المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اختبار برجماتية تركيا.. المغزى الاستراتيجى للحوار بين أنقرة ودمشق

الخميس , 06 يوليو 2017 - 03:58 مساءٍ

الأسد وأردوغان
الأسد وأردوغان

في هذه الآونة يبدو أن تركيا قد أعات ترتيب أولوياتها في الحرب الأهلية السورية. ففى الثامن من إبريل الجارى قالت صحيفة الوطن الجزائرية أن جزائريين توسطوا في حوار عبر قناة خلفية بين سوريا وتركيا، وهو التقرير الذي أيدته مصادر أمنية أمريكية لموقع " استراتفور" الاستخباري. تمركزت المحادثات أساسا على مخاوف أنقرة من إنشاء دولة كردية مستقلة في سوريا.

 

الأكثر من ذلك، أن نفس المصادر أكدت أن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أثار المخاوف ذاتها في زيارته إلى طهران في الرابع والخامس من مارس الماضي، حيث اقترح رئيس الوزراء خطة للتواصل مع دمشق حول مسألة الاحتواء الكردي في سوريا.

 

قرار تركيا بالانخراط فى مباحثات مع دمشق لا يغير من هدفها في سوريا بشكل جوهري.. إنها لا تزال ترغب في استبدال نظام بشار الأسد بنظام بقيادة سنية يمكنها التأثير عليها. ولكنه يبين أن أنقرة باتت أكثر انشغالا بالأكراد في سوريا أكثر من نظام الأسد.

 

التحليل:

 خلافا لداعش، التهديد الأكبر والعاجل لتركيا يتمثل في التوسع الإقليمي وتعزيز وحدات الحماية الشعبية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي. تحاول تركيا بالضرورة ضرب عصفوران بحجر واحد عبر التخطيط لتدخل عسكري في شمال سوريا سيدفع داعش بعيدا عن الحدود، وفي الوقت نفسه، أيضا يقسم الأراضي التي تسيطر عليها وحدات الحماية الشعبية ويحتويها. إلا أنه، ومنذ أن أسقطت تركيا الطائرة الروسية في نوفمبر 2015، أغلقت روسيا بفعالية الطريق أمام خطط تركيا عبر التهديد باستهداف التركمان الذين يساعدون أنقرة من داخل الأراضي السورية.

 

ومن ثم باتت تركيا في مأزق. وطالما ظلت تركيا محصورة في جانبها من الحدود، كلما استطاعت قوات الحماية الشعبية الاستفادة من الوضع والاستيلاء تدريجيا على المزيد من الأراضي على امتداد الحدود التركية مع سورية.

 

لكي تكبح التمدد الكردي، حاولت تركيا إقناع الولايات المتحدة باستخدام متمردين غير أكراد في الشمال (من أصول تركمانية) لقيادة هجوم ضد داعش، ولكن هذه الاستراتيجية لم تكن فعالة بما يكفي. نتيجة لهذا، مالت الولايات المتحدة إلى العمل مع عناصر كردية (قوات سوريا الديمقراطية) لتعزيز زخم كاف في حربها ضد داعش.

 

الأكثر من ذلك، أنه في توقيت تحاول فيه روسيا والولايات المتحدة إنهاء الحرب الأهلية في سوريا عن طريق مفاوضات سلمية، بدأ الحديث عن فيدرالية في سوريا يكتسب زخما متزايدا، وتركيا لا تريد انتقال للسلطة في سوريا يفضي إلى فيدرالية كردية مؤقتة. وانطلاقا من هنا، كان الحوار التركي مع عواصم أخرى في الإقليم، خاصة تلك الدول التي لا ترغب فى أن تقوض استقلاية الأكراد وحدة أراضيها. هذه نقطة، يمكن أن تتفق عليها أنقرة، طهران ودمشق، بالإضافة إلى بغداد، وتركيا تأمل أن توظف هذه الأرضية المشتركة للوصول إلى درجة ما من التفاهم مع حكومة الأسد.

ولكن التعاون مع دمشق، ورعاتها الإيرانيون لن يكون سهلا أو متاحا من دون ثمن. فالحكومة السورية تعلم جيدا أن لديها فرصا قليلة لكي تتمكن من استعادة السيطرة التي كانت لها يوما ما على الدولة بأكملها، ولهذا تركز الآن على تشديد قبضتها على مركز البلاد.

 

ومن ثم، حتى لو تقاسمت الحكومة السورية وأنقرة مصلحة مشتركة متمثلة في الحيلولة دون قيام فيدرالية كردية، فإن احتواء التمدد الكردي في الشمال والشرق ليس الآن على رأس أولويات الأسد. والشاهد، أن قوات الأسد تجنبت، إلى حد كبير، الدخول في مواجهات جدية مع وحدات الحماية الشعبية، فضلا عن أن الأسد قد يرغب فى اللحظة الراهنة فى استخدام الورقة الكردية للضغط على تركيا في المدى المنظور.

 

إذا ما تصاعدت مخاوف تركيا من الأكراد، إلى الدرجة التي تأتي فيها أنقرة إلى مائدة التفاوض، كما يبدو أنها تفعل الآن، فيمكن لحكومة الأسد استغلال الفرصة كي تضع بعض القيود على الأنشطة التركية في سوريا.

 

 حسب موقع استراتفور الاستخباري، تركيا تطلب من الحكومة السورية التعاون في احتواء وحدات الحماية الشعبية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (الحزب صاحب النفوذ المهيمن على مناطق الأكراد فى سورية). في المقابل، تطالب الحكومة السورية أن تحد تركيا من تدخلها في الصراع السوري.

 

ليس مفاجئا، أن المحادثات لم تكن مثمرة. فحتى لو توصلت الحكومة السورية إلى اتفاق مع تركيا للعمل ضد الأكراد، فإن القوات السورية منتشرة في نطاق واسع بالفعل وتحاول السيطرة على مدن رئيسية واستعادتها (مثل حلب) بينما تبقى داعش في وضع حرج( أى أن أنقرة لا تستطيع أن تعول على داعش للحد من نفوذ الأكراد). وطالما ظلت دمشق ضعيفة، لا يمكن لتركيا الاعتماد على القوات التابعة للأسد، لعرقلة التمدد الكردي في الشمال السوري بفعالية. ولهذا يعتقد الكثيرون أنه ليس أمام أنقرة سوى توسيع نطاق تدخلها في سوريا كي تدير الخطر الكردي مباشرة.

 

ولكن كل ذلك لا ينفى أن، حتى الحوار الوليد وغير المثمر بين أنقرة ودمشق، يبقى فى كل الأحوال جدير بالنظر.. فتركيا التى سخّرت كل امكانياتها فى مواجهة نظام الأسد، تحاول الآن أن تصل إلى أقصى درجات البرجماتية، من خلال محاولة العمل مع خصومها (أي نظام الأسد) بهدف التصدي للمخاطر العاجلة والمشتركة. وهذا بحد ذاته قد يفضي إلى إرساء بعضا من النقاط المشتركة بين تركيا، سوريا وإيران، يمكنها أن تفتح المجال أمام امكانية أن تدخل هذه البلدان في حوار جدي حول اتفاق جديد لتقاسم السلطة في سوريا.