المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

سوريا بعد الانسحاب الروسي .. تقدير استراتيجي

الخميس , 06 يوليو 2017 - 03:19 مساءٍ

قوات روسية
قوات روسية

كثيرة هي الصفحات التي سودتها أقلام المراقبين والباحثين، بغية الوقوف على أبعاد الاستراتيجية الروسية فى سورية.. ولما لا والرئيس بوتين اتخذ قرار الدخول فى الحرب، وكذلك قرار الانسحاب (الجزئي) منها، في غضون أقل من ستة أشهر؟!!.

 

الأمر الذي أعاد خلط أوراق اللعبة السورية، وفتح الاحتمالات على مصراعيها.  ولهذا ما تزال التكهنات والتساؤلات مستمرة بشأن القرار المفاجئ بسحب الجزء الرئيسي من القوات الروسية، خاصة وأن بوتين بهذا القرار بدا فى نظر الكثيرين كمدرب فريق متقدم على خصمه بــــ 6 أهداف مقابل صفر، وبدلا من أن يواصل تقدمه، إذا به يتخذ فجأة قرارا بالإنسحاب، تاركا خصمه، والجمهور، والجميع فى حيرة من أمرهم !!.

 

والحقيقة أنه لا يمكن فهم القرار الروسي الأخير من دون إدراجه في مسارين متلازمين:  

  1. مسار التفاهمات والتوافقات التي تم إنجازها بين موسكو وواشنطن.
  2. مسار الخلاف والتباين بين موسكو ودمشق، ومن ورائها حلفائها الإقليميين (إيران وحزب الله) حول مآلات الأزمة السورية وسبل حلها.

 

وقبل هذا وذاك، فإن أى تقدير استراتيجى بشأن تداعيات هذا القرار على مسارات الحرب والسلام فى سورية، ينبغى أن يأخذ بعين الاعتبار حدود التغير فى موازين القوى على الأرض، خلال الفترة من 30 سبتمبر2015 (لحظة بدء الضربات الجوية الروسية فى سورية) وحتى تاريخ 15 مارس 2016، أى لحظة بدء الانسحاب الجزئي للقوات الروسية.

 

  • أولا: ميزان القوى قبل وبعد التدخل الروسي

في مسعاها الخاص من أجل مصالحها الحيوية في سوريا، لعبت روسيا دورا محوريا في استقرار الوضع العسكري هناك لصالح دمشق. حيث تحول موقف القوات الموالية لبشار الأسد من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم منذ بداية العام 2016 (أى بعد 3 شهور على التدخل الروسي). صحيح أن قوات النظام لم تتمكن من هزيمة قوات المعارضة، أو استعادة قدرا حاسما وكبيرا من الأراضي منذ بداية التدخل الروسي، لكن من الواضح أنه باتت لها اليد العليا.

 

في أغسطس  2015(قبيل دخول روسيا المعركة) كان أكبر تهديدان يواجهان قوات الأسد يأتيان من جيش الإسلام في شمال غرب سوريا، وداعش في وسط سوريا. حيث هزم جيش الإسلام قوات الأسد هزيمة مدوية في إدلب وسيطر على معظم المحافظة. في الوقت نفسه، استولت داعش على مدينة بالميرا الأثرية وكانت تقترب من طريق ( إم 5) السريع، وهو خط الإمداد الممتد من دمشق إلى بقية سوريا الخاضعة لسيطرة قوات الأسد.

 

 

ما الذي كسبته قوات النظام؟

على امتداد الأسابيع الماضية تحسن وضع القوات الموالية للنظام بشكل ملحوظ، فى مواجهة قوات المعارضة.... حيث نجحت -بدعم جوي روسي-في ربط مواقعها شمال مدينة حلب بالقرى الشيعية في نبل والزهراء، لتعزل قوات المعارضة شمالي حلب تماما عن بقية أراضيهم.

 

وواصلت القوات الحكومية التقدم ببطء -ولكن بثبات -في المناطق الجبلية شمال شرق محافظة اللاذقية، واستطاعت أخذ مساحة كبيرة من الأراضي ووصلت إلى حدود إدلب التي تسيطر عليها المعارضة.

 

حتى في الجنوب، كانت القوات الموالية للنظام قادرة على الاستيلاء على بلدة الشيخ مسكين في درعا، على الرغم من الخسائر الثقيلة جراء القتال في منطقة حضرية. وخلافا لبلدة "الموريك"، لم تفقد القوات الموالية أية أراضي لصالح قوات المعارضة منذ بدأ التدخل الروسي.

 

كذلك، حققت القوات الموالية مكاسب ملحوظة أمام داعش... حيث نجحت في التقدم في الشمال الشرقي من قواعدها حول " السفيرة" جنوب حلب وباتجاه قاعدة "الكويرس"، حيث يحاصر مقاتلوا داعش القوات الموالية منذ سنوات. ووصل الهجوم المدعوم من الروس إلى القاعدة الجوية، دافعا المسلحين بعيدا عن المنطقة المحيطة ومهددا معقل داعش في منطقة "الباب".

 

كذلك تم وقف تقدم داعش، التي كانت تتحول غربا باتجاه طريق إم 5 السريع بعد الاستيلاء على بالميرا، وبدأت القوات الحكومية هجوما منسقا لاستعادة تلك المدينة.

 

أخيرا، بدعم من القوة الجوية الروسية، استمرت الكتيبة 104 في الصمود أمام هجمات داعش المتكررة، لتعزز سيطرتها على أجزاء من تقاطعات الطرق في مدينة دير الزور.

 

في جميع المعارك المذكورة أعلاه، قدمت روسيا إسنادا جويا كبيرا فيما يخص الضربات، النقل والدعم الكثيف بنيران المروحيات المقاتلة والطائرات المقاتلة لاستكمال التقدم على الأرض. كذلك، قدمت دعما كبيرا ومعدات، من بينها دبابات، مدفعية، أنظمة رؤية ليلية وأدوات للاتصال. كذلك، زاد الخبراء الروس من وتيرة التدريبات لقوات النظام أيضا، خاصة بالنظر إلى الأسلحة المقدمة حديثا، والتي ساعدت على نحو ضخم القوات الموالية والميليشيات الحليفة لها.

 

باختصار، التدخل الروسي في سوريا كان له الأثر الحاسم فى تغيير حظوظ الموالين لبشار إلى الأفضل. الآن حكومة الأسد في وضع هجوم استراتيجي.

 والأكثر من ذلك، أن جماعات المعارضة بعد مساهمة روسيا في الصراع، أعربوا بشكل متكرر عن إحباطهم جراء الضربات الجوية، التي حدت من قدرتهم على تركيز قواتهم.

  

الآن، الانسحاب الروسي الجزئي سيؤثر بالتأكيد على القوة الإجمالية للقوات الموالية. ستصبح الضربات ضد أهداف ثمينة أصعب. وستقل القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية. ستستفيد قوات المعارضة من تجدد حرية الحركة. وستفقد القوات الموالية كثيرا من قدرتها على حصار مواقع العدو قبل الغزو البري. كذلك، سيسعى المتمردين، خاصة الفصائل الجهادية مثل جبهة النصرة، إلى استعراض قوتهم، الأمر الذي ربما يضعف جهود التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.

 

ومع ذلك، أوضح الروس أنهم سيستمرون في دعمهم لحكومة الأسد بالسلاح والتدريب، بالإضافة إلى مهمات جوية بواسطة ما تبقى من القوات الجوية الروسية. والشاهد أنه ومع تقدم المحادثات في جنيف، ما يزال القتال في سوريا مستعرا... والقصف الجوي الروسي يدعم تقدم قوات النظام ضد قوات داعش على الحدود الخارجية لمدينة " بالميرا" ، هذا على الرغم مع مغادرة مجموعتان من المقاتلات الجوية الروسية سوريا.

 

 

  • ثانيا: مغزى القرار الروسي ودلالاته

قرار بوتين بالإنسحاب الجزئى يكشف عن ملامح الاستراتيجية الروسية المعتمدة فى سورية، والتى تتلخص فى أن روسيا دخلت الحرب في سوريا وأنظارها متّجهة صوب "حل سياسي" للأزمة، يضمن لها مصالحها. والأهم، يوفر لها مخرجاً آمناً مما يمكن أن يحدث لها فى سورية... أي إعادة انتاج (ولو بشكل جزئي) سيناريو "أفغانستان ثانية".

 

بهذا المعنى، يمكن القول، إن الحملة العسكرية الروسية قد حققت أهدافها جزئياً وحتى الآن. ونقول جزئياً ومؤقتاً؛ لأن الحرب على الإرهاب لم تضع أوزارها بعد، والتقدم الذي حققه الجيش السوري ميدانياً، قابل للتراجع والانتكاس، فيما العملية السياسية في جنيف، ما زالت محفوفة بأخطار الفشل واحتمالات الانهيار.

 

وفى السياق ذاته، فالقرار الروسي المفاجئ يكشف أيضا، حقائق ربما لم نكن نعرفها عن المستوى الذي بلغه "التوافق" الروسي الأمريكي. وأحسب أن موسكو ما كانت لتقدم على خطوة من هذا النوع، لو أن تأزماً جدياً يشوب علاقاتها مع واشنطن. بل وثمة ما يشير إلى أن التفاهم بين البلدين يتخطى أسس العملية السياسية وركائزها، إلى مسار التهدئة والمصالحات المحلية والحرب على الإرهاب.

 

كذلك يكشف القرار من جهة ثالثة، حجم الفجوة بين دمشق وموسكو، والتي بدأت مع تفضيل النظام خيار الحسم العسكري، وقبوله بالتهدئة على مضض وتحت الضغط، وانتهاء بالتصريحات التي أدلى بها كل من وليد المعلم وبشار الجعفري والتي اعتبرت استفزازية في موسكو.

فمن ناحية، هناك خلافاً روسياً-سورياً حول ملفات حيوية وأساسية... فى مقدمة ذلك عدم ارتياح النظام السوري لتوقيت وقف إطلاق النار، الذي جاء في مرحلة المبادرة والتقدم لدى الجيش السوري والإيرانيين وحلفائهم، ما أوقف الخطط الطموحة بتحقيق انتصارات عسكرية على الأرض، في كل من حلب والجنوب وريف حمص.

 

الأمر الثاني، وهو على درجة أكبر من الأهمية، شعور الروس بموقف سوري معاند ومتشدد للغاية في محادثات السلام في جنيف، والشعور بنشوة الانتصارات الأخيرة، ما جعلهم حتى يرفضوا ما يُعتقد أنّها أفكار روسية. فعشية انعقاد المحادثات، أعلن وليد المعلم رفض طرح موضوع الانتخابات الرئاسية، معتبراً أنّه لا يحق لأحد الحديث عنها، مكتفياً بالموافقة على إجراء انتخابات نيابية. فيما قلّل رئيس الوفد السوري بشار الجعفري، من حجم أي "تنازلات" أو تفاهمات ممكنة مع المعارضة السورية، رافضاً في الأصل طرح مصطلح "المرحلة الانتقالية".

 

هنا يأتي دور العامل الإيراني. فالجانب الروسي يشعر بأنّ تلك التصريحات، وقبلها الرفض الصريح المعلن لفكرة الفيدرالية التي طرحها الروس بصورة غير مباشرة؛ إنما يعكس الموقف الإيراني المهيمن على القرار السوري، أي أنّ الخلاف العميق ليس سورياً-روسياً، بل إيرانياً-روسياً، أيضا.

 

وفى هذا السياق، لا تخفي بعض المصادر الدبلوماسية أنّ هناك تذمّراً إيرانياً من تجاهل طهران في التفاهمات الروسية-الأميركية الأخيرة من جهة، ووجود تسريبات ومعلومات -لدى المصادر نفسها-بأنّ هناك خلافات عميقة روسية-إيرانية على المرحلة المقبلة، وتقاسم النفوذ وكلفة التدخل العسكري الروسي.

 

الخلاصة إذن، أن موقف بوتين يأتى وكأنّه فرمل تماماً الموقف السوري في جنيف، وأحرج ممثلي النظام هناك، وقوّى من الحالة المعنوية للوفد المعارض، بخلاف الدور الروسي العسكري الذي جاء ليقلب الموازين العسكرية، ويرجّح كفّة النظام الذي كان على وشك الانهيار عشية التدخل العسكري الروسي، بالرغم من دعم حلفائه الإيرانيين وحزب الله.

 

بعبارة أخرى، لقد وصلت موسكو إلى استنتاج مفاده أن دمشق، تنظر لمسار فيينا – جنيف، ونتائج العملية السياسية برمتها، بوصفها "تعديلاً وزارياً" على حكومة الدكتور وائل الحلقي (الحكومة السورية) لا أكثر... وانتخابات برلمانية تنتهي إلى وصول عددٍ من نواب المعارضة إلى قبة مجلس الشعب !!. وهذه النظرة بكل المعايير، تتضارب مع تعهدات موسكو والتزاماتها الدولية، بل ومع منظومة مصالحها في سوريا والإقليم وعلى الساحة الدولية الأوسع.

 

لهذا كله يمكن القول بأن النظاف في سوريا قارف خطأ فادحاً في نظرته لدور روسيا كدولة عظمى من منظور مصالحه الضيقة، وأهمها البقاء في السلطة، وظن لبعض الوقت، أن الجيش الروسي يمكن أن يُوَظَّف لخدمة هذا الغرض، وخدمته وحده فقط... وهي المفارقة ذاتها، التي تكشف عنها غضب بعض القادة من المحور الآخر، حيال الرئيس باراك أوباما وسياسته الشرق أوسطية، حين تصوروا أن الجيش الأمريكي يمكن أن يقوم بوظيفة " بلاك ووتر" لحماية أنظمتهم، وخوض حروبهم، دفاعاً عن مصالح أنظمتهم الضيقة وليس دفاعاً عن المصالح الأمريكية، كما كشف الرئيس أوباما في حديثه الشهير لمجلة " ذا أتلانتيك".

 

وهنا يتعين الالتفات إلى مسألة أخرى هامة، فى سياق تحليل الدوافع الروسية، وراء قرار الإنسحاب المفاجئ. فبالنظر إلى توقيت القرار، يمكن القول بأن روسيا قد تكون معنية بإعادة تشكيل دورها في الصراع، من أجل تغيير النظرة إليها خلافا لما سبق. خاصة أن موسكو إذا غيرت من طبيعة عملها وقللت من وتيرة العمليات العسكرية فى سورية، فإن ذلك سيساعد بدرجة كبيرة فى تخفيض وتيرة تدفق المهاجرين إلى أوروبا. وهذا بدوره سيسهم فى تشكيل رؤى ايجابية عن موسكو، لدى دول الاتحاد الأوربي التى تهمها أزمة اللاجئين أكثر من أى شيئ آخر يتعلق بالأزمة السورية.

 

وخلال الأشهر القادمة، قد تحاول روسيا الخروج من المناخ السلبي المحيط بالبلاد قبل تصويت مهم في الاتحاد الأوروبي حول تجديد العقوبات. خاصة أنه وبعد اللقاء الأخير بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حول السياسية الروسية، قالت إيطاليا والمجر، فى مارس الجارى (كلتاهما بلدان لديها جماعات ضغط روسية نشطة) أن تمديد العقوبات على روسيا ليس أوتوماتيكيا. لذا روسيا تحتاج فقط إلى عضو واحد في الاتحاد الأوروبي يرفض تجديد العقوبات، وهو الشئ الذي لم تتمكن من تأمينه في الماضي.

 

ولعل كل هذا يوضح كيف أن موسكو ستستمر فى المناورة، مع الجمع بين استراتيجيات مزدوجة، لتحقيق نتائج مزدوجة أيضا، وذلك بالنظر إلى أنه لا توجد نتيجة مضمونة في هذه المنطقة سريعة التغير من العالم. 

 

  • ثالثا: سوريا والبيئة الاستراتيجية المحيطة بها بعد قرار الإنسحاب

ثمة إجماع على أن القرار الروسي المفاجئ حرك مياهاً راكدة في مسارات الحرب والسلام في سوريا، وأعاد خلط الأوراق والمواقف والمواقع، وأضاء أكثر من ضوء أحمر للحلفاء. وذلك بالنظر إلى أن هذا القرار يضع النظام السورى أمام استحقاق التجاوب على نحو أفضل مع مقتضيات مسار جنيف ومندرجاته، على أن تتكفل الولايات المتحدة بحلفائها وتسعى في تدوير الزوايا الحادة في مواقفهم، وأحسب أن واشنطن قد نجحت في فرض ضغوط كافية على السعودية وتركيا للكف عن فكرة إرسال قوات برية إلى سوريا، وأن تضغط على المعارضات السورية، لتوحيد مواقفها وتوسيع صفوفها بقبول الحركة الكردية، وتأكيد انفصالها عن " جبهة النصرة" بل وقتالها إن لزم الأمر، فضلاً عن الاستمرار في استراتيجية محاربة داعش واستئصاله من سوريا والعراق، ودائماً بالتنسيق مع الاتحاد الروسي. 

 

ولعل السؤال الآن: بعد أن استفاق العالم من "صدمة" القرار الروسي المفاجئ. ماذا وجد؟!

1-وجد أن القرار قد أنعش الرهان على أول فرصة حقيقية لحل سياسي للأزمة السورية، على حد تعبير جون كيري الذي قرر التوجه إلى موسكو للتباحث مع بوتين حول "الخطوة التالية". وأن مسار جنيف الذي لم يحرز شيئاً في جولاته السابقة، سوى إعادة انتاج الفشل، والإبقاء على "المتاريس" ذاتها، قد تحرك، واكتسب قوة زخم جديدة، وفقاً لوصف ستيفان ديمستورا.

2-وأن المواقف الأوروبية، وإلى حد كبير، العربية، التي ذهبت بعيداً في نقد السياسة الروسية و"شيطنة" زعيم الكرملين، قد اتخذت منحى مغايراً، وبدأت تفضل نبرة الإشادة والتثمين، كما ورد على لسان هولاند ونظرائه الأوروبيين. وأن الذين امتهنوا هجاء "الاحتلال الروسي" لسوريا، و"بلطجة بوتين وشبيحته"، هم أنفسهم الذين شرعوا في تثمين الخطوة، واستذكار أن موسكو لم تكن تنوي البقاء إلى الأبد في سوريا، وأن تدخلها فيها لم يكن من أجل " عيون الأسد"، وإنما لأهداف أخرى، لن تجد المعارضة صعوبة في التأقلم معها، حتى لا نقول في تأمينها !!!.

3-وأن روسيا التي ظلت محاصرة بأغلال تداعيات أزمة القرم وأوكرانيا، قد توفرت على فرصة لتكسير أغلالها، والخروج من أطواق العزلة، التي ضربتها حولها واشنطن وحليفاتها الأوروبيات.

 4-وأن مسار "تصحيح" أسعار النفط، الذي جمع الرياض وموسكو على الرغم مما يباعدهما من خلافات، سيكتسب زخماً سياسياً، وليس اقتصادياً فحسب، تستفيد منه موسكو والرياض وسائر الدول المصدّرة، لاسيما بعد قيام لافروف بـ "إلقاء التحية" على الرياض، مثمناً جهودها في توحيد المعارضة و"عقلنتها".

5-وأن مسار التهدئة الذي ظنته المعارضة، وبعض رعاتها، تكتيكاً يتعين القبول به بشروط ثقيلة، قد بات واحداً من حقائق الميدان السوري، وأنه في طريقه لأن يصبح وقفاً لإطلاق النار، وتوطئة لمزيد من خطوات بناء الثقة.

6-وأن المصالحات الميدانية (المحلية) التي طالما تم التشكيك في جدواها، ستصبح مع الأيام وقادم التطورات، أحد ركائز استراتيجية الحرب على داعش والنصرة والإرهاب، وأنها تحظى اليوم بغطاء دولي، وليست محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة.

7-وأن الحرب على الإرهاب، ستكتسب زخماً إضافياً بعد القرار، وليس نكوصاً أو انتكاساً، لاسيما بعد المعلومات عن تقاسم عمل وظيفي بين واشنطن وموسكو وحلفائهما لمطاردة داعش حيثما وجدت. وأن النصرة بدورها لن تختبئ إلى الأبد، خلف " دروع الكثافة البشرية" في مناطق تواجدها، أو تحت ستار مضلل من التحالف مع المعارضات والفصائل الأخرى ... زمن الانفصال عن النصرة قد أزف، وسوريا قد تواجه سيناريو أفغانياً، ليس بالضد من مصلحة روسيا، ولكن بالضد من مصلحة الجهاديين، الذين حذر أبو قتادة الفلسطيني من اقتتالهم وتفرقهم، "فتذهب ريحهم" تماماً مثلما حصل لأسلافهم بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان.

8-وأن دائرة التوافق الأمريكي – الروسي ستشهد المزيد من الاتساع والتعمق، لتشمل ربما الدخول في ثنايا ودهاليز الحل السياسي والعمل الميداني سواء بسواء، كما قال بيسكوف متفائلاً.

9-وأن الخلاف الروسي – السوري، سيضع دمشق على محك لم تعهده من قبل، في علاقتها مع " الحليف الاستراتيجي"، فإما التقدم على طريق الحل السياسي تحت سقف التوافق "الأمريكي – الروسي"، وما يعنيه من مخرج آمن، وإما الاستمساك بنظرية "التعديل الوزاري" بوصفها أقصى ما يمكن أن تقدمه دمشق من تنازلات، وتتحمل تبعاً لذلك، عواقب موقفها وحدها.

10-وأن حلفاء دمشق الإقليميين، لم يبق لهم بدورهم سوى التكيف مع الوقائع الجديدة الناشئة ... يبدو أن حزب الله، ومن قبله إيران، قد تسلموا الرسالة، والحزب في طريقه مرحلياً إلى مناطق عمله التي حددتها موسكو "القلمون الشرقي" لحماية ظهره وظهر بيئته الحاضنة من جهة، ولمقارعة داعش والنصرة في هذا الشريط من جهة ثانية، على طريق العودة إلى لبنان.

* أما روسيا فقد خرجت من الموقف بصورة أفضل ودور أكبر، وأحسب أنها ستكون في وضع ربما يمكنها من ترجمة ذلك إلى مكاسب إضافية، أبعد من سوريا والإقليم... إلى حيث أوكرانيا والأطلسى.