المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

يعجز عن استنساخ مشروعه عبر سواحل المتوسط.. "داعش – ليبيا" افتقاد القدرة على التمدد

الخميس , 06 يوليو 2017 - 04:38 مساءٍ

داعش ليبيا
داعش ليبيا

السمات الخاصة للساحة الليبية، وقدرات "داعش" هناك، تشير إلى أنه من غير المرجح، بدرجة كبيرة، أن تتمكن قيادة داعش فى العراق وسوريا من استنساخ مشروعها الشرق أوسطي عبر سواحل المتوسط. وإن كان ذلك لا ينفى، بالمقابل، أن داعش في ليبيا لا تزال تمثل تهديدا، بدرجة أو أخرى، لدول الجوار الليبى، وكذلك عبر المتوسط.

 

أولا: الحرب الدعائية لداعش

خلال شهر مارس 2016، نشرت صحيفة "النبأ" الأسبوعية التي يصدرها تنظيم "داعش الأم" بيانات مفصلة عن عمليات التنظيم داخل ليبيا. اشتملت على أهم العمليات العسكرية للتنظيم ضد "تنظيمات جهادية" أخرى، وضد الجيش الليبي في مدينة درنة، خلال الفترة من بداية ديسمبر 2015 وحتى نهاية فبراير 2016.

للوهلة الأولى توحى تلك البيانات التى قدمها " التنظيم الأم" بأن "داعش ليبيا" تتمدد، فى حين أن حقيقة ما يجرى هناك هو العكس من ذلك تماما، الأمر الذي يعكس رغبة التنظيم فى ممارسة أكبر قدر ممكن من الدعاية، وحاجته الملحة "للبروباجندا" لكي يخفف من وطأة الخسائر التى لحقت به مؤخرا.

 

فمثلما فقدت داعش رأس جسرها الساحلي في درنة، فى يونيو2015، فقدت مؤخرا معاقلها في بنغازي لصالح قوات الجيش الوطن الليبى بقيادة خليفة حفتر. وكذلك خسرت موقعها في صبراتة لصالح ميليشيات متحالفة مع مصراتة... فى ذات الوقت، فإن السباق على استرداد مدينة سرت (داعش يسيطر عليها منذ منتصف 2015) بين الجيش الليبى بقيادة حفتر من ناحية، وبين مليشيات مدينة مصراته من ناحية أخرى، قد بدأ بالفعل... وكلها تطورات تفرض تحديات كبرى على " داعش ليبيا".

ثانيا: قدرات داعش فى ليبيا

أية محاولة للمقارنة بين قدرات داعش فى ليبيا، وقدراتها فى العراق وسورية، ستكشف عن تفاوت كبير جدا لصالح الأخيرة، سواء من حيث عدد المقاتلين، أو مساحة الأراضى التى تخضع للسيطرة، أو كذلك من حيث مصادر الدخل والقدرات الإقتصادية.

أ- حجم المقاتلين

 تتفاوت التقديرات بشأن حجم داعش في ليبيا. ففي يناير 2016، أشارت بعض التقديرات الأمريكية إلى أن عددهم قد زاد ليصل إلى ما بين 5 إلى 6 آلاف مقاتل. بينما تعتقد مصادر فرنسية أن عدد عناصر الجماعة يصل إلى 12 ألف مقاتل.

وحتى لو أخذنا بأعلى تقدير لعناصر داعش في ليبيا، يمكن القول أن متوسط عدد مقاتلي داعش في ليبيا هو حوالي 30% فقط من متوسط عدد مقاتلي داعش في العراق وسوريا، في بلد تبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة العراق، وثلاثة أضعاف مساحة العراق وسوريا مجتمعتين. صحيح أن تركيز مقاتلي داعش في ليبيا يعد كبيرا، لكن حجمهم مقارنة بحجم التنظيم في العراق وسوريا من ناحية، وضخامة ليبيا النسبية من ناحية أخرى، تشكك كثيرا فى قدرة الجماعة على التمدد، من دون إلتحاق عدة آلاف آخرين بالقوة البرية لها، وهي النقطة التي سلطت عليها الأمم المتحدة الضوء في تقرير صدر عنها فى فبراير الماضى.

ب- أراضى " داعش- ليبيا"

خلال العام الماضى أعلنت "داعش" عن إنشاء ثلاث ولايات في ليبيا، هى: ولاية برقة، ولاية طرابلس، وولاية فزان. إلا أن الواقع الآن يعكس حقيقة أن هذه الولايات هي بالاسم فقط، وأن داعش هناك محصورة في قطاع ساحلي رفيع على جانبي مدينة سرت، يبلغ إجمالي طوله مائتي ميل. ذلك أن أيديولوجية داعش وأساليبها، أثارت ردة فعل عنيفة من تنظيمات جهادية أخرى، وكذلك مليشيات وأطراف محلية....  ففي يونيو 2015، شنت جماعة من "الجهاديين"، اتحدوا تحت لواء "مجلس شورى المجاهدين في درنة"، حملة ضد داعش ودفعوها في النهاية إلى الانسحاب من المدينة. ومؤخرا، أجلى مزيج من القوات بقيادة اللواء خلفية حفتر ودعم من قوات فرنسية خاصة، داعش عن بعض الأحياء في بنغازي. فى ذات الوقت عصف قصف جوي أمريكي (متبوع بهجوم لمليشيات ليبية) بداعش في صبراتة. وكانت محصلة كل ذلك، أن تقلص مركز تواجد الجماعة في ليبيا، والمنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها وتديرها تقع في الحد الشرقي لما تسميه "ولاية طرابلس". وتتألف أراضيها من مدينة سرت، وبلدات: الهراوة، النوفلية، وبن جواد، شرق سرت وحتى الحدود الخارجية لأبو قرين غرب سرت.

إذن، بشكل إجمالى، ربما تناور داعش في مساحة تبلغ 4550 ميل مربع، وتسيطر على نحو 110 ألف من ساكني مناطق سرت. وتمثل تلك المناطق مساحة محدودة جدا بالمقارنة بإجمالي مساحة ليبيا.

 ج- القدرات الاقتصادية

مثلها مثل داعش في العراق وسوريا، حاولت " داعش ليبيا" أن تفرض ضرائب في سرت... وفى هذا السياق تذكر مصادر لداعش أن جميع المحلات التجارية في سرت تدفع ضرائب منذ نهاية أغسطس 2015. بالإضافة إلى هذا، هناك جمارك تُجمع على البضائع والمركبات في الطريق الساحلي السريع بين شرق وغرب سرت، كذلك الطريق السريع الذي يربط سرت بالجنوب. أيضا، انخرطت "داعش- ليبيا" في عمليات تهريب، وبيع آثار وتحف. وربما تكون قادرة على الحصول على أموال من كميات صغيرة من النفط الذي تتمكن من الاستيلاء عليه من أنابيب النفط القريبة، ولكنها غير منخرطة بأية حال من الأحوال في مبيعات نفطية ضخمة.

فهناك العديد من الأسباب التي تمنع داعش من استخدام موارد ليبيا النفطية. أولها: أن جماعات قوية أخرى سيطرت على أجزاء مختلفة من قطاع النفط قبل وصول داعش، ومن الصعب على داعش إقصائها. ثانيها: أن البنية التحتية النفطية في ليبيا منتشرة عبر مساحة ضخمة بمنشآت تخزين ومصاف تبعد غالبا مئات الأميال عن آبار النفط.

إذن، عمليات داعش في ليبيا لا تحقق عائدات يُعتد بها، وليست منظمة بنفس درجة تنظيم عملياتها في العراق وسورية. وعليه، يبدو من غير المرجح أن تتمكن داعش من استبدال ما خسرته من عائدات عراقية وسورية، بعائدات أخرى من ليبيا. كذلك لا يبدو أن " داعش ليبيا " ستتمكن وحدها من دعم نفسها.

ثالثا: حسابات المستقبل

بالنظر إلى أن داعش في ليبيا أظهرت كفاءة محدودة في الاستيلاء على أراض، وإدارتها، ولا يمكنها تمويل نفسها، فضلا عن افتقاد ليبيا للبعد الطائفى الذى وظفته داعش بنجاح كبير فى العراق وسورية.... هناك شكوك كبيرة بشأن مدى "صلاحية" ليبيا فى أن تكون موطن بديل لداعش في العراق وسوريا. لكن ذلك، فى الحاصل الأخير، لا يتعارض مع عدة حقائق، أهمها:

 

1- أن داعش في ليبيا لا تزال الفرع الأقوى لأبوبكر البغدادي.

2- أن المعركة القادمة من أجل إسترداد "سرت" من قبضة داعش، تحتل الآن موقع الصدارة في المنافسة على النفوذ داخل الحكومة الجديدة للبلاد، تحديدا بين الفريق المؤيد لخليفة حفتر، والفريق الآخر المتحالف مع مصراته. حيث سيضمن المنتصر تحقيق قدرة أكبر على المناورة بشأن النفوذ داخل "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة أمميا.

ففى الشرق، يستعد حفتر لإرسال المزيد من القوات إلى سرت، خاصة وأن قواته تلقت، في الثالث والعشرين من إبريل الماضى، مركبات مصفحة جديدة، وشاحنات وأسلحة من حلفاء إقليميين. وفي الغرب، تستعد ميليشيات مصراته للتحرك فى اتجاه الجنوب الشرقى نحو " سرت" أيضا.

حفتر يعتبر أن  تحرير "سرت" وسيلة لاكتساب النفوذ في الحكومة الجديدة. ويحاول إثبات أنه لا غنى عنه في عمليات مكافحة داعش، آملا  فى الاستفادة من دوره هذا وترجمته إلى وضع رسمي في حكومة الوحدة... إذ يرغب في أن يصبح وزيرا للدفاع أو قائدا للقوات المسلحة، بعد أن تم تهميشه لصالح المجلس العسكري بقيادة وزير الدفاع مهدي البرغوثي. بالمقابل، يخشى المصراتيون من أن دورهم في الحكومة الجديدة سيتقلص، إذا ما استعاد حفتر المدينة.

المنافسة وعدم الثقة المتبادل تعقدان الاندفاعة نحو سرت، الأمر الذي يجعل المواجهة احتمالا ممكنا، خاصة وأن مسلحين مصراتيين وميليشيات محلية موالية لقائد حرس المنشآت النفطية إبراهيم جدران، يتمركزون بين سرت وأجدابية. ويخشون من أنه في طريقهم إلى سرت، ستسيطر قوات حفتر على بعض أهم البنية التحتية النفطية والغاز الطبيعي في ليبيا، الأمر الذي سيعزز أكثر من الوضع التفاوضي للواء حفتر.

3- داعش أظهرت بالفعل كفاءة في استخدام ليبيا لضرب بلدان أخرى، إذ نفذت هجومين كبيرين في تونس في 2015، وكذلك هجوما على بلدة بن قردان الحدودية التونسية في مارس 2016 ، الأمر الذي يشير إلى أن داعش قادرة على التحرك بحرية عبر الحدود.

4- خلال العامين الماضيين، أثبتت تحقيقات جهاز" الأمن الوطنى" فى مصر أن " داعش- ليبيا" لعبت دورا رئيسيا فى محاولات زرع خلايا إرهابية فى الداخل المصرى، لا سيما فى مناطق: الصحراء الغربية، القاهرة الكبرى(داخل محافظة الجيزة بالذات) ومناطق الصعيد... والشاهد على ذلك تلك الخلية الإرهابية التى جاءت عبر الحدود الغربية وحاولت إقامة معسكر لها فى " جبل ديروط" بالقرب من أسيوط، حيث طاردتها على الفور( فى سبتمبر2015) وحدات من القوات الخاصة المدعومة جوا، وتم تصفية عشرة عناصر، وإلقاء القبص على عنصر أخر على الأقل.

5- أيضا، يبقى احتمال أن تكون داعش في ليبيا منصة لانطلاق هجمات في أوروبا. فقد أظهرت هجمات باريس 2015 أن داعش في العراق وسوريا قادرة على تحريك أنصارها من وإلى أوروبا، وأنها على الأرجح ستحاول الشئ نفسه في ليبيا. وفي هذا السياق، حذر وزير الدفاع الفرنسي – فى فبراير الماضى- من مثل هذا المصير. ومع اقتراب أشهر الصيف وهدوء البحر، يصبح عبور المتوسط بواسطة القوارب أسهل، ويُخشى من أن "جهاديين" من ليبيا سيحاولون على الأرجح الاندماج وسط أعداد اللاجئين الذين يتدفقون عبر السواحل الليبية. وهنا لا تحتاج داعش إلى ثلاث ولايات ( بشكل حقيقى) في ليبيا لكي تفعل هذا.

 

جملة القول: من غير المرجح أن تتمكن قيادة " داعش" في العراق وسوريا من استنساخ مشروعها الشرق أوسطي، عبر سواحل المتوسط، لكن فى ذات الوقت "داعش ليبيا" لا تحتاج أن تكون نموذجا يحاكي داعش في العراق وسوريا، لكي تكون خطيرة ومثيرة للاضطرابات في داخل ليبيا، ولجيرانها، أو عبر المتوسط.