المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

بعد إبعاد مقرن.. متى تبدأ الجولة الثالثة من التغيير في السعودية

الثلاثاء , 04 يوليو 2017 - 03:08 مساءٍ

الأمير مقرن بن عبد العزيز
الأمير مقرن بن عبد العزيز

تعيين ولي عهد جديد وتصعيد نجل الملك ليصبح وليا لولي العهد، يعد الجولة الثانية من التغيير فى داخل الهيكل السلطوى داخل أسرة آل سعود، منذ أن جاء الملك سلمان إلى سدة السلطة فى يناير الماضى (الجولة الأولى كانت فى الشهر ذاته وفى اليوم الأول من توليه السلطه). والأرجح أنه سيزيد التوتر في العائلة المالكة السعودية، خاصة إذ استتُبعت تلك القرارات الأخيرة، بجولة ثالثة تطيح بالأمير متعب بن عبدالله من قيادة الحرس الوطنى.

 

صباح الامس نشرت السعودية 26 أمرا ملكيا مؤذنة بعديد من التغيرات في الوزارة وولاية العهد، تتراوح ما بين التغيرات الدراماتيكية إلى تغيرات أخرى بيروقراطية. أطاحت بولي العهد الأمير مقرن، الذي عُين وليا لعهد الملك سلمان ولكنه الآن تم استبداله بالأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية وولي ولي العهد. وليحل محل الأمير محمد بن نايف في ولاية ولاية العهد نجل الملك "محمد بن سلمان" البالغ من العمر 35 عاما، ويشغل بالفعل منصب وزير الدفاع.

 

أطاحت القرارات أيضا بوزير الخارجية سعود الفيصل، الأمير الذي شغل هذا المنصب لما يقرب من أربعة عقود ولكنه ابتلي حاليا بسوء أحواله الصحية. حل محله السفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير، ببينما لم يتم الإعلان بعد عمن سيخلفه في السفارة.

 

مثل هذه التغييرات المفاجأة – والتي تأتي فقط بعد ثلاثة أشهر من تولي الملك سلمان، عندما أجرى تغييرات كاسحة في هيكل السلطة الذي ورثة عن الملك عبد الله – هي بمثابة تذكير بأن النظام السياسي السعودي يظل ضبابيا إلى حد ما. شرح عادل الجبير هذه النظرة عندما كان طالبا في مرحلة الدكتوراة في جامعة جورج تاون أوائل التسعينيات في ورقة بعنوان : "السياسة الخارجية للدولة السعودية"، وكتب يقول، "وصف تشيرشل للكرملين بأنه "لغز ملفوف بالغموض يقترب جدا من الطريقة التي ينظر بها بعض المراقبين اليوم ويفسرون المملكة العربية السعودية." في حين كان الجبير يعبر عن ازدراؤه لهؤلاء المراقبين، فإنه اعترف بأن بلاده فريدة من نوعها.

 

الأمر الواضح أن تلك التغييرات لن تكون الأخيرة، ومن ثم فإن التساؤل الرئيسي هنا يتمثل فى: متى تحدث الجولة الثالثة، ومن الذى سيستفيد منها؟.

الإجابة على ذلك تتطلب الإلتفات إلى ما يلى:

  • أن الجولة الأولى من التغييرات التى أقدم عليها الملك سلمان فى يومى 23، 29 يناير الماضى كانت بمثابة حركة مضادة في محاولة لاستعادة نفوذ السديريين. خاصة وأن المنحى الرئيسي لسياسة الملك الراحل عبد الله بن عبدالعزيز، تتمثل فى محاولة تقليص نفوذ جناح الأشقاء السديريين السبعة وأبنائهم في مراكز القوة الرئيسية في بناء السلطة بالمملكة. والشاهد على ذلك إقصاء أبناء ولي العهد الأسبق، سلطان بن عبد العزيز، من مناصبهم المؤثرة، وهم:

- خالد الذي أقصي بموجب أمر ملكي صدر في 20 أبريل 2013 من منصبه نائبا لوزير الدفاع وتعيين الأمير فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود محله.

  • سلمان الذي صدر أمر ملكي بتاريخ 6 أغسطس 2013 بتعيينه نائباً لوزير الدفاع، قبل أن يتم إعفاؤه بموجب أمر ملكي بتاريخ 14 مايو 2014، وذكر حينها أن ذلك تم بناءً على طلبه.
  • استبعاد بندر بن سلطان الذى استبعد من رئاسه الاستخبارات، في 15 أبريل 2014، فيما بقي أمينا عاما لمجلس الأمن الوطني.

 

  • فى اليوم التالى لتلك الجولة الأولى من التغييرات، التى أقدم عليها الملك الحالى سلمان بن عبد العزيز، أصبح الصراع على النفوذ في السلطة داخل المملكة العربية السعودية، مفتوحا على ثلاثة جبهات:
  1. جبهة محور " الملك سلمان بن عبدالعزيز- محمد بن نايف"  في مواجهة محور " مقرن بن عبدالعزير- متعب بن عبد الله بن عبد العزيز.
  2. جبهة السديريين غير الموحدة، وأجنحة الأسرة الأخرى ذات النفوذ تقليديا والتي قد تخشى تهميشها تدريجيا.
  3. جبهة الصراع المؤسسي بين كلا من وزارة الدفاع برئاسة محمد بن سلمان، ووزارة الحرس الوطنى برئاسة متعب بن عبد الله .

 

الآن، وبعد قرارات الأمس( الجولة الثانية) يمكننا أن نشير إلى ما يلى:

  1. الصراع على الجبهة الأولى حُسم لصالح محور سلمان – محمد بن نايف، بعد استبعاد ولى العهد مقرن بن عبد العزيز. هذا على الرغم من أن نص قرار الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز( بتعيين مقرن كولى ولى العهد) والذي صدر بتوقيع الملك الراحل وولي عهده( أى الملك الحالى) أنه لا يجوز إلغاء القرار أو تعديله سواء في حياة الملك عبدالله أو حال وفاته. ولعل ذلك يعكس بجلاء شكوك الملك الراحل التي تصل حد اليقين في عزم ولي عهده سلمان، حال ما أصبح ملكا، إزاحة الأمير مقرن من منصب ولي العهد.

 

  1. الصراع على جبهة السديريين غير الموحدة، يبدو محكوما بأمرين: أولهما أن الملك سلمان( أو المقربين منه) يفضل فيما يبدو حسم الأمر أولا على جبهة الأمير متعب بن عبد الله رئيس الحرس الوطنى. ثانيا، أنه وإن بدا واضحا أن التغييرات التى يجريها سلمان لا تعكس توحد الجناح السديري في مجموعه، بقدر ما تعكس توحد الملك سلمان وابن أخيه الأمير محمد بن نايف دونا عن بقية الجناح السديري، إلا أن المضى قدما على ذات النهج، مرهون باستمرار نجاح محور "سلمان – محمد بن نايف" فى تحقيق التوازن بين أجنحة الأسرة غير المنخرطة في الصراع المباشر.

 

  1. الصراع المؤسسي، فيما يخص وزارة الحرس الوطنى، يبدو هو المرشح لأن يكون على رأس الجولة الثالثة من التغيير القادم، خاصة وأن ثلاثة آخرين ( غير الأمير متعب) من أبناء الملك الراحل يحظون بمراكز قيادية داخل الحرس الوطنى. وفى هذا السياق تتعين الإشارة إلى أن الأمير متعب ترأس الحرس الوطنى في نوفمبر 2010، خلفا للملك عبدالله ذاته الذي ترأس هذه القوة المحورية في البناء العسكري السعودي، لما يزيد عن أربعة عقود. ويُعد الحرس الوطني أحد أقوى الأذرع الأمنية في المملكة ، حيث يضم عدد جنود يقارب تقريبا عدد جنود الجيش السعودي، نحو 100 ألف مقاتل. ويتلقى تدريبات في الخارج، فيما يتم بشكل مستمر تحديث أسلحته. ويمتلك فوق ذلك، حرية الحركة في مختلف أنحاء المملكة. والأهم أن ثمة تقديرات بأن  الحرس الوطتي يدين بولاء شديد للملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز الذي نهض بمهمة تحديثه وتعزيز قوته طوال العقود التي تولى فيها قيادته، ما يجعل تلك القوة عنصرا مهما في تحديد توازن القوى داخل المملكة.

عند هذه النقطة، قد تجرى خلال هذه المرحلة محاولة إضعاف وزارة الحرس الوطني وإضعاف الأمير متعب داخلها، من خلال تقييد الاعتمادات المالية المخصصة لها، أو محاولة اختراقها من خلال استقطاب بعض قادة هذا الجهاز إلى صف السديريين. ويمكن في حال نجاح هذا المسعى إطاحة الأمير متعب من دون مخاطر جسيمة.

 

انتقال مستمر وليس تشكيلا جديدا

إذن: السياق الرئيسي لتلك النقلة الجديدة، الصراع الملكي في بيت آل سعود، على النحو الذى سبق توضيحه... لكن مدى تدخل الملك سلمان في التغييرات هو أمر محل جدل !!  فهناك تقارير مستمرة  تشير إلى ضعف صحته، وربما أبقته اللقاءات العديدة الأخيرة غير العادية مع كبار الشخصيات من الخارج، بعيدا عن كثير من صناعة القرار – إما بموافقته أو بإلهاء متعمد من أولئك المقربون منه. في الأسابيع الأخيرة وحدها، استضاف رئيس إريتريا، وزير خارجية نيوزيلاندا. وما أصاب معظم مواطنيه بالحيرة، استضافته لوزير خارجية ليتوانيا. يبدو أن التأثير الرئيسي للملك في هذا التغيير يتمثل في تعيين محمد بن سلمان وليا لولي العهد – المرة الأولى التي يحظى فيها ولده رسميا بلقب صاحب العرش المستقبلي.

 

من خلال هذا التحليل، تمثل التغيرات انتقالا مستمرا في الرياض وليس تشكيلا جديدا، حسبما قال البعض. محمد بن نايف، ولي العهد الجديد، يعتبر لدى كثيرين الملك المستقبلي المفضل لدى واشنطن، ولكن التصعيد الصارم لمحمد بن سلمان خلال الأشهر الأخيرة يشير إلى أن هذا الشاب قد يحل محل محمد بن نايف قبل أن يصل إلى العرش. بالتأكيد، يبدو أن نجل الملك لديه هذا الطموح. يُعتَقَد على نطاق واسع أنه من "الشباب عديم الخبرة" كما أشار ساخرا المرشد الأعلي لإيران علي خامني مبكرا هذا الشهر. وقد وُصِف بشكل إيجابي في الأمر الملكي. وجاء فيه أن قدراته الكبيرة أصبحت واضحة للجميع من خلال جميع الأعمال والمهام التي أوكلت إليه، وتمكن من أدائها بالطريقة المثلى. لا يبدو أن هذا رأي الجميع، رغم أن الأمر مضى ليشير إلى أنه حصل على تأييد الغالبية العظمى من مجلس البيعة (الذي يتشكل من كبار العائلة المالكة وأبناءهم الأكبر)، وهي الصيغة التي تشير إلى وجود بعض المعارضة.

 

تقليديا، سياسيو العائلة المالكة يتميزون بالاحترام الذي يضفيه عليهم السن، الخبرة والخصال الملكية. محمد بن سلمان يفتقر إلى السمتان الأولى والثانية، وبالتالي يبدو أن أقوى خصاله تتمثل في قربه من والده. في الوقت الذي لدى بيت آل سعود هاجس إظهار وحدة الصف أمام مواطنيهم وأمام الشرق الأوسط ككل، فإنه كذلك تاريخيا أظهر حزمه فيما يخص بقاء العائلة في السلطة حتى لو كان هذا يعني تنحية ملوك بدا أنهم يفسدون هذه الاستمرارية (كما هي حالة الملك سعود في الستينيات).

 

تحول على خلفية أزمات داخلية وخارجية

من ناحية أخرى، يبدو واضحا أن هذا التحول الأخير يحدث على خلفية أزمات وخلافات على جبهات عديدة. أكثرها بروزا حرب المملكة التي استمرت شهرا في اليمن، وما يبدو من انسداد أفق الصراع هناك. مضافا إليه تعقيدات التوترات مع الخصم الإقليمي "إيران" والخصومة السنية – الشيعية الأكبر. في الوقت نفسه، تستمر داعش في الازدهار بشكل كبير – بالأمس، أعلنت الرياض أنها ألقت القبض على 93 مشتبه في كونهم دواعش. كذلك هذا العام أحبطت هجوما على السفارة الأمريكية. فى ذات الوقت يبدو أن ضغوط سياسية واقتصادية حفزت على إجراء بعض التغييرات أيضا. فقد تم تعيين تنفيذي كبير في مجال النفط في منصب وزير الصحة.. في الفترة الأخيرة، تم توجيه نقد شامل لأداء مستشفيات وعيادات الوزارة لعدم كفاءتها. أما السيدة الوحيدة في الوزارة، نائبه وزير التعليم نورا الفايز، فقد تم استبدالها، والأرجح أن هذا يشير إلى أن المحافظون نجحوا أخيرا في سد الطريق أمام جهودها لتحسين تعليم البنات في المملكة.

 

وأخيرا يبقى القول: من الواضح أنّ "عاصفة الحزم" لم تتوقف فعلياً، بل شكلياً؛ وأنّها أخذت عنواناً آخر، بل وامتدت لتشمل اليوم سورية، وهي تعيد ترسيم أولوية تحالفات السعودية الإقليمية. ويبدو أن الجولة الثالثة من التغيير المتوقع، ستتزامن مع واقع جديد أهم ملامحه أن تصبح تركيا وقطر بمثابة حلفاء السعودية الرئيسيين بعد الاستدارة الجديدة.