمة المصالح الدولية في المنطقة، قد أتى بثماره، في صورة دعم للمواقف الإثيوبية وبرامج تدريب عسكرية ودعم لوجستي.


 

وتتكئ إثيوبيا في سياستها الخارجية النشطة على ثلاثة أسس؛ وضعها كركيزة للاستقرار في منطقة القرن الإفريقي من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، ودورها في الحرب على الإرهاب التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية أيضا. وأخيرا، ما اصطلح على تسميته "دبلوماسية الطاقة" كرافعة لطموحاتها الإقليمية.


 

وفى هذا السياق، تتعين الإشارة إلى أن إثيوبيا تعد واحدة من الدول داخل القارة التي تضم قاعدة عملياتية أمريكية تعمل بكامل طاقتها لطائرات من دون طيار. وقد نفذت الولايات المتحدة مع إثيوبيا برنامج شراكة لتدريب قوات دفاع وشرطة إثيوبية على استراتيجيات مكافحة الإرهاب وبينهما تعاون في مجالات استخباراتية، أمنية وعسكرية. وتلعب إثيوبيا دورا محوريا في برنامج "الشراكة من أجل مكافحة الإرهاب الإقليمي في شرق إفريقيا" وهو برنامج بتمويل أمريكي يركز على تطوير قدرات مكافحة الإرهاب في الإقليم عن طريق التدريب العسكري وبرامج الحوكمة.


 

وقد عملت إثيوبيا على استثمار الحرب على الإرهاب لتعزيز خططها النشطة في دول الجوار. أحد أبرز الأمثلة على هذا، الغزو الإثيوبي للصومال عام 2006، لإنهاء سيطرة "المحاكم الإسلامية" الذي يُشتَبَه في كونه تم بدعم لوجستي أمريكي. ثم المشاركة في بعثة الاتحاد الإفريقي "الأميصوم" في 2014، وإرسال ما يزيد على 20 ألف مقاتل إثيوبي إلى الصومال لإنهاء حكم تنظيم الشباب الإسلامي هناك.


 

هذا الوضع الإثيوبي المميز في منطقة القرن الإفريقي والإسناد الأمريكي لمواقفها دفعها إلى المضي إلى أقصى حد لتنفيذ سياسة خارجية هجومية نشطة ومصلحية في الإقليم.

الصومال.... تدخل إثيوبي تحت شعار الحرب على الإرهاب

ففي الصومال؛ يبدو اهتمام إثيوبيا بالصومال مبررا على ضوء التقارب الجغرافي والديمغرافي؛ إلا أن وضع إثيوبيا كدولة من دون واجهة بحرية واعتمادها على موانئ الصومال، والنزاع الإثيوبي – الصومالي القديم على إقليم أوجادين، و أيضا العداء مع النظم والتنظيمات الإسلامية في الصومال يدفع السلطات الإثيوبية نحو التدخل العسكري المتكرر في الصومال.


 

بدأ التوغل الإثيوبي في الصومال أول مرة بعد سقوط الحكومة المركزية في الصومال في أغسطس 1996 حينما داهمت القوات الإثيوبية من المناطق الحدودية بلدة دولو، وبلد حوا, لملاحقة أعضاء جماعة الاتحاد الإسلامي. وفي مايو 1999 سيطرت قوات إثيوبية، بمساعدة من الفصائل الصومالية الموالية لإثيوبيا بلدة لوق في جنوب غرب الصومال، على مقربة من الحدود مع إثيوبيا وكينيا.


 

وفي أواخر يونيو عام 1999، أطلق الجنود الإثيوبيون، بدعم من العربات المدرعة الهجوم على مدينة لوق التي أسفرت عن السيطرة على مدينة بيدوا التي كانت معقلاً لقوات التحالف الوطني الصومالي بقيادة حسين عيديد, وكان الهدف من الهجوم على ما يبدو طرد متمردي "جبهة تحرير أورومو" المتمركزة في الصومال.


 

وبعد تشكيل الحكومة الوطنية الانتقالية في الصومال في أغسطس 2000، لم تعترف إثيوبيا بالحكومة الانتقالية, بل واصلت دعمها لمختلف الفصائل وأمراء الحرب؛ الأمر الذي أدى إلى توتر العلاقات بين الحكومة الإثيوبية والحكومة الصومالية المؤقتة، التي وصلت إلى حد الإدانات, وتبادل الاتهامات بينهما.


 

وفي يناير 2001، اتهم رئيس وزراء الحكومة الوطنية الانتقالية في الصومال، "علي خليف"، إثيوبيا بتسليح الفصائل المعارضة للحكومة، واحتلال المناطق الصومالية وزيادة وجودها العسكري. وادعى لاحقًا أن جنودًا إثيوبيين احتلوا البلدات في المنطقة الجنوبية الغربية للصومال، واعتقلت بعض مواطنيها؛ لكن الحكومة الإثيوبية نفت هذه الاتهامات. وإن كان رئيس وزراء إثيوبيا السابق ميليس زيناوي، قد اعترف بعد ذلك أنه أرسل قواته إلى الصومال لمحاربة جماعة إسلامية متشددة (الاتحاد الإسلامي) وذكر أن هذه الجماعة مرتبطة بالقاعدة, وادعى أيضًا أن الحكومة الإثيوبية لديها قوائم أعضاء الاتحاد الإسلامي الذين كانوا في ذلك الوقت في الحكومة الوطنية الانتقالية والبرلمان الصومالي؛ وهو ادعاء نفاه رئيس الجمهورية "عبدي قاسم صلاد حسن" باستمرار.


 

على الرغم من مساعٍ حثيثة لتحسين العلاقات بين إثيوبيا والحكومة الوطنية الانتقالية في يونيو/حزيران 2001، ألا أن العلاقة لم تتحسن حقًا إلا في عام 2004 عندما أصبح عبد الله يوسف رئيس الدولة؛ حيث عكست إثيوبيا موقفها, وبدأت بدعم الحكومة المؤقتة، وخاصة ضد مختلف الميليشيات الإسلامية في الصومال، وآخرها اتحاد المحاكم الإسلامية.


 

وكان التدخل العسكري الإثيوبي الأضخم في التاريخ عندما اجتاز الحدود بين البلدين آلاف من القوات الإثيوبية إلى الصومال في نهاية عام 2006 للرد على ميليشيات تابعة للمحاكم الإسلامية، التي قضت على زعماء الحرب في مقديشو وسيطرت على جنوب ووسط الصومال, وكانت قوات المحاكم تتحرك نحو مقر الحكومة الانتقالية في بيدوا, لكن القوات الإثيوبية أوقفت زحف المحاكم, ولأول مرة وصلت قوات إثيوبية إلى عاصمة الصومال مقديشو؛ حيث بقيت القوات الإثيوبية في مقديشو إلى يناير/كانون الثاني 2009, وفق اتفاقية جيبوتي المبرمة بين قيادات المحاكم والحكومة الانتقالية، وذلك بعد استقالة الرئيس عبد الله يوسف.


 

وفي ديسمبر عام 2006 أصدر مجلس الأمن الدولي برعاية أميركية قرارًا بشأن الصومال يقضي بإنشاء بعثة لحفظ السلام في مقديشو لتحل محل القوات الإثيوبية، وباستثناء إثيوبيا، وكينيا، وجيبوتي من المشاركة في قوات حفظ السلام بسبب التضارب في المصالح في الشؤون الصومالية.


 

وبدأ نشر تلك القوات بأعداد متواضعة في البداية من الأوغنديين والبورونديين، وببطء زاد عدد أفرادها؛ الأمر الذي يفسر جزئيًا لماذا ظلت القوات الإثيوبية وقتًا طويلاً في مقديشو. ثم انضمت القوات الإثيوبية رسميًا لمهمة حفظ السلام للاتحاد الإفريقي في الصومال في 22 يناير 2014 بعد موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بقراره 2124 الذي أذِن لقوة إضافية تبلغ أكثر من 4000 جندي ليرتفع عدد قوات حفظ السلام في بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال إلى أكثر من 22.126 جنديًا.


 

وكانت إثيوبيا قد تدخلت في الصومال هذه المرة تحت عباءة الاتحاد الإفريقي "الأميصوم", وتقضي الاتفاقية الموقّعة بين إثيوبيا والاتحاد الإفريقي بأن ترسل إثيوبيا 4050 جنديًا ينضمون إلى بعثة الاتحاد في الصومال المعروفة بالأميصوم, ولكن واقع الأمر أن نحو ما يقارب العشرين ألف جندي إثيوبي عبروا الحدود إلى الصومال.


 

وهناك أسبابًا عديدة دفعت إثيوبيا لأن تنضم إلى قوات حفظ السلام الإفريقية في الصومال (الأميصوم)، ومن تلك الأسباب:

1- أن إثيوبيا وجدت أنه ليس في وسعها الاستمرار في دفع تكاليف عسكرية لقواتها المتمركزة في المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود مع الصومال, وبانضمام تلك القوات لـ"أميصوم" يُسمح لها بتمويل وتدريب دولي لقواتها، بالإضافة إلى تسليح حديث لقواتها من قبل برنامج الأمم المتحدة لحفظ السلام، وإن لم يتم تسليح قواتها، يحق لإثيوبيا أن تؤجر معداتها العسكرية للأمم المتحدة بعقود طويلة الأجل.

2- أن إثيوبيا تسعى للتأثير في العملية السياسية القادمة بحيث تسعى باسم منظمة الإيجاد لتأسيس مناطق ذات حكم ذاتي من ضمن الدولة الفيدرالية في الصومال، وسوف تشكّل تلك الولايات كتلاً انتخابية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة في 2016.

3- أن مطالب احتجاجات ومظاهرات مسلمي إثيوبيا اتسعت في الآونة الأخيرة لتصل إلى المطالبة بالتكافؤ في المشاركة السياسية، وتقاسم السلطة بينهم وبين المسيحيين, فلم يعد المسلمون هناك يقنعون بأن تنحصر حصتهم من الحكم في اثنين من نواب رئيس الوزراء, مع القائد العام للقوات المسلحة، بالإضافة إلى عدد لا بأس به من الوزراء فقط، ولذلك تقلق النخبة الحاكمة في إثيوبيا من إمكانية استغلال حركة المجاهدين في الصومال مظلمة مسلمي إثيوبيا عبر تجنيد الشباب الغاضبين في صفوفها. لذا, تسعى إثيوبيا وبأي ثمن لأن تقضي على حركة الشباب المجاهدين التي لا تعترف بالحدود الجغرافية بين دولتين وتقاتل من أجل إقامة دولة إسلامية في المنطقة.


 

وقد كان للتدخل الإثيوبي في الصومال انعكاساته على الداخل الإثيوبي، إذ ساعد على إحياء مظالم إقليم أوجادين القديمة ضد أديس أبابا تحت لواء "الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين". وقد قاتلت الجبهة طوال سنوات, الحكومات الأثيوبية المتعاقبة; بهدف فصل المنطقة التي يقطنها الصوماليون عن البلاد. وكان من بين المسوغات التي سيقت للغزو الأثيوبي, الحاجة إلى منع المسلحين الإسلاميين من إضرام نار تحرير أوجادين, وتوحيدها كما فعلوا في سبعينيات القرن العشرين.


 

وقد أدى تفاقم الأزمة الإنسانية في إقليم أوجادين بسبب المناوشات العنيفة بين الجيش الأثيوبي وعناصر الجبهة إلى إعادة فتح الجروح القديمة بشأن الانفصال, كما اكتسبت الجبهة الشعبية لتحرير أوجادين مؤخرا القدرة على شن هجمات مدوية داخل أثيوبيا منذ سقوط نظام منجستو; وهذا أثار مخاوف من وجود روابط بينها وبين قوى خارجية. لكن على الرغم من المحاولات التي قامت بها أثيوبيا كي يتم إدراج الجبهة ضمن المنظمات الإرهابية, فإن الإخفاق في معالجة المظالم التي وقعت في أوجادين, قد يؤدي إلى عودة حالة عدم الاستقرار التي سادت الإقليم في الماضي.


 

مع اريتريا... صراع قابل للإنفجار

أما فيما يخص الصراع مع إريتريا، فيبدو أنه قابل للانفجار في أية لحظة. فالنزاع بين البلدين شديد التعقيد ومتعدد الجوانب؛ ومن بين أبرز جوانبه مشكلة الحدود، إذ بدأت إريتريا تطالب بترسيم الحدود بينها وبين إثيوبيا، التي خططها الاستعمار الإيطالي، خاصة أن هذه المناطق تضم امتدادات سكانية لشعب إريتريا في إثيوبيا، هي القومية التيجرية. أما إثيوبيا فإن وضعها الجغرافي الحالي، وحرمانها من المنافذ البحرية، على الرغم من مساحتها الشاسعة، يعد سبباً قوياً لشن الحرب على إريتريا، نظراً لأنها تعتمد على ميناء جيبوتي، منفذاً بحرياً وحيداً لوارداتها، ومنها النفط، ومن ثم تسعى للحصول على ميناء عصب الإريتري، أو أي منفذ لها على البحر الأحمر، يخضع لسيطرتها.


 

كما إن إثيوبيا باتت تريد إسقاط نظام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي وإزاحته من الوجود،على خلفية التنافس بين النظامين الإريتري والإثيوبي على زعامة منطقة القرن الإفريقي. وعلى ذلك أضحت إثيوبيا تسعى بعد –الإطاحة بنظام أفورقي لتشكيل إريتريا على النحو الذي يروق لها، - ويتناسب مع مصالحها، وهذه الغاية الإثيوبية تجري بموافقة ومباركة حلفائها في المنطقة وبالتحديد كل من السودان واليمن، باعتبارهما تضررا من سياسات (أفورقي)، ولا يودان له البقاء فى سدة الحكم.


 

وشهد الصراع الإريتري الإثيوبي حول بعض المناطق الحدودية عدة تطورات، فقد بدأت الصفحة الأولى من هذا الصراع حينما أقدمت إريتريا في 1 مايو سنة 1998، على اقتحام الحدود المشتركة وتوغلت داخل الأراضي المتنازع عليها، واستولت من خلالها على بعض المناطق الحدودية، ثم انفجر القتال بين الجانبين خلال شهر فبراير سنة 1999 م مرة ثانية، ودار القتال في ثلاث مناطق هي: (بادمى) التي شهدت العمليات العسكرية في مايو سنة 1998، ومنطقة (تسورنا)، و(زالامبيا) ومنطقة (يوري) جنوب غرب ميناء عصب، واستطاعت القوات الإثيوبية تحقيق بعض الانتصارات غير الحاسمة، وهو ما أجبر إريتريا على الموافقة على خطة السلام التي أعدتها منظمة الوحدة الإفريقية، مما ساعد على إيقاف القتال مؤقتا بين الطرفين.


 

والجدير بالذكر أن الجولة الأولى والثانية من الحرب لم تساعدا في تسهيل عملية التسوية، بل على العكس استمر التباعد في المواقف بين الجانبين، وبدا واضحاً أنهما يستعدان لجولة ثالثة فاصلة، وهذا ما حدث، حيث اندلعت مواجهة جديدة خلال شهر مايو سنة 2000 ، وكانت أكثر شراسة، واستطاعت إثيوبيا التي امتلكت المبادأة في هذه الجولة تحقيق انتصارات حاسمة على القوات الإريترية، فلم تكتف إثيوبيا باسترداد المناطق التي احتلتها القوات الإريترية سنة 1998 فحسب، بل إنها توغلت داخل الأراضي الإريترية.

وفي يونيو من سنة 2000 تم توقيع اتفاق الجزائر لوقف الأعمال العدائية والانسحاب من قبل قوات البلدين إلى ما قبل حدود 6 مايو 1998، على أن يكون عمق الانسحاب الإريتري 25 كم، وإحالة النزاع إلى التحكيم، وأنشئت مفوضية لترسيم الحدود بين الطرفين يكون قرارها نهائياً وملزماً للجانبين، ومرجعيتها المعاهدات الاستعمارية للسنوات 1900، 1902، 1908. ثم صدر قرار المفوضية في أبريل 2002 بأحقية إريتريا في هذه الأراضي. ورغم أن القرار نهائي وملزم، إلا أن إثيوبيا اعترضت عليه رسمياً، واستبعدت إثيوبيا أن يكون هناك سلام دائم مع إريتريا ما لم تحصل أديس أبابا على منفذ بحري على البحر الأحمر.


 

غير أن تحولا تكتيكياً طرأ على السياسة الإثيوبية تجاه هذه القضية، تمثل في إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميليس زيناوي في نوفمبر 2004، عن مبادرة من أربع نقاط لاحتواء الأزمة مع إريتريا بشأن – الحدود السياسية بينهما، وقد أقر البرلمان الإثيوبي هذه المبادرة، والنقاط الأربعة هي:

1- القبول المبدئي بقرار مفوضية الحدود على اعتبار أن ذلك يؤكد رغبة إثيوبيا في السلام وتحقيقه في منطقة القرن الأفريقي.

2- أن الأسلوب السلمي هو الخيار الوحيد لحل الخلافات بين البلدين، وأن اللجوء إلى العنف والقوة خيار منبوذ ولا يمكن أن يكون خياراً على أي حال كان.

3- ضرورة حل الخلاف عبر الحوار المباشر والجلوس إلى طاولة المفاوضات، على اعتبار أن ذلك سيمهد الطريق لتطبيع العلاقات وتوفير الثقة بين الشعبين.

4- تراجع إثيوبيا عن قراراها الرافض بدفع التزاماتها المالية لمفوضية الحدود، وإرسال ضباطها لتبادل الآراء مع المفوضية، حيث قررت استئناف تعاملها مع المفوضية عبر دفع حصتها المالية وإرسال الضباط المعنيين إلى المفوضية لإبداء حسن النية والرغبة في إغلاق ملف النزاع الحدودي نهائياً مع إريتريا.

خلاصة القول أن الصراع الدائر بين كل من إثيوبيا وإريتريا يعد من الصراعات البالغة التعقيد، فبعد أن راح ضحية العمليات المسلحة مئات الآلاف من الجانبين، لا تزال القضية مفتوحة. وإن كانت الحرب قد انتهت، فالمناوشات والاشتباكات السياسية والمناورات الدبلوماسية أو ما يمكن تسميته "صراع غير مباشر" مازالت مستمرة ومتواصلة. وعلى ذلك فإن احتمالية تفجر الصراع من جديد ما زالت قائمة.


 

إثيوبيا ومحاولات تغيير ميزان القوى فى القرن الإفريقي:

تسعى أديس أبابا عن طريق التدخل بقوة في الشأن السوداني ومشروعات السدود عند منابع النيل الإثيوبية وأهمها مشروع سد النهضة إلى تحويل ميزان القوى في إفريقيا بعيدا عن نيروبي والخرطوم والقاهرة إلى أديس أبابا. وبناء سد النهضة الإثيوبي( يعد أكبر مشروع للبنية التحتية في أفريقيا؛ بسبب الحجم الهائل لخزاناته) على وجه الخصوص هو محاولة جريئة لإعادة علاقات القوة في حوض النيل.

والملاحظ، فى هذا السياق، أن إثيوبيا تمتلك استراتيجية تجاه السودان تسعى من خلالها إلى تحقيق عدة أهداف أهمها:

  1. تغيير موقفها من المشروعات المائية في حوض النيل الأزرق. وصولا إلى إقامة تكتل إقليمي في حوض النيل لتأييد المساعي الإثيوبية في قبول مشاريعها المائية بمعزل عن موافقة مصر لو تطلب الأمر ذلك.

  2. إدخال السودان ضمن منظومة دول القرن الإفريقي وجذبه بعيدا عن الدول العربية ومشكلات الشرق الأوسط .

  3. فصم عرى التواصل بين الفصائل الصومالية وخصوصا الإسلامية منها والسودان. ولهذا حرصت إثيوبيا على تأسيس علاقة متينة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تحولت إلى دولة جنوب السودان فيما بعد.

  4. تحرص الإستراتيجية الإثيوبية علي عدم وجود تلاقي بين الطوائف الإسلامية الإثيوبية ومسلمي الهضبة الإثيوبية ونظراءهم السودانيين.

  5. تعمل الاستراتيجية الإثيوبية على وجود تواصل وثيق مع متمردي النيل الأزرق (قطاع الشمال داخل الحركة الشعبية).


 

وقد استطاعت إثيوبيا أن تحقق بعض أهدافها إذ نجحت بالفعل في تحييد السودان بالنظر إلى أزمة سد النهضة لأسباب؛ أهمها تواجد القوات الإثيوبية حاليا في "إيبي" بين السودان وجنوب السودان واستضافتها لمعظم جولات التفاوض بشأن الصراع في دارفور، والحوار الوطني السوداني، والخلافات بين شمال وجنوب السودان. لتتحول السودان من كونها طرفا في النزاع حول سد النهضة إلى وسيط بين الأطراف.

تهديد الأمن المائى لمصر:

أما بالنسبة لمصر ، فيبدو أن إثيوبيا لا تزال عازمة على تهديد أمنها المائي، وذلك عبر سياسة مائية مراوغة.

وتعتمد إثيوبيا على نهج يرفض النمط القائم لتقاسم المياه في حوض النيل، مشددة على حقها المطلق في الاستفادة من مواردها المائية، ومن دون الالتزام بأية اتفاقيات دولية وإقليمية.

في البداية قامت إثيوبيا، خلال سنوات قليلة، بمضاعفة السعة التخزينية لسد "بوردر" إلي خمسة أضعاف حجمه الأول ليصل إلى 74 مليار متر مكعب، دون أن يكون هناك أي مبرر فني أو اقتصادي لهذه التوسعة الهائلة في حجم السد.

وكان اللافت للانتباه أن الحكومة الإثيوبية، بقيادة ميليس زيناوي، أحاطت هذا الأمر بتكتم شديد، إلي أن تم وضع حجر الأساس للسد في 2 أبريل 2011، أي بعد ثورة يناير بشهرين اثنين فقط. وكان من الواضح أن هذا قد تم بقصد، وبتخطيط واع، يهدف إلي السعي لاستغلال حالة الارتباك الداخلي، وحالة السيولة السياسية التي تمر بها مصر، لكي تستطيع إثيوبيا تمرير هذا المشروع، لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية بالأساس، قبل أن تكون أهدافا تنموية.

والشاهد علي ذلك يتضح في التكليف الذي كان قد أصدره رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل، زيناوي، لشركة ساليني الإيطالية بالأمر المباشر، وقبل أن تكتمل الدراسات الضرورية لمنشأة ضخمة بهذا الحجم، حيث أثبت تقرير اللجنة الثلاثية الدولية - والتي كانت إثيوبيا طرفا فيها ووقعت تقريرها النهائي الذي صدر في مايو 2013، أي بعد وضع حجر الأساس بأكثر من عامين - أن الدراسات الخاصة بالسد غير مكتملة، ولا يمكن الاعتداد بها، خاصة الدراسات المتعلقة بالتأثيرات الناجمة عن السد في الدولتين الواقعتين أسفل المجري، وهما السودان ومصر، وأن هناك دراسات أخري بالغة الأهمية، ولا يمكن إنشاء مثل هذا السد بدونها، وهي الدراسات الخاصة بالتأثيرات البيئية غير المتوافرة من الأصل.

واتبعت إثيوبيا سياسة طويلة الأمد تقوم علي الخداع والمناورة من أجل شراء الوقت، وتحويل السد إلي أمر واقع عبر أساليب عديدة، فأخفت أي معلومات عن السد، متجاهلة بشكل كامل مبدأ الإخطار المسبق لمثل هذه المشروعات الضخمة، بحجة أن مصر ينبغي أن توقع أولا اتفاقية عنتيبي (الإطار القانوني لمبادرة حوض النيل المشتركة)، والتي رفضت مصر توقيعها لأسباب عدة تتمحور حول عدم توفير الاتفاقية أي حماية للحقوق والمصالح المائية المصرية. وفي مرحلة تالية، لم تقبل إثيوبيا بتكوين اللجنة الثلاثية الدولية إلا علي سبيل المناورة، حيث كان ميليس زيناوي قد أعلن عن تشكيل هذه اللجنة خلال زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية إلي أديس أبابا في نهاية أبريل 2011 بهدف طمأنة مصر علي أن هذا السد لا يضر بمصالحها المائية، كما جري الإعلان في ذلك الوقت.

وفيما يتعلق بأزمة سد النهضة، مر الموقف المصري بثلاث مراحل أساسية، المرحلة الأولي كانت أثناء المرحلة الانتقالية الأولي التي كان يديرها المجلس العسكري الانتقالي، والتي كانت مصر مشغولة فيها بمحاولة بناء نظامها السياسي الجديد، واتسمت بمجموعة هائلة من التفاعلات الداخلية التي كانت تشغل وتعوق مصر عن الالتفات الجدي إلي أي أمور أخري.


 

وفي هذه المرحلة، تم قبول تشكيل اللجنة الثلاثية، من أجل أن يكون لدي مصر المعلومات الأساسية عن السد، بالشكل الذي قد يتيح لها تقدير الموقف، وحجم الأضرار، وكيفية التعامل مع الأزمة. وفي المرحلة الثانية التي تولي فيها محمد مرسي رئاسة الجمهورية، تعامل الإخوان مع أزمة السد بطريقة تتسم بالارتباك والتخبط، حيث بدأ عهد الإخوان بمحاولة التهوين الشديد من الأزمة، ومن أضرار السد.


 

وحين تم تحويل مجري النهر في 28 مايو 2013، عقب زيارة محمد مرسي لأديس أبابا مباشرة، في لفتة حملت الاستخفاف الشديد به، استشعر الرأي العام المصري، ومعظم شرائح النخبة بتنوعاتها المختلفة، وجود خطر هائل يتهدد مصر، وأن السلطة الإخوانية، بحكم التكوين الأيديولوجي، لا تعطي هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام أو أولوية، فانتشر القلق والتساؤل، إلي الدرجة التي استشعر معها الإخوان أن هذا الأمر سيشكل ضغطا هائلا علي أوضاعهم السياسية، فانقلب موقف الرئيس المعزول محمد مرسي بشكل كامل، وجري عقد الاجتماع التشاوري مع بعض حلفائه السياسيين، والذي تم بثه علي الهواء مباشرة، دون أن يتم إخطار الحاضرين بأن الاجتماع منقول علي الهواء.

ونجحت إثيوبيا في توظيف الإساءات البالغة التي وجهها حضور الاجتماع لمصر ومكانتها وقارة إفريقيا وإثيوبيا بطبيعة الحال لخدمة مخططها الرامي إلي كسب الوقت، فقامت بترجمة الحوارات التي دارت فيه، ووزعتها علي نطاق واسع، وزعمت أن هذا يعد دليلا علي وقوف مصر ضد تنمية إثيوبيا، وأنه بمنزلة تهديد بالعدوان، في مسعي واضح لحرف القضية عن مجراها الأساسي.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فقد بدأت بعد انتخاب عبدالفتاح السيسي رئيسا لمصر بأغلبية كاسحة، فبدأ في وضع استراتيجية جديدة، تسعي بالأساس إلي الحفاظ علي الإطار التعاوني، والبحث عن الحلول الوسط . وقد نتج عن ذلك التوصل إلي "إعلان مالابو" علي هامش القمة الإفريقية المنعقدة في غينيا الاستوائية في أواخر يونيو 2014.، عقب لقاء مطول بين الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي، هايلي مريم ديسالين. ونص الإعلان علي أن الطرفين قد قررا تشكيل لجنة عليا تحت إشرافهما المباشر لتناول كل جوانب العلاقات الثنائية والإقليمية في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية. كما أكد الطرفان محورية نهر النيل كمورد أساسي لحياة الشعب المصري ووجوده، وكذلك إدراكهما لاحتياجات الشعب الإثيوبي التنموية. وفيما يتعلق باستخداماتهما المائية، فقد تم النص علي عدد من المبادئ:

1- احترام مبادئ الحوار والتعاون كأساس لتحقيق المكاسب المشتركة، وتجنب الإضرار ببعضهم البعض.

2- أولوية إقامة مشروعات إقليمية لتنمية الموارد المالية لسد الطلب المتزايد علي المياه، ومواجهة نقص المياه.

3‮‬- احترام مبادئ القانون الدولي.

4- الاستئناف الفوري لعمل اللجنة الثلاثية حول سد النهضة بهدف تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام نتائج الدراسات المزمع إجراؤها خلال مختلف مراحل مشروع السد.

5- التزام الحكومة الإثيوبية بتجنب أي ضرر محتمل من سد النهضة علي استخدامات مصر من المياه.

6- التزام الحكومة المصرية بالحوار البناء مع إثيوبيا، والذي يأخذ احتياجاتها التنموية، وتطلعات شعب إثيوبيا في الحسبان.

7- التزام الدولتين بالعمل في إطار اللجنة الثلاثية بحسن النية، وفي إطار التوافق.


 

وتنبع الأهمية الرئيسية لهذا البيان المشترك من أنه أعاد الأزمة إلي حيز التفاوض، والبحث عن التفاهمات المشتركة، بعد أن كادت تنزلق إلي الصراع، بحيث يتحقق لإثيوبيا ما تريده من تنمية، وفي الوقت نفسه ترفع أو تخفف من الأضرار المترتبة علي مصر إلي الحد الذي يمكن قبوله أو التعايش معه، وتحافظ علي التعاون لمصلحة شعوب حوض النيل.


 

ومع ذلك، لا يبدو إثيوبيا تنوي التخلي عن نهجها العدواني فيما يخص قضية أمن قومي بحجم قضية السدود الإثيوبية، فقد أشار غير مسئول إثيوبي في مناسبات عديدة إلى أن نتائج الدراستين اللتان تشرف عليها "اللجنة الوطنية للدول الثلاث"، بخصوص الآثار البيئية والمائية لسد النهضة على دول حوض النيل، غير ملزمة لإثيوبيا، ولا تعني توقف العمل في السد.


 

كما سعت أديس أبابا إلى التواصل مع بعض القوى الإقليمية المعادية للنظام المصري، وعلى رأسها تركيا، وذلك بنقل خبراتها التفاوضية في إنشاء سد أتاتورك إلى إثيوبيا، وتسويق مفهوم النهر العابر للحدود بدلا من النهر الدولي- لتبرير رفض إثيوبيا الالتزام بالاتفاقات الدولية الخاصة بنهر النيل وحصص الدول المشتركة في حوضه- بما يصب في خانة ابتزاز مصر وتحجيم قدراتها الإقليمية.


 

دبلوماسية الطاقة

تمضي إثيوبيا في مشروعات بناء السدود على نهر النيل بعزم ومن دون التفات إلى التداعيات التي قد تستتبع مثل هذا المسار على علاقاتها السياسية والإقليمية، والتي قد تصل إلى درجة التهديد المباشر لأمنها، أملا في أن تحقق لها هذه المشروعات ما تصبو إليه من طموح في الزعامة الإقليمية، والهيمنة على مقدرات دول الجوار.


 

وتدور استراتيجيتها على المدى الطويل حول التكامل الإقليمي من خلال الطاقة والبنية التحتية للمياه. وتهدف الخطة إلى ربط المنطقة بإثيوبيا من خلال تصدير آلاف الميجاوات من الكهرباء المولدة من السدود على النيل الأزرق والأنهار الإثيوبية. إنه اقتراح مربح ماليا لإثيوبيا، والدول المجاورة المتعطشة للطاقة، ولكن بشروط إثيوبيا.


 

فبناء سدود مولدة للكهرباء قد يعزز طموح إثيوبيا لدمج اقتصاديات منطقة القرن الإفريقي، ثم في مرحلة تالية دمجها سياسيا، وتكوين ما يشبه إمبراطورية إثيوبية جديدة.


 

فبالنسبة لجيبوتي – التي تضم أهم الموانئ التي تستخدمها إثيوبيا في التجارة الخارجية وتمر من خلالها 90% من تجارتها المارة في خليج عدن ومضيق باب المندب- فقد كانت أول دولة تنفذ مشروع ربط كهربائي بينها وبين إثيوبيا، تحصل بموجبه على كهرباء رخيصة مقارنة بالطاقة الكهربية المولدة من احتراق النفط. واستطاعت جيبوتي بموجب هذا الربط أن تقلل حدة التضخم وتكاليف استيراد النفط اللازم لتوليد الطاقة الكهربية. وبعد الانتهاء من تنفيذ مشروعات السدود الإثيوبية، ستتمكن إثيوبيا من تصدير المزيد من الكهرباء لجيبوتي، وستتمكن في المقابل من استخدام موانئ جيبوتي بشكل أكبر.


 

بالنسبة للعلاقات الإثيوبية – السودانية، فقد انتهى تقريبا العداء التاريخي بين البلدين، ودخلت البلدان في مرحلة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. إذ تصدر إثيوبيا الكهرباء للسودان منذ العام 2010، بينما تصدر السودان النفط لإثيوبيا، وتسمح لها باستخدام موانيها لتصدير الصادرات الزراعية الإثيوبية. ويفسر هذا تغير موقف السودان من معاداة مشروعات السدود الإثيوبية، وتحولها إلى موقف الوسيط في الأزمة بين مصر وإثيوبيا بدلا من موقف الشريك في الأزمة.

كينيا كذلك ترتبط بإثيوبيا عبر مشروع آخر للربط الكهربائي، و تطالب حاليا بزيادة تصدير الكهرباء الإثيوبية إليها. بل إن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى أن إثيوبيا ربما تهدف إلى التكامل الاقتصادي مع مصر مقابل تصدير الكهرباء إليها. إلا أن النهج الإثيوبي الرسمي والإصرار على تنفيذ مشروعات السدود من دون التشاور مع مصر، أو انتظار نتائج الدراسات لا يسمح بدراسته عمليا في التوقيت الحالي.