المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

نيجيريا .. بين الإرهاب في الشمال والعنف الانفصالي في الجنوب

الثلاثاء , 04 يوليو 2017 - 04:36 مساءٍ

العنف في نيجيريا
العنف في نيجيريا

تعتبر نيجيريا أكبر بلد إفريقي يضم بين جنباته كثير من المتناقضات التي يدفع كل منها في اتجاه مغاير. فقد احتلت نيجيريا المرتبة الأولى من حيث ترتيب الاقتصادات في إفريقيا عام 2014 متجاوزة جنوب إفريقيا ومصر. وتحتل المرتبة العاشرة من حيث احتياطي البترول والسابعة من حيث احتياطي الغاز الطبيعي. وتحتل في الوقت نفسه، المرتبة الثالثة على مؤشر الإرهاب العالمي الصادر في نوفمبر 2015.

 

بحسب بيانات المؤشر شهدت نيجيريا في 2014 أكبر تدهور في الوضع الأمني هناك على امتداد تاريخها. وبلغ عدد القتلى جراء الإرهاب في نيجيريا عام 2014، 7512 قتيل، مقابل 1850 قتيل في العام 2013، بزيادة تبلغ نسبتها 300%. وتعود هذه الزيادة إلى حد كبير إلى زيادة عنف "بوكو حرام" التي تتمركز في شمال شرق نيجيريا. وتقع معظم الهجمات الإرهابية في شمال شرق نيجيريا حيث تتمركز بوكو حرام( 40% منها) في ولاية بورنو.

 

وفي الوقت نفسه، لا ينعم الجنوب النيجيري الغني بالنفط (عصب الاقتصاد النيجيري) بالاستقرار. إذ أن هناك لا يزال حالة من القلق وتوقع قرب اندلاع موجة من عنف المتمردين الانفصاليين وأمراء الحرب، بعد فشل عملية التنمية هناك في تحقيق أهدافها بسبب الفساد ونقص التمويل والسياسات غير الملائمة. ما يعني أن الدولة النيجيرية مرشحة لأسوأ السيناريوهات خلال الفترة القادمة، والتي قد تصل إلى انهيار الدولة أو انقسامها.

لمحة عامة عن نيجيريا:

تعتبر نيجيريا حاليا أكبر بلد إفريقي سكانا، وأغنى دولة أفريقية من حيث احتياطاتها الهائلة من النفط والغاز. كانت مستعمرة بريطانية حتى استقلت في الأول من أكتوبر 1960. وتقع نيجيريا في وسط غرب إفريقيا. يحدها من الجنوب خليج غينيا ومن الغرب بنين ومن الشمال النيجر ومن الشمال الشرقي تشاد ومن الشرق الكامرون.

 

وتبلغ مساحتها 923.768 كلم. بينما يبلغ طول حدودها البرية: 4047 كلم منها 773 كم مع بنين و 1690 مع الكاميرون و 87 كلم مع تشاد. و 1497 كلم مع النيجر. فيما يبلغ طول الشريط الساحلي 853 كلم على المحيط الأطلسي.

 

ويبلغ عدد سكانها 158.423.000 مليون نسمة (حسب تقديرات سنة 2010. يعيش حوالي 70 % منهم تحت خط الفقر (أقل من واحد دولار في اليوم). واللغة الرسمية هناك الإنجليزية، بالإضافة إلى الهوسا والفولاني واليوروبا والإيبو.

 

وتضم الدولة الفيدرالية النيجيرية 36 ولاية وعاصمتها الفيدرالية أبوجا. أما من حيث الديانات فيمثل المسلمون نحو 50 % من إجمالي السكان، والمسيحيين 40 %، وأصحاب المعتقدات التقليدية 10 % ولا تعتمد الدولة أي منها كدين رسمي .

 

وقد اعتمدت نيجيريا نظام الدولة الفيدرالية بعد استقلالها عن التاج البريطاني في عام 1960. وقسمت البلاد إلى ثلاث أقاليم أساسية تمثل مختلف الجماعات الإثنية الفاعلة، وهم قبائل الهوسا والفولاني في الأقاليم الشمالية وقبائل الإيبو في الجنوب الشرقي وقبائل اليوروبا في الجنوب الغربي.

 

عرفت نيجيريا حالة من التناوب بين الحكم العسكري والمدني للبلاد فقد سيطر العسكريون على الحكم في نيجيريا من عام 1966 إلى عام 1979، ثم آلت مقاليد الحكم في البلاد إلى حكومة مدنية، غير أن العسكريين أطاحوا بالحكومة المدنية في عام 1983، وتم حل كافة الأحزاب السياسية. إلا أن فترة الثمانينيات عرفت توجها جديا لإرساء مبادئ حكم مدني تجلى في النهاية في دستور 1999. و ينشط فى الحياة السياسية في نيجيريا عدد من الأحزاب السياسية، أهمها:

  • تحالف كل التقدميين (حزب الرئيس الحالي محمد بخاري).
  • الحزب الشعبي الديموقراطي (حزب الرئيس السابق جوناثان).
  • حزب الوفاق
  • مجلس العمل
  •  التحالف من أجل الديموقراطية

- الحزب الشعبي لعموم نيجيريا

 

أما من الناحية الاقتصادية؛ فقد استطاع الاقتصاد النيجيري وفقا لإحصاءات البنك الدولي في إبريل 2014 أن يتجاوز جنوب أفريقيا ويحتل المرتبة الأولى من حيث ترتيب الاقتصادات الأفريقية .

 

ربما يعني ذلك أن نيجيريا التي يقطنها أكثر من 160 مليون نسمة تعد من الناحية النظرية أغنى دولة افريقية على الاطلاق ، وهو ما يؤهلها للقيام  بدور حاسم في دفع عجلة النمو في القارة. ومع ذلك فانها تعد أيضا رمزا للتحديات الكبرى التي تواجه الأفارقة في تحويل الثروة الطبيعية إلى قدرات خلاقة تعالج أزمات التنمية المستعصية. ولعل ذلك يبرر انعقاد الدورة الرابعة والعشرين للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أفريقيا (دافوس الأفريقية) في العاصمة النيجيرية أبوجا خلال الفترة من 7-9 مايو 2014  تحت شعار "بناء نمو شامل يمكنه إيجاد فرص عمل جديدة". وقد حضر المنتدى قادة من قطاع الأعمال والسياسة والمجتمع المدني يمثلون نحو 70 دولة. وكان من أبرز الحضور من خارج أفريقيا رئيس وزراء الصين لي كه تشيانج، الأمر الذي يعطي دلالة واضحة عن طبيعة الوجود الصيني في أفريقيا. وهناك نشاط اقتصادي كبير في جنوب المنطقة الساحلية من البلاد، وخاصة في منطقة لاجوس.

 

وعلى الرغم من الوضع الأمني المتردي في نيجيريا، فقد شهد القطاع الزراعي في البلاد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة وأصبح نصيب الفرد 33٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 2009 مع ظهور الشركات المحلية مثل دانجوت التي كانت تصدر الموز، والكاكاو، والفول السوداني، الخ. على الرغم من أن هذه الفاكهة لم تكن موجودة في كل البلد.

 

وتعد نيجيريا شريك الولايات المتحدة التجاري الأكبر في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا ، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى المستوى العالي لواردات النفط من نيجيريا ، والتي تقدر ب 8 ٪ من واردات الولايات المتحدة من النفط—أي ما يقرب من نصف انتاج نيجيريا من النفط يوميا. ونيجيريا هي خامس أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة، بلغت قيمة التجارة في العام 2010 أكثر من 34 مليار دولار ، بزيادة 51 ٪ خلال عام 2009 ، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الانتعاش في الأسعار الدولية للنفط الخام آنذاك. وكانت صادرات السلع الأمريكية إلى نيجيريا في عام 2010 من الحبوب (القمح والأرز) ، والسيارات ، والمنتجات النفطية ، والآلات تبلغ قيمتها أكثر من 4 مليارات دولار. في عام 2010 ، كانت واردات الولايات المتحدة من نيجيريا بأكثر من 30 مليار دولار ، وتتكون في معظمها من النفط الخام. وشكل الكاكاو ، والبوكسيت والألمنيوم والتبغ والشموع ، والمطاط ، والحبوب نحو 73 مليون دولار من واردات الولايات المتحدة من نيجيريا في عام 2010.

في المقابل، لا يزال ما بين 50 إلى 70% من سكان نيجيرا يعيشون تحت خط الفقر بل إن تردي الوضع الاقتصادي هناك هو من بين أهم أسباب تفاقم العنف والصراع في أرجاء نيجيريا شمالا وجنوبا على نحو ما سيرد فيما يلي.

 

الإثنيات في نيجيريا

تمثل الإحصائيات المقدمة من مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية أحد أوجه الصراع في نيجيريا، وذلك لتضاربها وإختلاف أرقامها بنسب معتبرة من مصدر لآخر. فهناك من المصادر ما يشير إلى أن "الهوسا- فولاني" يمثلان معا 30%  من السكان، بينما تأتي اليوربا في المرتبة الثانية لتمثل 20 % من سكان نيجيريا، ثم الإيبو (17 %). في حين تمثل الجماعات الأخرى ما نسبته 33 %.

 

بينما تذهب مصادر أخرى إلى القول أن  عدد الهوسا-فولاني واليوروبا والإيبو وهي الجماعات الرئيسية في نيجيريا يبلغ 57.8% من السكان بينما تتوزع  باقي الجماعات على 42.2 %من مجموع السكان. ويشير مصدر ثالث إلى أن الهوسا-الفولاني تمثل (29%) ،اليوربا(21%) ،الايبو(18%) ،الايجاو(10%) ،الكانــدرى(4%) ،الايبيو(3.5%) ،التيف(2.5%).    

 

من الناحية الجغرافية، تنقسم نيجيريا إلى منطقتين جغرافيتين إحداهما شمالية والأخرى جنوبية، حيت تتمركز في الشمال خمسة جماعات عرقية رئيسية: الهوسا، والفولانى، والكانورى، والنوبى، والتيف. ويمثلون مجتمعين 60 فى المائة من إجمالى سكان نيجيريا ويعتنق أبناء الجماعات الأربع الأولى الدين الإسلامى وتعد جماعات الهوسا الواجهة الثقافية للشطر الشمالى من نيجيريا، إذ يتحدث أكثر من 50 فى المائة من سكان الشمال بلغة الهوسا التى أصبحت لغة الثقافة الإسلامية فى غرب أفريقيا بصفة عامة. وفى الإقليم الجنوب الشرقى توجد جماعات الإيبو وهى ثانى الجماعات العرقية من حيث العدد بالإضافة إلى جماعات الايبوبيو، والايفيك. أما جماعات اليوربا فتقطن الجنوب الغربى لنيجيريا. وقد ارتبط بالوضع القبلى وما يحمله من عدم التجانس الاجتماعى ، ظهور أحزاب سياسية على أساس عرقى كان لها دور بارز فى الحياة السياسية خلال فترات الحكم التى سمح فيها بالتعددية الحزبية، ورغم غياب قواعد واضحة لممارسة العمل السياسي في الفترة التي أعقبت الإستقلال مباشرة وخلال فترات الحكم العسكري، إلا أن حزب مؤتمر شعب الشمال الذي يمثل قبائل الهوسا و حزب جماعة العمل الذى كان يمثل قبائل جنوب غرب نيجيريا، وحزب التجمع القومى الذى كان يمثل قبائل جنوب شرق نيجيريا، لعبوا دورا بارزا في تأطير الحياة السياسية في البلاد.

 

وتتسم العلاقة بين الجماعات الإثنية المختلفة في نيجيريا بالتوتر والعداء نظرا لإستحضار تاريخ الأحداث والعلاقات بينها في تعاملاتهم اليومية. كما تلعب العوامل الإقتصادية والسياسية والدينية دورا رئيسيا في زيادة التوتر بين مختلف مكونات المجتمع النيجيري. بل وصلت الأمور إلى حد إعلان الجنرال والزعيم السياسي المسيحي "أنبروس علي" الذي ينتمي إلى إقليم الشمال الواقع تحت سيطرة قبيلة الهوسا –فولاني المسلمة أن الخلاص الوحيد للمسيحين في الشمال هو الإستقلال وتأسيس دولتهم الوطنية،والتحرر من إضطهاد المسلمين لهم ،وطالب صراحة بالتحرك السريع لتحقيق ذلك.

 

فيما تعتبر معظم القيادات الإسلامية في نيجيريا الصراع سياسيا وليس دينيا ،وفي هذا الصدد يرى" محمد سعد أبوبكر" سلطان (سوكوتو) وهو رجل دين وعسكري سابق في الجيش النيجيري قبل أن يصبح سلطانا لإمارة سوكوتو(منصب تقليدي قبلي)، في حوار أجرته معه قنـاة  CNNالأمريكية أن كثيرا من السياسيين يلجئون إلى تسليح الجماعات المتطرفة، وتزويدها بالمال من أجل أهداف سياسية لا علاقة لها بالدين. فيما يرى رئيس أساقفة جوس  Archbishop of Jos القس "إجناتوس كايجاما"  Ignatius Kaigama أن أعمال العنف التي تعيشها نيجيريا هي أقرب إلى أعمال شغب منها إلى صراع ديني مسيحي إسلامي، وكثيرا ما تأخذ شكل مطالب إقتصادية وسياسية وإجتماعية، ويرى فيمن يعتبرون الصراع دينيا أنهم يتسترون على حالة الفقر وسوء المعيشة وتفشي الفساد ، ويرى أيضا أن الزعماء المسيحيين والمسلمين يعملون معا على محاربة التطرف من الجانبين، والعمل على نشر مبادئ العيش المشترك والتسامح. وصرح الناطق بإسم الفاتيكان "الأب فيديريكو لومباردي"عقب أحداث العنف في ولاية جوس مطلع مارس 2010، أن الصراع ليس دينيا البتة، لأن من يقومون به، هم مجموعة من الرعاة المنتمين في أغلبيتهم إلى قبيلة البيروم المسيحية ضد المزارعين من قبيلة الفولاني المسلمة، وأضاف أن الصراع لا يعدو كونه صراع على الكلأ والمراعي والأراضي الزراعية ومصادر المياه ليس إلا ، وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه  رئيس أساقفة أبوجا "المونسينيور جون أوناييكان". فيما قال الشيخ "إبراهيم الزكزكي" قائد إحدى الفصائل المسلحة الشيعة القريبة من إيران في تصريح لقناة العالم في طهران، أن الصراع في منطقة جوس هو صراع سياسي تقف وراءه مجموعة من السياسيين الفاسدين في المنطقة من أجل مصالحهم.

 

-علاقة الهوسا باليوربا: تعتبر قبائل الهوسا وقبائل اليوربا من أكثر المجموعات الإثنية إحتكاكا في نيجيريا. وكثيرا ما كانت تحدث بينهم مناوشات لا تلبت أن تتحول إلى أعمال عنف انتقامية. وقد وصلت أعمال العنف بينهما إلى درجة قيام مجموعة من الضباط بقيادة بوكا ديمكا من قبائل اليوربا بتنفيذ إنقلاب عسكري أطاح بحكومة محمد مرتلي في شهر فبراير من سنة 1976. وعلى الرغم من فشل المحاولة الإنقلابية إلا أن محمد مرتلي قتل فيها، و تولى مكانه أولوسيغون أوباسانجو وهو أول رئيس من اليوربا يصل إلى الحكم. حيث صدر في عهده دستور جديد سنة 1978. وأجريت إنتخابات فاز فيها شيخو شيجاري من قبائل الهوسا والذي أعيد إنتخابه سنة 1983، لكن الكثيرين رأوا في منافسه أوبافمي آولوو من قبيلة اليوريا أهلا للفوز بها، ومن مظاهر العلاقة المشحونة بين الطرفين ما قامت به حكومة ابراهيم بابانجيدا حيث ألغت نتائج إنتخابات 1993 والتي فاز بها مسعود أبيولا وهو مسلم من قبيلة اليوربا.

 

- علاقة الهوسا بالإيبو

يعود الصراع بين الهوسا والإيبو إلى سنوات الإستقلال الأولى عندما تم إغتيال الرئيس جونسون آغيلي إرونسي وهو من قبيلة الإيبو، بعد ستة أشهر من حكمه لنيجيريا على يد ضباط من قبيلة الهوسا سنة 1966 م ، وهو ما تسبب في صراع مسلح عرف بحرب بيافرا. بسبب قيام الإنقلابيين الهوسا بإبعاد كل الكوادر التي تنتمي إلى الإيبو، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما توالت الجولات بين الهوسا والإيبو، حيث حاول مامان فاستا الإنقلاب على إبراهيم بابنجيدا لكنه فشل وقتل في إبريل 1990.

 

العوامل البنيوية المسببة للصراع في نيجيريا

  • العوامل الأمنية: تتجلى مظاهر انعدام الأمن في نيجيريا في الإغتيالات السياسية، والنزاعات المحلية والإثنية، واللاتسامح الديني، والقرصنة البحرية، وتهريب النفط، وتزوير العملة والتهريب، وإنتشار العصابات، والأسلحة، والمليشيات القبلية في مختلف أرجاء البلاد. ويرجع السبب في ذلك إلى وجود نزاعات مسلحة في الدول المجاورة مثل تشاد والنيجر، وتشابك العلاقات القبلية مع سكان تلك الدول.
  • إنتشار السلاح الخفيف: لقد أدى تدخل الجيش النيجيري وإنتشاره في مناطق غرب افريقيا، لمساعدة تلك الدول على ضبط الأمن إلى إنتشار الأسلحة الخفيفة ووقوعها بين أيدي الجماعات المتمردة، خاصة تلك المتمركزة في منطقة دلتا النيجر، مما يؤدي إلى إنتشار ظاهرة تجارة السلاح وجلب المرتزقة وأمراء الحروب، وخاصة من تشاد ودارفور بالسودان والنيجر، وذلك بالتواطؤ مع زعماء محليين داخل البلاد، كما أدى خفض تعداد القوات المسلحة النيجيرية إلى ( 85000 جندي) إلى عدم قدرتها على السيطرة على كل أرجاء البلاد.
  • فساد قوات الأمن: وتعد مسألة فساد قوات الأمن من الأسباب الرئيسية المسببة للعنف، والمساهمة في تفاقمه وتفجر الصراعات هنا وهناك بين مختلف الجماعات المتصارعة.  والسبب في هذا يعود إلى تدني المستوى المعيشي لأفراد تلك القوات، والفساد السياسي.
  •  إنتشار الجماعات الإنتقامية: وهي أحد تجليات عجز قوات الأمن على حفظ النظام وتطبيق القانون، وهو ما دفع ببعض الجماعات إلى القيام بتطبيق القانون وفق ما تراه مناسبا لحقوقها المهضومة أو المعتدى عليها،كما تسعى بعض الجماعات السياسية والزعماء السياسيين إلى تسهيل عمل هذه الجماعات الثأرية بهدف الإبتزاز والضغط على الحكومة المركزية أو حكومة الولايات، كما ظهرت في الأقاليم التي تطبق الشريعة الإسلامية ميليشيات تعرف بالشرطة الإسلامية (الحسبة)  منذ سنة 2000 ، كما توجد جماعات الباكاسي بوي   (Bakassi Boys) في ولايات أبا وأونيتشا Aba, Onitsha، ويأتي ظهور هذه الجماعات المسلحة كرد فعل أيضا على إنتشار الجريمة حسب بعض الدارسين ، بينما يذهب آخرون إلى إعتبارها سببا لإنتشار الجريمة.
  • وجود المرتزقة الأجانب: ويشكل الكاميرونيون والتشاديون العدد الأكبر من بين المرتزقة الأجانب المتواجدين في ولاية طارابة Taraba لدعم ميليشيات ممبيلا Mambilla، وهو ما أدى إلى حالة من عدم الإستقرار في ولايات بلاتو، وناصاراوا، و بوشي، وكادونا Plateau, Nasarawa, Bauchi and Kaduna وخلق جوا من انعدام الأمن أدى إلى تسلح مجموعات إثنية محلية كرد فعل على تواجد المرتزقة.
  • فشل الإجراءات العسكرية: لقد أدت الإجراءات العسكرية غير المدروسة إلى زعزعة الأمن وزيادة حدة التوترات، ويرجع ذلك إلى أن كل تدخلات الجيش في إخماد التوترات ومظاهر العنف وبؤر الصراعات، تتم من دون آفاق حل سياسي أو إقتصادي.

 

  • ثانيا :العوامل السياسية:
  • الصراعات السياسية: وتنعكس الصراعات السياسية الناتجة من التنافس بين القوى السياسية المختلفة سلبا على القواعد الشعبية لتلك القوى، لعدم معرفتها بأبجديات الثقافة السياسية والعمل النضالي السياسي السلمي، وتعمد تجييش تلك الجماهير لصالح النخب السياسية ورجال السياسة الفاسدين، الذين يجتهدون في الزج بكل مكونات الهوية الإثنية في الصراعات، من أجل تحقيق غاياتهم، متجاهلين نتائج الصراعات التي يغذونها ويساهمون في تفاقمها على المستقبل السياسي للبلاد، وإنعكاساتها على الإقتصاد والأمن، فمثلا لايتم إستشارة أعضاء مجالس الحكم المحلي أثناء تنصيبهم، وإسناد المهام لهم، وإنما يكلفون بمهامهم على أسس قبلية وإثنية بما يتوافق مع رئيس المجلس المحلي الساعي إلى نفوذ ما، أو مع حاكم الولاية الساعي إلى الضغط على مجالس الحكم المحلي.
  • تزايد الصراعات الشخصية على النفوذ والسلطة: خلال العشرين سنة الماضية، وخاصة أثناء الحكم العسكري، تم تهميش المؤسسات الدستورية للبلاد، لصالح المؤسسات التقليدية، وهو ماجعل كل عملية تعاقب على الحكم محطة لصراع جديد بين مختلف النخب السياسية والزعامات التقليدية، وأصبحت المواعيد الإنتخابية مواعيد للعنف والقتل ،وتفجر الصراعات بين المترشحين للمناصب السياسية، لما لتلك المناصب من إمتيازات إقتصادية، وهو مايدفع السياسيين إلى تجنيد أتباعهم وشحنهم لتحقيق الفوز أو الإعتراض على النتائج التي تفرز فوز خصومهم السياسيين.
  • الصراع حول الحدود الإقليمية للولايات: غالبا ما تتم عملية تغيير حدود الولايات أو أقاليم مجالس الحكم المحلي، دون مبرر منطقي ومن دون الرجوع إلى الهيئات الرسمية، وهو ما يتسبب في توتير العلاقة بين الولايات المعنية، أو بينها وبين أقاليم مجالس الحكم المحلي لعدة سنوات، فمثلا وجد آلاف من النيجيريين التابعين لولاية كروس ريفرCross River أنفسهم فجأة يتبعون ولاية أكاوا إيبوم Akwa Ibom، مما دفع بهم إلى العودة إلى ولايتهم الأصلية والعيش كلاجئين.
  • العوامل الإقتصادية:
  • إنتشار الفقر والتفاوت الطبقي: تحتل نيجيريا المرتبة 151 من بين 174 دولة في مؤشر التنمية البشرية، والمرتبة 22 من بين 45 دولة أفريقية، فإرتفاع نسبة الفقراء الذين يعيشون على أقل من دولار في اليوم، والتي تقدر بأكثر من 50 %  وقد تصل إلى 70 من السكان %. حسب تقديرات، منهم 35% يعيشون تحت خط الفقر. وعلى الرغم من أن نيجيريا في 2014 احتلت المركز الأول من حيث ترتيب الاقتصادات في إفريقيا، فإن نصيب الفرد من الدخل القومي في نيجيريا يقترب من 3000 دولار سنويا، أي ما يعادل أقل من نصف  دخل الفرد في جنوب أفريقيا والذي يبلغ (6620) دولار. وعلى أية حال فان تغير حساب الناتج المحلي الإجمالي لا يغير الوضع العام في نيجيريا بحسبانها من الدول ذات الدخل المتوسط حتى بعد تغير ترتيبها  العالمي من حيث  نصيب الفرد.
  •  الصراع على موارد النفط: يشكل البترول في نيجيريا عصب الحياة الإقتصادية إلى جانب الزراعة، وقد شكل هذان الموردان محور صراع حولهما، وتسببا في كثير من العنف. وتحتل  نيجيريا المرتبة السادسة من بين مصدري البترول على المستوى العالمي والعاشرة من حيث الإحتياطي المؤكد من البترول والسابعة من حيث الغاز حسب تقديرات العام 2007. وعليه فإن معظم النيجريين ينظرون إلى التنافس السياسي بوصفه تنافسا على الإستفادة من ريع البترول، وتقاسم عائداته. إلا أن المشكلة تكمن في كون البترول يستخرج من ولايات محددة، لم تسكت عن المطالبة بحقها من إيراداته، بل وصل بها الأمر أحيانا إلى إستعمال العنف والتهديد بالإنفصال. فيما ذهبت ولايات أخرى مثل ولاية غيمو وأنمبرا  Imo and Anambraإلى خفض إستفادة الحكومة الفدرالية من عائدات النفط المستخرج من أراضيها من 13%إلى03 %، بحجة عجزها على دفع رواتب الموظفين.
  • تقاسم الأراضي الزراعية والرعوية: أصبح الصراع بين الفلاحين والرعاة مشكلة تؤرق المسؤولين سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الفدرالي،حول تقاسم المساحات الرعوية والزراعية ،خاصة أن الكثير من الرعاة من الدول المجاورة (تشاد والنيجر والكاميرون ) يستغلون المناطق الحدودية ويتوغلون داخل الحدود النيجيرية لرعي مواشيهم ،أحيانا تحت تهديد السلاح، نظرا لإنتشار الجماعات المسلحة والمرتزقة، وهناك من ينظر إلى هذه المشكلة على أنها إنعكاس طبيعي لنمط العيش المتبع لدى بعض القبائل التي تعيش على الرعي، وهم من البدو الرحل المتنقلون عبرالحدود، وبين الفلاحين المستقرين في قراهم وأراضيهم.
  • التنمية غير المتوازنة: توجد الكثير من الولايات في نيجيريا تعاني وضعا تنمويا كارثيا، نتيجة تواجد جماعات إثنية تعاني التهميش وسوء المعاملة، نظرا لمشاكستها للنظام العسكري السائد سابقا أو لعدائها المستمر وصراعها مع صناع القرار في الولايات أو في السلطة الفدرالية،وهو ما نتج عنه تباين في مستويات التنمية بين مختلف مناطق البلاد ... فمثلا يرى الكثير من أبناء المناطق الجنوبية الغنية بالنفط أن الجنرال ساني أباشا  Sani Abacha قام بتعبيد الطرق وإنشاء الجسور وكثيرا من البنى التحتية في مناطق الشمال أكثر مما فعل في مناطق الجنوب التي تتأتى منها تلك الإعتمادات.
  • التنافس الإقتصادي: في غياب إطار قانوني منظم للسوق والنشاطات التجارية، يتحول التنافس بين المنتجين والتجار وكبار رجال الأعمال إلى مظهر من مظاهر العنف الإثني، ومثال ذلك ما حصل بين إمرأة من  قبيلة الهوسا وأخرى من قبيلة الإيبو في السوق، حول سعر البصل والقماش والذي أدى إلى شجار عنيف أقحم فيه الكثير من الهوسا ومن الإيبو، لكن العامل  الخفي الذي أجج الخلاف هو كون المرأة من قبائل الهوسا ترى نفسها بنت الوطن وترى في الأخرى بدوية من الرعاة الرحل.
  • الفساد:  لقد ظل لاميدو سنوسي محافظ البنك المركزي لعدة أشهر قبل الاطاحة به يشتكي من وجود فارق كبير بين سعر مبيعات النفط المصدرة وبين كمية الأموال التي تصل فعليا خزائن الحكومة. ويعتقد أن معظم المليارات المفقوده قد تم تحويلها إلى جيوب الرئيس السابق ورفاقه - بمساعدة من وزير النفط، الذي يحافظ على الحسابات. وطبقا لأحد الدبلوماسيين الغربيين في العاصمة أبوجا فان "وزير النفط هو بمثابة ماكينة صرف الأموال للرئيس جوناثان". وعليه تعد نيجيريا مثالا نموذجيا لمقولة "لعنة الموارد الطبيعية". فقد أنعم الله عليها بثروة نفطية ومعدنية هائلة ، بيد أن فساد النخبة الحاكمة أكل الجزء الأكبر من عائداتها.

 

الوضع الأمني الحالي في نيجيريا

أولا: العنف في حوض بحيرة تشاد وتأسيس حركة بوكو حرام

استطاعت جماعة "بوكو حرام" على امتداد الأعوام الست الماضية أن تتحول من حركة احتجاجية صغيرة في الشمال النيجيري إلى قوة قادرة على توجيه ضربات مدمرة في منطقة حوض بحيرة تشاد. الأكثر من ذلك، أن اتكاء بوكو حرام على التركيبة الإثنية المعززة لها في الشمال منحها قدرة على التكيف والصمود. وقلل كثيرا من فاعلية الجهود الأمنية والعسكرية ضدها. إذ أن الضربات الأمنية الموجهة ضدها يُنظَر إليها من جانب آخر بوصفها ضربات ضد إثنية "الهوسا" الأمر الذي أدى إلى تأليب "الهوسا" بشكل عام ضد قوات الأمن في مناسبات عديدة. ويبدو  الإرهاب والعنف في الشمال النيجيري مرشحا للتفاقم خلال العام 2016 على خلفية المشكلات الأمنية والسياسية السابق ذكرها، ما لم تبدأ حكومة الرئيس الجديد "محمد بخاري" في إجراء إصلاحات جذرية على هيكلية وأداء قطاع الأمن والتصدي لبعض المظالم الاقتصادية لمنطقة الشمال النيجيري.

 

وتحتل نيجيريا المرتبة الثالثة على مؤشر الإرهاب العالمي الصادر في نوفمبر 2015. وبحسب بيانات المؤشر شهدت نيجيريا في 2014 أكبر تدهور في الوضع الأمني هناك على امتداد تاريخها. وبلغ عدد القتلى جراء الإرهاب في نيجيريا عام 2014، 7512 قتيل، مقابل 1850 قتيل في العام 2013، بزيادة تبلغ نسبتها 300%. وتعود هذه الزيادة إلى حد كبير إلى زيادة عنف بوكو حرام التي تتمركز في شمال شرق نيجيريا. وتقع معظم الهجمات الإرهابية في شمال شرق نيجيريا حيث تتمركز بوكو حرام( 40% منها) في ولاية بورنو.

 

وتعتبر حركة “بوكو حرام” من الحركات الاسلامية الحديثة إذ تأسست مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد تنوعت تسمية الجماعة اعلامياً ما بين “بوكو حرام” و “طالبان نيجيريا” و “جماعة التكفير والهجرة”، في حين أن الاسم الرسمي للحركة كان “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد”. قبل أن تغير اسمها بعد بيعتها داعش إلى "ولاية غرب إفريقيا". أما كلمة “بوكو حرام” الشائعة، فهي كلمة مركبة من لغتي الهوسا واللغة العربية، وتعني “بوكو” بلغة الهوسا “نظام التعليم الغربي”، واذا أضيفت لها كلمة “حرام” من اللغة العربية، أصبح معناها “نظام التعليم الغربي حرام”.

 

وقد تأسست الحركة في عام 2002 كجماعة محلية على يد “محمد يوسف”. واتخذ من ولاية “بورنو” النيجيرية مقراً للحركة. وقد تنامى تأثير الحركة في العديد من ولايات الاقليم الشمالي لنيجيريا، لا سيما في بورنو ويوبي وكاتسينا وكادونا وكانو.

 

وتقوم أيديولوجية الحركة على مجموعة من الركائز أهمها: إثبات الحاكمية لله، وتطبيق الشريعة الاسلامية، وتحريم القوانين الوضعية، وعدم جواز العمل في الأجهزة الأمنية والحكومية في الدولة، وفرض سيطرتها على شمال نيجيريا واستعادته ممن تعتبرهم “مسلمين زائفين” وفق معاييرها، فضلاً عن تغيير نظام التعليم في البلاد بحجة أن التعليم في البلاد يتعارض مع تعاليم الإسلام، بدعوى أن المستعمرين والمسيحيين هم الذين أسسوا هذه المدارس لتخدم غايتهم في تنصير الأمة المسلمة، فضلاً عن انتشار التبرج والاختلاط بين الجنسين في المؤسسات التعليمية. وقد أكدت الجماعة على لسان قادتها، أن تحقيق أهدافها وتأكيد مبادئها لا يمكن أن يحدث إلا من خلال السلاح والمواجهة لإزالة الحكومة الظالمة.

وقد مرت العلاقة بين حركة بوكو حرام والحكومة النيجيرية بمرحلتين:

  • المرحلة الأولى: اتسمت بالانكفاء على الذات للبناء والتشكل - على الرغم من اندلاع مواجهات مسلحة مع الحكومة النيجيرية بشكل متقطع في فترات مختلفة- ، إذ سعت الحركة منذ تأسيسها في عام 2002 وحتى عام 2009، إلى العمل على فك الارتباط رسمياً مع مؤسسات الدولة النيجيرية على كافة المستويات، وتأسيس ذراع إعلامي للجماعة، وتأسيس هياكل مؤسسة اسلامية في كافة المجالات لخدمة أعضائها، فضلاً عن اعتماد ترتيب هرمي للإدارة عبر تعيين أمراء يدينون بالولاء والطاعة لأمير الجماعة وذلك في الولايات الشمالية في نيجيريا وبعض دول الجوار الجغرافي كتشاد والنيجر.
  • المرحلة الثانية: بدأت منذ عام 2009 وحتى الآن، واتسمت بازدياد حدة المواجهة والصدام المسلح مع الحكومة النيجيرية، لا سيما بعد مقتل مؤسس الحركة “محمد يوسف” عقب اعتقاله في أحد مراكز الشرطة النيجيرية في 30 يوليو 2009. إذ أعلنت الحركة عقب مقتل زعيمها في أغسطس من العام نفسه، عن عزمها على مواصلة العنف المسلح ضد الدولة على خطى مؤسسها، وأنها سوف تلتحق بتنظيم القاعدة، - وهو ما أكده الناطق الرسمي باسم الحركة “موسى تنكو” في النشرة الهوساوية بإذاعة BBC من انضمام بوكو حرام الى تنظيم القاعدة- ، وأنها تنوي شن سلسلة من الهجمات ضد الأهداف الحكومية والمصالح الغربية في مختلف ربوع نيجيريا، وهو ما أعاد تأكيده الزعيم الجديد للجماعة “أبو بكر شيكاو” والذي أصبح يلقب بالإمام.

 

ومع مطلع العام 2012، وسعت “بوكو حرام” من نطاق عملها كماً وكيفاً، وأصدرت تحذيرات للمسيحيين الموجودين في شمال نيجيريا، بإخلاء الشمال كليا، لا سيما بعد وصول “غودلاك جوناثان” الى رئاسة البلاد في إبريل من عام 2011، حيث أثار انتخابه استياء الحركة، على أساس ان غودلاك مسيحي الديانة، وقد جاء خلفاً للرئيس السابق المسلم (عمر يارادوا). وحسب تقدير مجموعة الأزمات الدولية، فقد تعدى عدد الذين قتلوا على يد هذه الجماعة أربعة آلاف شخص في نيجيريا منذ أن بدأت الحركة تمردها في عام 2009 وحتى العام 2013. بينما بلغ عدد من قتلتهم في العام 2014 وحده 6644 قتيل.

 

ومن أبشع العمليات التي نفذتها الجماعة إقدامها في الرابع عشر من إبريل من عام 2014 على اختطاف (234) طالبة من مدرسة ثانوية في بلدة (شيبوك) الواقعة في الشمال الشرقي من البلاد، وصرح زعيم الحركة أبو بكر شيكاو، أنه خطف الطالبات “لأن التربية الغربية يجب أن تتوقف، وأن على الفتيات ترك المدرسة والزواج”.

 

وفي العام 2014 مثل تنظيم "بوكو حرام" الموال لداعش التنظيم الأشد فتكا بالبشر، ليقتل في نيجيريا وحدها 6118 إنسان، مقابل 1595 فقط في 2013. أما مسلحوا الفولاتي فقد قتلوا 1229 نيجيري في 2014 مقارنة ب 63 فقط في 2013. وتمثل الجماعتان معا أكبر تهديد للأمن والاستقرار في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد بشكل عام. وهناك صراع مستمر حول السيطرة على الأراضي بين مسلحوا الفولاني والفلاحين في شمال شرق نيجيريا. وتشير تقارير إلى وجود صلة بين بوكو حرام ومسلحوا الفولاني، خاصة فيما يخص التهريب والجريمة المنظمة. إلا أن تنظيم مسلحي الفولاتي يختلف عن بوكو حرام من حيث الهدف. إذ يركز الفولاني على أهداف محلية جدا مرتبطة بالسيطرة على الأراضي، بينما يتبنى بوكو حرام علنا أيديولوجية داعش.  

 

من جهة أخرى، ساهم تزايد العنف من جانب حركة بوكو حرام واتساع نطاقه، فى تجدد العنف الديني بين المسلمين والمسيحيين. على سبيل المثال قامت جماعة مسلحة مسيحية بقتل اكثر من (550) مسلم، وفقاً لمنظمات حقوقية، في قرية “كورا كرانة” التابعة لمدينة جوس عاصمة ولاية بلاتو في وسط نيجيريا في التاسع عشر من يناير من عام 2010. فضلا عن تجدد المطالب بتقسيم نيجيريا إلى دولتين في الشمال والجنوب، وعلى رأس المطالبين بالتقسيم جماعة "الإيبو" الاثنية.

 

ثانيا: العنف في دلتا النيجر

تعتبر دلتا النيجر في جنوب نيجيريا معضلة أخرى تستوجب التصدي لها. ففي الوقت الذي تقدم فيه دلتا النيجر ثلاثة أرباع العائدات الحكومية السنوية، إلا أن المنطقة ذاتها فقيرة تنمويا وتعصف بها الاضطرابات. وقد أفضى مزيج من المظالم المحلية حول تلوث النفط والغاز، سوء أوضاع البنية التحتية، الفقر، البطالة، حصة المنطقة من عائدات النفط، وتهميشها في السياسات الوطنية، إلى احتجاجات تطورت إلى تمرد عاصف عام 2006. ذلك التمرد، الذي شنته حركة تحرير دلتا النيجر، الذي أدى إلى تدمير صناعة النفط النيجيرية، وقلل كثيرا من عائداتها من تصدير النفط، وهو المصدر الرئيسي للدخل هناك. وانتهت حركة التمرد هناك  في يونيو 2009 بصدور عفو رئاسي عن المسلحين وأمراء الحرب هناك. مما أدى إلى استعادة المنطقة لقدر من الاستقرار وأوجدت فرصا للحكومة كي تتصدى لبعض المظالم. هذه الفرصة ضاعت بسبب الجمود السياسي وسوء الحكم والإدارة. لا تزال الكثير من القضايا المحفزة للصراع باقية من دون أن يتصدى لها أحد.

 

برنامج العفو الرئاسي

بدأ العفو الرئاسي، وهو التوصية الرئيسية للجنة التكنيكية حول مسألة دلتا النيجر، بمبادرة من الرئيس النيجيري الأسبق عمر موسى ياردوا في 25 يونيو 2009. شجع عرض العفو وفرص إعادة الاندماج الجماعات المتمردة على نزع سلاحها؛ أكثر من 30 ألف من العناصر المقاتلة سجلوا في البرنامج خلال الفترة من أكتوبر 2009 حتى مايو 2011. منذ ذلك الحين، عمل مكتب العفو على إعادة دمج المقاتلين في مجتمع الإنتاج، بشكل أساسي عبر إلحاقهم بدورات تدريبية مهنية وتعليم عال في نيجيريا والخارج. وبالنظر إلى الهدف الرئيسي من البرنامج ألا وهو نزع سلاح المتمردين وتعزيز الوضع الأمني في دلتا النيجر، يمكن القول أن البرنامج حقق نتئاج كبيرة. إذ تراجعت الاعتداءات المسلحة وحوادث الاختطاف ضد الأجانب والمقيمين هناك، وزاد إنتاج نفط وعمليات تصديره بسبب تحسن الأوضاع الأمنية من 700 ألف برميل يوميا في منتصف مارس 2009 إلى ما بين 2.2 و 2.4 مليون برميل يوميا منذ العام 2011. ووفر للدولة ما يقدر ب 18.7 مليون دولار كانت تنفقها يوميا في السابق لمكافحة التمرد. إلا أن هذا البرنامج – المكلف جدا – لا يزال يواجه تحديات: أولا؛ أن البرنامج حدد رواتب شهرية تُمنح للمقاتلين السابقين. وتُدفع لقيادات هذه الجماعات على أن يتم توزيعها على المقاتلين السابقين في كل معسكر بمعرفتهم. ما يعني أن القيادات السابقة لا يزالون يملكون القدرة على حشد مقاتليهم مرة أخرى واستئناف القتال. ثانيا؛ أن رواتب المقاتلين السابقين تفوق متوسط الدخل الشهري للمواطن العادي بثلاثة أضعاف تقريبا. ما يعني أن الكثير ممن يتلقون هذه الرواتب يفضلون الاستمرار في تلقيها عن قبول وظيفة. أما التوقف عن دفعها فقد يؤدي إلى خلق مشكلات أمنية جديدة. وأخيرا، فإن التدريب الذي يتلقاه المقاتلون السابقون لا يتوافق وحاجات سوق العمل. فقطاع النفط الذي يمثل القطاع الاقتصادي الرئيسي في دلتا النيجر وفي نيجيريا عموما متمسك بسياسة عدم التوسع في العمالة. ولا يزال أكثر من 90% ممن تلقوا هذه التدريبات يعانون من البطالة. الأمر الذي قد يدفعهم إلى العودة مرة أخرى إلى الجريمة المنظمة، فقط بعد أن أصبحوا أكثر خبرة وقدرة على ممارسة الضغط على الحكومة الفيدرالية كي تقدم تنازلات جديدة.

 

استخدام قادة ميليشيات سابقين في مهام أمنية

بالإضافة إلى إعادة تدريب المقاتلين، سعت الحكومة كذلك إلى العمل مع قادتها القدماء. في 2012، تعاقدت وكالة الإدارة والسلامة البحرية النيجيرية مع شركة بواخر مملوكة لزعيم سابق للمقاتلين، والمعروف باسم "تومبولو". وقال مدير وكالة الإدارة والسلامة البحرية أن العقد يشمل شراء شركة البواخر 20 باخرة وجمع معلومات استخباراتية لمكافحة الجريمة البحرية. كذلك، تعاقدت الشركة الوطنية للبترول مع مقاتلين سابقين لتأمين خطوطها في ولايات "بايلسا، الدلتا وريفرز".

 

برر متحدث باسم الحكومة مثل هذه الترتيبات على أساس أن المقاتلين السابقين لديهم معرفة جديدة بالأوضاع المحلية، بحيث يمكنهم تأمين الخطوط، مكافحة القراصنة والقبض على لصوص النفط أكثر من القوات الحكومية. إلا أن نتائج الاستعانة بالمقاتلين السابقة تعتبر موضع جدل. ففي حين يشير مدير وكالة الإدارة والسلامة البحرية أن الاستعانة بجهود مقاتلين سابقين قللت سرقة النفط بنسبة 70%. تؤكد دراسة منشورة في دورية Mediterranean Journal of Social Sciences في مايو 2015 أن معدلات سرقة النفط في دلتا النيجر ارتفعت. وفي الواقع لم تقدم أية جهة نيجيرية مسؤولة تقديرات حقيقية حول نتائج هذه العمليات، مثل أعداد سفن القراصنة التي تم توقيفها أو المجرمين الذين ألقي القبض عليهم.

 

هذه الرعاية الحكومية لقادة متمردين سابقين جعلت منهم شخصيات قوية بين دوائرهم وعبر المنطقة. بينما يعيش متمردون آخرون في رفاهية اقتصادية في بورت هاركورت ولاجوس وأبوجا. ليقدموا مثلا جيدا على كيف يمكن تحويل القدرة على ممارسة العنف إلى مكانة سياسية وعائدات مالية. الأمر الذي سيكون له تبعاته على أمن المنطقة في المستقبل القريب.   

 

أوجه القصور في صناعة السلام في الجنوب: مظالم دون علاج

على العكس من تنفيذ برنامج العفو وإعادة تأهيل المقاتلين السابقين، والذي اتسم بالسرعة والقوة. لم تحظ مهام أخرى حيوية لتنمية الجنوب مثل تحسين البنية التحتية ورفع مستوى المعيشة بذات الاهتمام.

 

وتتولى لجنة تطوير دلتا النيجر ووزارة شؤون دلتا النيجر مهام دفع التنمية في الإقليم. إلا أن أداء كليهما كان أقل كثيرا من التوقعات.

 

  1. لجنة تطوير دلتا النيجر: تأسست عام 2000 قبل البدء في برنامج العفو، لتسهيل مهمة تنمية مطردة ومستدامة في دلتا النيجر وتحويله إلى إقليم يتمتع بالازدهار اقتصاديا، الاستقرار اجتماعيا، والسلام سياسيا. ولكن في أكتوبر 2013، قال المدير الإداري للجنة آنذاك أن اللجنة استكملت 37% فقط من إجمالي المشروعات التي بدأتها منذ العام 2000. وبحسب مسؤولوها فإن المشروعات لم تكتمل بسبب عدم كفاية التمويل. إلا أن المشكلة الأخطر ربما تتعلق بالفساد. بحيث تحولت اللجنة ربما إلى قناة لضخ الأموال في جيوب الشخصيات السياسية أكثر منها آلية لتنمية الإقليم. ويقال أن بعض الشخصيات في مجالس الولايات تعتبر اللجنة " الدجاجة التي تبيض ذهبا". وجاء في تقرير صدر عن مكتب إصلاح الخدمات العامة في نيجيريا مؤخرا أن اللجنة تجتمع فيها كافة المساوئ مثل فقر القيادة، وضعف النظم المؤسسية وثقافة الفساد.. كما أن الاهتمام بتنمية دلتا النيجر لا يبدو أنها محل الاهتمام الأول للكثيرين في اللجنة.
  2. وزارة شؤون دلتا النيجر: تم إنشاؤها في 2008، كآلية فيدرالية لوضع وتنفيذ برامج ومشروعات للتنمية والأمن في تسع ولايات منتجة للنفط في نيجيريا. وتتحدد أولوياتها في تنفيذ مشروعات مرتبطة بتشييد الطرق؛ مراكز اكتساب المهارات؛ مشروعات المياة والكهرباء؛ التخطيط السكني؛ مشروعات علاجية؛ برامج تنمية زراعية وصناعية؛ والأمن والسلامة العامة.

إلا أن الوزارة لم يكن لها التأثير المطلوب. فكثير من مشروعاتها إما أنها لم تستكمل أو تم تجاهلها. الأمر الذي أدى إلى تآكل ثقة الناس فيها. وفي إبريل 2013، طالبات جمعيات إنتاج النفط في ولاية أوندو بحل الوزارة. ويلاحظ أنها مثلها مثل لجنة تطوير دلتا النيجر لم تتلق منذ 2012 سوى نصف ميزانيتها تقريبا.

 

توترات ما بعد الانتخابات

تساهم تطورات ما بعد الانتخابات الرئاسية وفوز أحمد بخاري برئاسة الجمهورية خلفا للرئيس المنتهية ولايته غودلاك جوناثان في زيادة المخاطر الأمنية في الجنوب النيجيري. فقد عمقت خسارة جوناثان العداء في ولاية "ريفرز" بين حزب الرئيس السابق "الشعب الديمقراطي" وحزب الرئيس الجديد "مؤتمر كل التقدميين".

 

وخلال الأشهر السابقة على الانتخابات الرئاسية، أصر بعض زعماء المسلحين السابقين وبعض الجماعات الإثنية على أنهم سيرفضون أية نتيجة للانتخابات سوى إعادة انتخاب جوناثان الذي ينتمي إلى الجنوب. ورغم أن جوناثان نفسه اعترف بهزيمته مبكرا واتصل ببخاري (المنتمي إلى الشمال) وهنأه بالفوز، إلا أن كثيرا من أمراء الحرب وزعماء التمرد السابقين لا يقبلون بهذه النتيجة. ويعتبر "أساري دوكوبو" زعيم جبهة تحرير شعب دلتا النيجر، إحدى الفصائل الرئيسية في حركة التمرد القديمة، أن فوز بخاري هو بمثابة فوز للمؤامرة الإقليمية وأنه يعزز الحاجة إلى تقرير المصير.

 

وهناك مؤشرات على البدء في الحشد لحركة تدعو إلى انفصال الجنوب. ففي 27 إبريل2015، جدد نشطاء من أقاليم جنوب وجنوب شرق نيجيريا دعوات الاستقلال أو الحكم الذاتي وهي الدعوات التي كانت قد خفتت تماما على عهد جوناثان. وبالنظر إلى سوء الأوضاع الاقتصادية في الجنوب، فإنه من المتوقع أن تغدو هذه المطالب أقوى.  الأمر الآخر أن اللا يقين بشأن سياسات الرئيس الحالى" بخاري" بالنظر إلى برنامج العفو واستمرار دفع الرواتب لأمراء الحرب والمقاتلين السابقين، يحفز المقاتلين السابقين على الاستعداد للعودة إلى العنف مرة أخرى. خاصة وأن برنامج العفو كان من المقرر له أن ينتهي بالفعل في ديسمبر 2015. كذلك، أنهت الحكومة في يونيو 2015 بعض التعاقدات مع مقاتلين سابقين لحراسة منشآت وأنابيب النفط البحري، وأرسلت قوات حكومية لحراسة هذه المنشآت، الأمر الذي دفع مقاتلين سابقين إلى التحذير علنا من أن إنهاء العقود وتوقف الحكومة عن الدفع يعني إشعال الصراع مرة أخرى.