المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

حركة جماهيرية من أجل التجديد السياسي والإصلاح.. أنجولا .. على مفترق طرق التغيير

الثلاثاء , 04 يوليو 2017 - 04:53 مساءٍ

خريطة أنجولا
خريطة أنجولا

تقف أنجولا على مفترق طرق التغيير، ولكن ليس واضحا بعد كيف يمكن للقوى الاجتماعية، السياسية وقوات النظام أن تتكتل في حركة جماهيرية من أجل التجديد السياسي والإصلاح. الشكل العام للساحة السياسية في أنغولا اليوم يتألف من جهة؛ من دولة (حزب) تسيطر على كافة الأجهزة واخترقت جميع قطاعات المجتمع، وحزب غير راض عن قيادته "دوس سانتوس" ولكنه غير قادر على التعبير عن استياؤه أو العمل ضد الرئيس. في الجهة المقابلة، هناك تصاعد في عدم الرضا الشعبي وكسر حاجز الخوف داخل صفوف المجتمع المدني والمعارضة.

   جرت ثاني انتخابات في أنغولا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2012 في بيئة غامضة مزقها غياب القواعد، وضياع التوقيتات المحددة للانتخابات، وعدم استجابة المؤسسات الرقابية لمزاعم ومظالم المعارضة والمجتمع المدني والشباب، وعدم الاهتمام بتصاعد القمع الحزبي والحكومي (وفق النموذج الشيوعي). وكان قد أصبح من حق المرشح الذي يقود قائمة الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية أن يُنتخب رئيسا للبلاد، بموجب التعديل الدستوري لعام 2010. الأمر الذي يجعل من الانتخابات أمرا مهما للغاية بالنسبة للرئيس دوس سانتوس، إذ مثلت هذه الانتخابات فرصته الأولى لانتخابه رسميا بعد مضي 33 عاما على توليه السلطة من دون انتخابات. وهو الثاني من حيث طول مدة بقاؤه في الحكم في إفريقيا بعد رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانج نجويسو.

  ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات هذا العام 2016، بات على حزب الحركة الشعبية الحاكم وكذلك الرئاسة البدء في تحسين صورة الحزب والنظام، خاصة في ظل فشل الحكومة في تحقيق خطة التنمية 2009-2013، بل وأصبحت البلاد مصنفة رسميا من جانب الأمم المتحدة بوصفها بلدا يعاني من ضعف حاد في الأمن الغذائي. وأيضا، الحملة العنيفة التي شنتها الأجهزة الأمنية ضد المحتجون في أنغولا والتي انتهت بمقتل العشرات حسب تقدير الحكومة في لواندا، وأكثر من ألف محتج وفق تقدير تيارات معارضة. ولكن كيف يمكن لهذا أن يحدث في ظل استمرار التجاذبات بين الرئاسة ونخب الحزب بهدف إحكام السيطرة على السلطة والمجال العام السياسي؟ ما يعني أن البلاد أبعد ما تكون عن الاستقرار. بل إن مصير الانتخابات نفسها بات مهددا بالتأجيل. 

مدخل عام .. معلومات أساسية عن دولة أنجولا

  تقع جمهورية أنغولا على الساحل الجنوبي الغربي لقارة إفريقيا، على المحيط الأطلسي. ويحد أنغولا من الشمال والشمال الشرقي، جمهورية الكونغو الديموقراطية (زائير سابقاً)؛ ومن الشرق، زامبيا؛ ومن الجنوب الشرقي، قطاع كابريفي؛ ومن الجنوب، ناميبيا؛ ومن الغرب، المحيط الأطلسي.

   ويبلغ عدد سكان دولة أنغولا حوالي 19 مليون نسمة. ينتمون إلى عدة فئات عرقية، أهمها: الأُفِمبوندو Ovimbundu، ونسبتهم 37%، من إجمالي عدد السكان؛ وهناك أيضا الكِمبَوندو Kimbundu، ونسبتهم 25%؛ والباكونجو Bakongo، ونسبتهم 13%؛ والمِستيكو Mestico (خليط من الأوربيين والأفارقة الأصليين)، ونسبتهم 2%؛ والأوروبيون، ونسبتهم 1%؛ وتمثل بقية العرقيات الأخرى نسبة 22%، من السكان. ويدين غالبية سكان أنغولا بالمسيحية الكاثوليكية، ثم البروتستانتية فالإنجيلية، وتوجد أقلية من المسلمين ينحدرون من أصول عربية يُقدر عددهم بنحو نصف مليون نسمة.

   وتنقسم أنغولا إلى (18) مقاطعة، هي: بنجو Bengo، وبنجيلا Benguela، وبيي Bie، وكابندا Cabinda، وكواندو كوبانجو Cuando Cubango، وكوانزا نورتي Cuanza Norte، وكوانزا سول Cuanza Sul، وكونيني Cunene، وهوامبو Huambo، وهويلا Huila، ولواندا Luanda، ولوندا نورتي Lunda Norte، ولوندا سول  Lunda Sul، ومالانجي Malanjie ، وموكسيكو Moxico، وناميبي Namibe، وأويجي Uige، وزائير Zaire. وعاصمة البلاد هي "لواندا".

   أما من جهة النظام السياسي الحالي في أنغولا فهو أقرب إلى النظام البرلماني. حيث أصبح من حق رئيس الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية تولي منصب رئاسة الجمهورية. ورئيس جمهوريتها الحالي هو خوسيه إدواردو دوس سانتوس، الذي يتولى رئاسة البلاد منذ العام 1979.

الوضع الاقتصادي:

   تمثل الزراعة والتعدين النشاطات الاقتصادية الرئيسية في أنغولا . وأهم الحاصلات الذرة، والكاسافا، وقصب السكر، ونخيل الزيت، والسيسال، وتمثل الزراعة 42% من الدخل، ويستخرج من أنغولا النفط والماس والذهب والنحاس، وبها ثروة حيوانية من الأبقار والأغنام والماعز، ورغم هذه الموارد فالدخول متدنية هناك بشكل كبير. وتعدّ الزراعة المصدر الرئيسيّ لدخل حوالي نصف السكّان، غير أن نصف غذاء البلد يقع استيراده. 

   وأصبحت أنجولا عضواً في منظمة الأوبك OPEC، في أواخر عام 2006، وتخصص حالياً حصة إنتاجية لها، تُقدر بـ1.65 مليون برميل يومياً. ويسهم إنتاج النفط، والأنشطة الأخرى المتعلقة به، في حوالي 85% من إجمالي الناتج المحلي، كما تُسهم صادرات الماس بـ 5% من إجمالي الناتج المحلي. وتوفر زراعة الكفاف سبل المعيشة الرئيسية لمعظم سكان البلاد، إلا أن البلاد لا تزال تحصل على نصف احتياجاتها الغذائية عن طريق استيرادها من الخارج.

  وقد دعم الازدياد في إنتاج النفط التنمية، بمتوسط يفوق 17% سنوياً، منذ العام 2004 إلى 2008. وكذلك فإن إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب، وإعادة الأفراد المشردين، أدى إلى معدلات عالية للتنمية في مجالات الإنشاءات والزراعة. ولا تزال الكثير من البنية التحتية الأساسية للدولة مدمرة، أو ضعيفة، بسبب الحرب الأهلية، التي استمرت 27 عاماً. ومنذ عام 2005، بدأت الحكومة استخدام بلايين الدولارات على شكل تسهيلات ائتمانية من الصين والبرازيل والبرتغال وألمانيا وإسبانيا، والاتحاد الأوروبي، لإعادة بناء البنية التحتية العامة.

   إلا أن الركود الاقتصادي العالمي الذي بدأ عام 2008، أدى إلى توقف النمو الاقتصادي في أنغولا مؤقتاً. وقد أدى تراجع أسعار النفط والماس خلال تلك الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى تراجع النمو الاقتصادي في أنغولا حتى وصل إلى 2.4% من إجمالي الناتج المحلي عام 2009، و3.4% عام 2010، ما أدى إلى توقف مشاريع بناء كثيرة لعجز الحكومة عن تسديد مستحقات شركات المقاولات الأجنبية، التي بلغت تسعة بلايين دولار، بسبب نقص عائدات الحكومة المالية خلال الأزمة الاقتصادية عامي 2008 و2009.

في عام 2009، تخلت أنغولا عن ربط عملتها بالدولار، ووقعت في نوفمبر من العام نفسه مع صندوق النقد الدولي ترتيب قرض قيمته 1.4 بليون دولار؛ لإعادة بناء احتياطاتها الأجنبية.

   التضخم الاستهلاكي من 325% عام 2000، إلى 14% عام 2011، وساعد ارتفاع أسعار النفط عام 2011، إلى تخطي العجز في الميزانية الذي بلغ 8.6% من إجمالي الناتج المحلي عام 2009، إلى فائض في الميزانية قدره 7.5% من إجمالي الناتج المحلي عام 2010. إلا أن هذا الوضع تغير مع الانخفاض المستمر لأسعار النفط. وتعد أنغولا اليوم حسب تقدير الأمم المتحدة من بين الدول التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي. وقد بلغت نسبة السكان تحت خط الفقر في أنغولا حوالي 70%. بينما تصل نسبة البطالة إلى حوالي 50 % من قوة العمل.   

خلفيات الصراع في أنغولا .. تاريخ الحروب الأهلية

   لأنغولا تاريخ طويل من الحروب الأهلية .. بدأت قبل حصولها على الاستقلال من البرتغال وانتهت رسميا عام 2002. ولكن لا تزال كثير من أسباب الصراع الداخلي في أنغولا متوفرة. لم يتم التصدي لها أو علاجها.. ويزيد من خطورة الوضع هناك تدهور الحالة الاقتصادية وتصاعد الاضطرابات فيما بعد 2011، في محاكاة لانتفاضات ما سمى بالربيع العربي على نحو ما سيرد في نقطة تالية.

 ومن المهم أن نبدأ ببيان الأسباب الداخلية والخارجية للصراع الأهلي في أنغولا، والتي تبلورت في مواقف الدول المحيطة بها تجاه هذا الصراع. إضافة إلى مواقف القوى الدولية ذات المصالح المتضاربة والمتنافسة؛ فلكلٍ من هذه القوى دوافعه وأهدافه، التي تتناسب مع مصالحه.

أولاً: الأسباب الداخلية

1. الأبعاد التاريخية

   بالنظر إلى تلك الأبعاد، يُلاحظ العديد من التباينات، التي أسهمت جميعها في تكريس أوضاعٍ مناسبة للصراع، ومفجرة له، ومن أهمها:

أ. التعددية الإقليمية

   لم تكن أنغولا بحدودها الحالية قائمة قبل وصول البرتغاليين إليها كمستعمرين. فقد كانت أجزاء منها في الشمال خاضعة لمملكة الكونغو Congo Kingdom، وأجزاء أخرى في الوسط، كانت خاضعة لمملكة ندونجو Ndongo، التي أسسها شعب "مبوندو" Mbonde،- إحدى القبائل الرئيسية في أنغولا- بقيادة ملكها نجولا Ngolaـ الذي ينتسب اسم الدولة الحالية إليه. وإلي الشرق من تلك المملكة، كانت تقع مملكة كاسانجى، التي أسسها شعب "امبانجالا"،- قبيلة رئيسية أخرى في أنغولا- وكانت أهميتها ترجع إلى قيامها بدور الوساطة التجارية، بين كل من لواندا العاصمة Luanda، وبعض المدن الأخرى في الشرق، مثل: لواندا، ولوبا Luba.

   وقد شهد القرن السادس عشر، حروباً طاحنة بين مملكتي ندونجو، وكاسانجى، أو بالأحرى، بين قبيلتي مبوندو، وأمبانجالا. وفي هضبة بنجويلا، قامت عدة ممالك، أسستها جماعات عرقية فرعية، لجماعة أوفيمبوندو، في القرن السابع عشر، التي سيطرت على طرق التجارة، بين بنجويلا على المحيط، ونهر الزمبيزي في الشرق. وفي هضبة هويلا، كانت تقوم مملكة بايي Bie، التي تشرف على طرق التجارة، بين لواندا ومناطق جماعات ماكاكولو، القاطنة بجوار الزمبيزي. وقد جري صدام بين مملكة بابي وبين البرتغاليين، بسبب موقع بابي الإستراتيجي، انتهي باحتلالها. وفي أقصى الجنوب، كانت توجد مملكة كواتاهاما، التي أسستها قبيلة تحمل الاسم نفسه، وهي من مجموعة قبائل أمبو، التي عاشت في شرق نهر كونين، والتي أسهمت في نقل التجارة، إلى ميناء موزامبيدي، وكانت أرضها مستقراً لهجرات قادمة من رأس الرجاء الصالح، والترنسفال، سواء البوشمن، أو الهوتونتوت الأفارقة، أو من البوير. وكانت تلك المملكة تعاني من حالة التشرذم، بسبب جنوح عشائرها، للانعزال ومقاومتها أية سلطة مركزية.

ب. التعددية العرقية

تضم أنغولا نحو مائة جماعة عرقية، وينتشر فيها عدة لغات رئيسية. ومن أهم هذه الجماعات الأوفيمبوندو، في المرتفعات الوسطي، التي شهدت انقساماً فيما بين جماعاتها الفرعية، على الرغم من أنها تتحدث لغة واحدة، هي لغة الأمبوندو Umbundo. وكما كانت هذه الجماعة تسيطر على الهضاب الوسطي من البلاد، فإنها كانت تعاني من التفتت وعدم الولاء السياسي، ومن ثم، فقد كانت عائقاً أمام انتشار السيطرة المركزية وامتدادها، من لواندا، عاصمة مملكة ندونجو. كما أنها كانت سبباً في تأسيس حاله صراعية، بينها وبين الجماعات العرقية الأخرى، الموجودة قبل وخلال، العصر الاستعماري البرتغالي. ثم استمر الصراع، وتفشى بعد ذلك، في صورة حرب أهلية، بعد الاستقلال.

من ناحية أخرى، تجمعت داخل أنغولا، في ظل الاستعمار البرتغالي، جماعات عرقية لم تكن موجودة من قبل، ذات كيانات سياسية، وثقافية متصارعة، من الأوروبيين والبرتغاليين. كما ترتب على الحكم الاستعماري، على اختلاف درجات سيطرته وممارساته، في كل منطقة على حدة، تفاوت المؤثرات الحضارية، وحالات التغيير الاجتماعي. وكذلك، تفاوت نصيب كل جماعة عرقية من الارتباط بالاستعمار، وخدمة مصالحه، مقابل قدر ما من المكاسب. هذه الجماعات قد يكون أفرادها من الغانمين من الوجود الاستعماري، أو المتعرضين للاستنزاف، وللتنكيل نظراً لدورهم المناوئ له. وهذا الأمر هو الذي ترتب عليه استشراء حالة من الصراع الداخلي، في ظل الاستعمار.

ج. الميراث الاستعماري

   ظلت أنغولا أكبر مستعمرة برتغالية وأهمها، فيما وراء البحار. وفي ظل الظروف والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، التي فرضها الاستعمار البرتغالي، كان من الطبيعي أن تسوء الأوضاع داخل البلاد، طالما أن الاستنزاف الاستعماري للموارد مستمر، والمواطنون خاضعون للسيطرة الاستعمارية، والعمل الإجباري، لمصلحة هؤلاء المستعمرين البرتغاليين.

   وقد تركزت الهيمنة الاستعمارية البرتغالية، في بادئ الأمر، في لواندا، وفي مناطق ندونجو، طوال الفترة منذ القرن السادس عشر، حتى بداية القرن التاسع عشر، إضافة إلى بعض المناطق الأخرى الواقعة في شمال أنغولا الحالية، وهي مناطق ذات تكوين اجتماعي كنغولي أساساً، بدأت البرتغال في ضمها اعتبارا من عام 1883، تحسباً من جانبها تجاه مخططات التقسيم الاستعماري لإفريقيا، التي بدأت نذرها في أواخر السبعينيات من القرن التاسع عشر، وبلغت أوجها في مؤتمر برلين 1884. كذلك، فإن المناطق الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي، والواقعة على الحدود مع زامبيا، لم تسيطر عليها البرتغال، إلا بعد منافسة شرسة ضد المستعمر البريطاني، في روديسيا الشمالية عام 1891. أما آخر المناطق، التي ضمّت إلى أنغولا، فهو إقليم كابندا، الذي تفصله أرض الكونغو الديموقراطية "زائير سابقاً"، عن أرض شمال أنغولا. وقد كان هذا الإقليم جزءاً من المناطق، التي سيطر عليها البرتغاليون في الكونغو، وأداروه بشكل مستقل عن أنغولا، وعن الكونغو. وكان "سالازار" حاكم البرتغال الأسبق، قد قرر ضم كابندا إلى أنغولا في عام 1958، لتتشكل على أثر ذلك، الخريطة السياسية لأنغولا المعاصرة. ولمّا كان هذا الإقليم ديموجرافياً، ذا تركيبة اجتماعية وثقافية كونجولية، إضافة إلى ما ظهر فيه، من نفط وماس، بكميات وفيرة، فقد أدي ذلك إلى جعله ميداناً للتوتر، وصراع المصالح، داخلياً وخارجياً.

2. الميل إلى الانقسام والصراع

   هناك عدد كبير من الحركات، والمنظمات، والأحزاب، والجمعيات، والجبهات - جميعها ادعت المساهمة في معركة التحرير. وكان للبرتغال، في تلك الفترة، دور رئيسي في إشعال الخلافات بين الحركات الأنغولية في الداخل، وفي المنفي. فتزايدت الانشقاقات، وخرج كل عضو، أو مجموعة أعضاء، ليؤلفوا تنظيماً جديداً، يختار له اسم خاص به. وبدلاً من أن توجه تلك الجماعات كل أنشطتها لمواجهة الاستعمار البرتغالي، انصرفت ـ في معظم الأحيان ـ عن هدفها الرئيسي، وراحت تتقاتل ضد بعضها البعض.

   وفضلاً عن انقسام الحركات الوطنية على نفسها، وتنازعها فيما بينها، فإن النزاع كان قائماً أيضاً داخلها. فلم تسلم حركة من الانشقاقات، والصراعات الداخلية. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما تعرضت له "الحركة الشعبية لتحرير أنغولا"  من انشقاق، وخروج جناح داكروز عام 1963، وانضمامه إلى "الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا" في أبريل 1964. كما أن حكومة أنغولا في المنفي، تعرضت كذلك إلى محاولات عديدة من الفصل، والطرد، والانشقاق. وكانت النزعة الإقليمية/ العرقية ـ في كثير من الأحيان ـ هي الدافع لذلك. من الأمثلة على ذلك: طرد ماركوس كاسنجا ـ القائد العسكري الأول للحكومة الأنغولية في المنفي من منصبه، ثم بعد ذلك طرد خليفته جوس كالوند نوجو "جنوبي"، عندما كشف أسرار الحكومة، وأعلن عن وجود تمزق في الجيش، وأن بعض قواعد التدريب ما هي إلا قواعد وهمية للدعاية فقط، وتوجيهه الاتهام لروبرتو هولدن، رئيس الحكومة في المنفي، باغتيال رفقائه المخالفين له في الرأي.  

3. الميول الانفصالية

   كان أحد أوجه الحرب في أنغولا، هو مقاومة الميول الانفصالية، داخل إقليم كابندا الغني بالبترول والماس، الذي يقع على حدود الكنغو الديمقراطية، وبالقرب من حدود الكنغو برازافيل، وتبلغ مساحته سبعة آلاف كم2. ونظراً لظهور مثل تلك الثروات، وبكميات وفيرة، منذ عام 1966، فقد أدي ذلك إلى تنامي تيارات انفصالية داخلية، مغذاة من الداخل والخارج. فنشأ "الاتحاد الديموقراطي لمواطني كابندا"، و"الحركة الشعبية لكابندا"، وقد اتحدت المنظمتان في "جبهة تحرير كابندا"، بهدف العمل من أجل انفصال كابندا.

لكن هذه الجبهة انقسمت بدورها إلى منظمتين: إحداهما بزعامة لويس رانك فرانك، وتساندها الكونغو "كينشاسا"، والأخرى بزعامة أوجست تشيونو، وتساندها الكونغو برازافيل. وفي الأول من أغسطس 1975، وفي غمرة معارك الحرب الأهلية الأنغولية، أعلن لويس فرانك، وهو في كمبالا، استقلال كابندا ـ من جانب واحد ـ عن أنغولا. واستند في دعواه الانفصالية، هو وجبهته، إلى ذرائع تاريخية، تتعلق بالطبيعة القانونية للعلاقة بين الإقليم والبرتغال، على اعتبار أن حاكم الإقليم طلب حماية البرتغال، في عام 1881، خشية الاستعمار البلجيكي، الذي كان مسيطراً على الكونغو "كينشاسا" ـ آنذاك ـ بموجب معاهدة حماية مدتها مائة عام، وصدّق عليها مؤتمر برلين عام 1885.

وكان "سالازار"، حاكم البرتغالي، قد ضمّ محمية كابندا، إلى مستعمراته البرتغالية، في لواندا، منذ عام 1958. ومن ثم، فإن هذا الضم لم يكن مشروعاً بسبب استمرار سريان المعاهدة المذكورة، وأن الإقدام على هذا الإجراء اتخذ بعد اكتشاف البترول بكميات كبيرة في هذا الإقليم. إلاّ أن الحركات الأنغولية الثلاثة، وكذلك البرتغال، رفضوا جميعاً مبدأ الانفصال لإقليم كابندا. وبحلول الحادي عشر من نوفمبر 1975، أعلن المندوب السامي البرتغالي، استقلال أنغولا، وانسحاب قواته منها، بعد استعمار دام خمسة قرون لبلد إفريقي منقسم على نفسه، وتتنازعه قوى متصارعة مختلفة، وميول انفصالية عنيفة.

ثانياً: مواقف القوى الإقليمية من الحرب الأنغولية

تباينت مواقف القوى الإقليمية، من الحرب الأنغولية، ما بين مساعدٍ لطرف، ومساعد لطرف آخر، وكان لكل طرف منهم مصالحه، التي يسعى إلى إقرارها، ومن تلك الدول ذات المصالح:

أ. جنوب إفريقيا

   تدخلت جنوب إفريقيا، بقواتها المسلحة النظامية، في الحرب الأنغولية، لمساعدة حركتي "الاتحاد الوطني" "يونيتا"، و"الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا" ، في مواجهة "الحركة الشعبية". ونظراً لضخامة تدخل جنوب إفريقيا العسكري في أنغولا، لم تحاول حكومة "بريتوريا" إخفاء هذا التدخل. ومنذ إعلان استقلال أنغولا، أعلن وزير خارجية جنوب إفريقيا آنذاك، أن حكومته أرسلت قواتها النظامية إلى أنغولا، بهدف حماية مشروع توليد الكهرباء عند نهر كيوتين، وكذلك لتحول دون تسلل رجال العصابات التابعين لمنظمة جنوب غرب إفريقيا الشعبية "سوابو South – West Africa Peoples Organization: SWAPO، داخل أراضي ناميبيا، خصوصاً بعد مضاعفة هذه المنظمة، لعملياتها الهجومية، ضد مصالح النظام العنصري في ناميبيا. ولذلك، حاولت حكومة جنوب إفريقيا، بمناصرتها لكل من يونيتا، والجبهة الوطنية أن تحمي الأراضي الأنغولية، بعد استقلالها، من أن تصبح ملاذاً لثوار ناميبيا.

   ومن هذا المنطلق، حدث التوغل العسكري، لقوات حكومة بريتوريا النظامية، داخل الأراضي الأنغولية، حتى أجبرتها القوات الأنغولية، بغطائها السوفيتي/ الكوبي، على الانسحاب.

ب. موقف الكونغو "كينشاسا"

  على الرغم من الثقل الجغرافي والاقتصادي الكبير للكونغو "كينشاسا"، في قلب القارة الأفريقية، إلا أنها ظلت لا تملك منفذاً إلى المحيط، إلاً عن طريق سكة حديد بنجويلا، التي تحمل صادراتها ووارداتها، داخل أراضى أنغولا، وصولاً إلى ميناء لوبوتو، على المحيط الأطلسي، خصوصاً عندما تغلق موزمبيق حدودها مع زامبيا، تحت أية ظروف. لذلك، وجدت الكونغو "كينشاسا" نفسها أمام خيارين:

الأول: إما أن تنتهج سياسة حسن الجوار والتعايش السلمي، مع الدول المجاورة.

الثاني: أن تتبنى سياسة الاعتماد على الضمانات الخارجية، وعلى لعبة التوازن بين القوى، سواء للمعسكرات الأفريقية أو العالمية، ثم على التحالفات الخاصة. ومع تطورات الأوضاع في أنغولا، وجد الرئيس الكنغولي موبوتو سيسيسيكو، أنه بتعاونه مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً في تأييد هولدن روبرتو الذي يتزعم "الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا"، التي كانت تتخذ من مناطق مجاورة لكينشاسا قواعد لعملياتها داخل أنغولا، قبل الاستقلال وبعده، يمكن أن يخدم مصالح بلاده، ومصالح الدول الحليفة في المنطقة. ومن ثم، عملت كينشاسا، في ذلك الحين، كرأس جسر، لنقل المساعدات العسكرية والمالية، القادمة من الولايات المتحدة والغرب، وتحويلها إلى الجبهة الوطنية. إلاّ أن هزيمتها أمام قوات "الحركة الشعبية"، والقوى الداعمة لها، أجبرت الرئيس موبوتو، على التراجع عن هذا التوجه والاتفاق على حل وسط مع الرئيس الأنجولي نيتو. ولكن ذلك لم يمنع فلول "الجبهة الوطنية"، في معسكرات كينشاسا، من شن أعمال مناوئة للسلطة، في أنغول، على الرغم من توقيع اتفاق برازافيل، بين نيتو وموبوتو، في فبراير 1976، وتصريحات الأخير أنه أوقف كل نشاط لقوات "الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا".

ج. موقف الكنغو برازافيل

ظلت الكنغو برازافيل السّند الإقليمي، للحركة الشعبية لتحرير أنغولا، منذ الإعلان عن قيامها، في ديسمبر 1956. فقد اتخذت الحركة مقراً لها في برازافيل، وشاركت الكنغو برازافيل في اللجنة الثلاثية، المنبثقة عن لجنة التسعة، التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية، والمكلفة تقصي الحقائق عن الأوضاع في أنغولا، في نوفمبر 1964. وبناءً على تقرير اللجنة الثلاثية، اعترفت لجنة التسعة بالحركة الشعبية، كمنظمة لتحرير أنغولا، وقدمت الدعم لها، وسحبت الاعتراف بحكومة أنغولا بالمنفي، التي سبق لمنظمة الوحدة الأفريقية الاعتراف بها. ومنذ عام 1964، بدأت الحركة الشعبية "مبلا" ممارسة أنشطتها العسكرية، تجاه القوات البرتغالية، انطلاقاً من قواعدها، في الكنغو برازافيل. كما أن برازفيل سمحت، خلال فترة التحالف السوفيتي ـ الأنجولي، بنقل الإمدادات، والمعدات، والأسلحة السوفيتية/الكوبية، عبر أراضيها وقواعدها، لصالح الحركة الشعبية.

د. موقف زامبيا

  منذ نشوب الحرب في أنغولا، وزامبيا تتابع بحذر ما يحدث في أنغولا، لأنه، ينقل عبر مينائها، لوبيتو، ما يقرب من 45%، من صادراتها من النحاس. وقد حاولت زامبيا أن تبقى على الحياد، بين الجبهات الثلاث المتصارعة هناك.

  وتبنى تلك السياسة، الرئيس الزامبي السابق "كينيث كاوندا"، طوال الفترة من عام 1964، حتى عام 1991. وعلى الرغم من ذلك، قدّم دعماً لكل من الحركة الشعبية، والاتحاد الوطني "يونيتا"، أثناء الحرب ضد الاستعمار البرتغالي، ومن أجل الاستقلال، وإن ظلت مسألة خط سكة حديد بنجويلا Benguela، محدداً رئيسياً للسياسة الزامبية، تجاه الصراع الدائر في أنغولا. وكان الرئيس كاوندا قد ألمح إلى "جوناس سافيمبي"، زعيم يونيتا، بأنه إذا استطاع أن يسيطر على سكة حديد بنجويلا من بدايته لنهايته، فإن زامبيا يمكن أن تعترف بمنظمته رسمياً، كحكومة شرعية في أنغولا. وإذا كانت زامبيا قد تباطأت في الاعتراف بحكومة الحركة الشعبية، فإنها سعت إلى احتواء الصراع الدائر في أنغولا، بين القوى المتصارعة، من خلال رعايتها، لأكثر من محاولة لإقرار السلام هناك.

2- مواقف القوى الدولية من الحرب في أنغولا

يمكن القول أن الحرب في أنغولا كانت ساحة أخرى لتجاذب قطبي الحرب الباردة، إبان أعنف فترات تلك الحرب في الستينيات والسبعينيات. فكان أن انحاز كل قطب من قطبي الحرب الباردة إلى فريق أو آخر من أطراف الصراع الأنجولي، خدمة لمنظومة المصالح الإستراتيجية العالمية لكل معسكر.

موقف المعسكر الشرقي "الاتحاد السوفيتي/كوبا"

   كانت علاقات السوفيت، مضطربة مع القيادة الأنغولية، أثناء حرب التحرير. فعلي الرغم من تأييد السوفيت استمرار الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، إلا أنهم لم يجدوا الطريق سهلاً للتعامل مع "أوجستينو نيتو"، زعيم الحركة. ليس ذلك فحسب، بل إنهم استمروا في تأييد "دانييل تشيبندا" وأعوانه، المنافسين لنيتو، وقطعوا مساعداتهم للحركة الشعبية. ولكن عندما بدا واضحاً، أن تشيبندا ليس في مقدوره تحقيق النصر، سارعوا إلى تأييد نيتو. وربما كان عامل التحول في القرار السوفيتي، يرجع إلى التوجهات الصينية، التي كانت السّند الرئيسي للجبهة الوطنية لتحرير أنغولا، خصوصاً في أوائل عام 1975، عندما كانت المساعدات الأمريكية لـلجبهة الوطنية ما تزال صغيرة الحجم.

وقد تحرك الاتحاد السوفيتي في حرب أنغولا، وفقاً لدوافع عديدة منها:

(1) الدافع العقائدي/الأيديولوجي

بدأت الصلات العقائدية/ الأيديولوجية، بين الاتحاد السوفيتي، و"الجبهة الشعبية لتحرير أنغولا" ، منذ أوائل الستينيات، على أساس أنها حركة سياسية تقدمية للشعب الأنجولي، أسستها دوائر العمال في "لواندا"، منذ عام 1956، وأنها أُنشئت بمبادرة من الحزب الشيوعي الأنجولي. وعزز من ذلك زيارة زعيمها "أوجستينو نيتو"، موسكو في منتصف الستينيات، وانضمامه إلى عضوية منظمة الجبهة السوفيتية، ومجلس السلام العالمي. ثم تكررت زياراته بعد ذلك، التي شجّعت الاتحاد السوفيتي، ودول المعسكر الشرقي، على إرسال مساعدات عسكرية منتظمة للحركة، إضافة إلى التدريب العسكري لقواتها. وعزز من ذلك، أيضاً، استحسان موسكو للتنظيم السياسي للحركة الشعبية، من الناحية العقائدية.

(2) الدافع المصلحي

مثلت المصالح القومية للاتحاد السوفيتي، نتيجة لبسط نفوذه على الٍحكومة الشعبية، بعد استقرار الأحوال في أنغولا، أحد الدوافع للدعم السوفيتي للحركة الشعبية. فالوجود السوفيتي، كان يعنى حصولهم، على منفذ إستراتيجي مهم على المحيط الأطلسي، وعلى طول الطريق الذي تسلكه ناقلات البترول المتجهة من الشرق الأوسط ـ قبالة الساحل الأنغولي ـ إلى أوروبا، خصوصاً خلال فترة إغلاق قناة السويس، أمام الملاحة العالمية بعد حرب عام 1967.

ب. موقف الصين

   أدى انهيار الحكومة البرتغالية، في إبريل 1974، إلى إعلان مرحلة جديدة في الصراع الصيني ـ السوفيتي، على خريطة الصراعات الأفريقية. وقد تميزت تلك المرحلة، بحصول الصين على نتائج أفضل، ومكاسب أكبر، خاصة في موزمبيق، فضلاً عن تدعيم علاقاتها مع تنزانيا، وزامبيا. وإذا أضيف إلى ذلك العلاقات الصينية القوية مع اثنين، من حركات التحرير الأنغولية، هما "الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا" و"الاتحاد الوطني لتحرير كل أنغولا" "يونيتا"، وكذلك مع حكومة كينشاسا، اتضح أن رصيد الصينيين، كان كبيراً، في الميدان الأنغولي، مع نهاية عام 1974، مع إمكانية تعاظم دورها، بدرجة أكبر. ولم يحل دون ذلك إلاّ اتخاذ السوفيت قرارهم الحاسم، بالتدخل إلى جانب الحركة الشعبية "مبلا"، في عام 1975، وهو الأمر الذي ترتب عليه اتخاذ الصينيين قرارهم، بسحب خبرائهم من معسكرات الجبهة الوطنية "فنلا"، الموجودة في الكنغو "كينشاسا"، في يوليه 1975. وقد برروا ذلك القرار، بأنه استجابة لطلب منظمة الوحدة الأفريقية، ورغبتهم في التزام جانب الحياد، بين حركات التحرير الأنغولية الثلاث. وهكذا أكد الصينيون أنهم ليسوا على استعداد للدخول في سباق، مع المساعدات السوفيتية الكثيفة. وربما كان هذا الانسحاب هو إجراء تكتيكي محسوب، من جانب الصينيين، الذين ارتأوا أن للغرب مصالح سوف يتحرك لحمايتها، ومن ثم فقد كان انسحاب الصين نوعاً من الضغط على الغرب للتدخل.

كان الصّراع الصيني ـ السوفيتي، أكثر أهمية لكل منهما، عن صراعه مع الغرب. واتضح ذلك إثر تدخل قوات جنوب إفريقيا في أنغولا، في أكتوبر 1975، وما استتبعه ذلك من تعاظم التدخل السوفيتي، إلى جانب الحركة الشعبية. فقد وجد الصينيون أنفسهم، في تحالف واقعي، مع الولايات المتحدة، في مواجهة التحالف السوفيتي على الساحة الأنغولية.

ج. موقف الولايات المتحدة الأمريكية

   تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية، بقوة، في مجريات الأحداث الدموية، في أنغولا، وإن كان قد حد من تدخلها استنكار الرأي العام له، ورفض الكونجرس استمراره، أو إضفاء أية صبغة رسمية عليه. وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، صرفت مبالغ سرية إلى "هولدن روبرتو"، زعيم الجبهة الوطنية، في يناير 1975، قدرت بثلاثمائة ألف دولار، من أجل تمويل القتال ضد قوات. كما وافقت واشنطن، في يوليه 1975، على دفع مائتي ألف دولار شهرياً، لكل من "هولدن روبرتو"، و"جوناس سافيمبي"، زعيمي حركتي الجبهة الوطنية و"يونيتا". كما أن المخابرات الأمريكية، شاركت في توصيل أموال، وأسلحة، تقدر قيمتها بخمسة وعشرين مليون دولار، لتعضيد عمليات "يونيتا"، والجبهة الوطنية، في مواجهة الحركة الشعبية، عن طريق كل من زامبيا، والكونغو "كينشاسا".

وهكذا، فعلى الرغم من معارضة الرأي العام، والكونجرس الأمريكي، لأي تورط أمريكي، في أحداث أنغولا، إلاّ أن واشنطن شرعت، دون إجراء مناقشة علنيه، أو الحصول على تصديق الكونجرس، في تنفيذ برنامج للمعونة العسكرية، للجبهة الوطنية و"يونيتا"، الأنغوليتين، بما يعنيه ذلك من وجود تورط أمريكي مباشر، في تلك المنطقة.

مراحل الحرب الأهلية الثلاث

مرت الحرب الأهلية في أنغولا، بثلاث مراحل أساسية:

أ. الحرب الأهلية قبل الاستقلال

   بدأت بوادر الحرب الأهلية في الظهور في13 فبراير 1975، عندما شنّت "الحركة الشعبية" هجوماً على مكاتب الحركة، التي يتزعمها "شيبندا"، في لواندا العاصمة، بدعوى أن الاتفاقية الموقعة مع الحكومة البرتغالية لم تعترف بـالحركة الشعبية، وبذلك فهي اتفاقية غير مشروعة. وإذا كانت الحركة الشعبية قد نجحت في إقصاء جماعة "شبيندا" عن لواندا، وقتلت حوالي عشرين من أعضائها، فقد ترتب على هذا الهجوم مسارعة "شيبندا" وأعوانه إلى الانضمام للجبهة الوطنية. ثم ما لبث أن دار القتال بينهم وبين الحركة الشعبية، بعد أن حاولت الجبهة الوطنية فتح مكاتب سياسية لها في لواندا، وإرسال فرق من جيشها إليها، وتحريك أعداد كبيرة من قواتها بأسلحتها الثقيلة، من الكونغو "كينشاسا" إلى أنغولا، بما فيها لواندا. وقد امتد هذا القتال من فبراير، وتعاظم في مارس وإبريل ومايو، وشمل مناطق أخرى. ونجم عنه سقوط سبعمائة قتيل، وألف جريح من الجانبين.

تحركت بعض الأطراف الإفريقية، من أجل وقف إطلاق النار بين القوى المتصارعة. واجتمع قادتها الثلاثة في ناكورو، في الفترة من 16-21 يونيه 1975، وخرجوا باتفاق يؤكد على ضرورة تدعيم السلطة المركزية للحكومة الانتقالية، وإنهاء كل صور العنف والقتال، وإنشاء جيش وطني موحد، ونزع سلاح المدنيين، وإجراء انتخابات عامة. ولكن هذا الاتفاق لم يُنفذ، إذ عقب توقيعه بيومين استؤنف القتال مرة أخرى، بعد أن اشتركت فيه قوات "الاتحاد الوطني" علناً. وبمساندة قوات الجبهة الوطنية ضد الحركة الشعبية، اتسع نطاق الحرب الأهلية، ليشمل كل أنغولا شمالاً وجنوباً.

وبدأت قوات "الحركة الشعبية" تقاتل بضراوة، للاستيلاء على قواعد "الجبهة الوطنية" في لواندا، ونجحت في ذلك. وبنهاية يوليه كانت "الحركة الشعبية" قد فرضت سيطرتها على العاصمة ووسط أنغولا، وامتدت شرقاً حتى حدود زامبيا، وأرغمت الجبهة الوطنية على التراجع إلى قواعدها، في الشمال الغربي. وقد تمكنت الحركة الشعبية "مبلا" من تحقيق هذه الانتصارات، بفضل الإمدادات العسكرية السوفيتية، التي كانت تصل إليها منذ مارس 1975، عبر الكونغو برازافيل. وفى ذلك الوقت أيضاً، قادت "الحركة الشعبية" هجوماً في الجنوب ضد قواعد "الاتحاد الوطني" "يونيتا"؛ ما دعا "سافيمبي" زعيم "الاتحاد الوطني"، إلى الاتصال بجنوب إفريقيا في يوليه 1975، التي سارعت إلى إرسال قواتها عبر حدود ناميبيا، واحتلت في أغسطس 1975 مشروع توليد الكهرباء في روكانا، بجنوب أنغولا. وعلى الرغم من إحكام "الحركة الشعبية" لسيطرتها على العاصمة، وعلى العديد من المناطق في أنغولا، واستخدام جهازها الحكومي، وأجهزة الاتصال الجماهيري، في فرض نفوذها السياسي، إلاّ أنها لم تستطع أن تحرز نصراً حاسماً على منافستيها، اللتين استفادتا كثيراً من المساعدات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى تدخل جنوب إفريقيا، فضلاً عن دعم الكونغو "كينشاسا" لهما.

ب. الحرب الأهلية بعد الاستقلال

أعلن المندوب السّامي البرتغالي استقلال أنغولا، ليلة 11 فبراير 1975، وانسحاب قوات بلاده منها. وفي إطار الحرب الأهلية، التي شهدتها فترة ما قبل الاستقلال، والانقسامات المستحكمة بين القوي المتصارعة في أنغولا، استحكم الصراع على السلطة، في ذلك الوقت، حين سارع كل طرف إعلان عن تمثيله للحكومة الشرعية في البلاد. وأعلن في ذلك الحين، عن قيام جمهوريتين: الأولي، أعلنتها "الحركة الشعبية"، تحت اسم: "جمهورية أنغولا الشعبية في لواندا"، وتولي رئاستها "أوجستينو نيتو"، وحصلت على تأييد، واعتراف الكتلة الشرقية، وعدد من الدول الأعضاء، في منظمة الوحدة الإفريقية، والثانية: أعلن قيامها كل من "الجبهة الوطنية" "فنلا"، و"الاتحاد الوطني" "يونيتا" في هوامبو وسط البلاد، ولم تعترف بها رسمياً أية دولة.

وإن كانت الحرب الأهلية لم تتوقف، بالحصول على الاستقلال في أواخر عام 1975، بل استمرت بشكل أو بآخر، لكنها لم تتفاقم وتصل إلى ذروتها إلاّ بحلول عام 1981. وامتدت حتى عام 1991، وشاركت فيها جميع القوي المتصارعة. كما شهدت تلك الفترة تعاظم الدعم الإقليمي والدولي، لتلك القوي المتصارعة.

ج. الحرب الأهلية عقب انتهاء الحرب الباردة

بانتهاء الحرب الباردة، وتقلص الكتلة الاشتراكية، بدءاً بانهيار الاتحاد السوفيتي، والتحولات التي حدثت في الدول الاشتراكية، الموالية له في أوربا الشرقية وغيرها من الدول، حاولت الولايات المتحدة فرض سيطرتها منفردة على العالم. وقد تركت تلك الأحداث تأثيراتها على الحرب الأنغولية، وأسهم في ذلك، أيضاً، نيل ناميبيا استقلالها في 21 مارس 1990، ومن ثم لم يعد لجنوب إفريقيا مصلحة من استمرار دعمها لـ"يونيتا". كما أن انهيار الاتحاد السوفيتي كان يعني انقطاع الدعم المقدم منه للحركة الشعبية "مبلا". فمارست الولايات المتحدة الضغوط على الحكومة الأنغولية، بزعامة دوس سانتوس؛ ما أدى إلى دخول الحركة الشعبية، و"يونيتا" مرة أخرى، في محادثات استمرت عاماً كاملاً، بإشراف الأمم المتحدة، وإشراف وزير خارجية الولايات المتحدة. وانتهت تلك المحادثات بعقد اتفاق سلام في لشبونة، في 5 مايو 1991، ويقضي بوقف إطلاق النار بين الجانبين، ابتداء من 30 مايو 1991، وإجراء انتخابات متعددة الأحزاب في أنغولا، خلال الفترة ما بين سبتمبر 1992 ونوفمبر 1992. كما اتفق على قبول الحركة الشعبية و"يونيتا" تشكيل جيش يتألف من أربعين ألف مقاتل بالتساوي بين الجانبين.

   كان اتفاق السلام الموقع في لشبونة، في 15 مايو 1991، يمثل البداية الممكنة لإنهاء الحرب في أنغولا، لأن تتضمن عناصر أساسية للتسوية، منها وقف إطلاق النار، وإجراء أول انتخابات تعددية في أنغولا، وإقامة جيش وطني، وتبادل الأسرى. إلاّ أنه عند التطبيق الفعلي، لوحظ أنه يطبق تحت ضغط الواقع، الداخلي والخارجي، الذي أملى على الرئيس الأنجولي "دوس سانتوس" أن يتخلى عن الماركسية، وأن يأخذ بالتعددية الحزبية، وتحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة. ومن ثم، أُجريت انتخابات الرئاسة، والبرلمان في أنغولا، وتأسس، بالفعل، ثلاثة عشر حزباً، منها ثلاثة أحزاب رئيسية، تمثل الجبهات الرئيسية الثلاث في البلاد، إضافة إلى عشرة أحزاب أخرى، تتفاوت في درجة قواعدها الشعبية. كما دخل "جوناس سافيمبي"، زعيم "يونيتا"، و"هولدن روبرتو"، زعيم "فنلا"، الانتخابات الرئاسية، بجانب ثمانية مرشحين أخرين.

   إلاّ أن "سافيمبي" ـ وفور ظهور النتائج الأولية للانتخابات، وتأكد فوز الحركة الشعبية، وزعيمها دوس سانتوس ـ أعلن عن رفضه لهذه النتائج، متهماً الحكومة بتزويرها. وانسحبت حركته من الجيش الأنغولي الموحد، وأعلن سافيمبي تجدد القتال، ودخلت أنغولا، مرة أخرى، في مرحلة جديدة من مراحل الحرب.

   وفي 10 سبتمبر 1994، بدأت مفاوضات مرة أخرى بين الحركة الشعبية ويونيتا انتهت في 29 سبتمبر من العام نفسه، بالتوقيع بالأحرف الأولى، بين الحكومة الأنغولية وحركة "يونيتا"، على اتفاق سلام ينهي الحرب بينهما، وحُدد شهر نوفمبر 1994، لتوقيع الاتفاق رسمياً بين الطرفين. إلاّ أن استمرار "يونيتا" في رفضها التسليم بتفوق الحركة الشعبية عليها، أطاح بهذا الاتفاق. وتجددت المعارك بين الطرفين دون توقف حتى إبريل 1997، ووافقت "يونيتا" على اتفاق يقضي بالاشتراك في حكومة وفاق وطني مع الحركة الشعبية. إلاّ أن أعمال القتال تجددت في ديسمبر 1998، بيـن القوات الحـكومية وقوات حـركة "يونيتا". وفى ظل تلك الظروف، حركت الحكومة قواتها للاستيلاء بالقوة، على الأراضي التي تسيطر عليها "يونيتا". وجاء رد "يونيتا" باستخدام القوة المسلحة أيضاً. وشهدت عدة مدن معارك عنيفة استمرت حتى هزيمة "يونيتا" عسكريا تماما في 2002، وسيطرة حكومة الحركة الشعبية في لواندا على الأراضي الخاضعة لسيطرة "يونيتا" جنوب أنغولا.

   وعلى الرغم من تعثر المصالحة الوطنية بعد اقتتال داخلي دام 27 عاماً، إلا أنه بعد قتل "جوناس سافيمبي"، قائد حركة يونيتا، عام 2002، على يد القوات الحكومية، أمكن التوصل لاتفاق هدنة، سرعان ما انتهى بعقد مصالحة وطنية لإقرار السلام في البلاد، ما عُد خطوة دافعة نحو الاستقرار، أمكن معه إجراء الانتخابات ودخول قادة الحركة المتمردة في التشكيل الحكومي، وصدور عفو عام عن كل المتورطين في أعمال الاقتتال الأهلي. وبذلك أعلنت حركة يونيتا تحولها إلى حزب سياسي وإلغاء جناحها العسكري، واعتذارها علناً عما بدر منها خلال فترة الحرب الأهلية. وقد دفع ذلك الدولة لاتخاذ إجراءات لتحسين العلاقات مع دول الجوار، وحَفَزَ الأمم المتحدة لأداء فعّال في إنهاء الآثار المترتبة على الحرب بقيامها، من طريق وكالاتها المتخصصة، بإجراءات لإنعاش الاقتصاد الأنجولي، ودعوة الدول المانحة الاهتمام بأنغولا، مع انتهاج إستراتيجية لمحاربة الفقر في البلاد، تغطي الفترة من عام 2004 إلى عام 2008. 

الأحزاب السياسية الرئيسية في أنغولا

   تنقسم أنغولا إلى ثلاث جماعات عرقية كبرى، تشكل 80%، من سكانها. وقد مثلت الحركات الرئيسية في البلاد، هذا الانقسام العرقي، في أوضح صوره، وصار أتباعها يشكلون ثلاثية الصراع، في الحرب الأنغولية. وبعد انتهاء الحرب باتت تمثل الأحزاب السياسية الرئيسية في أنغولا. 

الحركة الشعبية لتحرير أنغولا

   هو الحزب الحاكم في البلاد حاليا. ويسيطر على السلطة بشكل شبه كامل، منذ هزيمة حركة "يونيتا" عسكريا في 2002. ونشأت عام 1956، من أعضاء تابعين للحزب الشيوعي الأنغولي، الذي يُعد امتداداً للحزب الشيوعي البرتغالي. وقد استطاعت، منذ البداية، اجتذاب عدد من المثقفين، ذوى الأفكار التقدمية. وعندما طردتها السّلطات البرتغالية من لواندا، في مارس 1959، انتقلت إلى كونا كرى، ثم إلى كينشاسا، ثم إلى برازافيل، حيث استقرت هناك. واختير "أوجستينو نيتو" ـ الطبيب الشاعر ـ رئيساً لها، في عام 1962. وعقب هذا الاختيار، اعتمدت الجبهة في تكوينها، على قبيلته كيمبوندو، التي ينتمي إليها أوجستينو، والتي تمثل 25% من سكان أنغولا، وتتركز في وسطها، خاصة في لواندا.

وقد اتخذت الحركة خطاً ماركسياً واضحاً، وأقامت علاقات قوية، مع سائر الأحزاب والمنظمات الشيوعية، والاشتراكية في إفريقيا، وخارجها. كما أقامت دعائمها السياسية، على أساس أن الصراع في أنغولا، ليس صراعاً بين ثلاثة جيوش متحاربة داخل البلاد، وإنما هو صراع بين قوي الشعب، التي تمثلها تلك الجبهة، وبين العسكريين، الذين تمثلهم الحركات الأخرى. ولذلك، أنشأت قوات المقاومة الشعبية، ومنظمات عمالية وطلابية ونسائية مختلفة. وقد اكتسبت الحركة تأييداً شعبياً، واسع النطاق.

   في الحادي والعشرين من أغسطس فاز حزب الحركة الشعبية لتحرير أنغولا الحاكم بالانتخابات البرلمانية بنسبة 71% من الأصوات (مقارنة ب 82% في 2008) و 175 مقعدا من إجمالي 220 مقعدا في المجلس الوطني. بينما حصل (اليونيتا) على 18.6% من الأصوات، ليتضاعف تمثيله في البلمان إلى 32 مقعدا. وحصل تحالف "اللقاء من أجل الخلاص الوطني" الانتخابي على 6% بإجمالي 8 مقاعد، بينما تقلصت عدد المقاعد التي حصل عليها الجبهة الشعبية لتحرير أنغولا إلى مقعدين فقط. الأمر المهم هنا، أن الانتخابات أظهرت أن أحزاب المعارضة لم تعد أحزاب هامشية وأنها تكتسب كل يوم زخما متزايدا على حساب الحزب الحاكم، مقارنة بفترة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2002، والتي سيطر فيها الحزب بشكل كامل على الساحة السياسية في أنغولا.

ديناميكيات الصراع بين الرئاسة وقيادات حزب الحركة الشعبية

   بموجب التعديلات الدستورية لعام 2010، ومحاولات الرئيس دو سانتوس، تضييق نطاق قدرة البرلمان على مراقبة ومراجعة السلطة التنفيذية، عزز "دوس سانتوس" من سيطرته على كافة قطاعات المجتمع، الاقتصاد والقوى السياسية البازغة. إذ مكن الرئيس من السيطرة على الدولة وتوزيعة القوة. وتحول مجلس الوزراء، الذي كان بإمكانه قبل التعديلات سن تشريعات،ـ إلى كيان استشاري تابع للرئيس. وأصبح أيضا بإمكان حزب الرئيس (أقرب في شكله إلى الهيكل المركزي الماركسي) التقدم باتجاه مساحات داخل المجتمع الأنغولي كانت حتى آنذاك قادرة على المناورة. وتم شراء الصحافة الخاصة بشكل منهجي من جانب عناصر تابعة للنظام. أما وسائل الإعلام الجديد، فرغم أنها تعطي إحساسا بوجود جدل وحراك داخل المجتمع، إلا أنها واقعيا تخدم الأهداف الدعائية للحركة الوطنية.

   أما الكيان الأكثر إثارة للاهتمام فهو اللجان التخصصية التابعة للحزب الحاكم، والتي تخترق كافة قطاعات المجتمع بل وتتحاوزها، خاصة المساحات غير الحزبية. تغلغلت هذه اللجان داخل كافة المساحات التخصصية باستثناء الكنيسة، الجيش والشرطة. ولم يعد بإمكان أي متخصص في أي مجال أن يحقق أي تقدم على مسار وظيفته أو مجاله إلا عبر هذه اللجان. هذه الشبكة من اللجان تجعل من الصعب على أيا من النخب المتخصصة العمل خارج سيطرة النظام، وتوجد أيضا إحساسا بأن الولاء الحزبي هو المطلوب كي يحصل المواطنون على الخدمات ويستفيدوا من منافع أخرى تقدمها الدولة وأجهزتها. يستثني هذا النظام أوتوماتيكيا قطاعات كاملة من المجتمع، خاصة تلك المعارضة للنظام.

    حدثت تغييرات كذلك داخل الرئاسة ذاتها. أوائل 2012، تم تنصيب مانويل فيكينت  Manuel Vicente، المدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية، وزيرا للتعاون الاقتصادي من أجل الرقابة على كافة القطاعات التنفيذية المرتبطة بالأداء المالي للدولة. كذلك، يسيطر وزير التعاون الاقتصادي على (صندوق تمويل النفط) ومساعدا لدوس سانتوس في اللجنة الاقتصادية. في الوقت الذي كان يعتقد فيه البعض في البداية أن هذه خطوة باتجاه وضع فيكينت خليفة للرئيس، فإنها في الواقع كانت استراتيجية لتخفيف نفوذ "فيكينت" على شركة النفط وعلى الاقتصاد. ولكن هنا أيضا، يكون دوس سانتوس قد خطط لتخطي المكتب السياسي للحركة الشعبية واللجان المركزية، المسؤولان عن انتخاب مرشح توافقي لقيادة البلاد.

   لا يتمتع فيكينت بمزية كونه أحد أفراد الجيش ولم يكن أبدا كادرا قويا داخل الحزب، وربما يجد صعوبة في الاحتفاظ بمنصبه إذا ما مُنَح الفرصة لتولي الرئاسة. إلا أن مناورات الرئيس تبين أنه يعمل على تأمين نفوذه داخل المجال السياسي الأنغولي. ويبين تعيين فيكينت نائبا للرئيس، في أكتوبر 2012، أن دوس سانتوس يلعب بورقة بوتين لضمان بقاؤه واستمرار تواجده على الساحة السياسية في حال عدم اختياره رئيسا مرة أخرى من جانب الحزب. إذ ينطوي التخلي عن الرئاسة بعد 33 عاما من السلطة المطلقة، على كثير من المخاطر بالنسبة له. ولكن بالنظر إلى مستويات عدم الثقة داخل دوائره هو ذاته، يبدو أنه بدأ في اتخاذ خطط إضافية بدفع ابنه، جوسي فلومينو Jose Filomeno المعروف ب (زينو) كخيار آخر لخلافته في الحكم. حدثت تغييرات أخرى في أوائل 2012 بتعيين "كارلوس فيجو"  Carlos Feijó, رئيس المجلس المدني التابع للرئاسة، في وضع مواز لنائب الرئيس "فياماندو دي بياداد"  Fernando da Piedade المعروف ب "نياندو" في خطوة تهدف إلى إزاحة أي نفوذ لا يزال لنياندو داخل الحزب، الجهاز الأمني والنظام السياسي. أما منصب المدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية فأُعطي ل "فرانسيسكو ليموس ماريا"  Francisco Lemos Maria، وهو شخص معروف بالكفاءة، على الرغم من ذلك قيل أنه خلال الأشهر الأولى لتوليه منصب المدير بدد بعض الموارد لصالح استخدامه الشخصي هو ومجلس إدارته.

   كذلك، بدأت ديناميكية جديدة في الظهور داخل حزب الحركة الشعبية الحاكم. إذ دأبت شخصيات كبيرة داخل الحزب مثل الأمين العام السابق "ماركولينو موكو"  Marcolino Moco، في انتقاد تشبث الرئيس بالسلطة ووضع أفراد عائلته في مراكز مهمة داخل الحكومة. إلا أـن الرئيس اتخذ خطوة تهدف إلى تمييع سلطات التيار المعارض للرئيس داخل الحزب، بإنشاء منصب جديد داخل المكتب السياسي للحزب وتعيين "باولو كاسومو"  Paulo Kassoma، أحد أخلص حلفاؤه ورئيس الوزراء السابق، منسقا لسياسة الحزب. الأمر الذي جرد الأمين العام الحالي للحزب "دينو ماتروس"  Dino Matross – والذي يُعتَقَد أنه يعارض الرئيس في كثير من القضايا- من كثير من سلطاته، وربما يحل كاسومو محله على المدى البعيد.

   هذه التعيينات استثارت مشكلات إثنية متجذرة داخل البلاد. إذ أن خيارات الرئيس اشتملت على تعيين عدد من الشخصيات المنتمية إلى جماعة "أوفيمبوندو" الإثنية في مواقع متميزة. الأمر الذي من شأنه إثارة المزيد من الانقسامات والنزاعات الإثنية الداخلية قد تفضي إلى رد فعل سياسي خطير. خاصة، وأن إثنية "أوفيمبوندو" لطالما تعرضت لتمييز عميق، وتم إبقاؤها لفترة طويلة بعيدا عن السلطة في لواندا، بواسطة إثنية "موبوندو" ونخب حزب الحركة الشعبية.

الاتحاد الوطني لاستقلال كل أنغولا (يونيتا)

   أسس هذه الحركة "جوناس سافيبمي"، وزير خارجية حكومة أنغولا في المنفي، التي ترأسها "هولدن روبرتو". وقد انفصل "سافيبمي" عن الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا "فنلا" عام 1964، وأنشأ "يونيتا" عام 1966، بعد اتهامه لروبرتو بالقبلية والخضوع للولايات المتحدة الأمريكية. واتخذ سافيبمي من "لوساكا" عاصمة زامبيا، مقراً لحركته، ولكنه طُرد منها عام 1967. فلجأ إلى القاهرة حتى منتصف عام 1968، حتى تمكّن من الرجوع إلى الجزء الشرقي من أنغولا، لتصبح بذلك "حركة الاتحاد الوطني لاستقلال كل أنغولا"، أول حركة وطنية تمارس نشاطها من داخل أنغولا. وترتكز يونيتا على قبيلة "أوفيمبوندو" في الجنوب، التي تشكل 33% من سكان أنغولا. وظلت يونيتا تستند إلى قاعدة سياسة وشعبية واسعة، وتتبع سياسة المهادنة تارة، والعنف تارة أخرى. كما أنها تبنت فكرة اشتراكية تارة، ورأسمالية تارة أخرى. وقد ساعدتها الصين تارة، والغرب تارة أخرى، إضافة إلى جنوب إفريقيا.

وقد برز تكوين "يونيتا" من تفاعل ثلاثة عناصر، هي:

أ. الأعضاء المجندون، المنتمون إلى قبائل "امأنغولا"، وانشقوا عن حكومة المنفى، وكان من بينهم جنوداً تدربوا في الصين.

ب. الطلبة الأنجوليون، المنتمون إلى وسط أنغولا وجنوبها، وتلقوا تعليماً في الخارج، وشكلوا "الاتحاد القومي لطلبة أنغولا".

ج. الأعضاء المحليون، التابعون لجميعات المساعدة الذاتية لقبائل: "تشيكوي"، و"تويني"، و"لوتشازي"، ممن وصلوا إلى زامبيا مع اللاجئين الأنجوليين.

وكانت العلاقات قد ساءت بين وزامبيا و"يونيتا"، التي اتخذت منها مقراً لها، نتيجة لقطــع عناصر تابعة لها خط السكك الحديدية، الموصل بين زامبيا وبنجويلا، ما أضر بمصالح زامبيا. ومع بداية التسعينيات، بدأ انحسار الصراع داخل أنغولا بين جبهتين، هما: الحركة الشعبية لتحرير أنغولا "مبلا"، أو بمعني آخر الحكومة الأنغولية، والاتحاد الوطني لاستقلال كل أنغولا "يونيتا". أما الحركة الوطنية لتحرير أنغولا "فنلا"، فعلي الرغم من وجودها، إلا أنّ عملياتها كانت شبه متوقفة.

وظل طرفا الصراع  الحركة الشعبية ويونيتا ـ نشيطين، يساندهما تحالف متنوع الأطراف؛ فحكومة أنغولا (حركة مبلا) ـ نظراً لعلاقاتها ومعاملاتها السّابقة مع كوبا، في الشؤون السياسية والعسكرية أيام الحرب الباردة ـ استثمرت تلك العلاقات في صراعها مع "يونيتا"، كلما استلزم الأمر ذلك. ومن ظاهر ذلك، إرسال كوبا في أوائل عام 2000 خبراء ومستشارين عسكريين إلى أنغولا، قدر عددهم بحوالي خمسة آلاف. ويلاحظ أنه على الرغم من معرفة الولايات المتحدة بذلك، إلا أنها لم تصدر بياناً يستنكر أو يحذر، من مغبة التدخلات الأجنبية. ويبدو أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر تحمساً للتعاون مع الحكومة الأنغولية، على حساب "يونيتا"، حليفها السابق في أنغولا. ولعل ذلك هو أحد نتائج انتهاء الحرب الباردة، طالما أن الحكومة الأنغولية بدأت عملية التحول الديموقراطي، وأخذت في تعزيز علاقاتها مع الغرب.

كما أن قوات "يونيتا" بدأت في شراء أسلحة حديثة، عبر التجارة غير المشروعة، مثل مدافع بعيدة المدى من إنتاج جنوب إفريقيا، وقواذف صواريخ سوفيتية الصنع، (اشترتها الحركة من أوكرانيا). كما أنها استفادت من خدمات خبراء ومستشارين عسكريين من المملكة المغربية. كذلك نشط طيارون في قيادة الطائرات الحربية لطرفي الصراع، تعاقدت معهم شركات الأمن، من أوكرانيا وجنوب إفريقيا وكوبا، وغيرها.

   وكانت ميزانيات الحرب في أنغولا ضخمة، ومصادرها لا تتوقف أو تنضب. فالحكومة تتحصل على عوائد بترولية يومية تقدر بحوالي عشرة ملايين دولار، دفعتها شركات أمريكية وفرنسية وبلجيكية وبريطانية. كما تبيع الماس، المستخرج من مناجم تحت سيطرتها، بما تصل قيمته إلى حوالي أربعمائة مليون دولار سنوياً. أما "يونيتا" فتعتمد على تجارة الماس غير المشروعة، وتصل مبيعاتها سنوياً إلى حوالي خمسمائة مليون دولار. ويُذكر أنها باعت خلال الفترة ما بين عامي 1992 حتى 1998، ماساً يقدر بحوالي أربعة مليارات دولار، على الرغم من قرار الأمم المتحدة، الصادر في يوليه 1999، بحظر التجارة غير المشروعة في الماس، ومع ذلك فالتجارة مستمرة.

   بعد هزيمتها عسكريا في 2002، ضعفت قوة يونيتا وانقسمت ما بين زعيم الحزب المنتخب في 2003 "إيسياس ساماكوفا" Isaias Samakuva، ومجموعة من السياسيين والعسكريين الآخرين. فشلت يونيتا تكتيكيا في الانتخابات الأولى ما بعد الحرب، إلا أنها لم تتخذ خطوات آنذاك تهدف إلى إفساد العملية الانتخابية. وكان الهدف من هذه الخطوة الاستراتيجية هو مكافحة فكرة أن الحزب "داعية للحرب" وغير قادر على التنافس في اقتراع سلمي.

   ونجحت يونيتا في إعادة تشكيل بنيتها من جديد كحزب سياسي. كما أنها نشطت جهازها الاستخباراتي والمعلوماتي القديم لأغراض الدعاية السياسية والانتخابية. ودشنت حكومات ظل بالتوازي مع حكومة حزب الحركة الشعبية (حكمت يونيتا بالفعل دولة موازية في جنوب أنغولا أثناء الحرب الأهلية). وحققت تقدما في الانتخابات الماضية، ومن المنتظر أن تحقق نتائج جيدة أيضا في انتخابات هذا العام.

اللقاء من أجل الخلاص الوطني

   انشق أحد قيادات "يونيتا" ويدعي "شيفوكوفوكو" Chivukuvuku ، في مارس 2012 ليؤسس تحالفا واسعا من أحزاب سياسية أصغر يهدف إلى تدشين طريق ثالث لأنغولا بعيدا عن التيارين الرئيسيين المتنافسين، الحركة الشعبية ويونيتا، مؤسسا اللقاء من أجل الخلاص الوطني. ويعتبر الآن بمثابة جسرا ما بين الجماهير المؤيدة للحركة الشعبية وتلك المؤيدة ليونيتا، وأصبح معقلا لانتماءات سياسية مختلفة. إلا أن هناك تباينا في الآراء حول هذا الائتلاف، بين من يقول أنه صناعة حكومية لإضعاف يونيتا، ومن يقول أنه بديل سياسي تحتاجه أنغولا بشدة.   

   ويتلخص البرنامج السياسي للقاء من أجل الخلاص في إنهاء حكم "دوس سانتوس" بشكل وطني، قانوني وسلمي، تعزيز السلام ، المصالحة الوطنية، تحديث الدولة عن طريق الإصلاح الهيكلي وتأسيس نظام سياسي جديد.

الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا

   بدأت على أساس أنها تجمع عرقي "قبلي"، في عام 1954. وكان هدفها الأساسي إحياء مملكة الكونغو القديمة، ثم تحولت إلى حركة كفاح مسلح ضد البرتغال، في عام 1961. وقد تزعم الجبهة منذ نشأتها "هولدن روبرتو"، وهو رجل أعمال، وصهر الرئيس الزائيري الأسبق "موبوتو سيسيسيكو". وقد اتخذت تلك الجبهة، من كينشاسا مقراً لها، واعتمدت أساساً في تكوينها على قبيلة "كيكونجو" الكبرى، التي تقيم في شمال أنغولا، وتمثل حوالي 25% من السكان، وتضم في فروعها جماعة الباكونجو، الذين يتوزعون بين الكونغو "كينشاسا"، وأنغولا، وكانوا يمثلون الركيزة الأساسية، لروبرتو هولدن. وكانت الجبهة الوطنية تمثل التوجه الغربي بين حركات التحرير الأنغولية. وهي بحكم تكوينها، تمثل الجماعات الأكثر ثراء، التي ترتبط برؤوس الأموال الأجنبية، والمصالح الغربية في المنطقة. كما أن اعتمادها على الباكونجو، واللاجئين الأنجوليين، في الكونغو "كينشاسا"، وممارستها لأنشطها من خارج أنغولا، أدى إلى إضعاف قاعدتها الشعبية السياسية، وإلي تنامي شعور قوي بأنها فقط امتداد لنفوذ كينشاسا في أنغولا. وقد تلقت الجبهة منذ البداية، مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين، إضافة إلى الكونغو "كينشاسا".

وقد نجحت الجبهة من السيطرة على الحكومة الأنغولية في المنفي، ونالت اعتراف العديد من الدول الإفريقية، إضافة إلى منظمة الوحدة الإفريقية. إلا أن تلك الحكومة جرى حلها بعد سحب معظم الدول اعترافهم بها، وكذلك فعلت منظمة الوحدة الإفريقية. وكانت الجبهة قد فشلت في الوصول بنضالها، في محاربة القوات البرتغالية، إلى مرحلة الثورة الشعبية، وظل نضالها محدود النطاق، نتيجة عوامل عدة منها:

أ. إصرار البرتغال، في تلك المرحلة، على مواصلة استعمارها لأنغولا، خصوصاً بعد ظهور البترول، في إقليم كابندا الأنجولي، إضافة إلى إمداد الغرب، وحلف شمال الأطلسي البرتغال، بمساعدات عسكرية، مكنتها من مواصلة ضرب عمليات الكفاح المسلح في أنغولا، وفي إطار محافظة الغرب على مصالحه المتعددة هناك.

ب. فشل الجبهة في تحقيق التوازن القبلي/ العرقي داخلها، حيث ظلت قيادة الحزب، والجيش، منبثقة عن قبائل الباكونجو. وقد اتضح ذلك الاتجاه الإقليمي، والقبلي، والعرقي، من الانقسامات التي طرأت على الجبهة، منذ عام 1962، باستقالة عدد من القادة العسكريين في حكومة المنفي، واتهامهم روبرتو، بالعمل على تمزيق الجيش، وتطهير معارضيه واغتيالهم، ثم استقالة وزير خارجية الحكومة "سافيمبي"، بعد اتهامه روبرتو بمحاباة أقاربه، وانحيازه للباكونجو.

ج. تركيز الجبهة الوطنية على العمل العسكري، وإهمالها التعبئة السياسية، والتنظيم الشعبي، داخل أنغولا. ولعل مرد ذلك هو وجود قيادة الجبهة ومقرها خارج حدود أنغولا، في الكونغو "كينشاسا"، ثم تراخيها بعد ذلك عن العمل العسكري، واهتمامها بالنشاط الدبلوماسي والسياسي، خصوصاً في فترة حكومة المنفي.

   وبعد انتهاء الحرب الأهلية، انقسمت الجبهة قبل انتخابات 2008 إلى فصيلين متنافسين بقيادة نغولا كابونجو، خليفة مؤسس الجبهة "هولدن روبرتو"، ولوكاس نجوندو، والذي يقال أن حزب الحركة الشعبية هو الذي يموله. واتهم كابونجو الأمين العام للحركة الشعبية، دينو ماتروس"، بأنه وراء هذا الانقسام الداخلي. وشارك فصيل كابوجو في انتخابات 2008، بينما دعا نجوندو إلى المقاطعة. وفي 2011، في تناقض واضح مع قرار المحكمة الدستورية بالسماح لفصيل كابونجو بالمشاركة في الاقتراع (فاز بثلاث مقاعد فقط)، حكمت المحكمة أن "نجوندو" هو الزعيم للجبهة الوطنية لتحرير أنغولا.

الربيع الأنجولي.. احتجاجات الشباب والمقاتلين السابقين

   في نفس الوقت الذي كانت فيه أحداث الانتفاضات تضرب شمال إفريقيا، بدأت مجموعات صغيرة من الشباب في الاحتجاج في لواندا. في خطوة غير مسبوقة، تمكن حشد ليس ضخما من الشباب من حشد زخم أصاب الجهاز الأمني بالاضطراب وأثار النظام. حتى أن دعوة غير معلومة المصدر إلى الخروج في تظاهرات عامة في السابع من مارس 2011، قوبلت بتنظيم 30 ألف من قوات مكافحة الاحتجاجات بتكلفة بلغت 20 مليون دولار. بحيث قال كثيرون أن أثر الاحتجاجات الأنجولية يكمن في كسرها لحاجز الخوف، أكثر منه أثرها أو زخمها الفعلي. وأصدرت الحركة الشبابية بيانا تأسيسيا (مانيفستو) يطالب بـــــ: الإطاحة بالرئيس، المساواة في توزيع الثروة، العدالة والمساواة الاجتماعية، انتخابات رئاسية مباشرة مع تعديل المادة 109 من الدستور، و احترام المادة 107 من الدستور، والتي تنص على إنشاء لجنة انتخابية مستقلة. هذه الأحداث نتجت عن عقد كامل عم فيه السلام أنغولا، في الوقت نفسه الذي انتشر فيه الفساد الحكومي، استئثنار نخب قليلة بأرباح بيع واستثمار الثروات الطبيعية للبلاد بينما يقبع الغالبية العظمى للمواطنين في الفقر، ربط استكمال مشروعات البنية التحتية بتوقيتات الحملات الانتخابية فقط.. بينما تمر سنوات وسنوات من دون إكمال أي مشروع للبنية التحتية، وأيضا تراجع قطاعات اقتصادية مثل الزراعة والصناعة.

    تفاقمت الأمور بعد أن ردت الشرطة بقسوة على الاحتجاجات، وتحولت المجموعات الشبابية قليلة العدد نسبيا إلى حركة اجتماعية أكبر، قوبلت بقوة أكبر وشملت نشر ميليشيا "كونغولية" بقيادة أنغولية. وعينت الرئاسة اثنان من كبار الشخصيات، مدير أمن الرئاسة، مانويل هيلدر فيرا دياس، ومدير الاستخبارات العسكرية، جوزي ماريا، داخل الجهاز الأمني التابع للنظام بهدف مراقبة الوضع. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى عواصم الولايات.

  وبدأت منظمات غير حكومية في أنغولا مثل منظمة "أومونجا" في جمع شهادات من أفراد تعرضوا للاختطاف والتعذيب بواسطة الشرطة. ويبدو أن القمع وصل إلى مستويات مرتفعة للغاية. بحيث وقع العديد من أعضاء حزب الحركة الشعبية الحاكم على رسالة مفتوحة للرئيس تطالب بإنهاء القمع وإدانة العنف. هذه الحركة، التي ركزت في 2012 على المطالبة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، تحولت لاحقا إلى مرصد لشفافية الانتخابات. وقدم موقعها على الإنترنت تقارير مفصلة حول التجاوزات والمخالفات في الولايات الثمانية عشر. 

وفي تطور آخر غير متوقع، خرج 3 آلاف من الجنود الذين تم تسريحهم من الأجنحة العسكرية لكل من أحزاب اليونيتا، والحركة الشعبية لتحرير أنغولا والجبهة الوطنية لتحرير أنغولا، في مسيرة إلى وزارة الدفاع في السابع من يونيو للمطالبة بإعانات تقاعد. واستطاعت وساطات من جهة ضباط من القوات المسلحة الأنغولية إيقافهم ومنعهم من الوصول إلى قصر الرئاسة. ووعد رئيس الأركان الأنغولي، ساشيبنجو نوندا، بحل الوضع سريعا، ولكن في العشرين من يونية من نفس العام، خرج الجنود المتقاعدون مرة أخرى في مسيرة، فرقتها قوات الأمن. وألقت القبض على العشرات منهم. وتكمن خطورة مثل هذه المسيرات – والتي من المتوقع تكراراها – في العدد الكبير للجنود المتقاعدين (يُعتَقَد أن عددهم حوالي 300 ألف جندي)، الانقسامات الإثنية والسياسية، وانتشار الأسلحة الخفيفة بين أيدي المدنيين. والمشكلة أن تسوية مشكلة إعانات المتقاعدين تتطلب أكثر من بليون دولار – وهو رقم يصعب تأمينه على ضوء الأزمة الاقتصادية المتزايدة في البلاد، خاصة مع استمرار انخفاض أسعار النفط.

   كذلك، خرجت قطاعات أخرى من الأجهزة الأمنية والعسكرية في احتجاجات. أبرزها ما حدث أواخر مايو 2012، عندما خرجت وحدات احتياطية في الحرس الرئاسي في مسيرة ليطالبوا بإعانات تقاعد أيضا. في أعقابها اختفى اثنان من زعماء هذه الحركة ويقال أنهم قُتِلوا. كان الجيش دوما أحد ركائز النظام المهمة، ولكن الحرس الرئاسي ظل بمعزل عن الجيش كي يضمن "دوس سانتوس" ولاؤه. وعلى الرغم من أن وحدات الجيش الرئاسي تحظى بمزايا مادية أعلى نسبيا. أو هكذا يعتقد الكثيرون هناك، فإن الإحباط وعدم الرضا قادها إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة مثل رفع علم "يونيتا" في ثكناتها.