المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب: مفهوم الشهادة بين "التقسيم" و"السبُّوبة"

الأحد , 09 يوليو 2017 - 02:13 مساءٍ

اللواء عبد الحميد خيرت
اللواء عبد الحميد خيرت

رغم اعتزازي بالدعوات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في الساعات الـ48 الأخيرة، عقب جريمة رفح الإرهابية، والتي طالبت رئيس الجمهورية باعتبار شهداء الوطن أحياء، وتكريمهم بترقيتهم سنوياً مع دفعاتهم في كشوف خاصة بهم، حتى وصولهم لرتبة "لواء شهيد"، ونفس الأمر بالنسبة للجنود والأفراد، إلا أننا وفي لحظة موضوعية جداً يجب ألا ننساق وراء العواطف وحدها، لأنها ستوقعنا في مأزق حقيقي.

 

أتفهم أن الدعوات المخلصة تأتي كرسالة عرفان من الدولة والمجتمع بأن "الشهيد" ليس حيّاً عند ربه فقط، ولكنه حيٌّ أيضاً في ضمير ووجدان وطنه وشعبه، وأتفهم أيضاً أن أسرة الشهيد الذي ضحى بدمه وروحه، لا يجب أن تظل أسيرة تكريم وقتي، أو ضحية "معاش" تتناقص قيمته بمرور الأيام، وأتفهم كذلك أن الروح والدم لا يعوضهما مال الدنيا وكنوزها، ومع ذلك علينا أن نأخذ من هذا الدم الذي سال عبرةً ونبراساً ووقوداً نستوعب فيه معنى الوطن والوطنية، وندرك من خلاله المفهوم الواضح لمعنى "الشهادة" والتي أستبيح معناها وترهَّلت قيمتها لكل من هبَّ ودب، حتى أصبحت سوقاً فوضوياً ولقباً يتم السمسرة به والمتاجرة باسمه وخاصة بعد فوضى 25 يناير، وكأنه يذكرنا بالشهادات المضروبة.!

 

وإذا كان علينا بالأساس، أن نتفق ونحدد بموضوعية من هو الشهيد.؟ حتى نستطيع التفرقة بين من مات وهو يدافع عن أرض وطنه، وبين من مات وهو يسرق الغسيل من على السطوح.؟ يكون بالتالي مراجعة أخطاء حكوماتنا السابقة التي تأثرت بالضغوط الشعبوية ورضخت لتصنيف الشارع الباحث عن أي مكاسب فئوية، وبالتالي اعتبرت من قتل في مباراة كرة قدم شهيداً، وكذا من قُتل وهو يواجه قوات الأمن بالطوب والحجارة والمولوتوف، وأيضاً من قتل وهو يحاول الهرب من سيارة نقل المساجين.. ولِمَ لا.؟ وجماعة الإخوان الإرهابية وميليشياتها التكفيرية اعتبرت مجرمين مثل محمود رمضان وعادل حبارة شهيدان بعد تنفيذ حكم الإعدام فيهما.!

 

إننا أمام مفهوم "ملتبس" لمعنى وقيمة الاستشهاد والشهادة الحقة، يضعنا في مأزق آخر ربما يجيب على الدعوات "المحترمة".. وهو ماذا عن المواطنين الأبرياء الذين سقطوا في الأعمال الإرهابية، وما مصيرهم.؟ هل سيتم أيضاً معاملتهم أسوة بضباط الجيش والشرطة من حيث الترقية والمعاملة.؟ وإذا حدث ذلك فإننا سندخل في متاهة لا تنتهي، وإذا لم يحدث فسيتحدث البعض عن تمييز متعمد لدماء أبناء القوات المسلحة والأمن عن غيرها من الدماء، وهذه فرصة أخرى للشيطان لتقسيم المجتمع نحن في غنى عنها.

 

لنعترف أن الدم واحد سواء من مواطن أو جندي، وأن ما يجري من محاولة فرضه ـ عبر مثل هذه الدعوات ـ للتمييز هو خاطئ تماماً، لأن فكرة الوطن والدفاع عنه واحدة ولا تتجزأ، وأن هذا الجندي أو الضابط، إنما هو مواطن أولاً، وابن لهذا الشعب ثانياً، ومحاولة إخراجه بهذا التصنيف ولو بهذا التكريم، إنما هي إسفين لا يجب النظر إليه ببراءة أو حسن نية، حتى لو كانت النوايا طيبة، وجاءت كردِّ فعل على جرائم استهدافهم، لأنهم أولاً وأخيراً يقومون بالواجب المفروض عليهم، والذين أقسموا على الوفاء به مهما كانت التضحيات.

 

ولنعترف أيضاً، أن نُبل الفكرة، لا ينبغي أن يجرَّنا ـ عاطفياً ـ لفرض حالة خاصة من التمييز ربما تخرج عن إطار التعامل اللائق فقط مع تضحيات الشهيد والتكريم المنشود، خاصة وأن مفهوم الشهادة، أصبح في فترة من الفترات "سبُّوبة" لبلطجي، مثلما كان "الثورة" شعاراً وسبوبة لنخب وهمية ونشطاء مزعومين.

 

وبهذه المناسبة، وبلسان كل أسر الشهداء الحقيقيين، أتمنى من المسؤولين في الحكومة إعادة الاعتبار لمفهوم وحق الشهيد، وذلك بتنقية كشوفات ممن لوَّثوا هذه القيمة الكبرى في فترات سابقة وخاصة في أحداث يناير المشؤومة، ليبقى الشهيد الحقيقي هو من دافع عن هذه الأرض، وليس من أحرقها ونهبها وخلع أرصفتها وحاول أن يسقطها.!