المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

المراحل الثلاث للإرهاب في بر مصر.. الوضع الأمني عشية الذكرى الثالثة لـ 30 من يونيو

الخميس , 06 يوليو 2017 - 05:51 مساءٍ

 قوات الأمن المصرية
قوات الأمن المصرية

فى سياق محاولة الوقوف على ملامح الوضع الأمنى فى مصر عشية الذكرى الثالثة لــ 30  من يونيو، يمكن القول : أنه ومنذ الثامن من مايو الماضى، ومصر تبدو وكأنها تدخل المرحلة الثالثة من العنف والإرهاب.

 

ففى ذلك اليوم نفذ أربعة من العناصر الإرهابية عملية دموية، بإفراغ أسلحتهم النارية في سيارة  كانت تسير على كورنيش النيل في حلوان. استُشهِد ثمانية من رجال الشرطة أثناء هذا الهجوم الإرهابي، الذي زعمت كلا من " دعش – مصر " و ما يسمى بــــ "حركة المقاومة الشعبية" تنفيذه.

 

هذا النمط من العنف يشير ( إلى جانب مؤشرات أخرى سنذكرها لاحقا) إلى أن مصر تدخل مرحلة جديدة لم تتأكد بعد كل ملامحها. لكن ما يمكننا قوله الآن، أنه وفي الوقت الذي يحظى فيه الإرهاب في شمال سيناء بإهتمام كبير، فإن الفواعل الإرهابية( التنظيمات الإرهابية) العاملة في قلب مصر (خارج سيناء) استطاعت تطوير نفسها بشكل كبير، مقارنة بما كان عليه الحال عند طلب التفويض في محاربة الإرهاب، في يوليو 2013. وهم الآن مستمرون – فيما يبدو - في الإعداد لتنفيذ هجمات عبر أنحاء البلاد بشكل مطرد.

 

ذلك أن ساحة تلك الفواعل تتعزز، في الوقت الذي يزداد فيه التكامل بين عناصرها، مع تماثل على مستوى: التكتيكات، والخطاب، والأهداف.

 

المراحل الثلاث للعنف والإرهاب فى مصر:

يمكن القول أن العنف والإرهاب منذ يونيو 2013 شهد مرحلتان متمايزتان، ومن المحتمل أنه يدخل الآن مرحلة ثالثة.

 

جميع هذه المراحل شهدت المزيج من : الهجمات الصغيرة باستخدام العبوات الناسفة،  عمليات إطلاق النار، وهجمات شاملة متقطعة( مثل عملية كرم القواديس فى أكتوبر2014، وكذلك هجوم الأول من يوليو2015 على مدينة الشيخ زويد) .

 

لكن الأهم من ذلك، أن ساحة وخريطة تلك الفواعل( أى التنظيمات) شهدت بعض التغيرات.

  • في المرحلة الأولى للعنف والإرهاب، والتي جاءت على إثر الإطاحة  بمحمد مرسي في يوليو 2013، ظهر عدد كبير من الفواعل غير المعروفة، وغير المنظمة، التي كانت تنفذ هجمات ضد قوات الأمن.
  • أما المرحلة الثانية، والتي استمرت من أواخر2014 وحتى سبتمبر 2015، فقد شهدت تنظيما أكبر بين الفواعل، مع استمرار كل جماعة إرهابية فى الحفاظ على قدر ما من الاستقلالية.
  • لكن الآن، وبناء على عدد من المؤشرات، يبدو أن مصر ربما تدخل مرحلة جديدة للعنف. ملامح هذه المرحلة الجديدة ( كما سبقت الإشارة) لم تتضح بشكل كامل، ولكن يبدو أن ساحة الفواعل تتعزز. في الوقت الذي يزداد فيه التكامل بين عناصرها، مع تماثل في التكتيكات، الخطابات، والأهداف.

 

 ملامح مشهد الفواعل الإرهابية:

منذ المرحلة الأولى للعنف (وربما قبل ذلك)، كانت الفواعل الإرهابية التكفيرية حاضرة في قلب مصر. ويبرر هذا النمط من الفواعل – وأشهرها ولاية سيناء الداعشية – العنف بمبررات دينية، معلنة تكفير أعداءها، واستحقاقهم للموت.

  • نفذت جماعة " أجناد مصر" العاملة في نطاق محافظة الجيزة، 31 هجوم قبل أن تدخل في مرحلة صمت بعد موت زعيمها ومؤسسها هشام عطية أثناء عملية أمنية في إبريل 2015.
  • أما تنظيم " الدولة الإسلامية - مصر" (تنظيم مختلف عن نظيره في سيناء) فقد أعلن مسؤوليته عن هجمات في المنطقة نفسها، التي كانت تعمل فيها جماعة أجناد مصر فيما سبق، الأمر الذي يشير إلى احتمال تداخل الجماعتين.

 

 

  • أيضا، خلال المرحلة الأولى من العنف، نفذت الغالبية العظمى من الهجمات (84% منها)عن طريق فواعل غير معروفة، استهدفت في المعظم قطاع الأمن بإطلاق نار أو متفجرات بدائية.( طبعا إلى جانب أنشطة الجماعات الجهادية التكفيرية، التى نفذت عمليات أخرى فى تلك المرحلة، مثل محاولة إغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، عن طريق تنظيم " أنصار بيت المقدس"، فى سبتمبر2013).

 

فعقب الإطاحة بمرسي، لجأ الكثيرون إلى العنف انتقاما له. وقاموا بإشعال النار في سيارات، وتدمير ممتلكات عامة ترمز إلى الدولة، مع الهجوم على ضباط شرطة، وإغلاق طرق بحواجز وإطارات مشتعلة.

  واستمرت هذه الهجمات غير معلومة المصدر، إلى أن حملت الحكومة المصرية مسؤوليتها لجماعة الإخوان المسلمين (بعد توافر الأدلة والشواهد). وفي الواقع تكثفت هذه الهجمات خلال عام 2015.

المرحلة الثانية:

ولكن بدأت مرحلة جديدة من العنف أواخر 2014، عندما أُعلِن عن تشكيل تحالف من خمس جماعات، باسم "تحالف حركة المقاومة الشعبية". هذا التحالف ضم كل من: حركة المقاومة الشعبية + حركة حسم + حركة العقاب الثورى + حركة ثوار بنى سويف + كتيبة الإعدام. والملاحظ أن هذا التحالف أتخذ فى الحاصل الأخير المسمى الخاص بأحد الكيانات التى دخلت فيه، أى حركة المقاومة الشعبية.

 ورغم قلة المعلومات عن هذا التحالف، فإنه يمكن وصفه بأنه تنظيم محلي، له نواة مركزية، تتصل بأعضاءها عبر شبكة فضفاضة وهشة من الاتصالات. وكان مسمى "حركة المقاومة الشعبية" و"العقاب الثوري" ضمن ذاك التحالف هما الأكثر نشاطا من بين التنظيمات الأخرى في هذا التحالف، لينفذا 43 من بين 93 هجوم إرهابي منسوب للتحالف، خلال الفترة من ديسمبر 2014 وحتى أغسطس 2015.

 في واحد من أولى خطاباته، أشار التحالف إلى "تطور غير مسبوق، جرأة، توحد، والتنسيق بين الفواعل والمتمردين غير المعروفين على كل المستويات في الجمهورية،  ووعد بأيام سوداء على مصر".

وخلافا للجهاديين التكفيريين، لم يستخدم التحالف التبرير الديني للعنف، ولكنه وظف لغة "الثورة مستمرة". وأرجع تأسيسه إلى ظهور قيادة ثورية شابة جديدة للإخوان المسلمين.

وتبنت صفحة "تحت الرماد" على موقع فيسبوك، نشر أخبار هجمات شبكات هذا التحالف( أى حركة المقاومة الشعبية) وشعارها صورة مرسي يرفع علامة رابعة.

ومن المعروف أن هذه الصفحة مرتبطة بالإخوان... صحيح أنهم ينكرون ذلك، ولكن التحالف يتحدث دوما عن الغضب والظلم الذي يشعر به شباب الإخوان، بعد اعتقال أكثر من 12 ألفا من الإخوان بتهم مرتبطة بالإرهاب واالانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين.

مرحلة ثالثة للعنف !!

الآن، فيما يبدو أنها مرحلة ثالثة للعنف، قد يتحول فيها المشهد مرة أخرى.

كانت الهجمات في قلب مصر قد توقفت بشكل مفاجئ في أغسطس 2015، مع نشاط  متقطع طفيف خلال الأشهر القليلة التالية عليه. وفي الوقت الذي تم تفسير توقف الهجمات (في البداية) بوصفه نتيجة لنشاط مكافحة الإرهاب، فإن استئنافها الآن يشير إلى احتمالات أخرى!!

عن هذه النقطة، يبدو أن التوقف المفاجئ للنشاط ( ومن الجميع تقريبا) تم بتنسيق، الأمر الذي يشير إلى أن هذه الجماعات أو الحركات انتظمت إلى حد ما داخل كيان أكثر تنظيما وربما أكثر مركزية.

  • المثير أكثر، هو التغير في الخطاب الحالي للأدوات الإعلامية التابعة لما يسمى بحركة المقاومة الشعبية. فمنذ نشأتها، ركزت الجماعة على هدفين رئيسيين: الشرطة، خاصة أشخاص محددين( تقول عنهم تلك الجماعات أنهم ضباط معروفين بقسوتهم أو قمعهم للتظاهرات) وأهداف اقتصادية، في محاولة لإضعاف الدولة بإفشال الاقتصاد. ونشرت الجماعة قائمة بأسماء ضباط الشرطة، مصحوبة بصورهم في فبراير من هذا العام، وانخرطت في حملة محددة بشكل أوضح متبنية شعار هاشتاج "الحصار الاقتصادي". وجاءت عمليات إحراق المصانع، تدمير أبراج الاتصالات، وتفجير أبراج الكهرباء، لتتناسب مع هذا الهدف.
  • ولكن منذ أواخر العام الماضي، بدأت الجماعة في استخدام مرجعيات( وشعارات) إسلامية بشكل غير مسبوق. ففي ديسمبر 2015، ظهرت ثلاث صفحات على موقع فيسبوك تحمل شعار "الله، الشهداء، الثورة". وتنتشر الآيات القرآنية الآن عبر بيانات الإعلان عن هجمات، ويُشار إلى الإرهابيين بوصفهم مجاهدين.

من المستبعد أن تكون تلك الإشارات مجرد صدفة....!

 وسواء أكانت بسبب قيادة جديدة (أو إدارة إعلامية) أو قرار استراتيجي لتسليط الضوء على الشخصية الإسلامية للجماعة، فإن هذا ( بلا شك) يشير إلى تغيير ما قد حدث ....

قد تكون هذه  " الأسلمة " الجزئية للرسائل الإعلامية طعما لأطراف أخرى مثل داعش، لإيجاد أرضية مشتركة أو وسط بين دوائر أنصار التنظيم والتكفيريين الجهاديين.

  • عند هذه النقطة ينبغى الإلتفات إلى أن تأثير داعش على جماعة مثل " العقاب الثورى" كان قد ظهر منذ منتصف العام الماضى. عندما نشرت الجماعة في 25 يونيو 2015، فيديو يُظهِر إعدام مدني متهم بالتعامل مع الشرطة. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها الجماعة مدنيين علنا، ولكن نشر هذا الأمر كان الجديد: فقد حاكى الفيديو نمط شرائط عمليات داعش وبدأ بنشيد وآيات قرآنية. صحيح أن هذا لا يثبت وجود تعاون مباشر بين الجماعتين، لكنه  يبين ( على الأقل) أن الإنتاج الإعلامي لداعش كان له أثره على جماعة العقاب الثوري.

كذلك، ربما يكون لداعش مستوى ما من التأثير غير المباشر على استراتيجية وتكتيكات العقاب الثوري. وبالفعل، في يناير 2016، زعمت " العقاب الثوري"  و" الدولة الإسلامية - مصر" مسؤوليتهما عن هجوم إرهابي واحد في أحد الشقق التي كانت تستخدم كمصنع للمتفجرات في الجيزة.

والآن، زعمت  ما يسمى بـــــ"حركة المقاومة الشعبية" مسؤوليتها عن هجوم الثامن من مايو في حلوان. والملاحظ  هنا  أيضا أن كلا من "داعش - مصر"  و "حركة المقاومة الشعبية" لم تنفيا مزاعم بعضهما البعض.

إذن، من الطبيعي أن يثير هذا تساؤلات حول مستوى التنسيق بينهما ؟!!

  • من ناحية ثالثة، تغيرت التكتيكات المتبعة من قبل " داعش – مصر" منذ زعمت مسؤوليتها عن أول هجوم لها على القنصلية الإيطالية في القاهرة. ففى الصيف الماضي، نفذت الجماعة سلسلة من التفجيرات الشاملة لسيارات في منشآت حكومية رئيسية( مثل مبنى الأمن الوطنى فى شبرا ، والمبنى التابع لوزارة التعاون الدولى فى المهندسين). ولكن بحلول نوفمبر2015 تحولت الجماعة إلى تكتيك إطلاق النار المستهدف. قد يكون هذا بسبب خسارتها لقائدها( مع وفاة أشرف الغرابلي في حملة أمنية وخسارة شخصيات مثل هشام عشماوي الذي يُعتَقَد أنه عمل مع الجماعة في وقت ما). كذلك، ربما يشير هذا إلى تنفيذ هذه الهجمات بواسطة أعضاء ( أو أعضاء سابقون) في جماعات أخرى، مثل أجناد مصر، أو حتى العقاب الثوري أو حركة المقاومة الشعبية.

باختصار، المقصد من كل ما سبق، أنه فى هذه المرحلة الثالثة المحتملة، يبدو أن مشهد الفواعل أصبح أكثر تلاحما وتنسيقا. وسواء أكانوا يعملون معا أم لا، فالثابت هنا أن تلك الجماعات أصبحت أشبه ببعضها البعض، وأقرب إلى بعضها البعض.

 

تداعيات مستقبلية:

على الرغم من وجود داعش، يظل النشاط الإرهابى في قلب مصر مختلف بشكل ما عن النشاط الإرهابي في سيناء. إذ أن الأخير أظهر مستوى مرتفع من التنظيم المركزي في هجمات متقدمة لم تتمكن أية جماعة أخرى من تنفيذها.

كذلك، خلافا " لولاية سيناء" وما سبقها من جماعات، التي جندت أعضاء عبر منهج مركزي هرمي، دعت "حركة المقاومة الشعبية" أعضاءها المحتملين( أى المتعاطفين معها) إلى تكوين جماعات خاصة بهم لتنفيذ هجمات بشكل منفرد، كوسيلة لتفادي المراقبة. وهنا ينبغى الإلتفات إلى أن رسائل الفيسبوك لأنصار الحركة حول البلاد، توضح  كيفية صنع "كوكتيل مولوتوف" وكذلك كيفية إغلاق الطرق بشكل فعال.

هذا الانتشار للعنف، رغم أن تأثيره الإعلامي ليس بحجم الهجمات الكبيرة، ولا يستثير ردود أفعال عميقة كتلك التي في مواجهة داعش، لكن من الواجب التعاطي معه بجدية....

 إذ أن تطور هذه الجماعات يشير إلى أن استمرار الإحتقان بين عناصر وكوادر تيار الإسلام السياسى بمختلف تكويناته، دفع أفراد وجماعات مختلفة ( داخل هذا التيار) إلى الانضمام لبعضهم البعض، وزيادة مستوى التنسيق والتعاون فيما بينهم، تحت لافتة "العنف من أجل القضية".

ولا شك أن استمرار هذا الأمر معناه، أن الكثيرين عرضة للاندفاع نحو المزيد من التطرف، أو للإستغلال من قبل جماعات مثل داعش.

ولما لا .... وقد نشرت ولايات داعشية مختلفة ( في السادس والخامس والرابع عشر من مايو2016) تسجيلات مصورة في حملة إعلامية منسقة، لإظهار فشل الوسائل السياسية السلمية في مصر؟!!

من ناحية أخرى، في هذه اللحظة التي تتزايد فيها عمليات التوظيف السياسى، من قبل خصوم النظام، لقضايا وملفات مثل: ارتفاع الأسعار + تسريبات الثانوية العامة + عدم تفهم واستيعاب قطاعات من الناس لقضية جزيرتي تيران وصنافير + والاحتجاجات النقابية ضد الشرطة.. ليس من الحكمة استبعاد حدوث عنف جماهيرى فى سياق أى احتجاجات يمكن أن تحدث . فأى احتجاج جماهيرى لن يكون سلميا كما كان فى الماضى، وهنا ينبغى الحذر فى أداء أفراد الشرطة واحتكاكهم بالمواطنين، فترشيد أداء أفراد الشرطة فى هذه المرحلة يبدو أمرا هاما .