المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

أزمة الحكم في دول متعددة الإثنيات والطوائف الدينية.. كوت ديفوار نموذجا

الاثنين , 03 يوليو 2017 - 05:35 مساءٍ

قوات الأمن في ساحل العاج
قوات الأمن في ساحل العاج

تشهد جمهورية "كوت ديفوار" ومنذ العام 1993 حالة من الاضطراب السياسي والفوضى الأمنية؛ الناجمة عن أزمات سياسية واقتصادية عصفت بحالة الازدهار الاقتصادي الذي خبرته البلاد على عهد أول رئيس لجمهوريتها بعد الاستقلال "كونان بيديه"، وحرك ديناميكيات الاحتقان الديني والطائفي في بلد يضم إثنيات وطوائف دينية عديدة. شأنه في ذلك شأن معظم القارة الإفريقية. ورغم أن رئيس جمهورية "كوت ديفوار" حاليا، الحسن عبد الرحمن واتارا، يمضي بخطى حثيثة باتجاه استعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال مجموعة من الإجراءات؛ أهمها كتابة دستور جديد وتفعيل لجنة للمصالحة الوطنية، فإنه ليس من المنتظر عودة سريعة إلى حالة الاستقرار بعد حربين أهليتين وصراع على رئاسة الدولة انتهى بوفاة أكثر من ثلاثة آلاف مواطن.

وسوف تتناول هذه الورقة، أبرز ملامح وتطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في كوت ديفوار خلال فترة الولاية الأولى للحسن واتارا، وأهم التحديات التي تواجه مستقبل البلاد في الفترة القادمة.

 

خلفية عامة

تقع جمهورية "كوت ديفوار" في منطقة غرب أفريقيا. تحدها غانا من الشرق، وغينيا وليبيريا من الغرب ومالي وبوركينافاسو من الشمال، وتشرف من الجنوب على خليج غينيا والمحيط الأطلسي. عاصمتها السياسية مدينة ياموسوكرو بينما أكبر مدنها ومركزها الاقتصادي مدينة أبيدجان في الجنوب قرب الساحل ومن أهم مدنها بواكي، وجاجنوا. اللغة الرسمية هي اللغة الفرنسية. وتبلغ مساحتها الإجمالية 322.462 كم. ويزيد عدد سكانها على عشرين مليون نسمة.  

خضعت "كوت ديفوار" عام 1843 للحماية الفرنسية وفي عام 1893، أصبحت مستعمرة فرنسية، ولم تحصل على استقلالها إلا  في 7 أغسطس 1960. ويعتمد اقتصاد ساحل العاج إلى حد كبير على الزراعة من خلال إنتاجها للقهوة والكاكاو. إلا أن لديها أيضا مخزونات من المعادن الثمينة مثل؛ البترول، المنجنيز، الحديد، الماس، البوكسيت والذهب . ومع ذلك، يعيش نحو ربع سكانها تحت خط الفقر، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية نتيجة الصراعات المستمرة لأكثر من عقدين من الزمان.   

 

النظام السياسي

يتأسس نظام الحكم في جمهورية كوت ديفوار وفق نموذج النظام الرئاسي، والمفترض أنه قائم على التعددية الحزبية منذ عام الاستقلال 1960.  ويأتي على رأس السلطة التنفيذية حاليا الرئيس الحسن عبد الرحمن واتارا الذي وصل إلى السلطة لأول مرة في 2010، قبل أن يعاد انتخابه لولاية رئاسية ثانية تستمر حتى عام 2020، وفقاً للدستور الإيفوري الذي صدر في 23 نوفمبر 1960، وتم تعديله عدة مرات كان آخرها في 23 يوليه 2000، بعد إجراء استفتاء شعبي، حيث يتم انتخاب الرئيس في كوت ديفوار في استفتاء شعبي مباشر لمدة خمس سنوات، دون تحديد مدد رئاسية في الدستور.

وبالنسبة للسلطة التشريعية، فتتكون من مجلس واحد هو الجمعية الوطنية التي تتألف من 225 عضو، يتم انتخابهم بالاقتراع الشعبي المباشر لمدة خمس سنوات، ويسيطر الائتلاف الحاكم بقيادة تجمع الجمهوريين الذي يرأسه واتارا على الأغلبية البرلمانية.

أما بالنسبة للسلطة القضائية، فتمثل المحكمة العليا أعلى سلطة قضائية في كوت ديفوار، والتي تتكون من أربعة مجالس، تتمثل في المجلس القضائي والذي يختص بالنظر في القضايا الجنائية، ومجلس المحاسبة، الذي يختص بالنظر في القضايا المالية، والمجلس الدستوري، المعني بالمراجعة القضائية، فضلاً عن المجلس الإداري، والذي ينظر في القضايا المدنية. وتتكون المحكمة العليا من رئيس المحكمة، وثلاثة مساعدين بالإضافة إلى تسعة قضاة مساعدين آخرين.

كما أن هناك المحاكم الفرعية – الدنيا أو الجزئية – والتي تتمثل في محاكم الاستئناف، ومحاكم ابتدائية، ومحاكم سلام.

وجدير بالذكر، أن المجلس الأعلى للقضاء الإيفواري هو من يعين القضاة، والذي يتكون من 7 أعضاء؛ رئيس المجلس، وثلاثة قضاة محاكم، علاوة على ثلاثة مدعين عامين، ويكون تعيينهم لمدى الحياة.

 

التركيبة الاجتماعية في كوت ديفوار

تتميز البنية الاجتماعية في كوت ديفوار مثلها مثل العديد من دول القارة الأفريقية بالتنوع العرقي، إذ تتعدد القبائل الموجودة في كوت ديفوار لتصل إلى 60 مجموعة عرقية، وتنقسم تلك المجموعات في جنوب البلاد إلى:  مجموعات أكان AKAN التي تمثل ثلث سكان النصف الجنوبي، وأهم مجموعاتها "الأبي"، والتي تمثل القطب الاقتصادي في البلاد، فضلاً عن "الباولي". أما مجموعات غرب الأطلنطي، فيعد شعب "الكرو" أقدمها، ويتكون من مجموعات فرعية أهمها "البيتي"، وهي المنافس الرئيسي للباولي، وتشتهر بزراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية ونقدية مرتفعة نسبيا مثل البن والكاكاو.

أما في الشمال فهناك "الماندي" التي تضم قبائل (المالينكي، البامبارا، والديولا)، وكذلك قبائل الفولتيك التي تسكن وسط البلاد، وأيضاً قبائل السنوفو واللوبي والتي تعمل بالتجارة.

كما توجد جالية أجنبية كبيرة وصلت نسبتها من 30-40% من تعداد السكان، وتنقسم إلى ثلاث جاليات فرعية؛ الجالية الأفريقية التي أتت من دول الجوار، وأبرزها الجالية البوركينابية التي تعد الأكثر عدداً، وكذلك الجالية العربية – اللبنانية بالأساس- والتي تهيمن اقتصادياً إلا أنها مهمشة سياسياً، أما الجالية الأوروبية – الفرنسية – فيتولى أفرادها مناصب قيادية واستشارية في الحكومة الإيفوارية والقطاع الخاص، ويرجع ذلك لقوة الروابط التجارية والدبلوماسية والسياسية التي تربط فرنسا بدولة كوت ديفوار.

ويدين بالإسلام من 30- 40 % من الإيفواريين، بينما يدين ما بين 30-35 % بالمسيحية، ونحو 11.9% يدينون بديانات محلية، كما أن هناك 16.7% لا يدينون بأي دين، ويعد الإسلام الأكثر انتشاراً في المناطق الشمالية للبلاد، حيث يمثل المسلمون 65% من سكان الشمال، ومعظمهم يتبعون المذهب المالكي السني. وتعد اللغة الفرنسية هي لغة التواصل ثم تليها لهجة الجولا المحلية، لكن اللغة الرسمية في البلاد هي الفرنسية. وتعتبر قبيلتا بولي وبيتي هما أكبر القبائل في كوت ديفوار بنسبة 23%، و18% من حجم السكان على التوالي.

  1. مجموعة الفولتا

تقع في شمالي البلاد، وتمتد فروعها في دولتي مالي وبوركينا فاسو، وتعمل هذه القبائل في الزراعة والحدادة وزراعة التماثيل، وتعد قبائل سينوفو، كولانجو، ولوبي، من أهم القبائل في مجموعة الفولتا، ويبلغ تعدادها مليوني نسمة.

  1. مجموعة أكان AKAN

تعد هذه المجموعة أكبر مجموعة قبلية، حيث يبلغ تعدادها 4.8 مليون نسمة، ويمثل شعبها 42% من مجموع القبائل، ويندرج تحتها فروع قبلية أصغر أهمها؛ (أبرون، باولي، أجني، أبي، وأتيه.) وتقطن في الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من البلاد، ولها قبائل تابعة لها في دولتي غانا وتوجو، ويعرفون باسم أشانتي، ويعمل أفراد هذه القبائل في زراعة اليام والبفرة والمحاصيل الاقتصادية كالكاكاو والبن وصيد الأسماك.

  1. مجموعة كرو KRU

تشتهر هذه القبائل بزراعة البن والكاكاو، وصيد الحيوانات البرية، ويبلغ تعدادها 1.4 مليون نسمة بنسبة 12.8 % من مجموع القبائل. وتقطن في مناطق الغابات الغربية، لا سيما في غرب نهر بانداما، ولها امتدادات قبلية في دولة ليبيريا، كما تنقسم إلى قسمين؛ كرو الشرقية والتي يندرج تحتها قبائل "بيتي وديدا"، وكرو الغربية التي يندرج تحتها قبائل "ووبي، وجيري".

  1. مجموعة ماندي

تقطن في الشمال الغربي، ولها امتدادات قبلية في دولتي مالي وغينيا كوناكري، وتعمل هذه القبائل في التجارة وصناعة النسيج وصيد الحيوانات البرية، وكانت هذه المجموعة من أوائل من اعتنق الإسلام منذ دخل منطقة غرب أفريقيا. ويرجع الفضل لهذه المجموعة في جلب عوامل التقنية الحديثة لشعوب الغابة في جنوب البلاد وغربها. ويبلغ تعدادها حوالي ثلاثة ملايين نسمة، يمثلون26.4% من مجموع القبائل. وتنقسم إلى ماندي الشمالية التي تضم قبائل (بامبارا، ماهو، وديولا)، وماندي الجنوبية، التي تضم قبائل (ياقوبا، دان، تورا، وجورو).

 

الأحزاب السياسية:

شهدت القارة الأفريقية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، ومع التغيرات التي طرأت على الساحة الدولية، وانحسار الفكر الشيوعي، تطورات إيجابية على صعيد التحول نحو التعددية الحزبية والتغيير الديمقراطي. وقد دفعت الأحداث التي شهدتها كوت ديفوار خلال الفترة من فبراير–أبريل 1990 من تصاعد للاحتجاجات ضد الحكومة، الرئيس الأسبق هوفوييه بوانييه إلى إدخال العديد من الإصلاحات كان من بينها استعادة التعددية الحزبية. وخلال الفترة من 1990 حتى يومنا هذا تم تسجيل حوالي 130 حزب سياسي في كوت ديفوار.

   إلا أن هذه الأحزاب تأسست في معظمها على أسس إثنية ولغوية، وتتمثل أبرز الأحزاب الإيفوارية في:

  • الحزب الديمقراطي لساحل العاج Parti Democratique de cote D’ivoire

يعد الحزب الأقدم في البلاد، حيث أنشئ في 9 أبريل 1946 في حي تريشفيل في أبيدجان، وظل هذا الحزب يحكم البلاد منذ الاستقلال في عام 1960 بقيادة الرئيس الأسبق فيليكس هوفوييه بوانييه، في ظل نظام الحزب الواحد حتى إنهاء حكم الحزب في 24 ديسمبر 1999 بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم هنري كونان بيدييه من السلطة على يد الجنرال روبرت جي. وقد شهد الحزب أكبر عملية انشقاق في تاريخه في عام 1994، بعد مغادرة مجموعة من رموزه، منهم واتارا، ليتم تأسيس حزب تجمع الجمهوريين ذا الميول الليبرالية، وكان من أسباب الانشقاق النهج العدواني الذي انتهجه الحزب الديمقراطي ضد المواطنين من أصول أجنبية.

ومن ثم، فمنذ إنشاء الحزب لم يتولى زعامته سوى رئيسين فقط، هما فيليكس هوفوييه بوانييه من عام 1946 حتى عام 1993، وهنري كونان بيدييه من عام 1993 حتى عام 1999.

  • الجبهة الشعبية العاجية Le Front Populair Ivoirien

تم تأسيس هذا الحزب في عام 1982 وظل يعمل في الخفاء حتى عقد مؤتمره الأول في عام 1988، إلى أن تم الاعتراف به رسمياً في عام 1990. ويعد الرئيس السابق لوران جباجبو من أبرز قائديه، والذي صعد إلى السلطة بعد انتخابات الرئاسة في عام 2000 قبل أن يرحل قسرا عن السلطة بعد رفضه الاعتراف بنتيجة انتخابات 2010 ، ومثوله للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في حق مواطنيه أسفرت عن موت أكثر من ثلاثة آلاف فرد.

  • تجمع الجمهوريين Rassemblement Des Republicais

ترجع نشأته إلى 27 سبتمبر 1994، على يد جيني كوبينا، الذي كان أول أمين عام للحزب، ولم يكن للحزب رئيساً حتى تم انتخاب واتارا في أغسطس 1999، وهو حزب منشق عن الحزب الديمقراطي لساحل العاج.

التحالفات الحزبية:

تشهد الحياة الحزبية في كوت ديفوار تحالفات سياسية بين الأحزاب برزت قبل انتخابات الرئاسة في 2010، حيث يمكن القول بأن هناك تحالفين حزبيين رئيسيين في البلاد، هما:

  • تجمع الهوفويتين للديمقراطية والسلام RHDP

وهو التحالف الحاكم في البلاد، ويضم أحزاب تجمع الجمهوريين بقيادة الحسن واتارا، والحزب الديمقراطي لساحل العاج PDCI، بزعامة هنري كونان بيدييه، والاتحاد من أجل الديمقراطية في كوت ديفوار UDPCI، بزعامة ألبرت مابري تواكيوس، بالإضافة إلى حركة قوى مستقبل كوت ديفوار MFA. وتأسس التحالف في بدايته من أجل خوض الانتخابات الرئاسية في عام 2010 ضد الرئيس السابق لوران جباجبو. كما أنه استطاع أن يستحوذ على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات التشريعية عام 2011، بعد فوزه بـ 220 مقعد من مقاعد البرلمان البالغة 254 مقعداً.

  • التحالف الوطني للتغيير CNC

وهو تحالف للمعارضة السياسية في البلاد، ويضم مجموعة من الأحزاب أبرزها الجبهة الشعبية العاجية – حزب لوران جباجبو- والاتحاد من أجل السلام UPP، والشباب الوطنيين ـ وفيدرالية طلاب ومدارس كوت ديفوار FESCI، ومجموعة الوطنيين للسلام GPP، ومؤتمر البان أفريكانية للشباب الوطنيين COJEP، وحزب الحرية والديمقراطية من أجل الجمهورية.

ويعاني هذا التحالف من الانقسامات الداخلية على الزعامة، حيث فشلت الأحزاب المنضوية تحت لوائه في الاتفاق على اختيار مرشح من بينهم للانتخابات الرئاسية الأخيرة في 25 أكتوبر الماضي، والتي استطاع الحسن واتارا الفوز بها، حيث قدم أربع قيادات من التحالف أوراق ترشحهم كمستقلين، انسحب اثنان منهما من السباق بعد انطلاق الحملات الانتخابية.

الأوضاع السياسية الراهنة

شهدت كوت ديفوار على مدار السنوات الخمس الماضية العديد من التطورات السياسية التي كان لها تداعياتها على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فقد دخلت البلاد في موجة من العنف والاضطرابات بعد إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية في عام 2010 بفوز الرئيس الحسن عبد الرحمن واتارا بنسبة 54.1% في مقابل 45.9% للرئيس السابق لوران جباجبو، حيث رفض جباجبو الاعتراف بنتيجة الانتخابات وفشل المحاولات الإقليمية والدولية لإقناعه بالتنحي سلميا عن الحكم والامتثال للديمقراطية، حتى أجبر على التنحي في أبريل 2011، وتم القبض عليه وقُدم للمحاكمة.

وفي ديسمبر 2011 أُجريت الانتخابات التشريعية، التي تنافس خلالها الأحزاب السياسية على 254 مقعد بالبرلمان، ونتج عنها فوز التحالف الحاكم الذي يأتي على رأسه حزب تجمع الجمهوريين بزعامة الرئيس واتارا بأغلبية برلمانية بعد أن حصل على 220 مقعد من مقاعد البرلمان، حيث حصل حزب تجمع الجمهوريين على 127 مقعد بنسبة 50%، وحصل الحزب الديمقراطي في كوت ديفوار على 77 مقعد بنسبة 30.3%، كما حصل المستقلون على 35 مقعد بنسبة 13.2%، وحصل حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل السلام في كوت ديفوار على 7 مقاعد بنسبة 2.67%، في حين حصل حركة قوى مستقبل كوت ديفوار على 3 مقاعد بنسبة 1.18%.

وفي 25 أكتوبر 2015، أجريت الانتخابات الرئاسية في البلاد، وكان قد سبقها عدة أحداث على المستوى السياسي حيث نشبت خلافات بين الحكومة والمعارضة أدت إلى مقاطعة المعارضة للعملية السياسية وإعلان عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية 2011، إلا أنه قبيل الانتخابات الرئاسية أعلنت الجبهة الشعبية العاجية وتحالف القوى الديمقراطية الانضمام للجنة الانتخابية المستقلة بعد غياب دام عامين، بعد اتهامهم بغياب التوازن في اللجنة لصالح التحالف الحاكم. وعقدت الحكومة عددا من اللقاءات والمشاورات مع المعارضة للمشاركة في الانتخابات وتسييرها دون عراقيل، وكانت الحكومة قد قدمت مشروع قانون للبرلمان من شأنه زيادة عدد أعضاء اللجنة الانتخابية المستقلة من ستة إلى تسعة أعضاء، الأمر الذي يفتح المجال أمام المعارضة للمشاركة في الانتخابات، وقد تم التصديق عليه من قبل البرلمان في 29 أكتوبر 2014، وهو ما انعكس على سير العملية الانتخابية بالإيجاب من حيث مشاركة القوى المعارضة في البلاد.

وقد أسفرت تلك الانتخابات التي بلغت نسبة المشاركة فيها 54.63% بمشاركة 3.330 مليون ناخب من أصل 6 مليون ونصف المليون لهم حق التصويت، عن فوز الحسن واتارا بفترة رئاسية ثانية بنسبة 83.66%، في السباق الانتخابي الذي ضم 10 مرشحين، وكان أقرب المرشحين له هو آفي نجيسان باسكال الذي حصل على نسبة بلغت 9.29% من عدد الأصوات المنتخبة. ويعد فوز واتارا بهذه النسبة ثاني أكبر نسبة فوز في تاريخ الرئاسيات الإيفوارية منذ عام 1990، وقد شُهد لهذه الانتخابات بالنزاهة على الصعيدين الإقليمي والدولي، فضلاً عن عدم وقوع أية أعمال عنف أو مخالفات أو مواجهات مسلحة.

الأوضاع الأمنية

ترتب على عدم اعتراف الرئيس السابق لوران جباجيو بنتيجة الانتخابات الرئاسية في 2010 التي فاز خلالها الحسن واتارا، اندلاع مواجهات في 29 نوفمبر 2010، وقد تطور الصراع إلى مواجهة مسلحة تحولت إلى حرب أهلية، الأمر الذي دعا واتارا إلى إصدار مرسوم رقم 2011 بتاريخ 17 مارس، يأمر بانطلاق القوات المسلحة الإيفوارية FRCI بالتحالف مع القوات المسلحة للقوات الجديدة FAFN – قوات المتمردين السابقين – لمواجهة قوات الدفاع والأمن FDS التابعة لجباجبو، من أجل عودة السلام والديمقراطية للبلاد. وقد استمرت الأزمة زهاء أربعة أشهر، مما تسببت في مزيد من الخسائر البشرية والمادية، حيث بلغ عدد القتلى حوالي 3000 شخص.

واستمر الوضع الأمني في التدهور حتى بعد إلقاء القبض على جباجبو في 11 إبريل 2011. حيث واجهت عدد من المناطق في البلاد انفلاتاً أمنياً واعتداءات وعمليات إجرامية في ظل هروب العديد من المجرمين من السجون الإيفوارية، الأمر الذي دعا الحكومة إلى تكثيف جهودها من خلال نشر أعداد كبيرة من وحدات الشرطة في مختلف المناطق، لا سيما المدن الكبرى كأبيدجان وياموسوكرو، بهدف فرض الأمن وسلطة القانون.

الميليشيات المتمردة في كوت ديفوار:

تتواجد على أرض كوت ديفوار عدد من الميليشيات المسلحة، وتتمثل أبرزها في:

  • القوات الجديدة

نشأت في عام 2003، وقدر عدد أفرادها من 20-26 ألف فرد، وتنشط تلك القوات في بويك، مان، دانان، وشمال البلاد، وتمثل أحد فصائل الحركة الوطنية لساحل العاج MPCI.

  • جبهة من أجل تحرير الغرب الكبير FLGO

تأسست في عام 2002، ويبلغ عدد أفرادها 7000 فرد، وتنشط في مناطق في غربي البلاد، وكانت تابعة للرئيس السابق جباجبو.

  • جبهة من أجل الأمن للوسط والغرب FSCO

تأسست في عام 2002، وتتكون من 14 ألف فرد وتنشط في جيجنوا، وهي إحدى الميليشيات التابعة لجباجبو.

  • مجموعة الوطنيين من أجل السلام GPP- جبهة التحرير الوطني

تأسست في عام 2002، وتتكون من 6000 فرد، وتنشط في جنوب الساحل، وتعد مظلة لتنظيم مكون من 6 من الميليشيات الحكومية.

  • الحركة الوطنية لساحل العاج MPCI

 تأسست في 2002، وتتكون من 10 آلاف فرد، وتنشط في شمال ووسط البلاد، وكانت تمثل أصوات معارضة من العسكريين والمدنيين، واندمجت مع القوات الجديدة إلا أنها أوقفت حربها ضد الحكومة في أكتوبر 2002.

  • الحركة الشعبية الإيفوارية للغرب الكبير MPIGO

تأسست في عام 2002، وتتكون من 2000 فرد، وتنشط في غرب البلاد، وظهرت للثأر لمقتل الجنرال جوي، وتدافع عن حقوق المجموعة العرقية المسماة بيعقوب، وقد اندمجت مع القوات الجديدة في يناير 2003.

  • حركة من أجل العدالة والسلام MJP

تأسست في عام 2002، وتكونت من 2000 فرد، وتنشط في منطقة مان، ولها نفس أهداف الحركة الوطنية لساحل العاج.

  • وحدة الوطنيين من أجل التحرير الكامل لساحل العاج

تأسست في عام 2003، ويبلغ عدد أفرادها الآلاف، وتنشط في أبيدجان، وغرب وجنوب البلاد، وهي من الميليشيات الحكومية.

  • شباب الوطنيين "الاتحاد للتحرير الكامل لساحل العاج"

يتكون من 150 ألف فرد، وينشط في أبيدجان وجنوب ساحل العاج.

  • الميليشيات الموالية لجباجبو

أفرزت الأزمة في 2010 ظهور عدد من الميليشيات والمتمردين ضد النظام الجديد، وهي ميليشيات تابعة للرئيس السابق جباجبو، حيث يبلغ عددها اثنى عشر ميليشيا، وتعمل في جنوب وغرب البلاد، ويبلغ عدد عناصرها حوالي 5000 شخص، وتشمل مجموعة من الوطنيين من أجل السلام- الجبهة لأمن المركز والغرب، والوطنيين الشباب، وهي مجموعة تتألف من المنظمات الطلابية الموالية لجباجبو، فضلاً عن وجود عدد أصغر من المليشيات في المناطق الحضرية. وإضافة إلى ذلك أيضا، هناك ثلاث جماعات متمردة، وهي الحركة الوطنية لكوت ديفوار بواسطة جيوم سورو، والحركة الشعبية الإيفوارية للغرب الكبير، والحركة من أجل العدل والسلم، وتنشط هذه الجماعات في غرب البلاد، وتسمى هذه المجموعات الآن باسم القوات الجديدة، وبرغم دعم الميليشيات والمتمردين لاتفاقات السلام التي عقدتها الحكومة مع المتمردين – كاتفاق ليناس | ماركوسيوس في 2003، واتفاق بريتوريا 2005، واتفاق واجادوجو في 2006- إلا أنه لا تزال بعض قوات التمرد الجديدة تعمل ضد اتفاقات السلام، وهناك بعض القوات المتمردة التي لم يُنزع سلاحها كاملاً.

  • المقاتلون الأجانب

بعد اندلاع العنف في عام 2002، أشارت بعض التقارير الصادرة عن بريطانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا بوجود عدد من المرتزقة تستخدمهم الحكومة في مكافحة التمرد، وزعمت أيضا أن أنجولا قد وفرت الدعم لها، فضلاً عن دخول بعض المقاتلين من دول الجوار، لا سيما ليبيريا وسيراليون.

وبعد اندلاع الأزمة في 2010 انخرطت البلاد في مزيد من العنف وانعدام الأمن. حيث أدى الفراغ الأمني نتيجة النزاع على حكم البلاد بين رئيس منتخب ورئيس منتهية ولايته إلى فرار العديد من المجرمين من السجون، فضلاً عن تشكل ميليشيات جديدة ونمو نشاط الميليشيات المتواجدة من قبل. كذلك، انتشرت الأسلحة الخفيفة في البلاد بصورة غير مسبوقة، إضافة إلى تدمير العديد من مراكز الشرطة. وخلال السنوات الأربع الماضية، انتشرت جرائم السرقة والسطو المسلح، علاوة على انتهاكات لحقوق الإنسان.

وقد ترتب على ذلك قلق العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، الأمر الذي دفعها إلى مغادرة البلاد، قبل أن تقرر العودة مرة أخرى مع التحسن الأمني الذي شهدته البلاد تدريجياً خلال الفترة الأخيرة في ولاية الحسن واتارا، حيث عاد بنك التنمية الأفريقي إلى مقره في أبيدجان في عام 2014، كما أعلنت المنظمة الدولية للكاكاو في أوائل أكتوبر الماضي عن نقل مقرها من لندن إلى أبيدجان بحلول شهر مارس 2016.

ومع بدء عمل الحكومة الجديدة التي تولت مهام عملها في 14 نوفمبر 2012، والتي عمل فيها واتارا وزيراً للدفاع، أُصدر الرئيس واتارا مرسوم رئاسي بشأن إنشاء مجموعة عمل من شأنها دمج مختلف الهيئات التي تتعامل في قضية الإصلاح الأمني ، والتي كانت تفتقر إلى المركزية والتنسيق فيما بينهم. وفي 27 يونيو 2012، تم تعيين أعضاء سابقين في FDS في مناصب عليا، للقيام بمسئولية الدفاع وهيئة التفتيش، كما وفرت الحكومة ثقل موازن عبر ضباط صف من ميليشيا "القوات الجديدة" المتمردة سابقا، لامتلاكهم خبرات ومهارات يفتقر إليها الجيش في كوت ديفوار، ومن ثم وُكل لمجلس الأمن القومي الذي أنشئ في أغسطس 2012، مسئولية تنسيق القضايا الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة دمج الأجهزة. وبرغم هذه الإجراءات إلا أنها لم يكن لها أثر ملحوظ بشكل كبير، في ظل استمرار المعاناة من التدهور الأمني خلال تلك الفترة.

ولا تزال الأجهزة الأمنية في كوت ديفوار تعاني من التقلبات على فترات، حيث أضحى دور كل من الدرك والشرطة يمثل إحدى المشكلات الأمنية، فإعادة انتشار وتجهيز هاتين القوتين يسير ببطء وعدم كفاءة. ولا زالت بعض المناطق تعاني من محدودية تحرك قوات الدرك والشرطة فيها. بالإضافة إلى أزمة الثقة بين أعضاء الدرك ورجال الشرطة والجيش، إذ يتبادل الطرفان اتهامات بتأييد النظام السابق.

كما شهدت البلاد ارتفاعا ملحوظا في معدلات الجرائم الإلكترونية، سواء من خلال اختراق أجهزة الحاسب، أو الاحتيال عبر مواقع مزيفة، وغيرها من الطرق المختلفة، حيث تتلقى الحكومة في كوت ديفوار منذ منتصف عام 2013 المزيد من الشكاوى المتعلقة بجرائم الإنترنت، ما جعل كوت ديفوار عاصمة أفريقيا لجرائم الإنترنت.

وأشارت تقارير في عام 2014 إلى تعرض أشخاص للسرقة والسطو المسلح في المدن والطرق خارج أبيدجان، وكان هدف غالبية تلك السرقات والجرائم جني مكاسب مالية، وفي بعض الأحيان تأتي هذه الممارسات الإجرامية على خلفية خلافات بين قوات الأمن والصيادين المحليين. فضلاً عن الجرائم التي ترتكب ضد الأجانب والتي يطلق عليها جرائم الفرصة، كما تزداد عمليات السرقة والسطو المسلح خلال أيام العطلات.

كما أشارت عدد من التقارير إلى انخفاض فعالية قوات الشرطة فيما يخص ردع الجريمة، ومن ثم انطلقت الدعوات إلى تدريب القوات الأمنية التي تفتقر إلى معدات الاتصال والأسلحة والمركبات، فضلاً عن بطء استجاباتها لحالات الطوارئ. فقد ترتب على هذا التدهور الأمني فرار حوالي 93.738 لاجئ إلى بلدان ليبيريا وتوجو وغانا، فضلاً عن وجود 24 ألف نازح داخل البلاد وفقا لمنظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

كما ألقت بعض التقارير الضوء على سوء معاملة المدنيين من قبل قوات الأمن، وعمليات الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني، بالإضافة إلى بعض العمليات الإرهابية ضد قوات الشرطة، ففي فبراير 2014 شهدت الحدود مع دولة ليبيريا ارتفاع ملحوظ في النشاط الإجرامي، حيث هوجمت قوات الجيش الإيفواري FRCI، مما أسفر عن مقتل 4 جنود ومدني واحد.

وقد عمل واتارا خلال فترته الرئاسية الأولى على تحسين الوضع الأمني في البلاد، ومحاولة استعادة الاستقرار للوضع الأمني في البلاد من خلال عدة إجراءات، يعد من أبرزها إقرار برنامج لنزع السلاح وتسريح وإعادة دمج مقاتلي المجموعات المتمردة والدفاع الذاتي، والذين بلغ عددهم خلال عام 2011 حوالي 74 ألف بحسب اللجنة المعنيّة، وعلى مدار 3 سنوات تم إعادة دمج أكثر من 54 ألف من المقاتلين، الأمر الذي يعني أن البرنامج قد تجاوزت نسبة تطبيقه 85%، حيث جمعت السلطات في كوت ديفوار خلال السنوات الثلاثة بعد الأزمة أكثر من 45 ألف قطعة سلاح مختلفة.

وهو الأمر الذي أكده مؤشر السلام الدولي الصادر في 17 يونيو 2015 عن معهد الاقتصاد والسلام التابع للمؤسسة العالمية للفكر، لقياس معايير السلم حول العالم بناء على 23 مؤشر على الأقل، بغية وضع صورة واضحة حول تأثير الصراعات والنزاعات على الوضع الاقتصادي والإنساني، حيث جاءت كوت ديفوار ضمن أوائل الدول الأفريقية التي شهدت أفضل تحسن في مؤشرات السلم، إلى جانب مصر وبنين وغينيا بيساو.

الأوضاع الاقتصادية

يشهد الاقتصاد الإيفواري خلال عام 2015 انتعاشاً ملحوظاً منذ عام 2011، فبعد انخفاض الناتج المحلي الإجمالي خلال أزمة انتخابات 2010 بنسبة 4.7%، نما الاقتصاد بمعدل 9% خلال عامي 2012-2013، قبل أن يتباطئ قليلاً إلى 7.9% خلال عام 2014، وعاد مرة أخرى إلى 9% خلال عام 2015. وقد ازداد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بنسبة 20%. وقد ساهمت كافة القطاعات الاقتصادية الرئيسية في نمو الناتج المحلي الإجمالي والعمالة، لا سيما القطاع الزراعي الذي حقق انتعاشاً وارتفاعاً ملحوظاً من خلال الزيادة في إنتاج المحاصيل النقدية، مثل الكاكاو والبن والكاجو والقطن والمحاصيل الغذائية الأخرى كالأرز والموز والذرة.

ويعتمد الاقتصاد في كوت ديفوار على الزراعة التي تمثل نصف إيرادات الدخل القومي للبلاد، وترتكز بالأساس على الزراعات والمنتجات الخاصة بالاستهلاك المحلي والمعيشي والتصدير كالكاكاو والخشب والقهوة، وتعد كوت ديفوار أول منتج للكاكاو في العالم وأولى الدول المصدرة له. ووصل الإنتاج من الكاكاو في عام 2014 إلى 1.7 مليون طن، وهو ما يمثل 35% من الإنتاج المحلي. وقد أدت الزيادة الكبيرة في إنتاج الكاكاو بالإضافة إلى محصول الأزر والمنتجات الزراعية الأخرى إلى تعزيز النمو الزراعي، مما ساعد على حفاظ البلاد على معدلات نمو مرتفعة.

ووفقا للمؤشرات الاقتصادية، فقد وصل معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي إلى 9%، ووصل الناتج المحلي الإجمالي لكوت ديفوار وفقاً لعام 2014 إلى 34.25 مليار دولار، كما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد إلى 1460 دولار في السنة وفقا لعام 2014، في الوقت الذي انخفض فيه معدل التضخم في البلاد بنسبة 3%. كما بلغ معدل البطالة وفقا لمؤشرات 2013 نسبة 5.3%، وبلغ الميزان التجاري حوالي 757 مليون فرنك سيفا، وبلغ مؤشر التنافسية حوالي 3.93 نقطة لعام 2014 وقد ارتفع عن العام السابق له -3.67-.

ويمكن القول أن القطاع الزراعي في كوت ديفوار هو المحرك الرئيسي للنمو وذلك بفضل الاستثمارات في البنية الأساسية الريفية، والإصلاحات الزراعية الخاصة بتعويضات المزارعين، فضلاً عن مشروعات لزيادة الإنتاجية، وقد ارتفع حجم الإنتاج ليغطي جميع قطاعات الصادرات الزراعية – الكاجو والقطن والموز والأناناس والكاكاو والقهوة- وفقا لبرنامج الاستثمار الزراعي الوطني، على الرغم من أن ذلك يعني أن الاقتصاد الإيفواري يخضع للتغيرات الطارئة في الأسعار العالمية، وهو ما يفتح المجال أمام ضرورة الاهتمام بالأنشطة الاقتصادية الأخرى كالصناعة والتجارة، وعدم الاعتماد فقط على القطاع الزراعي الذي يعمل به حوالي 68% من السكان.

أما في مجال التعدين، فمع بدء عمليتين جديدتين للتعدين في منطقتي أجابو وإيبي، بلغ إنتاج الذهب حوالي 18 طناً، بعد أن كان 15 طناً في عام 2013، وفي أوائل 2015 تم منح ثلاث رخص استكشاف جديدة لشركات التعدين لزيادة الإنتاج. وتجدر الإشارة إلى قطاع التعدين يقوم بتوظيف 6640 شخص. ويهمين على نشاط التعدين، النفط الخام والذي شهد تقلصاً بنحو 24.1%، في الوقت الذي قفز فيه النشاط في تعدين الذهب إلى 43%.

أما على صعيد القطاع الصناعي، فقد حقق نسبة نمو تبلغ 4% خاصة في قطاع الصناعات التحويلية – الصناعات الغذائية، التبغ، البترول، الكيماويات، المطاط، البلاستيك، الكهرباء، الغاز، والمياه - .

وسجل قطاع الخدمات الذي يمثل 47% من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً بنحو 8.7% مقارنة مع عام 2013.

وقد أشار واتارا إلى أن حكومته عملت خلال ولايته الأولى على استثمار أكثر من 11 مليار فرنك سيفا (العملة المحلية في كوت ديفوار)، في الوقت الذي وعد به خلال حملته الانتخابية في 2010 باستثمار 10 مليارات فقط، وجاء وعده خلال ولايته الثانية باستثمار أكثر من 20 مليار فرنك سيفا.

كما استطاع واتارا خلال ولايته الأولى توفير حوالي مليون وظيفة منذ أن تولى السلطة في 2011، وخلال اجتماعه الوزاري الأول في عام 2014، شدد على ضرورة تقليص أعداد العاطلين في البلاد، لا سيما بين صفوف الشباب، وتم عقد اجتماع رئاسي في 16 يناير 2015، لتقديم برنامج وطني يكون إطاراً يتم الاعتماد عليه في رسم سياسة جديدة للتشغيل في كوت ديفوار.

كذلك، عملت الحكومة على إنفاذ ثلاثة قوانين جديدة هي قانون الاستثمار والكهرباء وقانون التعدين. وشهد النشاط الاقتصادي مساهمة إيجابية من خلال الاستثمارات العامة فيما يتعلق بمشروعات كبيرة، فضلاً عن رفع مستوى البنية التحتية الاقتصادية في قطاع التعليم والصحة وتطوير المناطق الصناعية، كما أن الاستثمار الخاص يشهد انتعاشاً نتيجة للإصلاحات الهيكلية، وتعزيز صورة البلاد، فقد شهد منتدى الاستثمار في كوت ديفوار الذي عقد في فبراير 2014 مشاركة واسعة من مستثمرين من جميع أنحاء العالم. وارتفع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي من 12.6% في عام 2012، إلى 15.9% في عام 2013، ثم قفزت إلى 18% في عام 2014.

وفي تقرير التنافسية في أفريقيا الصادر عن البنك الدولي جاءت كوت ديفوار من بين أكبر 15 اقتصاد هي الأكثر تنافسية في أفريقيا، وفي تقرير للبنك الدولي عن ممارسة أنشطة الأعمال جاءت كوت ديفوار من بين أول عشر دول الأكثر تنفيذا للإصلاحات لمدة سنتين متتاليتين هما 2014 و 2015، ويسعى الرئيس واتارا من خلال خطة التنمية الوطنية 2012-2015 وقانون الاستثمار 2012، تحويل كوت ديفوار إلى إحدى الاقتصاديات الناشئة بحلول عام 2020.

وفي يناير 2015، أبدت عايشاتو تومينداوودو، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، تفائلها بشأن الوضع في كوت ديفوار، ودعت إلى التزام اليقظة، حيث أشارت إلى أن البلاد قد حققت خلال الفترة السابقة تقدماً على مسار السلام المستدام، والتعافي الاقتصادي، فضلاً عن أن إنجاز العديد من مشروعات البنية التحتية الرئيسية، وعودة البنك الأفريقي للتنمية إلى أبيدجان، والنجاح تنظيم العديد من الفعاليات الإقليمية والدولية،  يعد مؤشراً على تجدد الثقة من قبل المجتمع الدولي.

التحديات التي تواجه كوت ديفوار

   على الرغم من التقدم النوعي والتدريجي الملحوظ في مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها كوت ديفوار خلال السنوات الأربع الأخيرة، بعد تولي الحسن عبد الرحمن واتارا السلطة في 2011، إلا أن هناك عدد من التحديات التي تواجه دولة كوت ديفوار خلال المرحلة القادمة، على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني، وتتمثل في:

سياسيا:

  • الدستور

أشار واتارا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة إلى عزمه صياغة دستور جديد للبلاد خلال العام القادم، وتقديمه للاستفتاء الشعبي، وجدير بالذكر أن الدستور الإيفواري تم صياغته إبان الاستقلال في عام 1960، وقد أوضح الرئيس واتارا أن الدستور القادم لن يمس المادة الخاصة بالمدد الرئاسية، كما أعلن أنه لن يترشح مرة أخرى للرئاسة بعد انتهاء ولايته الرئاسية الثانية عام 2020.

  • ملف المصالحة الوطنية:

تسببت أزمة انتخابات 2010 في تعرض النسيج الاجتماعي في كوت ديفوار إلى الانقسام المجتمعي، حيث اندلعت اشتباكات بين مجتمعات وإثنيات مختلفة في غرب البلاد، ووقعت انتهاكات لحقوق الإنسان على أساس الانتماء الإثني والديني. وفي سبيل المصالحة الوطنية قام واتارا في 2013 بإنشاء لجنة الحوار والحقيقة والمصالحة على غرار التي أنشئت في جنوب أفريقيا، برئاسة شارل كونان باني، رئيس الوزراء السابق، قبل أن يتم استبدالها في 24 مارس 2015 باللجنة الوطنية للمصالحة وتعويض ضحايا الأزمة الإيفوارية، لاستكمال ما بدأته اللجنة الأولى.

وتم وضع برنامج وطني لتعويض الضحايا الذين تضرروا من مختلف الأزمات التي شهدتها البلاد منذ سقوط نظام يوليو 1993 حتى أزمة 2010، وتم رصد مبلغ 10 ملايين فرنك سيفا في ميزانية 2015 ليتم تعويض كل الضحايا في تلك الأحداث.

تماسك التحالف الحاكم:

يشكل تماسك التحالف الحاكم تحدياً أمام الرئيس واتارا خلال فترة ولايته الثانية، فيما يخص سيناريو ما بعد واتارا 2020، فقد اختلفت الأحزاب المنضوية تحت لواء التحالف بشأن تقديم مرشحين لهم في انتخابات الرئاسة القادمة، فأنصار الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار يريدون أن يكون مرشح التحالف 2020 من صفوف الحزب، في الوقت الذي يرى أنصار الاتحاد من أجل الديمقراطية في كوت ديفوار أن يكون المرشح من صفوف حزبهم، وعلى الجانب الآخر يرى واتارا توحيد تلك الأحزاب في حزب واحد، الأمر الذي أدى إلى صعود معارضة من داخل القيادة الشابة لحزب تجمع الجمهوريين، فضلاً عن جبهة حامد باكايوكو وزير الداخلية، وجبهة جيوم سورو، رئيس الجمعية الوطنية الإيفوارية.

أمنياً:

  • الملف الأمني:

تظل مسألة الأمن وإصلاح القطاع الأمني والعمل على تفكيك الجماعات شبه العسكرية في البلاد، وتوفير التدريب المرن لأفراد الأمن، تحدياً يواجهه المسئولون في كوت ديفوار، في ظل معاناة البلاد من فراغ أمني منذ اندلاع الأزمة في 2010، وعمليات للسرقة والنهب والسطو المسلح، كما يبرز ملف إعادة التأهيل الاجتماعي للمقاتلين القدامى ودمجهم في المجتمع وفي المؤسسات الأمنية، والنزع الكامل لسلاح الميليشيات المسلحة، فهناك 97 ألف مقاتل ينتظرون التسريح وفقاً لمامادو كوليبالي رئيس الجمعية الوطنية السابق، وينقسمون إلى ثلاثة مجموعات؛ 32 ألف جندي من القوات الجديدة، و 36 ألف مساعدين تم تجنيدهم من قبل القوات الجديدة خلال أزمة 2010، و 38 ألف عضو من الميليشيات ومجموعات الدفاع الذاتي التي أنشئت في إطار النظام السابق، وعلى الرغم من إجراء أكثر من تعداد للمقاتلين السابقين، بغية تسريحهم، آخرها بدأ في يوليو 2011، فلم يتم إنجاز هذه المهمة حتى الآن.  

 

  • إعادة تشكيل الجيش الوطني:

أدت أزمة انتخابات 2010 إلى وجود قوات متحاربة من الطرفين، ومن ثم كان من الضروري بحث حلول عاجلة من شأنها إصلاح الجيش الوطني بحيث يصبح عامل وحدة وضامن لاستقرار البلاد، ومن ثم قام واتارا بتعيين العديد من قادة الحركات المسلحة في مناصب عليا داخل الجيش الإيفواري، وفقا لبعض بنود اتفاقية واجادوجو.  كما أطلق واتارا برنامجاً يهدف لتحديد هوية قوات جمهورية كوت ديفوار وإنهاء حالة تسلح المدنيين ومختلف الميليشيات، الأمر الذي نتج عنه إحصاء 20 ألف شاب من الذين تسلحوا عقب أزمة 2010 وقرروا التخلي عن أسلحتهم، ومن ثم فلا زال هناك أعداد أخرى كبيرة يجب أن إدماجهم ضمن هذه القوات.

 

- أثر انتشار الجماعات السلفية الجهادية في جنوب مالي

   قد تعاني جمهورية "كوت ديفوار" من أثر انتشار الجماعات السلفية الجهادية النشطة في مالي على حدودها الشمالية. ويزيد هذا الاحتمال على ضوء حالة الاضطراب الأمني الذي تشهده البلاد، والامتدادات القبلية لقبائل "الماندي" شمال كوت ديفوار داخل مالي، وسيولة الحدود بين البلدين. جدير بالذكر أنه وفي العام 2015، تأسست في أقصى جنوب مالي، المتاخم لكوت ديفوار جماعة "كتيبة خالد ابن الوليد"، ظهرت عام 2015 ويتزعمها سليمان كايتا، المنحدر من نفس المنطقة.

   وفي اغسطس 2015، حاولت مجموعة من العناصر الجهادية اختراق "كوت ديفوار". إذ اعترف 7 “جهاديين” ماليين، ألقت كوت ديفوار القبض عليهم و قامت بترحيلهم باتجاه مالي، بانتمائهم لكتيبة خالد ابن الوليد ومشاركتهم في هجمات في جنوب ووسط مالي، كان آخرها في يونيو الماضي. وعليه، قد تشهد منطقة شمال مالي خلال الفترة القادمة نشاطا مكثفا لجماعات جهادية مسلحة لها حاضنة قبلية هناك، تتطلب مواجهته وكبحه قوات أمنية فعالة وإجراءات ضبط للحدود من الصعب توفيرها في المدى المنظور على الأقل.

اقتصاديا:

  • فيروس إيبولا:

تشكل المخاطر الصحية من تجدد انتشار فيروس إيبولا الذي ينتشر في منطقة غرب أفريقيا، عقبة أمام حرية التنقل وعدم الوصول للمناطق الحدودية مع البلدان المتضررة، مما يحد من التجارة الخارجية.

  • الوضع الأمني:

بالرغم من تحسنه تدريجياً إلا أنه لا زال هناك انتشار للأسلحة الصغيرة، كما لا يزال هناك عدد كبير من المقاتلين القدامى لم يتم إعادة إدماجهم ونزع السلاح منهم وتسريحهم.

  • تحسين ظروف المعيشة:

على الرغم من ارتفاع معدل النمو الاقتصادي في البلاد خلال الفترة الأخيرة إلى 9%، إلا أن المواطن الإيفواري لا يزال لا يستفيد من هذا النمو، ففي عام 2013 كانت كوت ديفوار في المرتبة 168 من 186 دولة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، فضلاً عن أن نصف عدد السكان – 46%- يعيشون تحت خط الفقر، علاوة على أن 28% من الإيفواريين يحصلون على التيار الكهربائي، بحسب المعايير الدولية.

وختاماً، يتبين من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإيفوارية أن كوت ديفوار تسير خلال الولاية الثانية للرئيس الحسن واتارا نحو مزيد من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في ظل السعي الحثيث إلى إنجاح ملف المصالحة الوطنية وصياغة دستور جديد سياسياً، والعمل على ارتفاع معدلات النمو الاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمارات للبلاد، فضلاً عن العمل على استقرار الأوضاع الأمنية، وحل أزمة المقاتلين القدامى، ورفع كفاءة القوات الأمنية.