المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

احياء "عملية السلام" بين " التعريب " و " التدويل ".. "الوساطة المصرية" و "المبادرة الفرنسية".. تكامل الادوار أم تعارضها؟

الأحد , 09 يوليو 2017 - 04:10 مساءٍ

نتنياهو ومحمود عباس
نتنياهو ومحمود عباس

منذ حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى السابع عشر من مايو الماضى، عن "السلام الدافئ" الذي قد يتأسس على تسوية الصراع الفلسطينى – الإسرائيلى، وحثه الرأي العام الإسرائيلي على تشجيع خيار السلام مع الفلسطينيين، وإبدائه الاستعداد للقيام بكل ما يلزم لجعل ذلك ممكنا، بدا أن القاهرة، وليست باريس، هى من أضحت مركز اهتمام الأطراف ذات الصلة.

 

والحاصل أن ابداء القاهرة استعدادها للتحرك على هذا المسار، بدا مفاجئاً لمعظم المراقبين، فى ظل وجود "أجندة داخلية ثقيلة" تضغط على كاهل الرئيس السيسى وتجثم على صدر حكومته... من الحرب المفتوحة على الإرهاب في سيناء والوادي، إلى الملف الإقتصادى المأزوم، مروراً بترهل جهاز الدولة بمختلف مؤسساته، وضعف قدرته على القيام بمهامه فى تلك المرحلة الصعبة التى تمر بها الدولة المصرية.

 

الأمر الآخر أن تلك الخطوة من قبل القاهرة، أثارت التساؤلات والتكهنات بشأن مغزاها ودلالاتها فى سياق طبيعة الدور العربى على صعيد القضية الفلسطينية، فى هذه المرحلة التى تبدى فيها العديد من العواصم العربية الفاعلة، استعدادها للإنخراط فى سلام إقليمى، يمكن أن يبدأ بسلام أمنى، ثم سياسي، ثم تطبيعى.

كذلك انعكاساتها على الجهود الدولية لإحياء عملية السلام من جديد، خاصة تلك الجهود الفرنسية المبذولة فى إطار ما يعرف بـــ " المبادرة الفرنسية".

 

بين "المبادرة الفرنسية" والتحركات المصرية:

فى البداية تتعين الإشارة إلى أن نقطة البداية التي تدحرجت منها ما تسمى بـــــــ " المبادرة الفرنسية" لحل القضية الفلسطينية، تعود إلى شهر سبتمبر عام 2014، عندما أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، عقب لقاء جمعه مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس، قائلا:" ينبغي علينا أن نقول بوضوح، من خلال قرار سيُقدم إلى مجلس الأمن، ماذا ننتظر من عملية السلام وكيف يجب أن يكون حل النزاع". منذ ذلك الحين، بدا واضحاً أن باريس تحضّر لتقديم مبادرة لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعد شعورها بأن إدارة الرئيس باراك أوباما باتت منشغلة كليا بالمفاوضات مع إيران، وبالحرب على " داعش".

 

فى البداية اقترح الفرنسيون أن يبلوروا قراراً من مجلس الأمن، يكون مقبولا للفلسطينيين والإسرائيليين، فيه عودة إلى مفاوضات ذات جدول زمني، ومرجعية واضحة. ثم ألغيت فكرة القرار الدولي، وأصبح الحديث عن لجنة دولية. ثم تغير كل ذلك واقتصر الأمر على مؤتمر دولى.


في البدء، كان المتخيل، مؤتمرا على مستوى القادة، إلى أن تبين أن المطروح اجتماع على مستوى وزراء الخارجية. وكان المطروح فى البداية أن تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية إذا فشلت المفاوضات، لكن تغير كل ذلك وأصبح الأمر مقتصرا على مؤتمرا دوليا للإعلان عن بدء المفاوضات، دون وعد فرنسى بالإعتراف فى حال فشلت المفاوضات.

 

*أما الكشف لأول مرة عن حراك عربى يجرى بصمت بشأن المبادرة العربية للسلام، فيعود فقط إلى بداية شهر مايو2016. حيث نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلى – آنذاك – تصريحات لزعيم المعارضة في الكنيست الإسرائيلي، حاييم هرتسوغ، كشف فيها أنه ناقش مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عدة مرات في الأشهر الماضية، المبادرة العربية للسلام (المعلنة منذ العام 2002، وتعرض التطبيع مع إسرائيل مقابل حل الدولتين). في ذات الوقت كشف تقرير القناة العاشرة الإسرائيلية أنّ عدة رُسُل قاموا بإيصال رسائل إلى نتنياهو في الأشهر الأخيرة، بشأن تلك المبادرة. ومن هؤلاء رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. ويمكن استنتاج أنّ الرسل، من أمثال بلير، لم يكونوا يتحدثون فقط مع نتنياهو، بل مع هرتسوغ وإسرائيليين آخرين، ربما.
 

في سياق كهذا، تصعب رؤية هذه الأنباء منفصلة عن تصريحات الرئيس السيسي - والتى بدت مفاجئة آنذاك - فى مايو الماضى أيضا. والتى طالب فيها الإسرائيليين بالتعاطي الإيجابي مع المبادرتين الفرنسية والعربية، وذلك في خطاب غُطي بكثافة في الإعلام الإسرائيلي. حيث قال السيسي: إنّ السلام غير الدافئ بين المصريين والإسرائيليين سيصبح "أكثر دفئا في حالة التمكن من حل القضية الفلسطينية، وإعطاء أمل للفلسطينيين بإقامة دولة، وضمانات لكلتا الدولتين لتحقيق أمن وأمان شعبيهما". ودعا السيسي أيضاً، لإحياء المصالحة الفلسطينية الداخلية. وهذا بدوره يمكن أن يكون نوعا من تهيئة البيت الداخلي الفلسطيني، لقبول خطوات في اتجاه "السلام"، وتقليل دوافع المعارضة "الحمساوية".


آنذاك رحب أمين عام جامعة الدول العربية بتصريحات السيسي، ثم اتصل هاتفياً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لدعوته للحضور إلى اجتماع في الجامعة لمناقشة الشأن الفلسطيني، يوم السبت؛ 28 (مايو) الماضى.

كل تلك التفاعلات جرت قبل أيام من الاجتماع الوزاري الذي عقد في العاصمة الفرنسية، في الثالث من شهر يونيو الماضى، ليبدأ التحضير عبره لمؤتمر سلام في الخريف القادم.

 

تداعيات التكتيك الإسرائيلى :

ولما كان الموقف الإسرائيلي دائماً هو الإصرار على مفاوضات ثنائية مع الفلسطينيين من دون تدخل، سوى رعاية أميركية شكلية، فقد واصل نتنياهو رفضه للمبادرة الفرنسية. ولأن الإسرائيليين يريدون دائماً اتصالات علنية مع العرب، وقبل الوفاء باستحقاقات التسوية، فقد رحبت "تل أبيب" – ربما بمبالغة مقصودة – بما أسماه البعض بــــ " المبادرة المصرية". في تكتيك يكشف عن رغبة إسرائيلية فى توظيف الأوضاع العربية الراهنة، لكي تكون "الصفقة" المطروحة هي: قبول إطار شكلي دولي للتفاوض، مقابل دخول عربي علني.


عند هذه النقطة، ونتيجة لهذا التكتيك الإسرائيلى، بالغ الكثيرون فى تقديراتهم بشأن طبيعة التحرك المصرى والعربى الراهن. وتزاحمت، في الفترة الاخيرة، الأحاديث والكتابات عن مشاريع أو سيناريوهات "تطبخ وتجهز" لحل الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، ويشكل البعد العربي مكونا أساسيا فيها. وأن العرب ذاهبون الى أشكال من التعاون الاقليمي الاقتصادي والامني مع إسرائيل، والبحث في تعديل مبادرة السلام العربية، وتطبيع العلاقات مع "تل أبيب" بشكل مسبق، وكل ذلك من أجل إذابة القضية الفلسطينية في الوضع الإقليمي ضمن تفاهمات تبقي على جوهر الاحتلال والسيطرة وتقطع الطريق على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

 

معظم تلك الكتابات قامت على قراءات واستخلاصات خاصة بالكاتب أو المحلل لاحداث معينة، وتصريحات وتسريبات أو لقاءات، رسمية أو عرضية. وقد وصلت بعض هذه الأحاديث والكتابات الى استنتاجات متسرعة، بل وإلى سيناريو جاهز. صحيح، أن تلك الاستنتاجات لم تأت كليا من الفراغ التام أو من الخيال التحليلي وفقط. لكن الصحيح أيضا أنه، باستثناء المبادرة الفرنسية (بكل الشكوك حول جديتها، وفرص نجاحها، ورفض إسرائيل الصريح لها) لا شيء رسميا، ولا شيء محددا حتى تاريخه.

 

والشاهد أن إسرائيل ذاتها ما تزال لاتتعامل بجدية مع الحديث الذي يدور في بعض الاوساط حول تعديل بنود المبادرة العربية في شكل تنازلات لتصبح مقبولة منها. والسبب أن هذا الحديث لم يصبح رسميا بعد.

 

وبالإضافة إلى ذلك، لا تبدو الاوضاع في المنطقة بشكل عام جاهزة ولا مواتية لمشروع حل جدي يحمل قدرا مقبولا من احتمالات النجاح. فالمنطقة بذاتها، وبالارتباط مع المحيط الاقليمي والوضع الدولي، تبدو في حالة سيولة لا توفر امكانات وفرص نجاح لمشروع جدي. فالوضع الدولي في حالة سيولة تجاه المنطقة العربية بشكل عام، لدرجة يصعب عليه أن يقفز عنها الى الاتفاق على مبادرة أو مشروع حل لقضية الصراع الفلسطيني -الاسرائيلي، وخير مثال على ذلك ما تلاقيه المبادرة الفرنسية من شروط وعدم تجاوب واعتراضات.

 

أما لجهة الدول العربية، فان السيولة لا تقتصر على الاوضاع والمشاكل الصعبة التي تعصف بدول مركزية فيها. أو على عدم قدرة هذه الدول على المبادرة الى بلورة وتبني مشروع خاص بها، أو الموافقة على مشروع مطروح من أطراف أخرى ودعمه. لكن، وقد يكون الاهم، أن الدول العربية، حتى تلك الاكثر تداولا في تلك الكتابات والأحاديث التى أشرنا إليها سابقا، لا تبدو جاهزة، وربما غير قادرة، على تحمّل الكلاف الجماهيرية أولا، والسياسية لاتفاقات رسمية علنية ومباشرة مع إسرائيل، بالذات اذا لم تحصل على التغطية الفلسطينية المطلوبة.

 

لهذا كله نرى أن  إبداء القاهرة إستعدادها للقيام بالوساطة بين رام الله وتل أبيب، انطلاقا من المبادرتين العربية والفرنسية، هى خطوة استباقية، أملتها حسابات مصرية شديدة التخوف من "صيف ساخن" ينتظر الساحة الفلسطينية، بدءاً بقطاع غزة، لا سيما مع تكرار الاختراقات لاتفاق "التهدئة"، وما يمكن أن يترتب على اندلاع حرب إسرائيلية رابعة على القطاع من تداعيات على أمن سيناء ومصر عموما، فضلاً عن المخاطر التي تستشعرها القاهرة تأسيساً على "حالة الفراغ" التي تلقي بظلالها الكثيفة والكئيبة على الساحة السياسية الفلسطينية.

 

فضلا عن أن للقاهرة -كما يبدو-مصلحة في القيام بدور كهذا، وهي التي غابت عن معظم ملفات المنطقة وأزماتها، وتعرض دورها للتهميش والتهشيم على يد خصومها وحلفائها.

 

ناهيك عن أن القاهرة تستشعر أنها قادرة أكثر من غيرها من العواصم ذات الصلة، على تحريك الملف الفلسطيني وإخراجه من مستنقع الجمود والمراوحة. فللقاهرة تأثيرها على الجانب الفلسطيني، وهي وحدها من يستطيع "جلب" الرئيس محمود عباس إلى مائدة المفاوضات ودفعه لابتلاع تحفظاته وشروطه ... وللقاهرة علاقات متنامية ومتشعبة مع إسرائيل، يصعب على نتنياهو إدارة الظهر لها أو المقامرة بالإساءة إليها.

 

تحركات ما قبل مؤتمر الخريف القادم:

تتطلب عملية تقييم مؤتمر باريس التمهيدى، الذي عُقد فى الثالث من يونيو الماضى، بمشاركة ممثلى ثلاثين دولة، المقارنة بين الأفكار الفرنسية قبل الاجتماع، والأفكار التي وردت في البيان الختامي للاجتماع.

 

قبل الاجتماع كشفت الورقة الفرنسية عن مجموعة أفكار، كأهمية تحديد هدف مؤتمر السلام وهو إنقاذ حل الدولتين الذي يتعرض للخطر. وأهمية "الجدول الزمني" للمفاوضات ولتنفيذ الاتفاق الذي تتمخض عنه. وعن "إشراف دولي" عبر هيئة دولية تتابع المفاوضات وتساعد في إنجاحها. ودعت إلى تحديد مبادئ أو رؤية مشتركة لحل الدولتين في مجالات (الحدود واللاجئين والقدس والأمن والمستوطنات والمياه). وتشكيل طواقم تتخصص بكل عنوان من عناوين التفاوض وظيفتها وقف التدهور والتصعيد وبلورة حوافز اقتصادية بما يحافظ على حل الدولتين. وإجراء تقييم في كل فترة زمنية لفحص جدية العملية من خلال تشكيل نظام للتحكيم والمراقبة.


والملاحظ هنا، أن الأفكار الفرنسية انطلقت من أسباب فشل العملية السياسية السابقة التي استندت الى تفاوض ثنائي يتحكم به الطرف الأقوى، والى وساطة أميركية منحازة بالكامل لإسرائيل، والتي افتقدت لمرجعيات ملزمة ولجدول زمني ولأهداف ولحاضنة دولية.

 

الورقة الفرنسية حاولت فتح الانسداد من خلال الافكار المبينة أعلاه. كانت الافكار قبل دخول فرنسا على خط التشاور والبحث مع الاطراف المعنية شيئاً، والافكار بعد التدخلات شيئاً آخر!!.

 

 فقد أتى بيان باريس الصادر عن وزراء خارجية الدول الثلاثين، والمؤسسات الدولية المشاركة على مضمون الأفكار الفرنسية السابقة للاجتماع.
البيان لم يتحدث عن جدول زمني لإنهاء الاحتلال عبر المفاوضات ولا لتنفيذ أي اتفاق يمكن التوصل إليه، ولم يتطرق الى حدود67 التي ينبغي التفاوض حولها، ولم يدعُ لإقامة فرق وطواقم عمل للتباحث في القضايا الحيوية، ولم يتطرق إلى آليات تنفيذ. ولم يشر إلى خطر الاستيطان، بل ساوى بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال في إفشال حل الدولتين. ودعا الطرفين للعودة الى طاولة المفاوضات الثنائية التي ارتبطت بالفشل الذريع على مدار ربع قرن.

 

 

البيان عاد إلى متاهة العموميات والعناوين الفضفاضة التي شكلت بديلا للحل الفعلي طوال الفترة السابقة. تحدث عن أهمية حل الدولتين بالأقوال ولم يتوقف عند عملية تدمير مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض. تحدث عن المفاوضات الثنائية ولم يتحدث عن الاحتلال الذي يمسك بتفاصيل الحياة اليومية لشعب ويحيلها الى جحيم لا يطاق. البيان تهرب من تحديد أهداف ملموسة وآليات عمل ونظام تحكيم.


باختصار، بين ما هو مطلوب للإقلاع بعملية سياسية تنهي الاحتلال، وما جاء في بيان باريس بون شاسع.

ومع ذلك فقد كان انعقاد أول مؤتمر سلام، بعد تسع سنوات على آخر مهرجان خطابي في أنابوليس، مدعاة لإبداء تفاؤل حذر بعودة القضية الفلسطينية المنسية إلى جدول الاهتمامات الدولية.

 

فضلا عن أن قراءة اللحظة الفلسطينية العصيبة الراهنة تتطلب الإلتفات أن الوضع القائم لا يُحتمل وليس قابلاً للاستمرار هكذا، متروكاً للامبالاة والنسيان، خصوصاً وأن المعادلة المختلة اختلّت بشكل أشد، والخيارات التي كانت ضئيلة تضاءلت أكثر.
إذ لم تُبق الانهيارات المدوية في المنطقة حيّزاً مدخراً من الجهد، أو متسعاً من الوقت للمجتمع الدولي، كي ينشغل بأقدم صراعات المنطقة، التي لم يعد يبصر العالم فيها سوى ظاهرة الإرهاب ومشكلة اللاجئين المتدفقين عبر البحار، الأمر الذي يبدو معه مؤتمر باريس وكأنه لفتة انتباه مفاجئة، من طرف عين عابر سبيل، نحو موقد نار متروك، لم تخمد جمراته الكامنة تحت طبقة خفيفة من الرماد.


بهذه الرؤية الباحثة عن "إبرة في كومة قش جاف"، يمكن تفسير لماذا يصر الفلسطينيون (الرسميون) على ترديد عبارة: " إنّ اللعبة الوحيدة في الميدان هي المبادرة" الفرنسية". فى ذات الوقت الذي أعلنوا فيه عدم الرضا، شكلا وموضوعا، عن تقرير اللجنة الرباعية المقرر تقديمه للأمم المتحدة، وهو تقرير يبدو بمثابة الدخول على خط المبادرة الفرنسية، في الاتجاه المعاكس لما يأمل الفلسطينيون أن يسلكه الفرنسيون.

 

كذلك يمكن تفسير لماذا تواصل الدبلوماسية المصرية مساعيها، محملة بمبادرة السلام العربية وأفكار أخرى، "وهدايا" منها لقاءات "دافئة" مع الإسرائيليين.

 

وفى هذا السياق، فإن قراءة تفاصيل الزيارة التى قام بها وزير الخارجية المصرى سامح شكرى، فى العاشر من يوليو الماضى، إلى إسرائيل، توضح ما يلى:

بالنسبة للإسرائيليين، فإنّ مجرد زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري، شكلت مكسباً و"مناسبة سعيدة، وهدية". وبالنسبة لبنيامين نتنياهو، فإن لقاء وزير خارجية الدولة العربية الأكبر هو رسالة أنّ دبلوماسيته غير معزولة، وأنّ علاقته مع مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي في تطور. وفرصة للقول إنّ هناك عملية سياسية تجري أو ممكنة. ومن هنا كان هناك حرص في الإعلام الإسرائيلي على تصوير دفء اللقاء، الذي شمل تناول طعام العشاء في بيت نتنياهو، وشمل حضور مباراة كرة القدم الختامية في البطولة الأوروبية أثناء التواجد في المنزل.

 

أما بالحسابات المصرية، فالزيارة لا تنفصل عن خطاب الرئيس السيسي الذي سبقت الإشارة إليه. وبالتالي، فالموقف المصري ليس بعيدا عن الطرح العربي والفلسطيني، بل هو منسجم معه. والشاهد أنه تم ذكر نقطتين أساسيتين في زيارة شكري: الأولى، ضرورة "اتخاذ خطوات جادة على مسار بناء الثقة، وتوفر إرادة حقيقية غير قابلة للتشتت أو فقدان البوصلة تحت أي ظرف من الظروف". وهذا يمكن أن يترجم المطالب الفلسطينية بشأن المستوطنات والأسرى كتمهيد لإطلاق التفاوض. والثانية، وهى الأهم في طرح شكري، أن مصر تؤكد أهمية وضع سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتعمل على مناقشة الفكرة مع الجانب الفلسطيني والأطراف الدولية وخصوصاً باريس.


بهذا المعنى يمكن رؤية التحرك المصري( خلال الفترة البينية بين مؤتمر باريس التمهيدى وبين مؤتمر الخريف القادم) بأنّه يساعد الفلسطينيين في محاولتهم دفع الفرنسيين لتبني أولويات وأجندة محددة، ويساعد في العودة للمطلب الفلسطيني الذي طرح عند بدء طرح فكرة "تدويل الصراع" قبل سنوات، بشأن وضع سقف زمني مستهدف ومحدد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت العام 1967.

لكن بالنسبة لنتنياهو، فإنّ القراءة في تصريحاته (كما وردت في الإعلام) تشير إلى أنّه ربما حاول التعامي أو إغفال المطلب المصري، بالحديث عن ضرورة قيام الفلسطينيين "بالانضمام إلينا في مفاوضات مباشرة باعتبارها الطريق الوحيدة التي نستطيع من خلالها التعامل مع جميع القضايا العالقة بيننا وتحويل رؤية السلام المبني على دولتين للشعبين إلى واقع".


هذا الطرح الإسرائيلي هو هروب من شكل التفاوض ضمن مظلة دولية (المبادرة الفرنسية)، وهو هروب من فكرة تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال، أي إنّه جزء من استمرار التكتيك الذي يريد مفاوضات ثنائية مع الفلسطينيين تستمر إلى الأبد من دون التوصل لاتفاق.

 

لقد نجحت الدبلوماسية الإسرائيلية المدعومة من واشنطن بإفراغ الجهود الفرنسية من أي معنى حقيقي؛ من حيث وضع سقف زمني أو آليات لتجسيد الدولة الفلسطينية.
لكن إذا أصر المصريون على موضوع السقف الزمني، ودعموا الإطار الدولي، وانضمت دول عربية أخرى بإلقاء ثقلها في هذا الاتجاه، وخصوصاً السعودية، وتم إقناع الأوروبيين وخصوصاً الفرنسيين بذات الموضوع( أى السقف الزمني) وتم الضغط على واشنطن في هذا الاتجاه، وترافق كل هذا بترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، سيكون ممكناً توقع تغير إيجابي في المشهد لصالح عزل السياسة الإسرائيلية وقطع الطريق على تكتيكها لإدامة الأمر الواقع الراهن، أي استمرار الاحتلال والاستيطان، بأقل ثمن ممكن ميدانياً على الأرض مع الفلسطينيين، ودبلوماسيا على الصعيد الدولي.

 

بالتأكيد، العقبات على طريق تحقيق كل ما سبق لا تعد ولا تحصى، لكن ذلك لا ينفى، فى الحاصل الأخير، أن الحراك العربى عامة، والمصرى خاصة على صعيد جهود إحياء عملية السلام من جديد، تتكامل مع تلك الجهود الفرنسية، وربما تسعى إلى ترشيدها، على النحو الذي يسهم عمليا في تدعيم وإسناد الموقف الفلسطينى.

أما فرص النجاح أو الفشل فهى لا تتقرر في القاهرة أو رام الله.. الكرة في ملعب نتنياهو وحكومته. وهنا يمكن التأكيد من دون تردد أو تلعثم، أن إسرائيل التي أحبطت أكثر من مسعى وأسقطت غير مبادرة، لن تذهب مع "الوسيط المصري" إلى نهاية مشواره.