المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

نتيجة لتحالفه مع إيران.. حزب الله يولي وجهه شطر الخليج

الأحد , 09 يوليو 2017 - 02:43 مساءٍ

حزب الله
حزب الله

لأسباب داخلية، وكنتيجة لتحالفه الوثيق مع إيران، اتخذ حزب الله منحنى حادا تجاه المواجهة مع دول الخليج. بالنسبة للحزب، فإن هذا التحول لا يعد استثناء أو خروجا على معركته ضد المعارضة السنية في سوريا. بل بالأحرى يعتبرها بمثابة امتداد لها. فى الواقع، ما بدأ كصراع لفظي أو خطابي بالأمس القريب، بات اليوم يهدد بالتحول إلى حرب أشد خطورة بين حزب الله ودول الخليج.

 

صورة حزب الله في العالم العربى بين الأمس واليوم

فى هذه الآونه تدهور وضع حزب الله وسط العالم العربي بشكل حاد مقارنة بما كان عليه قبل عقد مضى، بعد حرب لبنان 2006. ففي مطلع حرب لبنان، اعتلى حزب الله موجة من التأييد الشعبي على مستوى الإقليم. ولكن بعدها بعقد كامل، وضعت دول مجلس التعاون الخليجي، حزب الله على قائمة التنظيمات الإرهابية، وشنت حملة على مؤيديه ومموليه داخل حدودها. وأصدرت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بيانات تدين حزب الله أيضا، الأمر الذي أفضى إلى بدء حرب كلمات بين التنظيم ومسؤولين خليجيين. في يناير 2016، أصدرت الحكومة السعودية تقريرا عن الإرهاب الذي ترعاه إيران. وقد ركز هذا التقرير بكثافة على حزب الله، وغطى التقرير أنشطة التنظيم المسلحة منذ الثمانينيات وحتى الوقت الحاضر.

 

ولكن منحنى التوتر بين الجانبين الآخذ في الصعود – والسياق الإقليمي لحرب الوكالة بين إيران، راعية وممولة حزب الله ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية – ربما يحرك هذا الخلاف لينقله من طور الكلمات إلى طور الأفعال، مهددا باندلاع أعمال عنف يمارسها حزب الله وحلفاؤه الشيعة داخل دول الخليج وشركاؤها من السنة. والشاهد أنه في يوليو، تحدث الأمير تركي الفيصل في مؤتمر عن جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المتمردة.

 

وبعدها بأيام، زعم مسؤول إيراني بارز أن هذه الجماعة لديها صلات استخباراتية مع السعوديين. وأنها تتآمر لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف إيران. وحذر موجها رسالته إلى السعوديون، أنهم إذا ما غضبوا، فلن يتركوا سعودي واحد على ظهر الأرض. كذلك، وجه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خطابا لاذعا نحو السعوديين، متهما الرياض بتعزيز التطرف والطائفية في الإقليم. وقال إن "آل سعود يريدون فتنة سنية – شيعية". وقال في يناير بعد إعدام رجل الديني الشيعي السعودي نمر باقر النمر: "إنهم من أشعلوها من قبل ويفعلونها في كل مكان على مستوى العالم".

 

لقد تغير الوضع كثيرا منذ حرب لبنان في 2006، عندما كبد التنظيم القوات الإسرائيلية خسائر ثقيلة وأعلن "انتصاره المقدس" بوصفه "الجيش العربي" الأول الذي لم يُهزَم بشكل كامل في حرب مع إسرائيل. وأصدرت صحفا مصرية آنذاك ملاحق خاصة وحملت صفحات بأكلمها صورا لنصر الله تحمل عناوين مثل "نصر الله: على خطى ناصر" و"ناصر 1956 – نصر الله 2006: سنحارب ولن نستسلم." ظهر نصر الله نفسه على شاشة الجزيرة، في تسجيل أُذيع العديد من المرات، واصفا حزب الله بثقة بأنه العامل على مصالح جميع المسلمين. وجاء فيه أن هزيمة حزب الله تعد هزيمة لكل بلد مسلم. وفي الشارع العربي، كان نصر الله وأتباعه بمثابة أبطال العالم العربي.

 

الآن بعد عشر سنوات على حرب لبنان 2006، تدهورت صورة حزب الله في عيون العالم العربي السني. بعد وضع التنظيم على لائحة التنظيمات الإرهابية في مجلس التعاون الخليجي، أصر نصر الله على أن غالبية العالم العربي رفض هذا الوصم ولا يزال مناصرا للتنظيم. ولكن نتائج استطلاعات الرأي بداية من سبتمبر 2015 ترسم صورة مختلفة، إذ بين استطلاع للرأي أن 85% من الأردنيين لديهم رؤية سلبية نحو حزب الله. بينما لم يحصل التنظيم إلا على نسبة تتراوح من 13 إلى 15% من تأييد مواطني المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.  

 

صحيح أن حزب الله كان -لفترة طويلة -نشطا في الخليج، وبالتالي فإن هناك تاريخا من التوتر بين التنظيم والدول الخليجية. ولكن وضع حزب الله النشط في الإقليم اليوم، في أماكن مثل العراق واليمن وسوريا على وجه الخصوص، وضع التنظيم في وضع المواجهة المباشرة مع دول الخليج، على خلاف ما كان عليه الحال لفترة طويلة.

 

تاريخ حزب الله في الخليج

لحزب الله تاريخ طويل من النشاط خارج الحدود اللبنانية، مع تركيز خاص على العمليات في الخليج. عام 1983، نفذ حزب الله وعناصر تنفيذية من جماعة "الدعوة" العراقية سلسلة من التفجيرات استهدفت مصالح كويتية، أمريكية وفرنسية في الكويت، لتسفر التفجيرات عن مقتل ستة أشخاص وإصابة ما يقرب من 90 آخرين. خلال السنوات القليلة التالية تم توقيف عناصر تنفيذية لحزب الله في البحرين، الكويت والسعودية. وفي أواخر الثمانينيات، نفذت جماعة "حزب الله الحجازي" طيفا متنوعا من الهجمات، من استهداف منشآت بتروكيماوية سعودية وحتى اغتيال دبلوماسيون سعوديون حول العالم.

 

ظلت العناصر التنفيذية لحزب الله نشطة في الإقليم. وقد ربط تحليل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صدر عام 1990، بوضوح بين أنشطة حزب الله وتحركات إيران، ليشير إلى أنه ربما حصلت هجمات إرهابية مرتبطة بإيران ( تم تنفيذها خلال العام السابق على التقرير) على موافقة مسبقة من الرئيس الإيراني وقادة إيرانيين آخرين رفيعى المستوى. في هذا السياق، يمكن القول أيضا أنه من المعروف أن حزب الله أرسل عناصر تنفيذية لمساعدة خلايا سعودية محلية تنتمي إلى "حزب الله السعودي" على تفجير أبراج الخُبَر في يونيو 1996. وفي أضخم انفجار غير نووي حدث على مستوى العالم، قتل التفجير 19 من رجال الأمن والعديد من المواطنين السعوديين في الساحة المجاورة للأبراج. كما أُصيب 372 أمريكيا أيضا جراء التفجير.

 

وضع حزب الله فى الإقليم

 كان تأثير الحرب السورية على حزب الله دراماتيكيا، ليغير نطاق تركيز الحزب من محاربة إسرائيل والتنازع على الساحة السياسية اللبنانية إلى الانخراط في صراعات إقليمية خارج حدود لبنان.

 

صحيح أن حزب الله كان قد نشر وحدة في العراق لتدريب مسلحين شيعة أثناء الحرب العراقية. حيث عملت بتعاون وثيق مع إيران، ولكن تغلغل التنظيم وتورطه الكثيف في الحرب السورية يسلط الضوء على تركيز التنظيم الجديد على دعم الشيعة على مستوى الإقليم ككل. ويمكن القول إنه وباستثناء سوريا بالطبع، فإن هذا التوجه الإقليمي الجديد لحزب الله يتجلى بأوضح صوره في تزايد وتيرته العملياتية في الخليج.

 

في اليمن:

في اليمن، عمل عدد قليل من العناصر التنفيذية لحزب الله على تدريب متمردين حوثيين لفترة ما، ولكن في أوائل 2016، ذكرت الحكومة اليمنية أن لديها دلائل حقيقية على أن حزب الله يعمل على تدريب متمردين حوثيين ويعمل إلى جانبهم على تنفيذ هجمات على الحدود السعودية.

 

قبلها بثلاثة أعوام، كشفت الحكومة الأمريكية أن خليل حرب، قيادي العمليات الخاصة السابقة وأحد مستشاري حزب الله المقربين، هو المُشرِف على أنشطة حزب الله في اليمن. وكان حرب قد غادر أيضا إلى طهران لتنسيق عمليات حزب الله في اليمن مع إيران. ويمكن القول أيضا أن حرب ليس العنصر التنفيذي البارز الوحيد الذي يتم نشره في اليمن. فقد ذَكِرَ أيضا، أن قائد العمليات الخاصة السابق في الجنوب اللبناني، أبو علي الطباطبائي، الذي قضى وقتا في الحرب في سوريا، قد تم إرساله إلى اليمن أيضا.

 

لم يتحدث حزب الله أبدا بشكل معلن عن هذه الأمور، ولكن نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، كان قد حذر في إبريل 2015 من أن السعودية ستتكبد خسائر خطيرة للغاية وستدفع ثمنا غاليا بسبب حملتها في اليمن.

 

أنشطة إرهابية للحزب فى منطقة الخليج:

وخلافا لليمن، يستمر أيضا دعم حزب الله لجماعات إرهابية في منطقة الخليج بلا هوادة:

  • ففي يناير 2016، اعتقلت السلطات في البحرين ستة من أعضاء خلية إرهابية مرتبطة بحزب الله، وحملت الخلية مسؤولية التفجير الذي وقع في يوليو 2015 خارج مدرسة للبنات في البحرين.  

 

  • في أغسطس 2015، هاجمت السلطات الكويتية خلية إرهابية من 26 من شيعة الكويت. واُدينت الخلية بتهمة حيازة كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات. وبعد أن نشرت وسائل إعلامية تقارير تفيد بوجود صلات بين الخلية وإيران وحزب الله، أصدر النائب العام الكويتي أمرا بمنع النشر بخصوص هذا التحقيق.  
  • في يناير 2016، حكمت محكمة كويتية على كويتيا وإيرانيا بالإعدام بتهمة التخابر لصالح إيران وحزب الله.

 

  • في يونيو 2016، أدانت محكمة في أبو ظبي زوجة أحد الإمارتيين بتهمة التخابر لحساب حزب الله.  

 

  • وفي يوليو2016 ، حكمت محكمة كويتية على عضو برلمان شيعي غيابيا بالسجن بتهمة إصدار بيانات تسب السعودية والبحرين وتدعو الناس للانضمام إلى حزب الله .  

 

  • في 2013، ضُبِطَت خلية نائمة لحزب الله في الإمارات. حسبما جاء في حيثيات المحكمة في إبريل 2016 ، فقد استخدمت الخلية الإرهابية الجنس والخمر لجنيد مجموعة من العملاء لتقديم معلومات حول المؤسسات الحكومية، الأمنية، العسكرية والاقتصادية بالإضافة إلى اتفاقات السلاح الإماراتية مع العديد من الدول وتقديمها إلى عملاء لحزب الله. وقال الادعاء إن اثنين من الإماراتيين، وأربعة لبنانيين، وسيدة تحمل الجنسيتين الكندية والمصرية تعرضوا للابتزاز بهدف المشاركة في هذا المخطط التآمري. وجاءت هذه القضية بعد وقت قصير من إدانة الإمارات ثلاث لبنانيين بتهمة تأسيس خلية حزب الله.

 

الحزب على قائمة الإرهاب:

وفي إجراء غير مفاجئي لمواجهة هذا النشاط العدواني في الخليج، وضع مجلس التعاون الخليجي حزب الله على قائمة التنظيمات الإرهابية بسبب "الممارسات العدائية للميليشيا التي تجند شباب الخليج لتنفيذ أعمالا إرهابية." وقد حذت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي حذوها خلال أسابيع.

 

في الحقيقة، فإن هذه السلسلة من الإدانات كانت في طور الإعداد قبلها بثلاث سنوات. ففي يونيو 2013، خلُصَت دول مجلس التعاون الخليجي إلى أن حزب الله هو تنظيم إرهابي، وبدأت العديد من الدول في اتخاذ خطوات ضد أنصار التنظيم داخلها. وفي مايو 2014، سحبت السلطات السعودية تصريح العمل من مواطن لبناني مرتبط بحزب الله، في الوقت الذي قوبل عرض مجلس التعاون الخليجي بالحوار مع طهران إذا ما غيرت سياستها في سوريا بأذن صماء.

 

 في المقابل، أنكر حزب الله الاتهمات واتهم بدوره السعوديين بمحاولة إسكات حزب الله بسبب رفضه تجاهل "جرائم السعوديين في اليمن وغيرها" على حد قوله.

 

منذ ذلك الحين، انتقد نصر الله السعوديين بسبب الحرب في اليمن، ودعمهم للجماعات السنية في لبنان. وعلى خلفية ما أسماه "تقارب بشكل ما مع إسرائيل". وبحسب ما قال علاء الدين بروجردي، الأمين العام للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، فإن الاضطراب الإقليمي يأتي بسبب محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل توريط البلدان الإسلامية في مشكلات داخلية مستخدمة "جماعات تكفيرية، هي بمثابة دمى متحركة بين يدي الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين".

الصراع الجيوسياسى:

تغلغل حزب الله الكثيف في الخليج هو نتاج استمرار التوتر الجيو سياسي والطائفي بين السعودية وإيران. وصلت هذه التوترات إلى القمة في يناير الماضي بعد إعدام السعودية "النمر" بتهمة التحريض على العصيان وحمل السلاح ضد قوات الأمن السعودية.

 

أشعل موت الشيخ النمر الغضب عبر العالم الشيعي، وفي إيران، تم تفجير منشأتان دبلوماسيتان سعوديتان احتجاجا على الحكم. سعت السعودية إلى استصدار إدانة للهجمات من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وقد استجابت المنظمتان لهذا. إلا أن لبنان فقط هي من أعلنت عن "تضامنها" لا إدانتها. دفع هذا الموقف، السعودية إلى قطع دعمها المالي للبنان، وسحب أرصدتها من بنوك لبنانية. اصطفت الإمارات والبحرين إلى جوار السعودية، لتصدران تحذيرات بالسفر وحظر سفر على لبنان. وبعد شهر على تنفيذ حكم الإعدام والاحتجاجات التالية عليه، وضعت السعودية أربع شركات وثلاث رجال أعمال لبنانيين على القائمة السوداء، بسبب علاقتهم بحزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد وضعت هذه الشركات وهؤلاء الأشخاص على القائمة السوداء لديها قبلها بعام، إلا أن التصرف السعودي أشار إلى نفاذ صبر المملكة تجاه حزب الله.

 

مخاوف خليجية:

لقد حاول نصر الله تشتيت الانتباه بوصف هذه الإجراءات بالمكائد الإسرائيلية، إلا أن حزب الله وإيران، في الحقيقة، نشطا كثيرا في الخليج خلال الأعوام الأخيرة. ولهذا هناك قلق فى الخليج بشأن شكل الإقليم بعد الاتفاق النووي الإيراني. إذ تتخوف القيادة الخليجية من أن تدفق التمويلات الإيرانية بعد الاتفاق النووى (نتيجة الوفرة التي استعادتها) ستمنحها مع حزب الله القدرة على إثارة الاضطرابات في الإقليم. وبالتالي، يمكن القول أن دول الخليج بدأت في الانتباه بحساسية أكبر لنشاط إيران وحزب الله منذ الإعلان عن توقيع الاتفاق النووي.

 

حاولت قيادة حزب الله أيضا تبرير انخراط الحزب في حروب وكالة إقليمية بتقديم القضية بوصفها خطرا على الأمن القومي اللبناني. ففي يوليو 2016، تهكم الشيخ نبيل قاوق، نائب رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، من دعم السعودية لما وصفه بالإرهاب في لبنان وعبر الإقليم. وقال قاووق أن الإرهابيين الذين يقومون بتفجيرات في بيروت، الحرمل والبقاع، والذين يخطفون ويذبحون رجال الأمن اللبنانيين، هم فرع القاعدة في لبنان وسوريا (كتائب عبد الله عزام) وجبهة النصرة. وجبهة النصرة اليوم تقاتل بأسلحة سعودية على حد قوله. واتهم قاووق السعودية بالاستمرار في تسليح جبهة النصرة، رغم أنها تقتلهم (أي اللبنانيين) وتستمر في احتلال البقاع اللبناني. مشيرا إلى أن رعاية السعودية للإرهاب "تمثل خطرا حقيقيا على الأمن القومي اللبناني".

 

التحالف بين حزب الله والمصالح الإيرانية

يمكن القول إن موقف حزب الله تجاه دول الخليج هو ثمرة عاملين مترابطين، الأول: أن حزب الله مرتبط أيديولوجيا بالنظام الإيرانى... حيث يلتزم الحزب بمبدأ "ولاية الفقيه". هذه العقيدة، التي أسس لها آية الله الخميني، تعني وجوب طاعة المرجع – في هذه الحالة المرشد الإيراني الأعلى – بوصفه زعيم الشيعة على مستوى العالم. ومن ثم ألزم حزب الله نفسه بقرارات المراجع الإيرانية، حتى ولو بدا أن هذه القرارات لا تلتقي وأهداف الحزب في وقت ما.

 

والثاني، أن الحزب بات أقرب لإيران (على مستوى التنسيق العملياتى) خاصة في السنوات القليلة الماضية، من خلال تنسيق عملياتي وثيق مع الحرس الثورى في العراق، والآن – بدرجة أكبر – في سوريا.

 

وينبغي ملاحظة أن النفوذ على صناعة القرار داخل حزب الله يتجاوز مبدأ ولاية الفقيه، ويعود أيضا إلى العلاقات الشخصية... في ذلك المضمار، أشارت بعض التقاري، أن قاسم سليماني – قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني – هو من عين شخصيا خليفة مصطفى بدر الدين، القائد العسكري لحزب الله في سوريا.

 

وإذا كان العامل الأول يسلط الضوء على تكامل أهداف حزب الله مع إيران، بشكل كلي أو جزئي، فإن هذا لا ينفى أن لحزب الله – أحيانا – تكون له أسبابه الخاصة كي يتخذ هذا الموقف العدائي الصارخ من السعودية ودول الخليج. ففى هذه الآونه يجد حزب الله نفسه على الأرض في سوريا يقاتل ويتكبد الخسائر على يدي جماعات مسلحة ممولة من السعودية، ويرى أن السعودية تدعم الجماعات المناهضة للشيعة في غير موضع من الإقليم أيضا.

 

ولهذا، في ديسمبر 2015، ذكرت وكالة "تسنيم" الإخبارية الإيرانية أن حزب الله أصدر بيانا يرفض دعوة الرياض لتشكيل تحالف عربي مناهض للإرهاب قائلا: " أنه ليس مفاجئا لأي شخص أن السعودية ترتكب الإرهاب بنفسها، وهي تفعل ذلك في اليمن، إلى جانب دعمها لجماعات إرهابية في العراق، سوريا واليمن". كذلك، اتهم مسؤولون في حزب الله الرياض بالمسؤولية عن إفشل الحلول السياسية للأزمة الرئاسة في لبنان، مع " ارتكاب جرائم تطهير عرقي في اليمن، والسعي إلى التطبيع مع إسرائيل". على حد قول البيان.  

 

الآن هناك ما يشير إلى أن إيران وحزب الله، في هذا التوقيت، يركزان على إيلام السعوديين. حسب أحد التقارير فإن "الجناج العسكري لحزب الله اللبناني تلقى تعليمات من إيران بتعليق عملياته ضد إسرائيل واستهداف السعودية بدلا منها." بينما تشير تقارير أخرى إلى عمليات إيرانية تستهدف السعوديين في طور الإعداد. على سبيل المثال، ذكرت صحيفة "مانيلا تايمز" الفلبينية نقلا عن مصادر سعودية وفلبينية أنه كانت هناك مؤامرة إرهابية إيرانية ضد طائرة ركاب سعودية في مانيلا.

وخلافا للمؤامرات الخارجية، فإن دول الخليج تتحسب لمؤامرات من جانب إيران وحزب الله في الداخل، على ضوء عدم الاستقرار الطائفي في أماكن مثل المنطقة الشرقية في السعودية، وفي البحرين.

 

التوترات تصل إلى قمتها

لدى حزب الله تاريخ من استهداف المصالح السعودية، وبالتالي فإن تهديداته من أن الرياض "ستدفع ثمنا غاليا" للدور الذي تلعبه في اليمن، أصابت وترا حساسا لدى السعودية. ولكن هناك حادثتان بالتحديد تسلطان الضوء على أن الحرب اللفظية بين حزب الله ودول الخليج (والسعودية على وجه الخصوص) ربما تتحول الآن بالفعل إلى أمرا عملياتيا، وأشد خطورة.

 

على الرغم من تدمير أبراج الخُبَر في 1996، استطاع الرجل المتهم بقيادة وتنفيذ الهجوم الهرب طوال نحو 20 عاما. أخيرا، في أغسطس 2015، أُلقي القبض على أحمد المغسل، القائد العسكري لـــ"حزب الله السعودي" في بيروت، وتم ترحيله إلى السعودية. قيل إن المغسل عاش في لبنان لسنوات تحت حماية حزب الله. ربما يقدم المغسل الذي يتحدث الفارسية فكرة عن العمليات السرية لإيران ووكلاؤها حول الإقليم.

 

لكن الأهم أن ظروف القبض عليه نفسها تشير إلى تدخل البعد الطائفي. إذ فقط مع تصاعد التوترات بين حزب الله والسعودية، يتم القبض فجأة على عنصر تنفيذي لحزب الله استطاع الهرب لسنوات طوال... بل ويُرحَل إلى السعودية !!.

 

الحادث الأبرز ربما هو ما حدث في سوريا بعدها بتسعة أشهر. حيث أُصييب حزب الله بضربة قاصمة في مايو 2016، مع خسارته أبرز قياداته العسكرية، مصطفى بدر الدين. قُتِل بدر الدين في انفجار وقع في دمشق أثناء عمله قائدا لتنظيم الأمن الخارجي لحزب الله وقواته في سوريا. ويعتبر أبرز قائد لحزب الله يُقتَل منذ وفاة قائد الأركان السابق، عماد مغنية في 2008.

 

وكان بدر الدين قد تورط، في الثمانينيات، في هجمات إرهابية في لبنان والكويت، استهدفت سفارات أمريكية وثكنات للبحرية. ثم فر بدر الدين من السجن في الكويت أوائل التسعينيات، أثناء الغزو العراقي للكويت. وعاد إلى لبنان وصعد على سلم القيادة في حزب الله، معززا بخبرته وصلاته العائلية بمغنية.

 

قاد الرجلان (بدر الدين ومغنية) الأنشطة العسكرية لحزب الله لسنوات، وأنشئا بعض أشهر وحدات التنظيم. وفى هذا السياق، وصف أحد العناصر التنفيذية لحزب الله، بدر الدين بأنه "أخطر" من مغنية.

 

 صدم اغتيال بدر الدين حزب الله.... لقد فقد قيادي مدرب ومؤهل يحظى بمكانة عالية بوصفه صهر مغنية والمقرب من نصر الله. والأكثر إرباكا لحزب الله أن إسرائيل، عدوة حزب الله الأولى، ليست من اغتالته.

 

فرغم أن قنوات حزب الله الإعلامية سريعا ما أدانت إسرائيل بالهجوم الذي قتل بدر الدين، إلا أن نصر الله بعدها خرج على الشاشة ليعلن بنفسه أنه "لا توجد علامة أو برهان يقودنا نحو الإسرائيليين". وأضاف نصر الله سريعا "أن حزب الله لا يخشى إدانة إسرائيل عند الضرورة، ولكن في هذه الحالة، قادتنا تحقيقاتنا نحو الجماعات الإرهابية السنية" على حد قوله. ولم يكن بإمكان نصر الله أن يوضح بأكثر من ذلك، إذ قال: "خلال 24 ساعة علمنا من قتل السيد مصطفى، لا تحاولوا الإشارة صوب إسرائيل".

 

بالنسبة للبعض داخل حزب الله، فإن السعوديين هم اللاعبون خلف الستار، ربما بتأييد التنظيمات المسلحة الذين يقول نصر الله أنهم وراء الهجوم. في الواقع هناك سابقة تاريخية على هذا.... فقد قيل أن السعوديين دعموا ميليشيات لبنانية استهدفت الشيخ محمد حسين فضل الله في محاولة اغتيال فاشلة عام 1985.

وفوق ذلك فقد قالت الولايات المتحدة بوضوح أنها شريكة دول الخليج وآخرون لمكافحة أنشطة حزب الله.

 

الخلاصة

في بدايته، عرّف حزب الله نفسه بوصفه تنظيم مقاوم لإسرائيل، وهو الموقف الذي منحه شعبية ضخمة عبر الإقليم. ولكن، منذ بداية الحرب الأهلية السورية، فقد التنظيم أكثر من ألف من مقاتليه في معارك ضد إخوته من المسلمين، في تناقض صارخ مع مهمته الأولى المعلنة !!

في أغسطس 2016، هدد نصر الله إسرائيل بهجوم وشيك، مستدعيا مواجهته معها خلال العقد الماضي. لكن ذلك لم يغير من الواقع شيئا... فقد تراجعت مصداقية حزب الله كقوة مناهضة لإسرائيل منذ حرب لبنان في 2006.

 الآن يُنظَر إلى حزب الله عبر الإقليم بوصفه تابع لإيران في دعايتها للطائفية. لم يعد حزب الله علامة على المقاتلين الأحرار ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولكنه جماعة تحتل جزءا من سوريا. وفى هذا السياق، إعترف أحد مقاتلي حزب الله في مقال نُشِر في مايو 2016، "إننا غزاة... هذا هو دورنا الآن. نعم، لدي الكثير من الأسئلة، ولكن الحرب معقدة للغاية ولدي عائلة تحتاج الدعم".

فى هذه الآونه تستمر حرب الكلمات بين حزب الله دول الخليج. في يونيو2016، وصف نصر الله الأسرة الحاكمة في البحرين ب "الأقزام" و "خدام" الأسرة المالكة السعودية – بعد قرار المنامة تجريد الشيخ عيسى قاسم من جنسيته.

في الواقع، يبدو السعوديون الهدف الأكبر لغضب نصر الله في كل حديث يلقيه. في التاسع والعشرين من يوليو الماضي، كشف نصر الله عن اعتقاده أن السعوديين هم السبب في الصراعات المستمرة في الإقليم. وفى تأجيج الطائفية فى الإقليم. بالإضافة إلى إدانته لما اعتبره علامات عى تطبيع سعودي – إسرائيلي. وخلُصَ نصر الله إلى أن السعوديين لا يختلفون عن القاعدة وداعش. وقال أن الثقافة السعودية ثقافة وهابية، ثقافة داعش والنصرة، حتى ولو تغيرت الأسماء. إنها ثقافة القتل والذبح والحصار ورفض الحوار، على حد قوله. وعلى الجانب السعودي، قال وزير الخارجية السعودي أن حزب الله، التابع لإيران، يحاول السيطرة على لبنان ويشن حربا ضد المعارضة السورية – وأن هذه العملية تساعد على انتعاش داعش.

  باختصار، ستظل حرب الكلمات قائمة، ولكن الأحداث الأخيرة تشير إلى أنها تتحول نحو شئ أخطر وأكثر عملياتية.