المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

نحو خروجًا سلسًا من مرحلة بوتفليقة.. الحسم.. مفتاح الجيش في إدارة الانتقال السياسي في الجزائر

الثلاثاء , 04 يوليو 2017 - 12:16 مساءٍ

الجيش الجزائري
الجيش الجزائري

قضى قادة الجزائر وقتا طويلا خلال هذا العام الموشك على الانتهاء، في صياغة مجموعة من التغييرات السياسية والاقتصادية تهدف إلى تهيئة الأوضاع داخل البلاد لتحقيق انتقال للسلطة، والخروج بسلاسة من مرحلة بوتفليقة التي استمرت لما يقرب من عشرين عاما. عززت ماكينة بوتفليقة خلال شهر يونيو دعما كبيرا بين صفوف الحزبين الحاكمين (حزب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب جبهة التحرير الوطني).

 

قضت النخبة الحاكمة للبلاد شهورا في محاولة تأمين دعم إسلاميين معتدلين، وتوارت عن المشهد إلى حد كبير المنافسات القديمة بين زعماء مخضرمين من عصر الثورة الجزائرية، إذ يركز النظام السياسي حاليا على تأمين بقاؤه واستقراره وضمان انتقال سياسي سلس سواء تنحى بوتفليقة العام القادم، أو من خلال شغور منصبه بوفاته.

 

والأمر الأكثر أهمية أن أحد أطراف معادلة حسم مسألة الانتقال السياسي في الجزائر غاب عن المشهد بتنحيته. ففي سبتمبر الماضي، أعلنت القيادة السياسية إقالة الفريق محمد مدين الشهير بتوفيق، رأس إدارة الاستعلامات والأمن (المخابرات الجزائرية)، وثالث ثلاثة يملكون برأي الكثيرين مفاتيح السلطة في البلاد إلى جانب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والدائرة المحيطة به، وأحمد قايد صالح رئيس أركان حرب الجيش. ربما يتم الإعلان عن الخليفة المفضل لبوتفليقة خلال الأشهر القليلة القادمة. بعد حسم المعركة بين قايد صالح ومدين لصالح الأول، الأمر الذي هيأ الأجواء للتوافق على مرشح.

 

ويزيد من أهمية هذا التغيير( الذي جاء متوجا لسلسلة طويلة من التغييرات بدأت منذ منتصف 2013 وهزت أركان الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الجزائر) أنه جاء في توقيت تصارع فيه الجزائر بهدف التكيف مع البيئة الأمنية الإقليمية المضطربة، إذ يتطلب الاضطراب على الحدود والمخاطر الأمنية في الداخل جهودا عسكرية وأمنية ضخمة، وتوفر حد أعلى من التنسيق والتعاون بين الزعماء السياسيين والعسكريين للبلاد. وهي الأمور التي لم يكن بالإمكان  ضمانها بسهولة في ظل التوتر بين رئاسة أركان الجيش والرئيس بوتفليقة من ناحية وجهاز الاستعلام والأمن ( المخابرات) من ناحية أخرى.  

 

أولا: النخبة والمعارضة .. رؤى متقاطعة لعملية الانتقال السياسي

تتمحور التوترات داخل الجزائر حول الأسئلة المتعلقة بمن سيخلف بوتفليقة، وكيف سيؤثر ذلك في توازن القوى وتقسيم الاختصاصات بين المدنيين والعسكريين خصوصاً دائرة الاستعلام والأمن. وما إذا كان من الممكن أو من الواجب إصلاح نظام الحكم القائم منذ عقود. وفي هذا النقاش، فإن السياسة الخارجية والأمنية تشكل جبهة ضمن العديد من الجبهات الأخرى.

 

ويرى منتقدو الرئيس أن اعتلال صحته يشلّ مؤسسات البلاد؛ حيث إنه ومنذ إصابته بالسكتة الدماغية، غاب بشكل شبه تام عن الساحة، وباتت الحكومة تجتمع مرة كل ثلاثة أشهر بدلاً من اجتماعها مرة كل شهر، إضافة إلى ما يصفه الكثيرون بالموت الفعلي للبرلمان. وقد دفع رفضه التنحي عن السلطة رغم اعتلال صحته منافسين محتملين مثل "علي بن فليس"  رئيس الوزراء خلال الفترة الرئاسية الأولى لبوتفليقة وخصمه الرئيس في الانتخابات الرئاسية لعام 2014  لاتهامه بأنه يسمح بنشوء فراغ خطير في السلطة.

فطبقاً لبن فليس فإن هذا الفراغ، وليس الاستبداد، هو ما يميز اللحظة الراهنة في السياسة. لقد أشار إلى احتجاجات متكررة في مدينة غرداية الجنوبية وإضراب غير مسبوق في أكتوبر 2014 لشرطة مكافحة الشغب ، والتي سار أفرادها  نحو مقر الرئاسة في الجزائر العاصمة، في مؤشر على هذا الفراغ.

 

أما "التنسيقية الوطنية من أجل التحول الديمقراطي" وتمثل كتلة من أحزاب المعارضة وتضم حركة مجتمع السلم -حزب الإخوان- والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وأحزاب إسلامية أخرى، فتتمحور رؤيتها في ثلاث مطالب أساسية، تتمثل في إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات الرئاسية، ثم تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة باعتبار أن بوتفليقة عاجز عن القيام بمهام رئيس الجمهورية، وصياغة دستور جديد.

 

إلا أن هذه الكتلة لا تملك القدرة اللازمة لفرض ميزان قوى جديد؛ خاصة أن الشك ما زال قائمًا حول جدية انضمام الكثير منها إلى المعارضة، وقد قال بوجرة سلطاني -وهو الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم: إنه يرفض بقاء حزبه في المعارضة، وعليه أن يعود إلى موقعه الطبيعي ضمن الأحزاب الموالية للسلطة.

 

وعلى الرغم من المواقف المتشددة التي يظهر بها الرئيس الحالي للحزب عبد الرزاق مقري، فإن عودة حركة مجتمع السلم إلى دائرة السلطة أمر يبقى مطروحًا؛ خاصة أن رجال المال والأعمال في الحزب يريدون أن يتعاملوا مع الإدارة بطريقتهم المعتادة، وأن بقاء الحزب في المعارضة يضر مصالحهم بطريقة مباشرة. وهو الخيط الذي التقطته "دائرة بوتفليقة" لتنسج عليه وتحاول ضمان تأييد هذه الكتلة للإجراءات التي اتخذتها وتلك التي تنوي اتخاذها بهدف التمهيد لخلافة بوتفليقة.

أما جبهة القوى الاشتراكية فترى أن وضع الجزائر يفرض منهجية مختلفة تمامًا، تهدف إلى إقامة إجماع وطني جديد بمشاركة كل الأطراف، وترى الجبهة -وهي أقدم حزب معارض في البلاد- أن إسقاط النظام ليس صعب المنال فقط؛ بل هو أمر بالغ الخطورة، خاصة بعد تجربة "الربيع العربي"؛ التي أثبتت أن مؤسسات الدول العربية ليست قادرة على مواجهة أزمات كبرى، ويعتبر هذا الحزب أنه من الأفضل التفاوض مع السلطة للبحث عن طريقة تسمح بتغيير النظام بأسلوب سلس وتدريجي، بمشاركة المعارضة، ووفق أسلوب شفاف.

 

ويتقاطع اقتراح جبهة القوى الاشتراكية إلى حدٍّ بعيد مع اقتراح رئيس الحكومة الأسبق وزعيم الإصلاحيين مولود حمروش؛ الذي دعا قبل الانتخابات الرئاسية في 2014 إلى إجماع وطني جديد. ووجه نداء صريحًا إلى كل من الرئيس بوتفليقة، وقائد أركان الجيش قايد صالح، وقائد المخابرات السابق توفيق مدين، يدعو إلى فتح الباب أمام بناء نظام جديد، لا لتعيين شخص جديد في منصب رئيس الجمهورية؛ إنما بناء مؤسسات جديدة تكون قادرة على مواجهة تحديات هذا القرن.

 

ويعتبر أنصار فكرة الإجماع الوطني أن الجزائر ليست قادرة بمؤسساتها الحالية وبطريقة الإدارة السائدة، على دخول المنافسة الدولية؛ بل إنها مهددة لأنها احتفظت بمؤسسات بالية وإدارة غير ناجعة؛ وذلك في توقيت أصبح المحيط الدولي والداخلي خطيرًا جدًّا، ويبني هذا التيار نظرته على أساس أن الحفاظ على الوضع القائم يشكل خطرًا؛ لأن قدرة البلاد على دخول عهد جديد تتراجع مع مرور الأيام، وأن الوقت ليس حليفًا بل عاملاً خطيرًا.

 

ويؤكد مولود حمروش أن عملية تغيير النظام لا يمكن أن تنجح إذا عارضها الجيش، أو حتى إذا بقي محايدًا، وهذا يكفي لإفشال العملية في أية مرحلة، ويعتبر أن الجيش بطريقة تنظيمه يشكل المؤسسة الأكثر عصرانية في البلاد، وله القدرة على دفع باقي المؤسسات إلى الشروع في إصلاحات جديدة.

 

ثانيا: حزمة تغييرات حكومية

لسنوات، تجنبت الحكومة تمرير مجموعة من التغييرات أو تعيين مرشح بعينه خليفة لبوتفليقة؛ لكن بدا خلال عام 2015 أن إدارة بوتفليقة تتحرك باتجاه التغيير، واستثمار الوقت المتبقي لإدارة عملية الانتقال والتوافق على خليفة لبوتفليقة قبل أن يتنحى ويضطر للتنحي العام القادم كما يتردد، أو انتهاء ولايته (أو عهدته حسب التعبير الجزائري) في 2019.

 

ألمحت الحكومة الجزائرية بهدوء عن نيتها الإعلان عن حزمة إصلاحات. وتبع التغيير الوزاري الذي جرى في الرابع عشر من مايو – التغيير الأكبر منذ انتفاضات 2011- تغييرات في الحزبين المشاركين في الحكم. حيث تنحى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ورئيس مجلس الشيوخ الحالي، عبد القادر بن صالح، لصالح الرئيس السابق للحزب ورئيس الوزراء الأسبق أحمد أويحي. ويشرف أويحي الذي عمل من قبل رئيسا لديوان رئيس الجمهورية على عملية الإصلاح.

 

أما حزب الرئيس، جبهة التحرير الوطني الثورية، فقد حظي تقليديا بمستويات متذبذبة من الدعم من جانب الرئيس بسبب منافسة بوتفليقة مع زعماء الحزب الآخرين المنتمون إلى عصر الثورة. كان عمار السعدني، الأمين العام الحالي للحزب، دوما من أعلى الأصوات المهاجمة لإدارة بوتفليقة. ولكن دعم رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح المفتوح للسعدني مكنه من الحفاظ على موقعه في قيادة الحزب. في مقابل دعم السعدني وحشد الدعم بين قواعد حزب جبهة التحرير الوطني، سُمِحَ بتغيير بعض أعضاء اللجنة المركزية للحزب تحت أعين الدائرة المقربة من بوتفليقة.

 

أما على الصعيد الاقتصادي، فيبدو أن الحكومة الجزائرية قررت تأجيل التعاط و تراجع أسعار النفط والانخفاض الكبير في أسعار الطاقة العالمية – بالإضافة إلى خسارة الولايات المتحدة كأحد أكبر المستهلكين للغاز الجزائري الخفيف- وهي الأمور التي تمثل قضايا كبرى أمام الحكومة بصرف النظر عمن سيحكم. ورغم الفوائض المالية الكبيرة التي تملكها الجزائر، إلا أن معدل الإنفاق الجزائري المرتفع – حوالي 60 بليون دولار سنويا – سيقضي على هذه الفوائض بحلول عام 2019 على الأكثر. خاصة وأنه من غير المرجح أن تعدل الجزائر خلال الفترة القادمة عن برامج الإنفاق الاجتماعي الكبيرة خلال العام القادم، في توقيت تهرول فيه الحكومة لحشد الدعم الشعبي للتغييرات والتوافق على خليفة بوتفليقة.

 

باختصار، ما حدث خلال العام 2015 هو الخطوات الأولى لتمكين انتقال سياسي سلس ومدروس بعناية. بعده ربما تتحول الإدارة الجزائرية لإدارة قضايا مثل الفساد، انخفاض معدلات إنتاج النفط وطرق إنعاش الاستثمار الأجنبي.

 

ثالثا: المرشحون لخلافة بوتفليقة

 في الأوساط الموالية للسلطة، يعتبر الكلام عن خلافة الرئيس بوتفليقة ممنوعًا، ولا أحد يتجرأ على الخوض في هذه القضية خشية من مواجهة غضب بوتفليقة؛ لكن هذا لا يمنع كل طرف أن يتهيأ ليكون جاهزًا لأي احتمال؛ خاصة لدى الشخصيات التي تطمح في الوصول إلى الرئاسة، وتدور اللعبة أساسًا بين حزب جبهة التحرير الوطني الذي يرأسه عمار سعداني، وبين التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أحمد أويحي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات قبل أن يصبح مديرًا لديوان رئيس الجمهورية. وتريد أحزاب أخرى مثل تجمع الجزائر؛ الذي أسسه عمار غول، والحركة الشعبية برئاسة عمارة بن يونس، أن تنضم إلى دائرة السلطة. وكل هذه التنظيمات تسعى إلى التقرب من السلطة، وبطبيعة الحال فإن هذه الأحزاب ستتحول إلى لجان مساندة للمرشح الذي ستقترحه السلطة الفعلية، مهما كانت هويته أو ميوله السياسية.  

 

كذلك، فإن اعتلال صحة بوتفليقة دفعته إلى الاعتماد على رئيس وزراؤه عبد المالك سلال. ويعد سلال أحد المرشحين لخلافة بوتفليقة، إلى جوار أويحي والدبلوماسي البارز والمبعوث الأممي السابق في سوريا الأخضر الإبراهيمي. ومع ذلك، يتردد أن أيا كان من سيتم اختياره، في ظل تردد أنباء عن احتمال تنحي بوتفليقة عن موقعه في 2016، فإن عليه قبول توجيه بوتفليقة للمسار الانتقالي من وراء الستار أثناء حكمه لما تبقى من ولاية بوتفليقة حتى عام 2019.

 

قد تبدو هذه الصورة صحيحة إذا اقتصرنا على الجمود السياسي الحالي؛ ورغبة بوتفليقة الأكيدة للبقاء في منصبه وإكمال ولايته أو على الأقل السيطرة على العملية الانتقالية؛ لكنها لا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الأساسية للنظام السياسي الجزائري؛ فقد دفع غياب رئيس الجمهورية إلى محاولة لملء الفراغ برئيس الحكومة وبعض زعماء الأحزاب، وحاولوا تنشيط المشهد السياسي؛ مما يوحي أنهم يلعبون فعلاً دورًا سياسيًّا بارزًا؛ لكن كل هذه الشخصيات لا تزن كثيرًا يوم تضطر الجزائر لحسم قضية خلافة بوتفليقة.

 

 

حسم الجدل داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية

إلى جانب كل هذه القوى التي تبحث لنفسها عن مكان في الخارطة السياسية الجديدة، يبقى الجيش الوطني الشعبي في قلب اللعبة السياسية؛ ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع الأمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة، سيكون الحسم بيد الجيش، أو بالأحرى المنظومة العسكرية والأمنية، التي تعتبر صاحب القرار الحقيقي في المحطات الكبرى.

 

ورغم مساعي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لإحكام سيطرته على النظام، وتقليص دور وصلاحيات الأجهزة العسكرية والأمنية في الحياة السياسية. إلا أن هذه المؤسسات لا تزال تملك مفاتيح الانتقال السياسي في البلاد، والشاهد على هذا إقصاء سعيد بوتفليقة- الأخ الأصغر للرئيس والأقرب إليه- من قائمة المرشحين لخلافة الرئيس خلال هذا العام.  وعلى الرغم من أن الفكرة راجت في الأوساط السياسية منذ سنوات، فإنها كانت مستبعدة إطلاقًا؛ لأن رئاسة الجمهورية تبقى أساسًا قضية الجيش ولا يمكن حسمها داخل الدائرة المقربة للرئيس وفقط.  

 

وبناء على هذه المعطيات، فإن قضية الخلافة كان يتحكم في قواعدها، حتى وقت قريب ثلاثة أطراف فقط ربما؛ الرئيس ورئيس الأركان قايد صالح ورئيس دائرة الاستعلامات والأمن محمد مدين. وبسبب التوتر بين الرئيس ومدين من جهة، وبين قايد صالح ومدين من جهة أخرى، دخلت الجزائر في مرحلة من الجمود السياسي. إلا أن الأوضاع بدأت في التحرك باتجاه الحسم باتجاه تقليص نفوذ الجهاز الأقوى في الجزائر، وتوحيد كلمة الجيش فيما يخص هذه القضية لتنحصر في شخص قايد صالح والمقربين منه. 

وكانت عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية قد بدأت في أكتوبر 2013، وتوجت في سبتمبر 2015 بإقالة محمد مدين (الشهير بتوفيق) رئيس جهاز الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية)، وإحلال حليفه السابق اللواء عثمان طرطاق (بشير) محله. وخلال هذه الفترة ( وعلى الرغم من قوة جهاز المخابرات والتقارير الكثيرة عن الصراع بين "بوتفليقة" و"مدين" و"الجيش") بدأت القرارات الصاروخية في السقوط على رأس مدير المخابرات، الواحدة بعد الأخرى.

 

أولها وأخطرها كان حرمان «الجهاز» من الشرطة القضائية، العصا التي قادت تحقيقات في أكبر قضايا الفساد التي تورَط فيها مسؤولون بارزون في الدولة. وكان «ذنب توفيق الأعظم» أن شرطته حشرت أنفها في فضائح شركة المحروقات «سوناطراك»، وأفضى التحقيق إلى اتهام شكيب خليل وزير الطاقة المتنحّي حديثًا – في حينه – بالتورّط بعمولات ورشى دُفعت في إطار صفقة مع شركة «سايبام»، فرع عملاق الطاقة الإيطالي شركة إيني. وقدّم «توفيق» ملفًا عن الفضيحة إلى وزير العدل محمد شرفي، الذي أمر النيابة بإعداد مذكرة اعتقال دولية ضد شكيب خليل.

 

كل هذه التفاصيل جرت في فترة غياب بوتفليقة في رحلته العلاجية. الأمر الذي اعتبره بوتفليقة طعنة شخصية موجهة له، خاصة وأنها طالت صديق طفولته الذي غادر منصبه في البنك الدولي بناء على طلب منه عام 1999 للإشراف على قطاع الطاقة والمحروقات بالجزائر. بل، والأدهى من ذلك، أن اسم سعيد بوتفليقة ورد في التحقيق على أساس أنه تقاضى رشوة مقابل التوسّط لدى مكتب دراسات عالمي ليأخذ حصّة من مشاريع نفطية في صحراء الجزائر.

 

بعدها، قرر تنحية وزير العدل في أول تعديل حكومي، وأبعد ضباط المخابرات الذين أجروا التحقيق عن وظائفهم بالعاصمة إلى مواقع في الولايات الداخلية، وأمر أيضًا بإبطال مذكرة الاعتقال بحجة أنها لم تستوفِ الشروط القانونية، كونها صدرت عن المحكمة الابتدائية، وليس من المحكمة العليا، صاحبة الإختصاص فى مقاضاة أصحاب الوظائف السامية.

 

جاء بعدها إلغاء «وحدة الاتصال والبث» في المخابرات، وأحال البعض على التقاعد الإجباري. ثم جرَد المخابرات من الإشراف على الأمن العسكري والرئاسي ومن التنصّت على مكالمات الوزراء والمسؤولين الكبار، وحلَ «مجموعة التدخل الخاصة» الأمنية، التي كانت القوة الضاربة للمخابرات أيام الصراع مع الإرهاب.

 

كل هذه الهياكل تم إلحاقها بقيادة الأركان، وبذلك تعزز موقع قايد صالح داخل الجيش. أما "الجهاز الاستخباراتي" فاحتفظ فقط بالأمن الداخلي والأمن الخارجي، أي بالحد الأدنى. ووصف الإعلام سلسلة الأحداث بـ"تفكيك جهاز المخابرات".

 

وأخيرا، جرت ملاحقة عبد القادر آيت عراب، أو الجنرال حسن قضائياً ووضعه في السجن العسكري في 26 أغسطس الماضي. وكان حسن أحد قيادات المخابرات المكلف بملف مكافحة الإرهاب. وكانت هذه آخر حلقة في مسلسل من الإجراءات تهدف إلى إضعاف جهاز المخابرات، بعد أن تم الحاق أغلب مديرياته بقيادة الأركان، مع إحالة العديد من قيادته على التقاعد.

 

وبالتالي، فإن قرار إحالة الجنرال توفيق على التقاعد كان تتويجاً متوقعاً للأحداث الأخيرة، الأمر الذي يشير إلى ضعف مكانته ومكانة جهاز المخابرات بشكل عام. ومع ذلك، كان للاستقالة تأثير الصاعقة على الجزائريين، وعلى الطبقة السياسية التي ما تزال في حالة إرباك، وتتعامل بحذر مع هذا التغيير.

أما بالنسبة لقايد صالح، وبعد أن تعززت مواقعه وحسم الصراع بينه وبين مدين لصالحه، فلا يمكن التأكد من خياراته على نحو دقيق. فقد ظل قايد صالح حتى وقت قريب داعما أساسيًّا لبقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم؛ لكن هذه المعادلة يمكن أن تتغير بعد غياب مدين, وتغير ميزان القوى لصالحه.

 

اتجاهات إعادة صياغة دور المؤسسة العسكرية؟

أثارت تلك التغييرات تكهنات حول احتمال اندلاع اضطراب كبير في الجزائر. فالجزائريون لن يرضوا بتقويض قدرات الأجهزة الاستخباراتية( مهما قيل عن رقابة مدنية على الأجهزة الأمنية وأفضلية تحديد دور الجيوش في مواجهة مخاطر الداخل والخارج ) في ظل تزايد المخاطر الأمنية في الداخل وعلى امتداد حدود الجزائر الطويلة والهشة.

 

إلا أن هذا الافتراض ينطوي على مبالغة إذ يفترض أن الأجهزة الأمنية الجزائرية على مشارف الدخول في مرحلة جديدة بالكامل؛ فطرطاق الذي حل محل مدين، ضابط مخضرم وقوي، واشتهر أثناء الحرب الأهلية ب "المدمر" الذي فضل القمع العسكري للجماعات الإسلامية المسلحة على المفاوضات.

 

ولهذا يرى البعض في تعيينه إشارة إلى درجة الاستمرارية، أي كجزء من محاولة لإعادة هيكلة وزيادة مستوى احترافية الجهاز الأمني؛ أي كطريقة لإدخال كفاءات تنظيمية تفضل التغيير.

 

من هنا، فإنه بإمكان الحكومة والدائرة الرئاسية  تسويق هذه التغييرات، ضمن إطار التكيف والمعطيات الأمنية الجديدة في الداخل وعلى مستوى الإقليم. في الوقت الذي يعمل فيه بوتفليقة على تأمين الدعم العسكري لحكومته ويسعى لمزيد من الرقابة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. خاصة وأن منتقدوا جهاز الاستعلامات والأمن يؤكدون على الحاجة إلى الابتعاد عن تركة التسعينيات، خاصة بعد انتهاء حالة الطوارئ عام 2011.

 

ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن القيادة العسكرية رفيعة المستوى لا تزال تنتمي إلى الجيل الأول من الزعماء الجزائريين- في عقدهم الثامن الآن- إلأ أن التغييرات في القيادة ربما تفتح الباب أمام الانتقال إلى الجيل التالث من القادة العسكريين الذين لم يكونوا في موقع القيادة إبان السيطرة العسكرية الكاملة على البلاد أثناء الحرب الأهلية.

 

باختصار، يبدو أن الرئاسة نجحت في تعزيز سلطتها شعبيا وأيضا سلطة الجيش النظامي في السنوات الأخيرة. في الوقت نفسه، تفتح التحركات داخل الأجهزة الأمنية المجال أمام دور أكبر للتعاون بين الأجهزة في مجال الأمن الإقليمي.