المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

باستخدام القانون أحيانا أو القفز فوقه.. مسيرة أردوغان نحو الدكتاتورية

الأربعاء , 05 يوليو 2017 - 01:06 مساءٍ

رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان

يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مسار الإمساك بجميع خيوط اللعبة السياسية في تركيا بين يديه. واستطاع عبر توظيف كافة الأدوات – باستخدام القانون أحيانا أو القفز فوقه في كثير من الأحيان – سحق خصميه الأكبران في تركيا- عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، وفتح الله كولن زعيم جماعة "خدمة" التي كان أتباعها يمسكون بكثير من مفاصل مؤسسات الدولة التركية - واللذان كانا حتى قبل أقل من 3 سنوات مضت يمثلان فاعلان رئيسيان في المشهد السياسي التركي، ومحركان للتفاعلات بداخله.

 

وفي إطار هذا الصراع ( من أجل الاستئثار بالسلطة والنفوذ في تركيا ) عمد أردوغان ونظامه إلى تنفيذ إجراءات من شأنها تفكيك حركة كولن وحزب العمال الكردستاني بالكامل، وليس إضعافهما. وكذلك، الدخول في مواجهات مع مؤسسات القضاء والإعلام في تركيا، بهدف كبح جميع الأصوات المعارضة، وتطويع الأدوات القانونية والقضائية لصالح نظام أردوغان، وما ينشده من طموحات.

 

هذه الإجراءات الاستثنائية والتي تستعدي قطاعات عديدة من المجتمع التركي، من الصعب التكهن بنتائجها. في الماضي، كانت الأزمات داخل المجتمع السياسي التركي، تُحَل إما بتدخل مؤسسة الجيش، أو تغيير انتخابي عبر صناديق الاقتراع.

 

اليوم، بعد تراجع الجيش عن المشهد السياسي التركي، وتراجع شعبية أحزاب المعارضة الرئيسة نتيجة إصرارها على النهج الإيديولوجي الذي يغفل الاهتمام بالاقتصاد والسياسية الخارجية فضلا عن غياب التلاقي والتنسيق فيما بينها. لا يبدو أن سياسة أردوغان الصفرية، ستفضي إلى إطالة أمد بقاؤه، بل على العكس فإنها تخصم من رصيده. ولكنها ستفضي في الوقت نفسه، وقبل الإطاحة بأردوغان ونظامه إلى عموم الفوضى والاضطرابات، واشتعال الحرب الأهلية الدائرة في مناطق جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية.

 

أردوغان وتفكيك حركة كولن

عام 2013، كتب البعض أن مستقبل تركيا يتحدد بموجب المعادلة التي يشكلها أقوى ثلاث رجال في تركيا والاتفاقات بين بعضهم البعض. وهم؛ رئيس الوزراء آنذاك ورئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان؛ مؤسس حزب العمال الكردستاني المسجون، عبد الله أوجلان؛ والداعية الإسلامي فتح الله كولن، الذي يعيش في منفاه الاختياري في الولايات المتحدة.

 

 يدين الرجال الثلاث بقوتهم لعدد من السمات المشتركة بينهم. أنهم جميعا يسيطرون بنفوذ وجاذبية كبيرة على أتباعهم. ولديهم مهارات تنظيمية غير عادية ورؤى مدهشة للمستقبل ومشروعات مجتمعية بديلة. وبالتالي، فإن التفاعل بين الرجال الثلاث سيحدد مسار مستقبل تركيا.

 

 بعد تطورات غير اعتيادية مرت بها تركيا منذ العام 2013، ومنها الانتصار غير المتوقع لحزب العدالة والتنمية في انتخابات الأول من نوفمبر 2015، يمكن التأكيد على أن أردوغان، مستخدما كل قوته، وبشتى الوسائل المتاحة له، استطاع أن يتجاوز كل العقبات ويصبح "رجل تركيا الأوحد". بينما تراجع كولن وأوجلان، خطوات كثيرة إلى الوراء.

 بالنسبة لأردوغان، كان العام 2013 مريعا. جاء الخطر الأول على نفوذه السياسي في يونيه باندلاع احتجاجات "جيزي بارك"، والتي خرج فيها أكثر من 3 ملايين تركي في 80 من بين 81 محافظة تركية، حسبما جاء في تقارير الشرطة. استهدف الغضب المشتعل في الشوارع أردوغان مباشرة، وليس حزب العدالة والتنمية. متجاهلا أصوات المعتدلين داخل الحزب، قمع أردوغان تظاهرات استمرت شهرا بعنف شرطي دموي وغير متناسب منتهكا الحقوق الأساسية والحريات المفروضة بموجب الدستور.

 

 في ديسمبر 2013، عانى أردوغان من هزة أخرى. هذه المرة على خلفية تحقيقات في قضايا فساد استهدفت وزراء في الحكومة، أعضاء في عائلته، ورجال أعمال مقربين منه. تحدثت الأدلة المقدمة، - بواسطة رجال شرطة وقضاء محسوبين على حركة كولن - والتي شملت تفريغ لمكالمات هاتفية عن فساد ورشاوى على مستويات غير مسبوقة في تاريخ تركيا. كانت هذه القضايا ليس فقط تحديا وجوديا لحكم أردوغان ولكن لأردوغان كشخص، وحفزته للرد بكل قوة وبجميع ما يملك من سلطات على الدولة، السياسة والإعلام. وتم حظر التحقيقات الشرطية وإغلاق القضايا بتدخلات مباشرة وعلنية في السلطة القضائية والتعليق المؤقت لأحكام الدستور.

 

بدا أن حزب العدالة والتنمية وأردوغان خرجا منتصرين من الحرب الشاملة التي وجهتها ضدهما جماعة فتح الله كولن بعد تحقيقات الفساد. على امتداد العامين الماضيين، تمت الإطاحة بالآلاف من المسؤولين القضائيين وضباط الشرطة من المرتبطين بالجماعة، غالبا بشكل غير قانوني. كثير منهم تم طردهم من الخدمة بشكل جماعي، بينما تم توجيه اتهامات لبعضهم بالانتماء "لتنظيم إرهابي" بقيادة كولن. في الوقت نفسه، شنت حكومة أرودغان ولا تزال حملة منظمة تستهدف وسائل الإعلام المعارضة – بتهمة الانتماء لحركة كولن "الإرهابية" على نحو سنفصله في نقطة واضحة.

وفي إشارة واضحة على أن الحرب الحكومية لن تطال وسائل الإعلام "الكولنية" أو أتباع كولن داخل الدولة، شنت الشرطة التركية في السادس من أكتوبر 2015 حملة مداهمات لمكاتب "الكونفيدرالية التركية لرجال الأعمال ورجال الصناعة" في أنقرة، وهي الجماعة التي تمثل مظلة لأصحاب الأعمال داخل جماعة كولن. وتكررت كثيرا حملات مداهمات لمؤسسات تعليمية مرتبطة بالجماعة، حتى أصبحت روتينا شبه يومي.

 

إجمالا، بات كولن اليوم زعيم من دون أنصار، بعد تقييد نفوذه وملاحقة عناصر جماعته. والحركة التي أسسها منذ السبعينيات يتم تفكيكها الآن بشكل تدريجي بواسطة حكومة أردوغان.

 

أردوغان وأوجلان..  من الشراكة إلى فرض العزلة

بالنسبة لعبد الله أوجلان، فإنه في السجن منذ 1999 ولكنه ربما يكون السجين الأشد نفوذا وتأثيرا على مستوى العالم. وينبغي أن نتذكر أن "عملية السلام والتسوية" انطلقت رسميا في 21 مارس 2013، عندما تمت قراءة رسالة من أوغلان يحث فيها وحدات حزب العمال الكردستاني على الانسحاب من تركيا أمام مئات الآلاف من الأكراد أثناء الاحتفال بعيد النيروز في ديار بكر.

 

 واتخذت الحكومة قرارا سياسيا بالاعتراف بأوجلان كوسيط ووضعته في قلب العملية. من هنا جاءت تسمية العملية على اسم جزيرة "إيمرالي" حيث يقضي أوجلان عقوبة السجن المؤبد في سجن خاص هناك. ومع ذلك، فقد عانت عملية "إيمرالي" من نقطة ضعف شديدة الأهمية أطاحت باستمراريتها. هذه المشكلة جاءت بسبب أردوغان.

فقد ربط أردوغان بين عملية إيمرالي وطموحه في تحويل النظام السياسي في تركيا إلى نظام رئاسي، بموجب تعديل دستوري. وجعل من نزع سلاح حزب العمال الكردستاني شرطا سابقا على أية خطوات تالية، وبالتالي، أفسد العملية. رفضت أنقرة أية إجراءات لبناء التوافق أو خطوات إدارية أثناء العملية، والتي انتهت بشن الطائرات الحربية التركية غارات كثيفة في يوليو 2015 على أهداف حزب العمال شمالي العراق. وكان حزب العمال الكردستاني قد أوقف انسحابه من الأراضي التركية في سبتمبر 2013، مشيرا إلى تردد أنقرة وعدم جديتها.

 

عجل بقرار أردوغان بإنهاء عملية إيمرالي، قرار حزب الشعوب الديمقراطي الكردى بدخول انتخابات السابع من يونيو كحزب وليس كأفراد مستقلين، وبنى حملته على شعار " لن نسمح لك بأن تصبح رئيسا تنفيذيا". وبعد أن تجاوز حزب الشعوب نسبة ال 10% المطلوبة لدخول البرلمان، فقد حزب العدالة والتنمية عددا كبيرا من المقاعد، الأمر الذي يصعب من مهمة تحقيق أهداف أردوغان، لكن بانتهازية سياسية شديدة قرر أردوغان أن ينحى مصالح بلاده جانبا، وينتصر فقط لطموحه السياسي.. فرفض التسليم بنتائج الانتخابات، والدخول فى حكومة إئتلافية، ولكن راهن على انتخابات مبكرة.. وكان سبيله إلى ذلك اللعب على وتر الإستقطاب القومى ( التركى – الكردى ) الذى تسبب فى تفاقم الوضع الأمنى بالبلاد.

 

صحيح أن انتخابات نوفمبر الماضى حققت لحزبة فرصة تشكيل الحكومة منفردا، لكنها لم تمنح أردوعان ما أراد ( أى تغيير طبيعة النظام السياسي) ناهيك أن كلفة اللعب على وتر الإستقطاب القومى تبدو باهظة التكاليف على أمن واستقرار تركيا.

الآن، كثير من المدن والقرى في جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، هي اليوم مسارح لمشاهد الدمار الحي وإراقة الدماء. وحتى إذا ما توقفت الصدامات فى الفترة القادمة وبدأت محادثات بين حكومة العدالة والتنمية والأكراد، من الصعب الآن تسمية عملية السلام الجديدة ب "عملية إيمرالي الثانية"، وذلك على خلفية خسارة أوجلان لكثير من شعبيته وقوته، ليس فقط بسبب تحركات أردوغان.

 

ففي تحول جديد منذ استيلاء داعش على الموصل في يونيو 2014، بزغت قيادة حزب العمال الكردستاني، المتمركزة في جبال قنديل بالعراق، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، كحلفاء حقيقيون للولايات المتحدة، روسيا وإيران ضد داعش على الأرض. هذا الوضع الجديد عزز قيادة حزب العمال الكردستاني بشكل لم يحدث من قبل، الأمر الذي يجعل من الصعب على أنقرة أن تستمر في اعتبار أوجلان الوسيط الوحيد وتمضي في طريقها اعتمادا على نفوذ أوجلان داخل تنظيمه، الذي بات جزء كبير منه خاضع لنفوذ قيادات كردية أخرى.

 

حملة أردوغان لإسكات الأصوات الناقدة في تركيا

واجهت وسائل الإعلام القريبة من جماعة كولن ضربات ثقيلة، من بينها الاستيلاء على مجموعة "كوزا إيبيك"، والتي تملك صحيفتين وقناتين تليفزيونيتين. تمت إدانة كثير من الصحفيين بتهمة الانتماء لجماعة كولن، منهم خمسة يجلسون خلف القضبان الآن بتهمة التجسس وإدارة تنظيم إرهابي. مؤخرا، في الخامس عشر من نوفمبر، تم إزالة 13 قناة تليفزيونية ومحطة إذاعية تنتمي لأكبر مجموعة إعلامية لجماعة كولن( سامانيولو) من على القمر الصناعي التركي.

 

وفي الأسبوع الأخير لشهر فبراير الماضي تم حجب قناتي "بانجي تورك"و "آى أم سي"، فيما مايزال رئيس تحرير صحيفة "جمهوريت" في السجن بعد رفض رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان تنفيذ قرار المحكمة الدستورية بالإفراج عنه.

وتوجت الحملة في الرابع من مارس الجاري بقرار وضع صحيفة "زمان" الأكثر انتشارا في تركيا تحت الحراسة القضائية. بعد أن اقتحم المئات من رجال الأمن مبنى الصحيفة، وأمطروا الآلاف من المتظاهرين بقنابل المسيل للدموع، واعتدوا عليهم بالضرب المبرح.

 

وكانت صحيفة "زمان" حتى زمن قريب تخدم حكومة أردوغان بطريقة غير مباشرة، لكن مع انهيار التحالف الوثيق بين جماعة كولن وحزب العدالة والتنمية الحاكم، تحولت الصحيفة إلى عدو لدود للحكومة التركية مثلها مثل وكالة "جيهان" للأنباء، وفضائيات وصحف عديدة تم سحقها نهائيا من الوجود..

 

قصف وقصف مضاد بين أردوغان والقضاء

كشفت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عشية إطلاق المحكمة الدستورية سراح الإعلاميين في صحيفة "جمهورييت" المعارضة جان دوندار وأردام نهاية فبراير الماضي، عن احتقان ملموس بين المؤسسة القضائية ونظام أردوغان.

أردوغان الذي يتهم الصحافيين بالتجسس على خلفية نشرهما صوراً لشحنات أسلحة كان جهاز الاستخبارات يوصلها إلى مسلحين في سوريا، دان قرار المحكمة قائلاً "لا أوافق على هذا القرار، ولا أحترمه، هذه القضية لا ترتبط بحرية التعبير، إنها قضية تجسس أؤمن حتى النهاية بالدفاع عن حرية التعبير لكننى لا أؤمن باستغلالها لمهاجمة البلاد".

 

لم يكن ما حدث بشأن الإفراج المؤقت عن الإعلاميين الأول من نوعه الكاشف عن تدخل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء، فبضغوطات حكومية فرض القضاء التركي وصايته على شبكة "آسيا بنك" المصرفية القريبة من فتح الله كولن المتهم بتشكيل "دولة موازية"، وتم تأميم شركة "كوزا- إيبك" القابضة التى تملك صحيفتين وشبكة تلفزة.

 

ووصلت معاقبة القضاء إلى ذروتها مطلع العام 2015 عندما تم اعتقال قاضيين –متين أوزشيليك ومصطفى يشار- في سابقة أولى ومثيرة بتهمة الانتماء إلى "تنظيم إرهابي" بعدما حكما بالإفراج عن 74 متهماً على ذمة قضية "تشكيل إرهابي" يتزعمة كولن المقيم في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الأسانيد القانونية واشتراطات الإفراج قامت على قاعدة عدم كفاية الأدلة، وإمكانية إكمال سير التحقيقات من دون استمرار احتجاز المتهمين، إلا أن حكومة أوغلو اعترضت على الحكم وعلقت تنفيذه، الأمر الذي أثار عاصفة من الجدل حول هيمنة السلطة التنفيذية.

 

وواصلت الحكومة مسلسل تعقب القضاة المناوئين لها، ففي 14 يناير2014 أصدر المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، قرارا بفصل 5 مدعين من وظائفهم. وجاء قرار فصل المدعين، على خلفية إصدارهم أوامر للشرطة بإيقاف شاحنات تحمل أسلحة، تابعة لجهاز المخابرات التركي، كانت في طريقها إلى جماعات مسلحة متشددة في سوريا، في يناير 2014.

 

اتجاه الرئاسة في تركيا ومن خلفها الحكومة ناحية التضييق على القضاء، جعل الريبة بين القضاء وحكومة العدالة والتنمية هي العنوان الأبرز للمشهد التركي، وتفاقمت الأمور بعد تصعيد في التصريحات تحمل نبرة تحدي من كل الأطراف، ومن بينها تصريح أردوغان عقب نتائج انتخابات الهيئات القضائية في عام 2014 قائلاً إن "الحكومة التركية التي تمكنت من تطهير الدولة من العصابات، ستطهّر مؤسسة القضاء من تلك الشبكات"، في إشارة إلى "جماعة الخدمة" بقيادة الداعية فتح الله كولن.

والأرجح أن أردوغان الطامح إلى تغيير المشهد السياسي بإقرار نظام رئاسي يتيح له مشاركته الفعلية للحكومة في رسم السياسات العامة للدولة يجد حجر عثرة في القضاء الذي ما زال رغم تقييده يمثل شوكة في خاصرة النظام.

 

لذلك لم يكن غريباً بدء حكومة العدالة والتنمية في مطلع مارس الجاري صوغ مشروع قانون يمنع تقديم تظلمات شخصية إلى المحكمة الدستورية، لمنع ما حدث مع دوندار وغل اللذين تخلصا من التوقيف الاحتياطي بعد تقديمهما طلب تظلم شخصي للمحكمة التي رأت أنه لا حجة قانونية لسجنهما احتياطياً.

 

وإذا كان الصراع الخفي والمعلن بين العدالة والتنمية وجماعة كولن قد ألقى بظلاله على المؤسسة القضائية، فإن أحكام القضاء إزاء قضايا الفساد والحريات ومناهضتة لبعض سياسات الحكومة وإجراءاتها الاستثنائية، شكلا عنصراً مهما في تغذية الاحتقان بين القضاء والسلطة التنفيذية. وكان من اللافت حدوث حالة من الصدام الشديد بعد رفض الحكومة أحكام قضائية بإعادة بث تويتر على الشبكة العنكبوتية وكذلك موقع يوتيوب والتراجع عن غلقهما.

 

ووصل الاحتقان حدا غير مسبوقا عقب تمرير البرلمان التركي في العام 2014 قانون يعزز الرقابة التنفيذية على السلطة القضائية، ويمنح وزارة العدل سلطة تعيين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، وبالتالي يكون القضاة وأعضاء النيابة العامة تحت سيطرة النظام الحاكم، وهذا بكل وضوح ضد مبدأ الفصل بين السلطات.

 

ومع تصاعد احتمالات خروج القضاء عن القانون، حذر رئيس المحكمة الدستورية العليا زهدي أرسلان من "خطورة التحكم بالقضاء وجعله أداة لتحقيق أهداف سياسية"، وانتقد بشدة تصريحات أردوغان بحق المحكمة الدستورية، معتبراً أن "القرارات التي تتخذها المحكمة الدستورية ملزمة للجميع، ولكل المؤسسات" وأضاف "نحن نقوم بعملنا، ولسنا إلى جانب أي شخص أو ضد أي شخص"، ولفت إلى أن "دولة ديمقراطية دستوريا، هي دولة تُفرض فيها قرارات القضاء على القادة والمواطنين".

 

ولم يكن تحذير أرسلان هو الأول من نوعه، فقد سبق وأن وجه كبير القضاة السابق هاشم كيليش قبل استقالته في مارس 2014 انتقادات شديدة لأردوغان وحكومة العدالة والتنمية، وحذر من خطورة أن يتحول القضاء في البلاد إلى "أداة انتقام" على يد السلطات السياسية بعد أن عززت شخصيات مدعومة من الحكومة قبضتها على محاكم رئيسية. وفي الذكرى الـ 52 للمحكمة الدستورية أتهم كيليش حكومة أردوغان آنذاك بممارسة سياسة إلقاء الرعب في قلوب موظفي القضاء بخصوص مصيرهم ومستقبلهم. وأطلق على هذه الممارسات اسم “الفساد الأخلاقي". وكانت انتخابات الهيئات القضائية الأخيرة قد عززت مساعي الرئيس التركي أردوغان لكبح السلطة القضائية وتخليصها من نفوذ المحسوبين على غريمه السياسي فتح الله كولن.

 

في هذا السياق العام يمكن القول أن المعركة بين القضاء وأردوغان قد تستمر طويلا، خصوصا وأن المحكمة الدستورية في تركيا تمكنت من توجيه ضربة قوية لرئيس الوزراء الذي يسعى إلى الإمساك بأعصاب المؤسسة القضائية، عندما ألغت جملة من القوانين التي أقرتها الحكومة ووافق عليها البرلمان التركي، بما فيها توسيع صلاحيات وزارة العدل، وإخضاع المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين لرقابته. وجاء قرار المحكمة الدستورية بالإفراج عن صحفيي جريدة "جمهورييت" ضربة قاصمة لمساعي أردوغان بتقييد حرية الصحافة المعارضة.

 

الخلاصة

كان لرحلة صعود أردوغان واستئثاره بلقب "رجل تركيا الأقوى"، ثمنها الباهظ. إذ خصم من رصيد البلاد على المستويات الدستورية، القانونية، الديمقراطية وحتى تماسك المؤسسات ذاتها. ففي كل مرة يفقد فيها أردوغان بعضا من نفوذه، يتحرك لاستعادته مستخدما كل ما تبقى له من قوة، وبأي ثمن. ربما يتراجع أردوغان أحيانا، ولكنه أبدا لا يتصالح ولا يتوافق، بل يلعب دائما لعبة صفرية إما غالب أو مغلوب. محصلة هذا، أن أصبحت حكومة حزب العدالة والتنمية "نظام أردوغان".

 

في واقع الأمر، لا يبدو حتى سيناريو الانقلاب على أردوغان من داخل حزبه ممكنا. كما حدث من قبل في التسعينيات، بالإطاحة بنجم الدين أربكان وإعادة تشكيل الحزب بتغليب العناصر المعتدلة آنذاك، وتنحية العناصر الأكثر تشددا. اليوم، يبدو أن صقور الحزب وعلى رأسهم أردوغان، يعملون على تنحية كافة العناصر التي يمكن أن تنافس أردوغان. وفي إشارة رمزية إلى تماهي الحزب مع شخص أردوغان، تمت إزالة أسماء العديد من أعضاء حزب العدالة والتنمية، بمن فيهم الرئيس السابق عبد الله جول، من القائمة الرسمية للأعضاء المؤسسين للحزب على الإنترنت.

 

الآن، ألقت تداعيات السياسات التسلطية والأزمات بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وأيضا انتشار إرهاب داعش داخل تركيا، -رغم إصرار حكومة العدالة والتنمية على أن داعش لا تمثل التهديد الأكبر على تركيا، بل حزب العمال الكردستاني - بآثارها على الاقتصاد التركي. وانخفضت قيمة الليرة التركية لتعادل 3 إلى 1، بعد أن كانت تساوي الدولار الأمريكي عام 2008.

 

أما الأسوأ من ذلك كله، فهو أن انهيار المفاوضات بين حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني في العام الماضي أعاد إشعال جذوة الصراع العسكري الذي كان الكثيرون قد أملوا بأن تكون تركيا على وشك حله. والآن، يواصل الجنود والمدنيون الأتراك الموت في الصراع المتفاقم الذي ليست لدى الحكومة خطة واقعية لوقفه أو الفوز به. وينذر التفجيران المروعان الذان وقعا في تركيا في فبراير ومارس من هذا العام، والذي نفذه فصيل منشق عن حزب العمال الكردستاني، بانتشار العنف الذي يمكن يعيد تركيا مرة أخرى إلى أجواء  الحرب الأهلية التي دمرت البلاد في السبعينيات والثمانينيات.