المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

استحقاقات التورط في صراعات الجوار.. تركيا في مواجهة "التهديدات المركبة"

الأربعاء , 05 يوليو 2017 - 11:09 صباحاً

عملية أنقرة الإرهابية
عملية أنقرة الإرهابية

تتصاعد عمليات الإرهاب العشوائي في تركيا، بسبب تزايد وتيرة هجمات “الذئاب المنفردة" التي ترتبط بصورة أو بأخرى بعدد واسع من الجماعات الإرهابية والإيديولوجية والعرقية. فمنذ منتصف العام الماضي ارتفع منحنى العمليات الإرهابية التي وقفت وراءها عناصر ترتبط بحزب العمال الكردستاني PKK، من جانب، وجبهة التحرير الثوري اليسارية (c)، من جانب ثان، وتنظيم “داعش" ISIS، من جانب ثالث، كما برزت من جانب رابع، أدوار منظمة صقور حرية كردستان TAK، والتي استطاعت أن تقوم باختراقات أمنية ضخمة في مدن رئيسية وفي مواقع تتصف بـ"السيادية"، حيث قلب مدينتي أنقرة واسطنبول. هذا فيما تصاعدت ظاهرة "الأكراد الدواعش"، بما خلق ما يمكن أن يطلق عليه بـ "التهديدات المركبة".

 

تصاعد العمليات الإرهابية:

شهدت العاصمة التركية أنقرة تفجير إرهابي في 17 فبراير 2016، أفضى إلى مقتل نحو 28 شخص أغلبهم من القيادات العسكرية، وقد جاء التفجير بالقرب من مقر رئاسة أركان الجيش ورئاسة الوزراء، بما يمثل اختراق أمني غير مسبوق، وربما يشكل- في جوهره- رسالة رمزية أكثر منها فعل إرهابي عابر. وفي 30 ديسمبر الماضي تم اعتقال رجلين للاشتباه في تورطهما في هجوم بقذائف هاون على مطار صبيحة كوكجن في اسطنبول، في حين تم إغلاق المطار تماما ليلا في 23 ديسمبر 2015. وفي الأول من ديسمبر 2015 أدى طرد مفخخ إلى مقتل شخص بالقرب من محطة مترو بايرامباسا في اسطنبول.

 

 

كما شهدت محطة مترو أنقرة انفجاريين في منطقة أولوس في 10 أكتوبر 2015، بما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن مائة شخص، هذا بالإضافة إلى إصابة أكثر من 180 شخص بجروح. وفي 19 أغسطس الماضي، أدى هجوم مسلح عبر قنبلة صوتية وإطلاق نار كثيف خارج قصر دولما بهجة Dolmabahçe بساحة مسجد السلطان أحمد، إلى قتل نحو عشرة سائحين ألمان، وفي العاشر من ذات الشهر فتح شخصين النار خارج القنصلية الأمريكية العامة في اسطنبول، وفي 20 يوليو 2015، قتَل انتحاري نحو 33 شخصا وجرح أكثر من 100 آخرين في مدينة سروج في محافظة شارلي أورفا الحدودية. وفي الثالث من مارس 2016 أٌطلقت أعيرة نارية وقنابل يدوية ألقيت على مركز للشرطة في منطقة بيرم باشا في اسطنبول.

 

وعلى الرغم من تعدد وتوالي العمليات الإرهابية داخل تركيا، غير أن هجمات السابع عشر من فبراير مثلت الأكبر ليس من حيث عدد الضحايا، وإنما من حيث طبيعة هؤلاء الضحايا، ونمط العملية الإرهابية وموقعها، والقائمين عليها، وفي ظل عدم قدرة الحكومة التركية على تحديد الضالعين فيها بسهولة، وانطلاقا من كونها تمثل العملية النوعية الأكبر من حيث الأثر لذائب تركيا المنفردة، فبعد العملية مباشرة خرج داوود أوغلو ليؤكد أن من قام بالعملية في تركيا هو صالح نجار Salih Neccar المولود في سوريا عام 1992، والمرتبط بوحدات حماية الشعب التركية YPG.

 

بيد أنه بعد ذلك بيومين كذب ذلك تنظيم "صقور حرية كردستان The Kurdistan Freedom Hawks (TAK)، حيث أعلن أن المسئول عن التفجير الانتحاري المواطن التركي عبد الباقي سونيمز Abdulbaki Sonmez من مقاطعة "فان"، وبعد ذلك تداركت السلطات التركية خطؤها عبر تصريحات أكدت على عدم وجود فروق جوهرية بين التنظيمات الكردية "الإرهابية"، مؤكدة رواية التنظيم الكردي، مشيرة إلى أن نتائج الحامض النووي أثبتت أن من قام بالتفجير الانتحاري هو مواطن تركي ولد عام 1989، وأن عائلته أشارت إلى أنه مفقود منذ عام 2005، وأنه انتقل من صفوف حزب العمال الكردستاني في عام 2014 إلى صفوف تنظيم صقور حرية كردستان.

 

وعلى جانب آخر، فقد حظى تفجير "ساحة السلطان أحمد" في إسطنبول بمساحة واسعة من الاهتمام الدولي والمحلي. ذلك أنه قد لا تقف تداعياته على اقتصاد تركيا، فالحادث ضرب السلطات التركية في موجع، خاصة أن الأمر يتعلق بأهم منطقة سياحية في إسطنبول بل في تركيا كلها، وهو ما أثار تساؤلات حول الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية المناطق الأكثر أهمية في البلاد. وبالرغم من أن حصيلة الضحايا حادث أنقرة الأخير وحادث ساحة السلطان أحمد لم تكن الأكبر، غير أنهما كانا الأشد وطأة على تركيا سلطة ومواطنين.

 

دلالات تصاعد العمليات الإرهابية:

تصاعد منحنى العمليات الإرهابية في تركيا أوضح أن الجماعات المتطرفة الموجودة في الجوار السوري والتي استوطنت العديد من المدن التركية الحدودية، ومدت خطوط امتداداتها السرية داخل المدن التركية الرئيسية، أصبح بإمكانها تنفيذ هجمات في تركيا على نحو أكبر من ذي قبل. وتشير بعض التقديرات إلى أن العديد من عناصر هذه الجماعات أصبح يمتلك القدرة على استهداف كافة المناطق والمدن التركية ومن دون استثناء، بما في ذلك أنقرة واسطنبول، فضلا عن المناطق القريبة من الحدود السورية. ويبرز ذلك إلى جانب تصاعد عمليات حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا، في مدن مثل وبيتليس وبينغول، إيلازيغ، باتمان، ارزينجان وديار بكر وأغلب المدن المحافظات الزراعية.  

 

كما يرتبط تصاعد موجات الإرهاب في تركيا بتفاقم المواجهات المسلحة مع حزب العمال الكردستاني على نحو غير مسبوق بعد تفجير سروج في يوليو 2015. ذلك أن حزب العمال الكردستاني اعتبر أن تركيا تتواطأ مع تنظيم داعش وتعمل على غض الطرف عن تحركاته وتساهم على نحو غير مباشر بدعم قدراته في مواجهة الأكراد داخل وخارج تركيا، أملا في أن يشكل ذلك عنصرا ضاغطا على الأكراد وطموحهم السياسي وتحركاتهم العسكرية.

 

ومنذ منتصف أغسطس الماضى - حيث الذكرى السنوية لهجوم حزب العمال الكردستاني الأول ضد المنشآت التركية - تصاعدت عمليات الحزب في المحافظات الشرقية وجنوب شرق تركيا، حيث استهدف قوات الأمن التركية ومقراتها ومعداتها وآلياتها. كما شملت عملياته استهداف البنية التحتية (مثل أنابيب النفط والسدود). وقد شهد العام الماضي عمليات غير مسبوقة سواء من حيث الكثافة أو الكيف.

 

فقد قام عناصر الحزب بنحو 2.099 عمل إرهابي في تركيا منذ بداية عام 2015، حسب الإحصاءات الأمنية التركية، وشملت هذه الأعمال الهجمات المسلحة على الشرطة والمدنيين وذلك عبر أدوات مختلفة ابتداء من العصا والحجارة وانتهاء بالتفجيرات والقنص، مروا بعمليات الاختطاف والأسر لعناصر من الشرطة التركية. وإلى جانب حزب العمال الكردستاني برزت أدوار تنظيم "صقور حرية كردستان". وهذا اللتنظيم معظم عناصره منشقة عن حزب العمال الكردستاني، ويغلب عليه الشباب الذي نشأ وترعرع في أوج تصاعد موجات الصراع التركي- الكردي، بما يجعله أكثر عنفا ورغبة فيما يسميه البعض منهم  بــــ"الانتقام".

 

وعلى جانب مواز، فقد عادت عمليات حزب التحرير الثوري الشعبي  THKP / C-Acilcile، وهو حزب يعادى المصالح الغربية، ويصنف كجماعة إرهابية ويرتبط بجبهة التحرير الثورية (C)، التي شنت سلسلة من الهجمات في اسطنبول في عام 2015، وقد استهدفت عملياته العام الماضي الشرطة التركية وأحد المقار القضائية، كما قتلت المدعى العام في اسطنبول، وكذلك استهدفت البعثة الدبلوماسية الأمريكية في تركيا. وشملت أساليب الهجوم الاعتداءات المسلحة والتفجيرات الانتحارية وتفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي تترك في "صناديق القمامة" وتستهدف المناطق المزدحمة، ووسائل النقل العام.

 

الأكراد الدواعش:

هذا فيما تزامن ذلك مع تصاعد ظاهرة "الأكراد الدواعش", وثمة تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 600 مقاتل في صفوف التنظيمات الجهادية من بلدة بينغول وحدها، والتي تقع في شرق الأناضول، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف مواطن، معظمهم من الأكراد الزازا ( أكراد من أصول عراقية وإيرانية)، فيما تشير تقديرات أخرى  إلى أن العدد أكبر من ذلك، وأن أغلب المناطق الكردية لم تعد تشمل ذئاب منفردة تابعة لحزب العمال الكردستاني، الذي تزايدت قدراته العسكرية على نحو لافت، وإنما أيضا لتنظيمات "داعش" و"النصرة"، في مدن مثل ديار بكر وبيتليس وباتمان وأدايمان، والذين يأتون من الجيل الثاني لـ"حزب الله" الكردي السلفي. ومن المعروف أن مدينة أديامان في جنوب شرق تركيا، والتي خرج منها الشخص الذي فجر نفسه في تجمع للأكراد في مدينة سروج، تمثل أحد المناطق دائمة التفريخ للأكراد الحريصون على الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة في سوريا وعلى رأسها تنظيم "داعش".

 

وتنذر هذه التطورات بتزايد هجمات قطيع "الذئاب المنفردة" الذي بات يتحرك على نحو فردى داخل تركيا وعبر خلايا متناهية الصغر لاستهداف أية أهداف أمنية ثابتة كانت أو متحركة، فضلا عن العديد من المؤسسات المحلية والأجنبية والمقرات الحزبية، بما يشكل تهديدات متصاعدة الحدة لأجهزة الأمن التركية، التي باتت تواجه عمليات نوعية بأدوات غير تقليدية، يصعب التنبؤ بها أو تتبع مسارها أو الرصد المسبق لها، بما يوجد بيئة أمنية ضاغطة. ذلك أن الذئب المنفرد يرتبط بأشخاص تعتنق أيدلوجيا متطرفة، من دون أن يكون ذلك شرطا لانتمائه تنظيما لأحد الجماعات الإرهابية.. فالعمليات الإرهابية في هذه الحالة تخضع لتمويل وتجهيز وتخطيط شبه ذاتي أو عبر مجموعات محدودة العدد نسبيا، ولا تمتلك الأجهزة الأمنية لها سجلات جنائية أو إرهابية مسبقة، بما يساهم في تنامي ظواهر الإرهاب البدائي أو العشوائي، والذي تتنوع أهدافه وعملياته حيال كل ما يمكن أن يلحق خسائر سياسية وأمنية واقتصادية بالحكومة التركية.

 

حصاد الحرب المركبة:

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أعقاب أحداث مدينة سروج بمحافظة شانلى أورفا جنوب البلاد في يوليو الماضي- على يد انتحاري تركي- خوض حرب ضد جميع الجماعات الإرهابية، بما شمل تنظيم داعش، وحزب التحرير الشعبي الثوري اليساري، وحزب العمال الكردستاني.

وبينما كانت العلاقة بين الأطراف الثلاثة وتركيا تشهد حالة أقرب إلى "السلام المؤقت" أو الترقب الحذر، فإن تصريحات أردوغان وسياسات التصعيد العسكري ضمن ما يمكن تسميته "الحرب بالجملة" أعادت المواجهة المسلحة ضد الأطراف الثلاثة ونقلتها من حالة الكمون النسبي إلى وضعية الحرب اللامتماثلة Asymmetric Warefare، متعددة الجبهات، بما جعل العمليات الإرهابية متنوعة الخلفيات والأطراف تأتي في بعض الأحيان متزامنة.

وبينما كان حصاد التصعيد حيال كل من تنظيم داعش وحزب التحرير الشعبي الثوري، تعكس ما يمكن اعتباره تداعيات "الحادث الطارئ" أو "الموجات المتقطعة"، فإن تداعيات التصعيد حيال عناصر حزب العمال جاءت أقرب إلى "حمم البركان النشط". فقد أشارت إحصاءات تركية نشرت في 22 أغسطس 2015 إلى أن حصيلة ضحايا الأمن التركي، جراء هجمات المنظمات الإرهابية بلغت نحو 56 شخصا، سيما في شرقي وجنوب شرقي تركيا، حيث مناطق تمركز الأكراد، فيما بلغ عدد الضحايا المدنيين نحو 15 شخصا.

كما شهدت البلاد إحراق عناصر تابعة للعمال الكردستاني زهاء 203 مركبة، أغلبها شاحنات. هذا في حين بلغ إجمالي قتلى حزب العمال الكردستاني نحو 812 شخصا، خلال العمليات التي نفذتها القوات التركية  داخل البلاد وخارجها، منذ 22 يوليو الماضي، كما أدت الغارات الجوية، خارج البلاد إلى إصابة 450 شخصا، فيما أصيب ما بين 250 -300 آخرين في عمليات جوية داخل البلاد. وحسب المؤشرات التركية، فقد ألقت قوات الأمن القبض على نحو 2057 شخصا في عمليات أمنية  ضد عناصر العمال الكردستاني، وداعش، وحزب التحرير الشعبي الثوري، بولايات تركية عديدة، اعتبارا من 24 يوليو الفائت، وصدرت قرارات قضائية باعتقال 502 منهم.

 

التكتيكات المستخدمة:

تلك الحوادث المتتالية عبرت عن تنامي قدرات خلايا عنقودية لامركزية لجماعات ومجموعات صغيرة بلا قيادة تنظيمية، بما أفضى إلى عجز أجهزة الأمن التركية نسبيا على مواجهة تلك الأسراب الهائمة Swarming Birds، أو الجيوش الإرهابية الصغيرة أو الإرهابيين بدون قيادة، والذي يمارسون ما يمكن تسميته بـ"إرهاب النكاية" بهدف إلحاق الضرر بالحكومة التركية وذلك وفق عدد من التكتيكات:

خطف الرهائن:

تكتيكات خطف الرهائن تعد أقرب إلى عمليات التنظيمات اليسارية في تركيا والتي قامت في مارس 2015 بخطف المدعي العام التركي محمد سليم كيراز، وقتله حينما حاولت الشرطة التركية تحريره، في مكتبه بالقصر العدلي بإسطنبول. وقد أعلنت هيئة الأركان العامة للجيش التركي مؤخرا اختطاف حزب العمال الكردستاني الإرهابي المحظور 10 ضباط بالجمارك، وسائق، يعملون على البوابة الحدودية مع إيران خلال عودتهم من العمل. وقالت هيئة الأركان، في بيان رسمي، إن الضباط اختطفوا أثناء عودتهم من العمل في أتوبيس عند بوابة كابيكوي الحدودية مع إيران.

 

ويمثل ذلك الأسلوب أحد التكتيكات التي اتبعها الحزب من قبل، ففي التاسع من يوليو عام 2008 قام الحزب بخطف ثلاث متسلقين المان، لدفع الحكومة التركية على إيقاف عملياتها العسكرية ضد عناصر الحزب في منطقة جبل آرارات، وقد تم تحريرهم بعد ذلك. وفي نوفمبر 2011 قتلت وحدة من القوات الخاصة التركية شخصا ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني قام بخطف عبّارة ركاب تقل أكثر من عشرين شخصا كانت تقوم برحلة بحرية داخلية.

 

 السيارات المفخخة:

 تزايدت ظاهرة "السيارات المفخخة" في العديد من مدن جنوب شرق تركيا وكذلك في مدينة اسطنبول، بما بات يشكل تحديا أمنيا كبيرا للقوات الأمنية التركية. ذلك أن هذه السيارات تستخدم في عمليات لاغتيال رجال الأمن وتدمير المنشآت الأمنية. وعلى سبيل المثال فقد استهدفت سيارة مفخخة في الحادي عشر من يوليو الماضي مركز شرطة في منطقة سلطان بيلي، بما أوقع عشرة جرحى بينهم سبعة مدنين وثلاثة من رجال الأمن. كما قتل جنديين تركيين في عملية مماثلة في 26 يوليو الماضي، وذلك بعد أن استهدفت رتلا عسكريا بين ديار بكر وبينغول جنوب شرق تركيا. وكانت تركيا قد شهدت سابقا قيام تنظيم داعش بتفجير سيارة مفخخة عند الباب الرئيسي لمعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا في محافظة ادلب (شمال غرب سوريا). بيد أن التطور النوعي في هذه العمليات أن تنظيم حزب العمال الكردستاني بات يستنسخ تكتيك السيارات المفخخة التي يتبعها تنظيم داعش، ولكنه درج في الفترة الأخيرة على استغلال الفوضى الأمنية التي تفضي إليها هذه التفجيرات للدخول في مواجهة مسلحة مع عناصر الأمن التركية.

 

استهداف البعثات الأجنبية:

أصبح استهداف البعثات الأجنبية أحد تكتيكات الأسراب الهائمة التي تحاول استغلال هذه الأحداث لإلحاق الضرر بصورة الدولة التركية، من ناحية، ولإعلان رفض سياسات الدول المستهدفة بعثاتها في الأراضي التركية، من ناحية أخرى. فرغم أن محاولة استهداف القنصلية الأمريكية في اسطنبول في يوليو الماضي لم يلحق أضرار بالقنصلية، غير أنه عبر عن تنامي قدرات بعض العناصر الموالية للتنظيمات اليسارية على اختراق الحصون الأمنية التي تحيط بهذه الهيئات، وذلك على غرار ما حدث عام 2013 حيال السفارة الأمريكية في أنقرة، والتي استهدفت من قبل عناصر تابعة لحزب التحرير الشعبي الثوري اليسارية، بما أدى لمقتل حارس أمن تركي. وفي هذا الشأن كانت صحيفة "حرييت" التركية قد أشارت في 19 فبراير 2015، إلى أن تنظيم الدولة يمكن أن ينفذ هجمات بأسلحة أو قنابل ضد البعثات الدبلوماسية للدول المشاركة في التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة" في كل من العراق وسوريا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وأكدت الصحيفة أن التحذير قد صدر عن وكالة الاستخبارات الوطنية التركية (MIT).

 

 استهداف المواقع السياحية:

أثارت حادثة إطلاق نار في 9 أغسطس 2015 بالقرب من قصر "دولما بهجة"، الذي يضم مكاتب حكومية، في اسطنبول، ويعتبر معلما سياحيا، المخاوف من أن يفضى ذلك إلى نمط مختلف من أعمال العنف قد تستهدف الأماكن السياحية، سيما أنه قد استخدم في الهجوم قنابل يدوية وبندقية آلية، ولم تعلن أي جهة مسئوليتها عن الحادث، بما يعكس طريقة "الطيور الهائمة" التي باتت تنتشر في تركيا.

 

ويجسد هذا النمط من الفعل الإرهابي الرغبة في التأثير على الوضع الاقتصادي الذي يعتمد إلى حد كبير على عائدات السياحة المرتفعة، خصوصا أن البلاد باتت تشهد أزمة تضخم من جراء تراجع سعر صرف الليرة التركية بنحو ثلث قيمتها منذ بداية عام 2015. هذا في وقت باتت تعبر فيه قطاعات واسعة من المستثمرين عن القلق المتزايد من أن تواجه البلاد موجة من العنف تدفع بتشكل "عاصفة عاتية" من الغموض السياسي والاضطراب الأمني.

 

وقد ذكرت شبكة "بلومبرج" الإخبارية الأمريكية أن تراجع أعداد السائحين الوافدين لتركيا منذ شهر أبريل 2015 بالتزامن مع تصاعد أعمال العنف، خصوصا بعد الهجوم الإرهابي في محيط قصر دولما بهجة، والذي يمثل أحد أشهر المواقع الأثرية في اسطنبول، أضحى يعزز مخاوف السائحين من "التواجد في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ".

 

العبوات الناسفة:

يعتبر أسلوب استخدام العبوات الناسفة من التكتيكات التقليدية لعناصر تابعة لحزب العمال الكردستاني وكذلك للتنظيمات الإرهابية في تركيا، وقد لقى زهاء ثماني جنود أتراك في 19 أغسطس الماضى حتفهم، إثر انفجار عبوة ناسفة في أثناء مرور عربتهم المدرعة في مدينة سيرت جنوب شرق البلاد، وذلك بين منطقتي "شيرفان" و"برفاري". هذا في حين لقي 4 من رجال شرطة حتفهم إثر انفجار لغم أرضي زرعته عناصر المنظمة الانفصالية أثناء مرور عربة مدرعة للشرطة في بلدة "سيلوبي" التابعة لمحافظة شرناق بجنوب شرقي تركيا وذلك في 10 أغسطس الخالي.

 

كما قتل مواطن تركي، إثر انفجار عبوة ناسفة مكونة من الـ"TNT"، والـ""C4 زرعها مجهولون في مدخل قضاء جزرا بمحافظة شرناق، جنوب شرقي تركيا، بجانب الطريق من قبل الجناح الشبابي لتنظيم حزب العمال الكردستاني، وذلك في السادس من أغسطس 2015.

 

وكانت المحافظة ذاتها قد شهدت في الرابع من الشهر ذاته مصرع عسكريين وإصابة 4 آخرين في هجوميين منفصلين، عبر تفجير عبوتين ناسفتين. وبعد وقوع التفجير الأول، الذي جاء في محيط بلدة أراكوي أثناء مرور عربة عسكرية، أطلق مسلحون النار على العسكريين من الأسلحة الخفيفة ومدافع الهاون.

 

قنص عناصر الأمن:

 بات أسلوب قنص رجال الأمن أحد التكتيكات المتبعة من قبل ذئاب الجماعات المتطرفة في تركيا، وقد تعرض العديد من عناصر قوة العمليات الخاصة التركية إلى عمليات قنص، فقد قتل أحد العناصر قرب مدينة سيمدنيلي قرب الحدود مع العراق، هذا فيما قتل شرطيين في فضاء جيلان بينار التابع لمدينة شانلي أورفا، وذلك داخل منزليهما.

 

العمليات الانتحارية:

باتت العمليات الانتحارية أحد التكتيكات المتبعة من قبل عناصر التنظيمات الإرهابية في تركيا، وعلى الرغم من أن هذا النمط يرتبط أكثر بعناصر تنظيم داعش، إلا عناصر حزب العمال أضحت تستنسخ أغلب تكتيكات التنظيم، في ظل التفاعل العسكري النشط بين الجانبين على أكثر من جبهة، ففي 10 أغسطس 2015، قام أحد عناصر الحزب بعملية الانتحارية أمام مركز شرطة "سلطان بيلي" بإسطنبول، بما أدى لإصابة 10 أشخاص بجروح، منهم 3 رجال شرطة، ومقتل مدير الشرطة أثناء التحقيق بموقع الحادث. كذلك اتبع نفس التكتيك حينما تم استهداف المركز الثقافي في بلدة سروج في ولاية شانلي أورفا، وذلك لإيقاع أكبر عدد من القتلى والمصابين في تجمع لعناصر من اتحاد جمعيات الشبيبة الاشتراكية التابعة لحزب الشعوب والديمقراطية، وهو الحادث الذي أفضى إلى تصاعد موجة العنف المتبادل بين عناصر التنظيمات الكردية وقوات الأمن التركية.

 

اتجاهات العنف... استدعاء ذكريات سنوات الكابوس المظلمة

تشير اتجاهات تطور الأحداث في تركيا ومساراتها إلى احتمالات تزايد ظاهرة الذئاب المنفردة أو الأسراب الهائمة في تركيا، وذلك بالنظر إلى التصعيد غير المسبوق إعلاميا من قبل تنظيم داعش حيال تركيا، فقد أصدر تنظيم داعش مؤخرا العديد من البيانات والإصدارات التي تدعو إلى شن عمليات إرهابية داخل مدن تركيا المختلفة، كما أشار البعض من مناصري ومريدي التنظيم داخل تركيا عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إلى أن الذئاب المنفردة في تركيا تنتظر إشارة من الأمير" الداعشي. هذا في وقت يتصاعد فيه الاستقطاب العرقي (التركي- الكردي) داخل وخارج تركيا، ويبدو أن حروب العقود القادمة لن يغيب عنها المواجهات التركية - الكردية.

 

هذا الأمر يدفع إلى القول، بإن "الجهاد الفردي" في صيغته القومية المتشددة والدينية المتطرفة أو في نمطه المركب (عرقي- ديني) بات يشكل خطرا متزايدا في تركيا، هذا في حين يشير تنوع تكتيكاته وأدواته وإستراتيجيته إلى احتمالات تصاعد تهديدات "الذئاب المنفردة" أو "الأسراب الهائمة" خلال الفترة المقبلة، لتتبلور تدريجيا حالة أمنية قد تكون أقرب إلى ما يعرف بـ"سنوات الكابوس المظلمة" التي شهدت تركيا موجتها الأخيرة خلال تسعينيات القرن الماضي، ولكن ليس وحسب داخل مناطق جنوب شرق تركيا - والتي باتت أحداثها أشبه بما يجري في سوريا من حيث العمليات القتالية (أبرز مثال بلديتي سور والجزيرة) أو حفر الخنادق وضرب أي مظهر يرمز للدولة التركية- وإنما داخل مختلف مدن تركيا من دون استثناء.

 

ولعل نذر ذلك وقفت وراء قرارات تركيا الخاصة بدعم مرتكزاتها الأمنية على الحدود مع سوريا، والشروع في بناء جدار فاصل بين الدولتين، تم الانتهاء من نحو 250 كيلو متر من إجمالي طوله البالغ زهاء 911 كيلو متر (طول الخط الحدودي بين تركيا وسوريا)، ومن المقرر أن ينتهي بحلول منتصف العام الجاري. هذا بالإضافة إلى العمل على مراقبة هذا الشريط الحدودي على مدار اليوم، وذلك بهدف منع تسلل الإرهابيين من الجانب السوري إلى داخل الأراضي التركية. 

 

 بيد أن هذه الإجراءات على ما يبدو لن تكون كفيلة بمنع تفاقم ظاهرة "الإرهاب العشوائي" أو ردع قطيع "الذائب المنفردة"، الذي باتت تعج بعناصره الساحة التركية، بفعل تنامي التورط في ميادين الصراعات المجاورة، بما خلق ظواهر أمنية متداخلة ومركبة، بعضها قادر على الوصول إلى قلب العاصمة وفي أكثر أماكنها ومراكزها الأمنية حراسة، حيث مقرات رئاسة الوزراء ورئاسة الأركان (مثال حادث 17 فبراير).

 

وقد انعكس ذلك ليس فحسب في تراجع معدلات السياحة على نحو غير مسبوق، وإنما في تحذيرات بعض الدول إلى رعاياها من السفر إلى تركيا، وذلك كما فعلت مؤخرا الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا أن حوادث العنف في تركيا لم تعد قاصرة على نطاق جغرافي معين، وإنما امتدت إلى طول الإقليم التركي وعرضه، كما شملت حوادث إرهابية متزامنة، في عدد من المناطق المتفرقة، بما أصبح يساهم في توزيع المجهود وتشتيت الجهود في مواجهة عمليات يبدو أن الأرجح بالنسبة لمساراتها المحتملة، أنها قد تتفاقم على نحو غير مسبوق خلال الفترة المقبلة، سيما أن القرار بشأن ذلك قد لا يتعلق بمعطيات تحرك تنظيمات إرهابية وجماعات عرقية وقوى أيديولوجية متطرفة، وحسب، وإنما بسياسات قوى إقليمية ودولية تعتبر أن تركيا بفعل سياساتها لن تكون بعيدة كثيرا عما يشهده الإقليم من حيث الارتدادات المضادة وبفعل تصاعد التهديدات الأمنية.