المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"بن قردان".. نقطة تحول .. استراتيجية داعش في تونس

الخميس , 06 يوليو 2017 - 03:00 مساءٍ

ضحايا هجوم بن قردان
ضحايا هجوم بن قردان

المعطيات والتطورات الأخيرة، الخاصة بالملف الأمنى فى الساحة التونسية، تشير بوضوح شديد إلى أن هجوم السابع من مارس الجارى هو بمثابة نقطة تحول في معركة تونس ضد تنظيم داعش.

وكانت مجموعة مسلحة قد اخترقت الحدود من ليبيا إلى تونس في السابع من مارس الجاري، لتنفذ سلسلة من الهجمات المتزامنة والمنسقة ضد قوات أمن تونسية في بلدة "بن قردان" الحدودية شرق تونس. استهدفت الهجمات قاعدة عسكرية، نقطة حرس وطني، وقسم شرطة، لتخلف وراءها 53 قتيلا ( 35 مسلحا، 11 من عناصر الأمن التونسي و 7 مدنيين).

 

جاء هذا الهجوم بعد أقل من أسبوع من حملة شنتها قوات الأمن التونسية أسفرت عن وفاة خمسة مسلحين في أحد المنازل بالقرب من بن قردان. وكان تصاعد التهديدات بشأن اختراقات حدودية قد أجبر الحكومة التونسية بالفعل على بناء جدار حدودي عازل بطول 125 ميل.

 

وفى هذا الإطار يشير الهجوم الأخير إلى تصاعد واضح في القدرة العملياتية للعناصر الداعشية في تونس. حتى أن الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، نعت تلك الهحمات بــ"غير المسبوقة"، مضيفا أن الدافع وراءها ربما السيطرة على البلدة، والإعلان عن ولاية جديدة، عبر السيطرة على شرايين البلدة الحدودية، والمتمثلة فى: منطقتي الحرس والأمن والثكنة العسكرية.

 

وبناء على ذلك، ربما تتطلب قراءة الأهداف والخطط المتحولة للجماعات الإرهابية فى تلك المنطقة، أولا تحديد السياقات الأمنية والجغرافية والاجتماعية للهجمات، خاصة وأن تلك السياقات يبدو أنها أهلّت بدرجة كبيرة مدينة بن قردان، للاضطلاع بأدوار لوجيستية في الحسابات الاستراتيجية للجماعات الإرهابية.

 

بن قردان معقل داعش الاستراتيجي في تونس

تتمتع بلدة "بن قردان" بسبب موقعها الحدودي، بمكانة ذات طابع استراتيجي داخل حسابات تنظيمي الدولة ”داعش“ وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وحسب تقارير تونسية رسمية فإن الأنشطة الإرهابية التي عرفتها المدينة تمثلت أساسا في إرسال الجهاديين إلى بؤر القتال في سوريا والعراق وليبيا المجاورة وتسهيل مرور الأسلحة وتخزينها. وفي هذا السياق، وحسب بيانات سابقة لوزارة الداخلية التونسية، فقد تم تفكيك خلايا إرهابية متمركزة ببن قردان.. حيث أشار بيان رسمي صادر في 5 ديسمبر 2015 إلى أن وحدات مكافحة الإرهاب والاستعلامات بإقليم الحرس الوطني بمدنين تمكنت من الإطاحة بخلية بمنطقة بن قردان تتكون من خمسة عناصر تابعة لتنظيم القاعدة، وقد أشار ذات البيان إلى أن أهداف هذه الخلية تتمثل في استقطاب الشباب وإرسالهم إلى ليبيا.

 

وفي فترة سابقة أعلنت وزارة الداخلية في الخامس من يوليو 2015 أنها أحبطت عملية تسلل أشخاص إلى داخل ليبيا عبر منطقة بن قردان بغية الانضمام لتنظيمات إرهابية. وفي بداية مارس 2015 أكدت السلطات التونسية اكتشاف ثلاثة مخازن للأسلحة في وادي الربايع ووادي فيسي بمنطقة بن قردان، كان من المنتظر أن يتم تهريبها إلى الجماعات الإرهابية المتمركزة في جبال القصرين، وقد ضمت المخازن حسب مشاهد مصورة بثتها إذاعة تطاوين أسلحة خفيفة وقاذفات ”آربيجي“ ومواد متفجرة.

 

من ناحية أخرى، معروف أن التوانسة يمثلون المكون الأكبر من المقاتلين الأجانب العاملين في صفوف داعش. وهناك معلومات تشير إلى أن العناصر المجندة حديثا من تونس تذهب مباشرة للانضمام لصفوف الجماعة في ليبيا.

 

وفى السياق ذاته، عُرفت بلدة "بن قردان" تحديدا بأنها مركزا لتجنيد العناصر الجديدة لصالح داعش وجماعات جهادية أخرى، الأمر الذي يجعل الطفرة الأخيرة في نشاط داعش في هذه البلدة مقلقا بشدة للمسؤولين في تونس. ففي ديسمبر 2015 كان هناك حوالي 6000 تونسي من بين المقاتلين الأجانب في سوريا و العراق، من بينهم 15.2% من بن قردان، علاوة على هذا أشارت القائمة التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية بتاريخ 23 نوفمبر 2015 إلى أن هناك 44 عنصرا إرهابيا تسللوا إلى ليبيا من بينهم 10 عناصر ينحدرون من منطقة بن قردان.

 

وحسب مصادر استخباراتية تونسية، فإن المسلحين الذين نفذوا الهجمات على متحف باردو في تونس العاصمة وفي منتجع " ريو إمبيريال مرحبا" في سوسة، تلقوا تدريبا في معسكر لداعش بالقرب من بلدة "صبراتة" الليبية. ذلك المعسكر كان هدفا لضربة جوية أمريكية في التاسع عشر من فبراير2016، بعد أن قالت مصادر استخباراتية أن مسلحي داعش يجهزون لهجوم آخر. استهدفت الضربة الجوية بشكل خاص المدعو "نور الدين شوشان"، العضو التونسي البارز في ( داعش - ليبيا) والذي كان مسؤولا عن تجنيد وتدريب التونسيين لتنفيذ هجمات داخل بلدهم الأم.

 

الارتباط بين التهريب والنشاط الإرهابي

 منذ عقود، تمثل التجارة الموازية أو التهريب، النشاط الاقتصادي الرئيسي بمنطقة بن قردان الحدودية،  حيث أشار آخر تقرير أصدره البنك الدولي أن حوالي 3800 شخص من سكان بن قردان يمارسون نشاط التهريب. وحسب مصادر اقتصادية تونسية، فقد بلغ حجم أنشطة التهريب والتجارة الموازية على الحدود الليبية 1200 مليون دينار بهامش ربح تبلغ قيمته 300 مليون دينار، وتشمل هذه الأرقام فقط البضائع التالية: المواد الغذائية والملابس والأحذية والمعدات المنزلية، وذلك دون احتساب السجائر والمواد البترولية التي تسجل معدلات ربح أعلى بكثير من البضائع الأخرى.

 

وقد توسعت الشبكات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالتجارة الموازية لتشمل العديد من المناطق المتاخمة ومدن أخرى وسط البلاد وشمالها. وفي هذا السياق تشير التقارير الرسمية إلى أن بن قردان لا تشكل حالة استثنائية لأن الاقتصاد الموازي ( غير الرسمى) يمثل تقريبا نصف الاقتصاد الوطني فى تونس.

 

ومن المتوقع أن تنتبه التنظيمات الإرهابية إلى التهريب وتخضعه لمصالحها، خصوصا وأنها تمتلك رصيدا تاريخيا في تهريب الأسلحة والمقاتلين في تجارب سابقة. ولكن توظيف التهريب الذي قام أساسا على جلب الأسلحة أصبح يتقاطع مع أنشطة التهريب العادية التي تتغذى منها التجارة الحدودية الموازية، الأمر الذي جعل البعض يردد مقولة ”الإرهاب والتهريب صنوان“.

 

ما سبق يعني أن تطوّر النشاط الإرهابي ببن قردان بات مرتبطا بمدى قدرة هذه الجماعات على تطويع مسالك التهريب والتجارة الموازية وإخضاعها لمصالحها، علاوة على مدى نجاحها في تعزيز شبكات محلية من المتعاونين والمُجَنّدين، على النحو الذي يسمح بتوسيع نطاق الهيمنة على المدينة. ويعني أيضا أن تعطيل هذه الأهداف مرتبط أساسا بالخطط الأمنية الكفيلة بكسر الارتباط بين التهريب والتنظيمات الإرهابية، وتفكيك الشبكات المحلية الموالية لها، والتي يبدو أنها تضطلع بأدوار متمثلة أساسا في الاستقطاب وتخزين الأسلحة وتأمين عبور العناصر الإرهابية، وهذه الخطط الأمنية مرهونة مبدئيا بخفض التوتر القائم بين بعض الأجهزة الأمنية، والمؤسسة العسكرية.

 

استراتيجية داعش في بن قردان

من الممكن أن تكون هجمات السابع من مارس الجارى مجرد وسيلة لاختبار دفاعات الأمن التونسي. والاستعداد لمحاولة أشمل وأضخم للاستيلاء على بن قردان. وبما أنها تمثل ملاذا آمنا للسلفية الجهادية، فإن الاستيلاء على البلدة سيكون له أهمية رمزية بالنسبة لداعش. وفى هذا السياق ذُكِرَ أن الزعيم السابق للقاعدة في العراق( التنظيم الذي خرجت من رحمه داعش) أبو مصعب الزرقاوي قال : " لو كانت "بن قردان" تقع بالقرب من الفلوجة، لكنا حررنا العراق".

 

كذلك، تقع البلدة عند مفترق طرق التهريب الرئيسية، ولطالما تم استخدامها كمركز للتهريب. وعليه فإذا ما كانت داعش تخطط للتمدد داخل تونس، فإن بن قردان ستكون رأس جسر مثالي لها.

 

ومع ذلك، فإنه من المرجح أكثر أن داعش ستستمر في توظيف مواقعها في ليبيا لإثارة الاضطرابات في تونس. إذ أثبتت هجمات السابع من مارس أن الجماعة ليست قوية بما يكفي للسيطرة على أراض داخل تونس، إذ أن قوات الأمن التونسية، رغم نقاط ضعفها الهيكلية، لا تزال أكثر تفوقا عليها ومدعومة من الغرب. ففي الأول من مارس، قبل وقوع حوادث بن قردان، أعلنت المملكة المتحدة عن انتشار قوات عمليات خاصة في تونس لمساعدة حرس الحدود. وفي الثامن عشر من مارس، بعد الحادث، أعلنت فرنسا أنها ستزيد الدعم المقدم لتونس لمواجهة التحديات الإرهابية.

 

خلاصة القول : لقد أظهرت الهجمات في متحف باردو ومنتجع " ريو إمبيريال" ، إلى جانب تفجير الحافلة التي كانت تقل عناصر من الحرس الرئاسي في تونس العاصمة في نوفمبر 2015..... قدرة داعش على تنفيذ هجمات مدمرة على التراب التونسي.

 

وطالما أن الجماعة لا يزال بإمكانها تعزيز قاعدتها العملياتية في ليبيا، فإن تكرار الاشتباك مع قوات الأمن التونسي والهجوم على مواقع أمنية بات محتوما. وبالأحرى، ستستمر داعش في تشكيل خلايا في تونس، على أمل أن تهز تلك الهجمات الأرض أسفل الحكومة التونسية. حتى إذا ما بدأت الحكومة تترنح، ستستعد داعش لتوجيه ضربتها الكبرى هناك.