المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

دراسة.. تونس 2016.. استمرار الاستعصاء الداخلي والمضيّ باتجاه المزيد من الاضطرابات

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 01:07 مساءٍ

الاضطرابات في تونس
الاضطرابات في تونس

لاتزال الأوضاع السياسية والأمنية على الأرض ترشّح تونس للمضيّ باتجاه المزيد من الاضطرابات. فمن ناحية، يبدو أن تونس الجارة الغربية لليبيا، هي أول من يدفع فاتورة الحرب على داعش هناك، قبل تبلور الصورة النهائية للتدخل العسكري الغربي. ذلك أن كثافة العنصر التونسي في تنظيم داعش في ليبيا، وقربها الجغرافي منها، دفعت التنظيم إلى إعادة نشر بعض عناصره مرة أخرى لتنفيذ عمليات نوعية كبيرة مثل عملية "بن قردان" مؤخرا، والتي تتشابه في بعض أوجهها مع عمليتي الاستيلاء على الموصل في 2014، وعملية الشيخ زويد، في سيناء، في الأول من يوليو 2015. 

 

ومن ناحية أخرى، فقد دفع تردي الوضع الاقتصادي التونسي بشكل غير مسبوق، والانقسامات الداخلية التي ضربت الحزبين الكبيرين (نداء تونس) و(النهضة)، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، هي الأكثر تنوعا على المستوى السياسي والإيديولوجي في تاريخ تونس. هذه الفسيفساء الحكومية لا يُتوقَع أن تتمكن من إدارة دواليب الدولة المفككة، وذلك بالنظر إلى أن كل مكون من مكوناتها سيدفع بالضرورة في اتجاه يخدم انتماءاته وأهداف حزبه.

 

ومن ناحية ثالثة، فإن استفحال الفساد وانتشار شبكات التهريب يرشح البلاد لمزيد من الاضطرابات.

 

 فى هذه الدراسة نحاول أن نقف على آخر تطورات المشهد التونسى.

 

أولا: تونس .... معلومات أساسية

  1. الموقع الجغرافى:

  تقع الجمهورية التونسية في شمال قارة أفريقيا. يحدها من الشمال والشرق البحر الأبيض المتوسط، وهي تقع في منتصف الطريق بين مضيق جبل طارق وقناة السويس بين درجتي عرض 30 درجة و37 درجة و20 دقيقة شمالاً، وخطي طول 7 درجات و30 دقيقة و11 درجة و30 دقيقة شرقاً. ويحدها من الجنوب الشرقي الجماهيرية الليبية، ومن الغرب الجزائر. عاصمتها مدينة تونس. وتبلغ مساحة الجمهورية التونسية 163,610 كم2، حيث تمتد الصحراء على 40 % من الأراضي التونسية بينما تغطي باقي المساحة تربة خصبة محاذية للبحر.

  1. التقسيم الإدارى:

تنقسم الجمهورية التونسية إدارياً إلى 24 ولاية أو مجلس جهوي (إقليمي) للتنمية، تقسم إلى 260 معتمدية أو مجلس محلي للتنمية مقسمة إلى 2055 عمادة، تقسم بدورها إلى 5704 لجنة حي، عاصمة البلاد مدينة تونس،

  1.  الأعياد الرسمية:

تحتفل الجمهورية التونسية بعيدها الوطني في 20 من مارس من كل عام، وعملتها الوطنية هي الدينار التونسي.

  1. السكان :

سكان تونس الحاليين هم خليط من العرق الأمازيغي البربري سكان تونس الأصليين و القبائل العربية التي وفدت مع الفتح الاسلامي و خليط الشعوب و الحضارات التي وصلت تونس من فينيقيين و رومان و يونان.

 ويبلغ عدد سكان تونس حسب آخر الإحصائيات سنة 2014 ما يقارب 10 ملايين و 982,8 ألف نسمة.

ويتميز التوزيع الجغرافي في تونس بعدم التكافئ، حيث يوجد تفاوت كبير بين داخل البلاد والسواحل (أي اتجاه غرب - شرق). فالولايات الساحلية (13 من مجموع 24 ولاية) مثلاً تضم 65.3% من مجموع السكان بكثافة سكنية عالية (140 ساكن في الكم مربع مقارنةً ب 66.3 في كامل البلاد). بينما تبدو المناطق الداخلية والجنوبية شبه خالية(5,3 نسمة في الكم مربع). كما تستحوذ الولايات الساحلية على 85% من حجم القطاع الصناعي التونسي، و87.5% من اليد العاملة في هذا القطاع.

 

ثانيا: القوى السياسية التونسية

  1.  تطور النظام الحزبي التونسي بعد 2011

   عقب الإطاحة بنظام "بن على" تجاوز عدد الأحزاب السياسية الــــ180 حزب ، وخاض نحو مائة حزب سياسي أول انتخابات برلمانية شهدتها البلاد، حتى أنه في بعض المقاطعات، كان على الناخبين الاختيار من بين 60 قائمة حزبية. ولكن على الرغم من هذا، استطاع عدد قليل من الأحزاب تأسيس نفسه كقوة فاعلة على الساحة التونسية وقوة تصويتية قادرة على استقطاب الناخبين.

 

وفي انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (2011 – 2014)، احتل حزب النهضة (الإخوان المسلمين في تونس) المركز الأول، بحصوله على 89 مقعد من أصل 217 مقعد تمثل إجمالي عدد مقاعد المجلس. بينما حصل الحزب الجمهوري- حزب تأسس عام 2001 ولم يحظ بمشروعية إلا بعد الثورة ويتألف من عناصر معارضة ذوي توجهات متبانية - على المركز الثاني وحصد 29 مقعدا. وتألفت حكومة الترويكا من (حزب النهضة، الحزب الجمهوري وحزب التكتل). في الوقت الذي تولى فيه المنصف المرزوقي، أحد مؤسسي الحزب الجمهوري والناشط الحقوقي رئاسة الجمهورية مؤقتا. ثم ظهر حزب "الإرادة الشعبية" في 2011 برئاسة المليونير محمد الهاشمي الحامدي. وكان الحزب أقرب إلى مجموعة من المرشحين المستقلين المتكتلين في قوائم واحدة، واستطاعوا الفوز ب 26 مقعد، أكثريتها في منطقة سيدي بوزيد مسقط رأس الحامدي في المجلس الوطني التأسيسي.

   كذلك، استطاع حزبان معارضان تعود نشأتهما إلى أيام بن علي الفوز بعدة مقاعد في المجلس التأسيسي. أولهما حزب "التكتل" والذي تأسس في إبريل 1994 بواسطة مصطفى بن جعفر ونشطاء آخرون، ولكنه لم يحظ بمشروعية إلا عام 2002. وفاز ب 20 مقعد في انتخابات المجلس التأسيسي وثانيهما، الحزب الديمقراطي التقدمي وتأسس عام 1983 كحزب ليبرالي علماني بقيادة أحمد نجيب الشيبي ومايا جريبي، وحظي باعتراف رسمي وقانوني في 1988، وفاز ب 16 مقعد في الانتخابات المذكورة آنفا.

   وكانت مهمة المجلس الوطني التأسيسي وضع مسودة للدستور وإصداره في غضون عام من تشكيلها. إلا أن الاستقطاب بين حكومة الترويكا بزعامة حزب النهضة والمعارضة العلمانية حال دون حدوث تقدم على مسار وضع دستور جديد للبلاد، في ظل عدم قدرة الأحزاب على التوافق على الأشكال الملائمة لتمثل القوى السياسية وموقع الإسلام من الحياة العامة. وأفضى الإحباط بسبب توقف المسار الانتقالي إلى احتجاجات واسعة ضد حكومة الترويكا توجت بأزمة سياسية عارمة في أغسطس 2013، عندما عمت التظاهرات المعارضة والمؤيدة للحكومة أنحاء تونس، وأصابت الحياة السياسية والاقتصادية بالشلل. وفي أواخر 2013، دخلت الأطراف التونسية الرئيسية في "حوار وطني". ورضخت النهضة في ديسمبر 2013، وتنازلت عن السلطة لصالح حكومة مؤقتة برئاسة مهدي جمعة. والتأم المجلس الوطني التأسيسي مرة أخرى، وتم التوافق على الدستور التونسي الجديد في 20 يناير 2014.

   في أعقاب مرحلة الاضطراب السياسي عام 2013، بدا أن قائمة الأحزاب الأكثر شعبية في تونس قد تغيرت على نحو طفيف في 2014. فعلى الرغم من خوض الأحزاب نفسها الانتخابات البرلمانية، إلا أن عددا كبيرا من الأحزاب، إما تبنى اسما جديدا، أو شهد انقسامات وإعادة تشكيل، أو ضم أعضاء جدد أو حتى وظف تكتكيات مختلفة لحملاته الانتخلبية نتيجة التطورات التي شهدتها البلاد بعد الثورة. وبدا أن حزب النهضة، الحزب الوحيد الذي لم يشهد تحولات أو انشقاقات، وتميز بالتماسك الداخلي. أما الحزب الجمهوري وحزب التكتل، فقد شهدا انشقاقات وانضمام عدد من أعضائهما إلى أحزاب أحدث نتيجة ما اعتبروا أنه خيانة لمبادئهما وموافقة قيادات الحزبين على المشاركة في حكومة الترويكا مع حزب النهضة. ونتيجة لهذا، لم يفز الحزب الجمهوري سوى بأربع مقاعد، بينما فشل التكتل في الفوز بأية مقاعد. أما الإرادة الشعبية فقد خاض الانتخابات باسم "تيار المحبة" وفاز بمقعدين فقط.

وظهرت في أعقاب الانتخابات البرلمانية أربعة قوى رئيسية تهيمن على المجال السياسي التونسي. وأفرزت نظاما لا يهيمن فيه حزب النهضة وحلفاؤه بشكل كامل على النظام السياسي.

 وتُشارك أربعة أحزاب سياسية رئيسة الآن في إدارة مرحلة الانتقال السياسي هي؛ حزب النهضة الاسلامي، نداء تونس، آفاق تونس بقيادة ياسين ابراهيم وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، والاتحاد الوطني الحر.  

  1.  لعبة التحالفات السياسية

   لعب حزب نداء تونس دورا محوريا في نحت التشكيل الحالي للعبة التحالفات السياسية داخل دائرة السلطة في تونس. فقد استطاع الاستفادة من فرصة نادرة لحشد الموارد السياسية لصالحه وصالح مواليه في البداية. ولكن، من دون أغلبية برلمانية، توجب على نداء تونس، الذي أسس حملته الانتخابية على وعد بإزاحة النهضة من السلطة، التعايش مع الإسلاميين. وازداد وضعه حرجا بعد انشقاق 32 عضوا في البرلمان وانسحابهم من كتلة "نداء تونس" ليصبح حزب النهضة الإسلامي مرة أخرى التكتل الأكبر داخل البرلمان التونسي.

   وبعد رفض التشكيل الأول المقترح لحكومة "الحبيب الصيد"، والذي لم يكن يضم أية أعضاء من حزب النهضة أو أحزاب أخرى حليفة له مثل آفاق تونس، تضم التشكيلة الحالية للوزارة وزيرا واحدا عن حزب النهضة، هو زياد العذاري، في منصب وزير التشغيل. وأسندت أيضا للنهضة 3 مناصب كاتب دولة (وزير دولة)، للمالية والاستثمار والصحة. 

   هذا التحالف ضمن تحقيق الاستقرار لبعض الوقت، لأنه أجبر النهضة على دعم الحكومة في حالة ما إذا واجهت مصاعب أو إخفاقات، إلا أن التبعات الأبرز للتحالف بين نداء تونس والنهضة تمثلت في تحويل مجال الاستقطاب السياسي، من الصدام بين أصحاب مشروعين اجتماعيين متناقضين، أو استقطاب علماني، إسلامي، والذي كان السمة التي تسيدت مشهد الانتخابات البرلمانية، أكتوبر 2014، إلى استقطاب "ليبرالي/ اشتراكي" من جهة وبين ديمقراطيون ورموز النظام السابق من جهة أخرى.

   فقد همش ميزان القوى الجديد داخل البرلمان التونسي، تحديدا التحالف بين النهضة، نداء تونس وآفاق تونس، الأحزاب الخاسرة في الانتخابات والمذكورة أعلاه، وأبرزها الحزب الجمهوري والجبهة الشعبية. ولجأت هذه الأحزاب إلى العودة إلى سياسة الحشد الشعبي لاحتجاجات وتظاهرات، من أجل الديمقراطية وتحسين الوضع الاقتصادي السئ.

 

   وكان شعار "لنترك المجال السياسي للمتخصصين" مركزيا في الحملة الانتخابية لرئيس الجمهورية التونسي الحالي، باجي قايد السبسي، في محاولة لإقصاء الفواعل الخارجيون وخفض قيمة الموارد السياسية غير المؤسسية، تحديدا الاحتجاجات الشعبية. وقد حظي هذا الشعار بشرعية أثناء الأزمة السياسية في يوليو 2013. إلا أن أشكال الاحتجاجات الشعبية والحشد لا تزال تحظى بمشروعية كبيرة في الداخل التونسي ومن مؤسسات رسمية ونظامية. و كان دور الاتحاد التونسي للشغل حاسما، إذ أن الحزب كثيرا ما منح الشرعية والزخم لأشكال الحشد والاحتجاجات والعمل الجماعي بمشاركته فيها (على سبيل المثال؛ الانتفاضة في يناير 2011، والاحتجاج العام بعد اغتيال محمد براهيمي، ومبادرة المجتمع المدني لحل الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد أواخر 2013، والتي تشكل على أثرها رباعي الحوار الشهير والحاصل على جائزة نوبل للسلام العام الماضي).

 

   ويحظى الاتحاد التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الآن بنفوذ قوي كفاعلين سياسيين في الساحة السياسية. وبات لهما القدرة على اختراق السياقين الاقتصادي والاجتماعي أيضا. بالنسبة لقرارات أساسية تتخذها الحكومة أو الرئاسة الحالية، أصبحت تدخلات وتفاعلات هاتين المؤسستين حاسمة للغاية في لعبة الدعم والمعارضة للممارسات الحكومية: الاتحاد العام للشغل بقدرته على الحشد والتفاوض، والاتحاد التونسي للصناعة بقدرته على حشد القوى. وكان هذا النفوذ حاسما على سبيل المثال في تشكيل حركة المحافظين ومسودة قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، وهو الذي يعد أحد مصادر الخلاف الرئيسية بين النخبة السياسية وسبب رئيس للاضطرابات في تونس حسبما سيأتي تفصيله في النقطة التالية. 

 

  1.  حزب النهضة في 2016

   في أواخر مايو، اجتمع أكثر من ألف عضو من «حركة النهضة» في مدينة “الحمامات” التونسية السياحية بمناسبة انعقاد المؤتمر العاشر للحزب. وناقش المندوبون سبعة خطوات وصوتوا عليها، بدءاً من إجراءات «الحركة» الداخلية وانتهاءاً ببرامجها السياسية والاقتصادية. ويمكن القول إن أهم نتائج المؤتمر، التي احتلت فيما بعد عناوين الصحف الدولية، هي تبني اقتراح من شأنه أن يفصل بين "الدعوي" و "السياسي" من أنشطة الحركة. وقد نص البيان الختامي للمؤتمر على أن حركة النهضة اختارت "في هذا المؤتمر التخصص في الشأن السياسي على أن تعود مجالات الإصلاح الأخرى التربوية والثقافية والدينية للمجتمع المدني".

 

وكان زعيم «الحركة» راشد الغنوشي، (والذي انتخبه الحزب من جديد رئيساً له)، في الفترة التي سبقت التصويت الحاسم، قد أدلى بسلسلة من التصريحات أشار فيها إلى استعداد حركة النهضة للتخلي عن “الإسلام السياسي” وتبني “الديمقراطية الإسلامية”.

 

 وقد تباينت التفسيرات لهذه التصريحات بشكل كبير، ابتداءاً من إشارتها إلى ما سيحدث من التخلي الجذري عن "الحركية الإسلامية"، ونهاية الإسلام السياسي في تونس وصولاً إلى كون هذه التصريحات مجرد تصرحيات بلاغية تهدف إلى تهدئة المخاوف الغربية في الوقت الذي لن تتخلى فيه الحركة عن تحقيق هدفها الطويل المدى المتمثّل بإقامة دولة إسلامية.

 

وتبيّن القراءة المتأنية لملاحظات الغنوشي والقرارات التي اتخذت في المؤتمر إلى أن الوضع أكثر تعقيداً. وعلى الرغم من أن السعي إلى الفصل بين الأدوار الدعوية والأدوار السياسية «للحركة» الإسلامية هو أمر مهم، فإنه لا يزال من السابق لأوانه نعي الإسلام السياسي في الدولة التي هي مهد “الربيع العربي”.

 

وقد أكد الغنوشي في مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية اليومية في 19 مايو 2016، أن «حركة النهضة»: “تتخلى عن الإسلام السياسي لتدخل الديمقراطية الإسلامية. نحن ديمقراطيون مسلمون ولم نعد نلجأ إلى ‘ الإسلام السياسي ‘ “. وعوضاً عن ذلك، “تستمد «حركة النهضة» نقاطها المرجعية من القيم الإسلامية والحضارية الحديثة، كون «الحركة» حزب مدني ديمقراطي”. ووصف الغنوشي «حركة النهضة» للمندوبين المجتمعين في مدينة “الحمامات”، على أنها “حزب وطني ديمقراطي مكرّس للإصلاح، ويقوم على مرجعية وطنية مستمدّة من القيم الإسلامية.”

 

  وربما يعود التغيير في مصطلحات الغنوشي وعباراته، جزئياً، إلى أغراض تسويقية. ففي مقابلته مع “لوموند” أشار الغنوشي إلى أن الجماعات العنيفة كتنظيم «القاعدة» وتنظيم «الدولة الإسلامية» قد استولت على مصطلح “الإسلام السياسي” ومنحته قطعاً دلالة سلبية. ومن خلال وصف أعضاء «الحركة» كـ “ديمقراطيين مسلمين”، تستطيع «النهضة» أن تميّز نفسها عن الجماعات العنيفة التي تُسمي نفسها أيضاً بالإسلامية. وقد يهدف هذا التغيير إلى طمأنة الغرب. وبيان عدم مشابهة فكر ومنهج «حركة النهضة» وذلك الذي يتبناه المسؤولون عن الهجمات الإرهابية في باريس وبروكسل وغيرهما. ومع ذلك، تشير حِزم القروض السخية، التي أعلنت عنها فرنسا والاتحاد الأوروبي و”البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي” حتى قبل صدور قرار «النهضة»، إلى أنه يجب على «الحركة» أن تكون أقل اهتماماً بكسب دعم الغرب وأكثر قلقاً من التونسيين العلمانيين الذين لا يزالون يشككون في أهداف «النهضة» طويلة الأجل. جدير بالذكر عند هذه النقطة أن الرئيس التونسي رحب بحذر بما تمخضت عنه نتائج المؤتمر قائلا "لا يفوتني أن أنوه بالتطور الذي عرفته حركة النهضة"، لكنه شدد على ضرورة أن تثبت الحركة بأنها فصلت بين الدين والدولة "قلبا وقالبا".

 

   كذلك، يجدر أن تهتم الحركة أيضا بتبعات مثل هذا القرار على الحزب والحركة من الداخل. خاصة على ضوء ما راج في الفترة السابقة على عقد المؤتمر من حديثٍ حول صراعات داخلية تشقّ الحزب بشأن نيّة الحزب في فصل الدعوي عن السياسي. وخلال الفترة القادمة، ستواجه الحركة (إذا ما كانت بالفعل جادة في السير على مسار فصل الدين عن السياسة) بتحد يستدعي وجود قدرة كبيرة على إدارة الحركة لخلافاتها والحراك الدائر بداخلها، دون اللجوء إلى الانشقاق أو انفجار الصراعات الداخلية.

 

  4- نداء تونس في 2016

   منذ أن استقر أمر رأس السلطة السياسية (رئاسة الجمهورية، والحكومة، ورئاسة البرلمان) لحزب نداء تونس مطلع العام الماضي ، وشرع الحزب في التفكير في عقد مؤتمره الأول والإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حتى بدأ السباق المحموم لمختلف المكونات المؤلّفة له (يسار ماركسي، ودستوريون، ونقابيون، وشخصيات وطنية مستقلة) نحو تقوية مواقعها لدخول المؤتمر بحظوظٍ أوفر. فبدأت الخلافات تظهر على السطح، وعملية الفرز تتضح شيئا فشيئا، ما استدعى تخلّي "الرجل القويّ " آنذاك في الحزب؛ محسن مرزوق عن مركزه بوصفه مستشارا سياسيا لرئيس الدولة الباجي قايد السبسي، وتولّيه مهمة الأمين العام المؤقت للحزب.

 

   وتلا هذه الاستقالة ظهورٌ قويّ لحافظ قايد السبسي (نجل الرئيس) في هياكل الحزب، الأمر الذي زاد من حدة الصراع بين فرقاء الحزب، بخاصة مع التقارب الكبير بين الباجي قايد السبسي، وراشد الغنوشي، وبداية سلسلة الاستقالات من الحزب، ثم من الكتلة البرلمانية. وقد رافق ذلك حربٌ إعلامية شعواء. وأصبح ملف صراعات الحزب طيلة أشهر عديدة هو المهيمن على الأحداث السياسية في تونس، الأمر الذي أثر بوضوح على أداء الحكومة والبرلمان، بل حتى رئاسة الجمهورية. ولم تنته المعركة وينكشف غبارها إلّا بمغادرة أغلب مكونات اليسار الحزب، وتكوين محسن مرزوق لحزب جديد أطلق عليه تسمية "حزب مشروع تونس"، وكتلة برلمانية (الحرّة) متألفة من 25 نائبا، قبل أن يمْضي الاختلاف بالباقين إلى الانفجار مجددًا وتعليق مجموعة مهمة عضويتها في الحزب (من بينهم بوجمعة الرميلي، وفوزي اللومي، وبشرى بالحاج احميدة... إلخ). وبعد هدوء العاصفة وعودة رضا بالحاج - مدير الديوان الرئاسي سابقًا- على رأس الهيئة السياسية لنداء تونس، استعاد الحزب نشاطاته وتفاهمات روافده وبعض الغاضبين، واتفقوا على عقد المؤتمر الانتخابي الأول للحزب يوم 31 يوليو الماضي. إلا أن دعوة الرئيس السبسي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في 13 يوليو الماضي، أضافت سببا جديدا للانقسام داخل الحزب، وأدت إلى تأجيل المؤتمر.

 

 وفي محاولة لحل أزمة الحزب الداخلية، وجه  قياديين مؤسسين لنداء تونس هما رضا بالحاج وبوجمعة الرميلي، في بيان صدر في 19 من يوليو 2016، دعوة لقيادات نداء تونس  للتوقيع على عريضة تمكن من عقد المجلس الوطني لنداء تونس . وأبرز القياديين المؤسسين أن توقيع ثلث أعضاء المجلس الوطني سيوفر الفرصة الملائمة لإعداد وإنجاز مؤتمر ديمقراطي وانتخاب قيادة شرعية جديدة للحزب قبل نهاية 2016 بهدف تلافي الفراغ السياسي الخطير والاستعداد للاستحقاقات الراهنة.

 

   وأبرز القياديين في نفس البيان، أن المجلس الوطني سيتكفل حال انعقاده ” بتعيين قيادة مؤقتة لإدارة الحزب سياسيا وتنظيميا إلى حين تنظيم مؤتمر نداء تونس الانتخابي”. ويشار إلى أن رضا بالحاج وبوجمعة الرميلي من أعضاء الهيئة السياسية لنداء تونس، الذي قاطعوا أعمالها منذ انتخاب سفيان طوبال رئيسا جديدا لكتلة نداء تونس في مجلس نواب الشعب، وكانا أيضا من أبرز الرافضين لمبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية .

 

  ويذهب البعض إلى أنّ مصدر الخطر على شعبية نداء تونس ووضعه بوصفه حزبا حاكمًا، يتمثل في المنافس المنشق عنه (حزب محسن مرزوق) المسمى ب"حركة تحرير تونس"، والذي يحاول استقطاب قواعده كما استقطب بعض عناصره، بشكل يساوي أو يزيد على غريمه الذي تشكل أصلا للإطاحة به – حزب النهضة. وقد استطاع حزب حركة تحرير تونس عقد مؤتمره التأسيسي في الفترة من 23 وحتى 25 من يونيو الماضي. وشهد المؤتمر انتخاب محسن مرزوق (المنسق العام للحركة) أمينًا عامًا لحركة مشروع تونس، ورؤوف الشريف رئيسا للمؤتمر التأسيسي، والصادق شعبان وهيفاء الرحيمي نائبين للرئيس. من هنا، تأتي أهمية وخطورة ما سيتمخض عنه المؤتمر، في حالة انعقاده. 

 

  لقد حقّق التقارب بين السبسي، أو الغنوشي- إلى الآن عدة نجاحات. ولكن يحتاج كلاهما إلى حشد صفوف حزبيهما في الاتجاه نفسه. وهما يعوّلان على مؤتمري الحزبين لتحصيل شرعية سياسية تنظيمية لتوجههما، بما يكفل لهما – إذا ما تمكّنا من ذلك – المضيّ بعيدًا في تطبيق السياسات التي سيطرحانها للدولة في الفترة المقبلة. أمّا إذا لم يتوصلا إلى النتائج المرجوة في مؤتمريهما، أحدهما أو كلاهما، فإنّ الواقع يمكن أن ينذر بانقلاب المشهد رأسا على عقب، ويمكن أن يرشّح البلاد إلى دخول دوامة من الاضطرابات وتفاقم المشكلات. 

 

ثالثا: الأوضاع السياسية الراهنة بعد سحب الثقة من حكومة الصيد

   جاء تعيين الحبيب الصيد على رأس الحكومة التونسية في فبراير 2015، ضمن اتفاق بين حركة نداء تونس (الفائزة في انتخابات 2014) وحركة النهضة (الحزب الثاني في البرلمان بــ 69 مقعدًا من أصل 217)، مرفودًا بغطاء سياسي كبير (النداء، والنهضة، والوطني الحر، وآفاق تونس)، ومباركة برلمانية واسعة (166 صوتًا في مقابل 30 ضد وامتناع 8 عن التصويت). كما جدد البرلمان ثقته في التعديل الذي أجراه الصيد على حكومته في يناير 2016.

 

   لم تعرف حكومة بعد الثورة ما عرفته حكومة الحبيب الصيد الثانية (وهي خليط من سياسيين ومستقلين وتكنوقراط) من قبول واسع داخل المجتمع السياسي والمدني، بحكم الوضع الدقيق أمنيًا واجتماعيًا الذي جاءت فيه، وتعهدها القيام بإصلاحات كبرى والتصدي لظاهرتي الإرهاب والفوضى. ولكن بعد أقل من خمسة أشهر فقط من تشكيل حكومة الصيد، بدأ الحديث في دوائر الحكم حول ضرورة استبدال الصيد بشخصية حزبية تنتمي إلى نداء تونس. وقد حسم الرئيس السبسي هذا الجدل بإطلاق "مبادرة حكومة الوحدة الوطنية"، يوم 2 يونيو 2016، تنبثق من حوار وطني بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة والشخصيات الوطنية.

 

   وبناء عليه، اجتمع الرئيس السبسي في قصر قرطاج مع تسعة أحزاب سياسية وثلاث منظمات وطنية (اتحاد الشغل، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية) للحوار حول تغيير الحكومة ووضع تصور/ إعلان مبادئ تلتزمه الحكومة المقبلة، عُرف بــاسم "وثيقة قرطاج"، وقعها المشاركون في الحوار في 13 يوليو 2016، ووافقوا بذلك صراحة على ضرورة قيام حكومة جديدة تسعى لتطبيق ما جاء في تلك الوثيقة من أولويات.

 

   وقد اتفق المشاركون في حوار قرطاج على أن تشتمل مبادرة رئيس الجمهورية على ثلاث مراحل: الاتفاق على وثيقة أولويات الحكومة القادمة، وضبط مواصفات الشخصية التي سيناط بعهدتها تشكيل الحكومة واقتراح أسماء بذلك، وتشكيل الحكومة ونيلها الثقة في البرلمان. و بعد 48 ساعة فقط من توقيع وثيقة قرطاج، كلف السبسي وزير الشؤون المحلية في الحكومة المقالة يوسف الشاهد بتشكيل الحكومة الجديدة.

 

   وقد صدق البرلمان في الثلاثين من يوليو 2016 على قرار إقالة الصيد، وقرّر بأغلبية ساحقة (118 صوت من أصل 191 نائبا حضروا جلسة حجب الثقة) حجب الثقة من حكومة الحبيب الصيد، مقابل ثلاثة فقط أعطوها ثقتهم و27 نائباً امتنعوا عن التصويت.

 

   وفي العشرين من أغسطس 2016، أعلن رئيس الحكومة المكلف في تونس، يوسف الشاهد، عن تركيبة حكومته المقترحة، والتي تضم 26 وزيرًا و14 كتاب دولة بينهم 11 وزيرًا عملوا في حكومتي الصيد الأولى والثانية (بينهم وزراء الداخلية والخارجية والدفاع) يضاف إليهم رئيس الحكومة الجديد.

 

   وقال الشاهد إن حكومته "حكومة سياسية بامتياز مع حضور مميز للمرأة والشباب"، حسب تعبيره، وتضم الحكومة المقترحة 8 مناصب نسائية (وزراء وكتاب دولة)، و14 منصبًا للشباب، 5 منهم دون 35 سنة، أصغرهم كاتبة الدولة عن حركة النهضة "سيدة الونيسي" ذات الـ 29 ربيعًا.

 

   وضمت حكومة الشاهد أسماءً من نداء تونس وحركة النهضة وآفاق تونس وحزب المبادرة وحزب المسار الاجتماعي والجمهوري، إضافة إلى اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف ومحامي مقرب من حركة الشعب وتجمعيين (أعضاء في حزب التجمع المنحل) ومستقلين. وتعتبر حكومة الشاهد أكثر حكومة متنوعة أيدلوجيًا وحزبيًا في تاريخ تونس، فقد ضمت معظم  الطيف السياسي والفكري في البلاد من ليبراليين واجتماعيين ونقابيين ويساريين وإسلاميين.

 

   وكان نصيب حزب نداء تونس 3 وزراء و3 كتاب دولة، في التركيبة الحكومية المقترحة إضافة إلى وزراء آخرين يدعمهم الحزب. وحافظ نداء تونس على وزارة النقل، عبر بقاء أنيس غديرة في منصبه، وهو من قيادات نداء تونس، إضافة إلى وزارة السياحة التي تقودها سلمى الرقيق، ووزارة التربية التي يترأسها ناجي جلول (1957)، الذي كان عضوًا في المكتب السياسي للحزب الجمهوري قبل أن يستقيل منه لينضم إلى نداء تونس. إضافة إلى الوزارات الثلاث، حظي نداء تونس بثلاث كتابات دولة: كاتب الدولة للشؤون المحلية شكري بلحسن، وكاتب الدولة لدى وزير الصناعة والتجارة المكلف بالتجارة فيصل الحفيان (35 سنة)، وكاتب الدولة لدى وزير النقل هشام بن أحمد. وإلى جانب هؤلاء، تدعم حركة نداء تونس العديد من الوزراء على رأسهم الداخلية والخارجية والدفاع، والعديد من كتاب الدولة.

 

من جهتها، حظيت حركة النهضة على 3 وزراء و3 كتاب دولة في حكومة يوسف الشاهد التي قدمها يوم السبت 20 أغسطس2016 لرئيس الجمهورية. وحظيت النهضة بوزارة التجارة والاقتصاد وعلى رأسها أمينها العام زياد العذاري (1975)، ووزارة التكوين المهني والتشغيل بقيادة رئيس مكتبها المركزي للانتخابات والحكم المحلي، عماد الحمامي (1964)، إضافة إلى وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي وعلى رأسها أنور معروف.

 

   إلى جانب هؤلاء الوزراء، ستكون حركة النهضة ممثلة بأصغر المسؤولين سنًا في الحكومة، سيدة الونيسي، في منصب كاتب دولة لدى وزير التكوين المهني والتشغيل مكلف بالتكوين والمبادرة الخاصة (1987)، إضافة إلى خليل العميري في منصب كاتب دولة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي مكلف بالبحث العلمي، والحبيب الدبابي ككاتب دولة لدى وزير تكنولجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي مكلف بالاقتصاد الرقمي.

 

 وعُين الأمين العام لحزب المسار الاجتماعي سمير بالطيب (1957) وزيرًا للفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، وشغل بالطيب منصب أستاذ قانون عام وعلوم سياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. كما تم تعيين القيادي بالحزب الجمهوري إياد الدهماني (1977) وزيرًا مكلفًا بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب، وحضر اسم مبروك كرشيد، المحامي القومي المقرب من حركة الشعب، في منصب كاتب دولة لدى وزير المالية مكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية.

   كما شهدت تركيبة حكومة الشاهد، حضور اسمين من الذين انتموا للاتحاد العام التونسي للشغل وكانت لهم مناصب قيادية زمن بن علي في الاتحاد، حيث تم تعيين القيادي النقابي والناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل قبل 14 يناير 2011، عبيد البريكي، وزيرًا للوظيفة العمومية والحوكمة.

 

   إلى جانب البريكي، تم تعيين محمد الطرابلسي، وزيرًا للشؤون الاجتماعية، وهو نقابي سابق بالاتحاد العام التونسي للشغل، وكان الطرابلسي قد شغل منصب عضو للمركزية النقابية قبل أن يتم انتخابه كاتبًا عامًا لنقابة موظفي وإطارات منظمة العمل الدولية. وحظيت منظمة الأعراف أيضًا، بمنصب وزير التعليم العالي سليم البلخوسي إلى جانب وزيرة المالية المقربة منها. ونال حزب آفاق تونس لصاحبه ياسين إبراهيم، وزارتي الشؤون المحلية والبيئة بقيادة رياض المؤخر والصحة بقيادة سميرة المرعي وكتابة دولة لدى وزيرة الشباب والرياضة المكلفة بالشباب، فاتن القلال.

 

   كما حضر حزب التجمع المنحل في التشكيلة الحكومية المقترحة بعدد من كتاب الدولة، على غرار كاتب دولة لدى وزير الصناعة والتجارة مكلف بالتجارة، فيصل الحفيان، الذي كان آخر أمين مال لمنظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، وكاتب الدولة للشؤون المحلية، شكري بلحسن، المتخرج من الأكاديمية السياسية للتجمع الدستوري الديمقراطي المنحل سنة 2002، وكاتب دولة الشؤون الخارجية مكلف بالهجرة والتونسيين بالخارج، رضوان عيارة، كاتب عام لجنة تنسيق التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل ببون الألمانية.

 

   ومن المنتظر أن تعرض تركيبة حكومة يوسف الشاهد على مجلس نواب الشعب، في جلسة عامة استثنائية في نهاية شهر أغسطس 2016، أملًا في أن تحظى بنيل ثقة 109 نائبًا على الأقل من مجموع 217 نائبًا.

 

   وحول شخصية رئيس الوزراء المكلف يوسف الشاهد؛ يذكر أنه متخصص في مجال الفلاحة والأمن الغذائي في جامعات غربية مرموقة، وهو خبير لدى عدد من الوكالات العالمية (ساهم في تخطيط سياسات التعاون الفلاحي بين تونس والولايات المتحدة الأميركية). ولم يُعرَف عنه نشاط سياسي قبل الثورة، ومن ثمّ فلا يمكن لأي حزب اتهامه بالانتماء إلى النظام القديم. وقد شغل بعد انتخابات 2014 وظيفة كاتب دولة للصيد البحري، قبل أن يصبح وزيرًا للشؤون المحلية منذ يناير 2016.

 

   لكنّ الشاهد الذي تربطه بالرئيس السبسي صلة نسب، يجعل منه إلى جانب ابن الرئيس الذي يشغل منصب المسؤول الأول عن حزب نداء تونس، وصهر الرئيس الذي يشغل منصب مدير ديوانه، جزءًا من مربع عائلة الرئيس، وهو ما كلّفه في البداية معارضة شديدة من أربعة أحزاب من تسعة وافقت على وثيقة قرطاج (المسار، والجمهوري، والشعب، ومشروع تونس)، إضافة إلى اتحاد الشغل. قبل أن توافق معظمها على الانخراط في الحكومة.

 

وعلى الرغم من الصورة السلبية التي تركها قربه من عائلة الرئيس على قرار تكليفه في ذهن الشارع التونسي، وهي صورة تستثمر فيها قوى مختلفة في المعارضة، فإنّ الشاهد يؤكد أنه يستند إلى دعم الرجلين(السبسي والغنوشي).

 

 وتنتظر الحكومة الجديدة تحديات وملفات ساخنة عديدة لمعالجتها، وعلى رأسها ملفي الوضع الأمني ومكافحة الإرهاب في الداخل وعلى الحدود التونسية الليبية، والتزامات مالية دولية ضاغطة (تسديد فوائض الديون، وضرورة اتّخاذ إجراءات عاجلة بخصوص التوظيف العمومي والتضخم والميزانية ... إلخ)، ومدى القدرة (في المدى المتوسط) على مواصلة الدولة الاضطلاع بدورها في تحسين الأجور أو في الضمان الصحي أو في التعليم ... إلخ. 

 

    كما تثير الظروف المحيطة بتشكيل الحكومة وتركيبتها ثم التحديات الضخمة التي سيكون عليها مواجهتها، تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على البقاء والصمود لأكثر من أشهر معدودة . والشاهد على هذا أن حزب حركة النهضة (الممثل في الحكومة على النحو المذكور أعلاه) قد أعلن تحفظه على تشكيل الوزارة فور الإعلان عن تشكيلها. وهو ما يعني أن هذا التشكيل على سعته، لم ينه حالة الاستقطاب والاستعصاء السياسيين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن حكومة الشاهد هي الحكومة الثامنة بعد الثورة. وأن عمر أيا من الحكومات السبع السابقة (والتي كانت تركيبتها أشد تماسكا من حكومة الشاهد) لم يتجاوز تسعة أشهر. وربما لن تكون الحكومة الحالية أسعد حظا من سابقاتها. خاصة وأن المعادلة الداخلية التونسية لم يطرأ عليها أي تغيير.

 

 باختصار، تونس ربما لن تشهد استقرارا في وضعها السياسي في المدى القريب على الأقل.

 

 

 

رابعا:  وضع القطاع الأمني التونسي ... استعصاء وتمرد

تتضمن قوات الأمن الداخلي التي تسيطر عليها وزارة الداخلية، الشرطة والحرس الوطني والشرطة القضائية (التي تعمل في وزارة العدل والمحاكم إلا أن وزارة الداخلية تشرف عليها) وقوات التدخل (قوات الأسلحة والأساليب الخاصة) وقوات الحرس الرئاسي. وتتسم قوات الأمن الداخلي بالتعقيد الشديد ويبقى المخطط التنظيمي لوزارة الداخلية سراً، وهو ما يعقد مهمة رسم خريطة هياكل الأمن الداخلي التي تتحكم بها، فضلا عن آليات الإشراف داخل الوزارة.

  1.  القطاعات المختلفة للداخلية التونسية:

وفى هذا السياق، من الصعب أيضاً تقدير حجم قوات الأمن. فليست هناك إحصائيات رسمية منشورة ولا يقدم موقع الوزارة أية بيانات. لهذا تقدر التقارير الإعلامية حجم قوات الأمن بما بين ١٥٠,٠٠٠ إلى ٢٠٠ ألف عنصر أمن. الرغم من أن تصريحات لاحقة من الوزارة قالت إن تلك الأرقام مبالغ فيها بشكل متعمد.

وعليه يرى بعض الباحثين أن العدد الحقيقي لقوات الأمن الداخلي يقدر بنحو ٤٠٠٠٠ إلى ٨٠٠٠٠ فرد، نصفهم تقريبا قوات زائدة غير متفرغة أو مخبرين مدفوعي الأجر. ويتفق هذا الرقم مع كشف أجور الوزارة. ووفقا لمحمد الأزهر العكرمي، الوزير الذى كان مسئولا عن إجراء الإصلاحات فى وزارة الداخلية،أثناء فترة الحكومة الانتقالية السابقة، كانت أعداد قوات الأمن الداخلي (الشرطة والحرس الوطني وقوات الدفاع المدني) تصل إلى حوالي ٤٩,٠٠٠ قبل الإطاحة بنظام بن علي. ثم قامت الشرطة بتوظيف قوات إضافية تقدر أعدادها بنحو ١٢٠٠٠ فرد، بحيث أصبح إجمالي العدد نحو 61 ألف.

 

من ناحية أخرى، اشتملت الشرطة ( قبل الإطاحة بنظام زين العابدين بن على) على كل من الشرطة الجنائية، والشرطة السياسية. لكن الأخيرة تم حلها أثناء حكومة باجي قائد السبسي الانتقالية في مارس، ٢٠١١.

 

وبينما تعمل الشرطة في المدن، يعمل الحرس الوطني في المناطق الساحلية والريفية حيث بدأت الثورة. وتبلغ أعداد الحرس الوطني الذي يوصف بأنه منظمة شبه عسكرية أو دركية نحو ١٢٠٠٠ تقريباً.

 

 كذلك، تمثل الشرطة القضائية جزءاً من وزارة الداخلية إلا أنها تعمل داخل النظام القضائي. وتعد الذراع التحقيقي لقوات الأمن الداخلي، وتتولى مهمة جمع الأدلة وإجراء التحقيقات وكتابة تقارير التحقيق الرسمية للقضايا أمام المحاكم. وفى هذا الإطار، لا تملك الشرطة القضائية الأدوات اللازمة للقيام بتحقيقات احترافية. ووفقاً لمحامين قضائيين، لا تملك الشرطة القضائية الإمكانية لأخذ بصمات الأصابع أو فحص عينات الحمض النووي أو غير ذلك من وسائل جمع الأدلة. وتعتمد تحرياتها فقط على الاعتراف، الأمر الذي يثير الشبهات حول مدى صحة ودقة نتائج التحقيقات التي تجريها. كما يجعلها دائما عرضة لاتهامات باستخدام العنف والتعذيب أثناء الاستجوابات للحصول على الاعترافات.

 

وبالمثل، يعد الحرس الرئاسي جزءاً أيضا من وزارة الداخلية وتتمثل مهمته الرئيسية في حماية الرئيس وعائلته. وأثناء الاحتجاجات في يناير، ٢٠١١ ، أطلق الحرس الرئاسي النيران على المحتجين واشتبك مع القوات المسلحة التونسية. وكشفت شهادة علي سرياطي، رئيس الحرس الرئاسي السابق، أثناء محاكمته عن دوره في مقتل متظاهرين عن أن قوات الحرس الرئاسي لا تملك قناصين فحسب بل تملك إمكانيات لقمع الحشود أيضاً. وتشير تلك الشهادة إلى أن تفويض قوات الحرس الرئاسي في ظل بن علي كان واسعاً.

 

  1.  دور الهياكل النقابية فى قطاع الأمن:

بعد الإطاحة بنظام بن على، تشكلت هياكل نقابية في قطاع الأمن، بدعوى الدّفاع عن المكاسب الاجتماعيّة للأمنيين وعن استقلاليّتهم في مواجهة كلّ محاولة للتوظيف السياسي. ومع تصاعد حدّة التهديدات الأمنية وموجة الاغتيالات سنة 2013ً ثمّ دخول الدّولة رسميا فيما بات يُعرف بالحرب على الإرهاب، تطوّر دور النّقابات الأمنية لتغدو فاعلاً سياسياً: تقيّم الأداء الحكومي وتنقده وتحرض عليه أحياناً في لهجة هي أقرب إلى التمرّد على السلطة السياسية مُمثّلة في وزارة الدّاخليّة. وتدريجياً أصبحت النّقابات الأمنيّة تعبّر في المجال الإعلامي التّونسي عن حالة من ضعف السلطة السياسية المدنيّة في مقابل تكريس انطباع بوجود مراكز قوى أمنيّة داخل الدّولة.

 

وفي إطار محاولة تحجيم هذا التمرد والتعاطى معه، عمدت الحكومة التونسية منذ مطلع عام 2015، إلى مجموعة من الإجراءات. فأقال رئيس الوزراء الحبيب الصيد عدداً من قيادات الشرطة، من بينهم رئيس شرطة العاصمة تونس، وعدداً من كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم والي سوسة وكاتب الدولة للشؤون الأمنية، بسبب فشلهم في الحيلولة دون وقوع سلسلة من الهجمات الإرهابية. وفي ديسمبر 2015 ، أعاد الصيد منصب المدير العام للأمن الوطني، ومنح سلطة أكبر للموظف المدني الدائم الذي يشرف على وزارة الداخلية. وفي الشهر التالي استحدث الصيد وزارة جديدة هي وزارة الشؤون المحلية، الأمر الذي أدّى إلى سحب مسؤولية الحكم المحلي من وزارة الداخلية والحدّ من اختصاصها، وتخلّص من وزير الداخلية محمد الناجم الغرسلي الذي كان قاضياً في عهد بن علي ، واعتُبِر مسؤولاً عن العجز في قطاع الأمن.

 

غير أن استبدال الغرسلي بالهادي المجدوب كجزء من تعديل وزاري أوسع في يناير الماضي لم يؤد إلى كبح جماح تمرد النقابات الشرطية. فبعد أقلّ من أسبوع من تعيينه، واجه المجدوب دعوات للاستقالة من جانب نقابات الشرطة، التي أعلنت أنها لن تتعامل معه. الأمر الآخر أن هذا الخطاب الأمني ‘المتمرّد‘ يتقاطع مع ما يتردد عن عودة الممارسة القمعية في سياق الحرب على الإرهاب، خاصة في المناطق المهمشة، جنوب ووسط البلاد.  وبالإضافة إلى ما تسرده تقارير صحفيّة حول مداهمات وعمليات احتجاز وتعذيب، فإنّ خطورة القمع المُستجدّ بعد الإطاحة بنظام بن على تكمن تحديداً في عدم خضوعه لقرار سياسي تسهل محاسبته وتطويقه مركزياً، إذ هو يرتبط بنزعة للخروج عن سلطة الدولة ومؤسساتها. أي أنّ أجهزة الأمن في المدن والأحياء تحوّلت تدريجياً إلى مراكز قوى متحرّرة من رقابة السلطة التنفيذية. ولهذا يمكن القول بأن المزيج من الانقسامات داخل قطاع الأمن التونسي، والممارسة القمعية وغير الاحترافية لأعمال الضبط والتحقيق، ستؤدى على الأرجح إلى تمدد الإرهاب في تونس. ذلك أن تفاقم مشكلات التمرد داخل قطاع الأمن التونسي تعني عدم قدرة السلطة السياسية والتنفيذية هناك على ضبط سلوكه وتوجيه جهوده لمكافحة الإرهاب. كما أن ازدياد العنف الشرطي خاصة في مناطق جنوب شرق ووسط البلاد يعني فتح المزيد من النوافذ والأبواب لداعش وأخواتها لتجنيد المزيد من العناصر التونسية، وكسب تأييد ودعم سكان تلك المناطق.

 

خامسا: القوات المسلحة التونسية .. مزيد من التعزيزات

تعد القوات المسلحة التونسية قوة صغيرة، شديدة الانضباط. وتتمتع باحترام وتقدير الشعب التونسي- على عكس الشرطة-. كما أنها تتميز بالمهنية والاحترافية وليس لها أي دور سياسي إلى حد كبير. وحافظ كل من بورقيبة وبن علي، على بقاء القوات المسلحة بشكل متعمد بعيداً عن مركز القوة. وتم نشر الرتب العسكرية المكونة من مجندين في أقل المناطق تعداداً للسكان في البلاد للقيام بمشاريع للأعمال العامة. وكانت المهمات بشكل رئيسي حفظ السلام في أفريقيا، وهو ما أبقى القوات المسلحة مشغولة في مكان آخر. وتم الحفاظ على الجيش صغيراً وكانت أعداده ما بين  ٤٠ : 43 ألف فرد. وتشتمل القوات المسلحة التونسية على المشاه، والقوات البحرية والقوات الجوية. وتبلغ أعداد أفراد القوات البرية 36 ألف فرد فقط، بينما لا تملك القوات البحرية سفناً للمياه العميقة. ويملك سلاح الطيران أقل من عشرين طائرة هليكوبتر عاملة. إلا أن المشاركة في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة منحت الجيش الخبرة الضرورية لسد الفراغ الذي تركته قوات الأمن عند انهيار حكومة بن علي. وتحركت القوات المسلحة بسرعة لحماية البنية التحتية واستعادة حكم القانون والنظام والحفاظ على الأمن والاستقرار.. وبالإضافة إلى تولي مهام الأمن الداخلي التقليدية، واجهت القوات المسلحة تحديات خطيرة على طول الأراضي والحدود البحرية التونسية. حيث عبر حوالي ١,٦ مليون لاجئ من الحرب الأهلية في ليبيا إلى تونس وهرب حوالي ٣٠٠٠٠ تونسي إلى أوروبا.

 

بالمقارنة مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى، كان تمويل القوات المسلحة التونسية منخفضاً من الناحيتين المطلقة والنسبية من إجمالي الناتج المحلي. فعلى

 

سبيل المثال، في عام ٢٠٠٩ ، بلغ الإنفاق العسكري التونسي نسبة ١,٢ ٪ من إجمالي الناتج المحلي، بينما بلغ إنفاق الجيش الليبي والمصري ٢,٨ ٪ و ٣,٣ ٪، على التوالي. إلا أن حكومات ما بعد " بن على" سعت إلى تعزيز القدرات المؤسّسية للجيش. وأجبر تزايد التهديد الإرهابي حتى حكومة الترويكا والرئيس السابق المنصف المرزوقي- التي كانت تعارض خطط تعزيز الجيش خوفا من انقلابه ضدها-  على الالتفات إلى قضية الأمن الوطني وزيادة ميزانية الجيش، ورفع مستوى أسلحته وعتاده، وتطوير روابطه الدولية، وقدراته المؤسّسية ونفوذه السياسي.

ومن خلال مقارنة تطور ميزانية الجيش؛ نلاحظ أن ميزانية وزارة الدفاع نمت بسرعة أكثر من أي وزارة أخرى من العام 2011 إلى العام 2016، وزادت بمعدل 21 في المئة سنوياً.

  

وفي خريف 2013 دعا المرزوقي مجلس الأمن القومي إلى الاجتماع لمناقشة احتياجات الجيش. وبعد هذا الإجتماع ارتفع عدد العقود التى أبرمتها القوات المسلحة التونسية بشكل مطّرد. ففي العام 2014، وقعت تونس عقدين عسكريين مع شركات أميركية لشراء سيارات جيب وشاحنات ثقيلة. ومنذ تولّي الرئيس الباجي قائد السبسي منصبه في العام 2015، وقّعت تونس عشرة عقود إضافية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك عقود لشراء طائرات هليكوبتر من طراز (بلاك هوك) وناقلات جند مدرعة وصواريخ (هيلفاير). وقد شملت عمليات التسليم في العام 2015 من العقود السابقة 52 عربة من طراز (همفي)، وثلاثة زوارق دورية وطائرتي نقل من طراز C-130J. كذلك، شهدت الفترة الانتقالية بعد العام 2011 زيادة التعاون العسكري-العسكري مع الدول الأجنبية، الأمر الذي كان له انعكاسات إيجابية على الجيش التونسي. فقد صادقت تونس على اتفاقيات للتعاون الأمني ​​مع دولة الإمارات العربية المتحدة في أكتوبر 2011، ومع تركيا في أكتوبر 2013، ومع قطر في يونيو 2014. ونمت العلاقات مع الولايات المتحدة أيضاً بصورة كبيرة ... ففي إبريل 2014، استضافت الولايات المتحدة أول حوار استراتيجي سنوي بين الولايات المتحدة وتونس، وبعدها ضاعفت مساعداتها العسكرية إلى تونس ثلاث مرات في العام التالي. في يوليو 2015، منحت الولايات المتحدة تونس وضع الحليف الرئيس السادس عشر من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي التسمية التي تكون مصحوبة في العادة "بالامتيازات المادية بما في ذلك أهلية الحصول على التدريب، والقروض لشراء معدات خاصة بالبحوث التعاونية والتنمية، والتمويل العسكري الخارجي من أجل الاستئجار التجاري لبعض المواد الدفاعية". إضافةً إلى ذلك، قامت القوات المسلحة التونسية بتعزيز قدراتها الإنتاجية الخاصة. فقد أنتجت القوات البحرية، على سبيل المثال، أول زورق دورية في أغسطس 2015، وأطلقت عليه اسماً رمزياً "استقلال". وفي نوفمبر 2014، أعاد المرزوقي تسمية مديرية الأمن العسكري باسم "وكالة الاستخبارات والأمن للدفاع"، وكلّفها بجمع المعلومات الاستخباراتية عن "التهديدات المحتملة للقوات المسلحة والأمن في البلاد بصورة عامة". وبينما كانت المديرية تجمع المعلومات الاستخبارية منذ إنشائها في العام 1964، فقد منحها هذا التغيير الولاية القانونية للقيام بذلك. كما منح المرسوم الصادر في العام 2014 الوكالة الاستقلال المالي عن القوات المسلحة، حيث زوّدها الرئيس السبسي بميزانية أولية بقيمة مليون دينار تونسي في مشروع ميزانية العام 2016. وفي الوقت الذي عززت قدرة الاستخبارات العسكرية، كانت حكومات مابعد " بن على" حريصة أيضاً على القيام بذلك تمشياً مع مبادئ الديمقراطية، وتشاورت مع مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة في جميع مراحل العملية.

 

وأخيراً، دفع التهديد الأمني ​​المتزايد القادة المدنيين التونسيين إلى تعيين ضباط الجيش في العديد من المناصب المدنية والأمنية. ففي العام 2012 عيّنت حكومة الترويكا اللواء محمد المؤدّب، على سبيل المثال، مديراً عاماً للجمارك. في حين تم تعيين ضابط واحد فقط من الجيش والياً أثناء عهد بن علي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً، فقد تولّى أحد عشر ضابطاً بالفعل منصب الوالي بعد الثورة، بعضهم لمرّات عدّة في ولايات مختلفة، خاصة في المنطقتَين الجنوبية والحدودية حيث التهديدات الأمنية أكبر. باستثناء العام 2013 (حين تخوّفت الترويكا من احتمال حدوث انقلاب)، شكّل ضبّاط الجيش حوالي 11 في المئة من الولاة الجدد سنوياً، وهذه نسبة مرتفعة نظراً إلى أن وزارة الداخلية هي التي تسمّي المرشّحين لمنصب الوالي.

 

تشير هذه التطورات المادية والسياسية إلى أن الجيش التونسي المهمّش تاريخياً، بدأ يشهد تحسّن وضعه. ومما لا شكّ فيه أن القوات المسلحة لاتزال تعاني من ضعف التجهيز، والدليل على ذلك هو التقدّم البطيء الذي أحرزته في جبال الشعامبي. بيد أن الذي تغيّر منذ الثورة هو أن الجيش أصبح أولوية بالنسبة إلى السياسيين التونسيين. فقد أجبرت التهديدات الأمنية الكبرى في تونس الحكومات المتعاقبة على إعطاء المزيد من الوقت والمال لتمويل وتسليح القوات المسلحة. والأرجح أن الحكومة التونسية ستزيد خلال الفترة القادمة من استثمارها في القوات المسلحة، مع ازدياد المخاطر الأمنية الداخلية والعابرة للحدود. 

 

 

سادسا: نشاط تنظيم داعش في تونس 

 تضافرت جملة من العوامل؛ منها انشقاق قطاعات من تنظيم القاعدة في المغرب وانضمامها لداعش، بالإضافة إلى بدء العمليات النوعية ضد داعش في ليبيا- كي تدفع تنظيم داعش باتجاه التمدد داخل تونس؛ تحديدا منطقة جنوب شرق تونس المحاذية للحدود الليبية. فمع بدء العمليات النوعية ضد داعش في ليبيا،- وأبرزها القصف الجوي الأمريكي لمعكسر تابع لداعش في السابع عشر من فبراير الماضي على مسافة 170 كم من صبراتة، شمال غرب ليبيا، والذي انتهي بقتل 40 من عناصر التنظيم، معظمهم من التونسيين- لا يبدو أمام التنظيم سوى خيار إعادة نشر عناصره من التونسيين إلى داخل تونس مرة أخرى، بالإضافة إلى تنشيط صلاته بالتنظيمات الجهادية العاملة بداخله، وخلاياه النائمة المنتظرة هناك.

 

   في مساء السابع من مارس الماضي، اخترق العشرات من مقاتلي داعش مدينة بن قردان وحاولوا السيطرة على المؤسسات الأمنية الرئيسية في المدينة. وشاركت تقريبا جميع وحدات الشرطة، الحرس الوطني، والجيش النظامية منها والخاصة في مكافحة المجموعة الإرهابية. أحاط عدة مئات من القوات بالمدينة، واتخذوا مواقعهم للدفاع عن المباني المستهدفة وتنظيف الأحياء من الإرهابيين.

 

   وقد أسفر الحادث عن خسائر كبيرة في الأرواح: 36 من العناصر الجهادية، 11 من عناصر قوات الأمن وسبع مدنيين. وقد استطاعت قوات الأمن التونسية صد هجوم بن قردان، ولكنه يمثل نقطة تحول خطيرة، كونه حادثا غير مسبوق، ومنذ "انقلاب قفصة" في السابع والعشرين من يناير 1980، عندما سيطرت جماعة مسلحة بواسطة ليبيا ومدعومة من الاستخبارات العسكرية الجزائرية على مدينة قفصة وسط تونس ودعت لانتفاضة شعبية.

 

 

 

  1.  بن قردان معقل داعش الاستراتيجي في تونس

تتمتع بلدة "بن قردان" بسبب موقعها الحدودي، بمكانة ذات طابع استراتيجي داخل حسابات تنظيمي الدولة ”داعش“ وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وحسب تقارير تونسية رسمية فإن الأنشطة الإرهابية التي عرفتها المدينة تمثلت أساسا في إرسال الجهاديين إلى بؤر القتال في سوريا والعراق وليبيا المجاورة وتسهيل مرور الأسلحة وتخزينها. وفي هذا السياق، وحسب بيانات سابقة لوزارة الداخلية التونسية، فقد تم تفكيك خلايا إرهابية متمركزة ببن قردان... حيث أشار بيان رسمي صادر في 5 ديسمبر 2015 إلى أن وحدات مكافحة الإرهاب والاستعلامات بإقليم الحرس الوطني بمدنين تمكنت من الإطاحة بخلية بمنطقة بن قردان تتكون من خمسة عناصر تابعة لتنظيم القاعدة، وقد أشار ذات البيان إلى أن أهداف هذه الخلية تتمثل في استقطاب الشباب وإرسالهم إلى ليبيا. وفي فترة سابقة أعلنت وزارة الداخلية في الخامس من يوليو 2015 أنها أحبطت عملية تسلل أشخاص إلى داخل ليبيا عبر منطقة بن قردان بغية الانضمام لتنظيمات إرهابية. وفي بداية مارس 2015 أكدت السلطات التونسية اكتشاف ثلاثة مخازن للأسلحة في وادي الربايع ووادي فيسي بمنطقة بن قردان، كان من المنتظر أن يتم تهريبها إلى الجماعات الإرهابية المتمركزة في جبال القصرين، وقد ضمت المخازن حسب مشاهد مصورة بثتها إذاعة تطاوين أسلحة خفيفة وقاذفات ”آربيجي“ ومواد متفجرة.

 

من ناحية أخرى، معروف أن التوانسة يمثلون المكون الأكبر من المقاتلين الأجانب العاملين في صفوف داعش. وهناك معلومات تشير إلى أن العناصر المجندة حديثا من تونس تذهب مباشرة للانضمام لصفوف الجماعة في ليبيا.

 

وفى السياق ذاته، عُرفت بلدة "بن قردان" تحديدا بأنها مركزا لتجنيد العناصر الجديدة لصالح داعش وجماعات جهادية أخرى، الأمر الذي يجعل الطفرة الأخيرة في نشاط داعش في هذه البلدة مقلقا بشدة للمسؤولين في تونس. ففي ديسمبر 2015 كان هناك حوالي 6000 تونسي من بين المقاتلين الأجانب في سوريا و العراق، من بينهم 15.2% من بن قردان، علاوة على هذا أشارت القائمة التي نشرتها وكالة الأنباء الليبية بتاريخ 23 نوفمبر 2015 إلى أن هناك 44 عنصرا إرهابيا تسللوا إلى ليبيا من بينهم 10 عناصر ينحدرون من منطقة بن قردان.

 

وحسب مصادر استخباراتية تونسية، فإن المسلحين الذين نفذوا الهجمات على متحف باردو في تونس العاصمة وفي منتجع " ريو إمبيريال مرحبا" في سوسة، تلقوا تدريبا في معسكر لداعش بالقرب من بلدة "صبراتة" الليبية. ذلك المعسكر كان هدفا لضربة جوية أمريكية في التاسع عشر من فبراير2016، بعد أن قالت مصادر استخباراتية أن مسلحي داعش يجهزون لهجوم آخر. استهدفت الضربة الجوية بشكل خاص المدعو "نور الدين شوشان"، العضو التونسي البارز في ( داعش - ليبيا) والذي كان مسؤولا عن تجنيد وتدريب التونسيين لتنفيذ هجمات داخل بلدهم الأم.

 

 

 

  1.  الارتباط بين التهريب والنشاط الإرهابي

 منذ عقود، تمثل التجارة الموازية أو التهريب، النشاط الاقتصادي الرئيسي بمنطقة بن قردان الحدودية،  حيث أشار آخر تقرير أصدره البنك الدولي أن حوالي 3800 شخص من سكان بن قردان يمارسون نشاط التهريب. وحسب مصادر اقتصادية تونسية، فقد بلغ حجم أنشطة التهريب والتجارة الموازية على الحدود الليبية 1200 مليون دينار بهامش ربح تبلغ قيمته 300 مليون دينار، وتشمل هذه الأرقام فقط البضائع التالية: المواد الغذائية والملابس والأحذية والمعدات المنزلية، وذلك دون احتساب السجائر والمواد البترولية التي تسجل معدلات ربح أعلى بكثير من البضائع الأخرى.

 

وقد توسعت الشبكات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالتجارة الموازية لتشمل العديد من المناطق المتاخمة ومدن أخرى وسط البلاد وشمالها. وفي هذا السياق تشير التقارير الرسمية إلى أن بن قردان لا تشكل حالة استثنائية لأن الاقتصاد الموازي ( غير الرسمى) يمثل تقريبا نصف الاقتصاد الوطني فى تونس.

 

   ومن المتوقع أن تنتبه التنظيمات الإرهابية إلى التهريب وتخضعه لمصالحها، خصوصا وأنها تمتلك رصيدا تاريخيا في تهريب الأسلحة والمقاتلين في تجارب سابقة. ولكن توظيف التهريب الذي قام أساسا على جلب الأسلحة أصبح يتقاطع مع أنشطة التهريب العادية التي تتغذى منها التجارة الحدودية الموازية، الأمر الذي جعل البعض يردد مقولة ”الإرهاب والتهريب صنوان“.

 

ما سبق يعني أن تطوّر النشاط الإرهابي ببن قردان بات مرتبطا بمدى قدرة هذه الجماعات على تطويع مسالك التهريب والتجارة الموازية وإخضاعها لمصالحها، علاوة على مدى نجاحها في تعزيز شبكات محلية من المتعاونين والمُجَنّدين، على النحو الذي يسمح بتوسيع نطاق الهيمنة على المدينة. ويعني أيضا أن تعطيل هذه الأهداف مرتبط أساسا بالخطط الأمنية الكفيلة بكسر الارتباط بين التهريب والتنظيمات الإرهابية، وتفكيك الشبكات المحلية الموالية لها، والتي يبدو أنها تضطلع بأدوار متمثلة أساسا في الاستقطاب وتخزين الأسلحة وتأمين عبور العناصر الإرهابية، وهذه الخطط الأمنية مرهونة مبدئيا بخفض التوتر القائم بين بعض الأجهزة الأمنية، والمؤسسة العسكرية.

 

 

  1.  استراتيجية داعش في بن قردان

من الممكن أن تكون هجمات السابع من مارس الجارى مجرد وسيلة لاختبار دفاعات الأمن التونسي. والاستعداد لمحاولة أشمل وأضخم للاستيلاء على بن قردان. وبما أنها تمثل ملاذا آمنا للسلفية الجهادية، فإن الاستيلاء على البلدة سيكون له أهمية رمزية بالنسبة لداعش. وفى هذا السياق ذُكِرَ أن الزعيم السابق للقاعدة في العراق( التنظيم الذي خرجت من رحمه داعش) أبو مصعب الزرقاوي قال : " لو كانت "بن قردان" تقع بالقرب من الفلوجة، لكنا حررنا العراق" .

 

كذلك، تقع البلدة عند مفترق طرق التهريب الرئيسية، ولطالما تم استخدامها كمركز للتهريب. وعليه فإذا ما كانت داعش تخطط للتمدد داخل تونس، فإن بن قردان ستكون رأس جسر مثالي لها.

 

ومع ذلك، فإنه من المرجح أكثر أن داعش ستستمر في توظيف مواقعها في ليبيا لإثارة الاضطرابات في تونس. إذ أثبتت هجمات السابع من مارس أن الجماعة ليست قوية بما يكفي للسيطرة على أراض داخل تونس، إذ أن قوات الأمن التونسية، رغم نقاط ضعفها الهيكلية، لا تزال أكثر تفوقا عليها ومدعومة من الغرب. ففي الأول من مارس، قبل وقوع حوادث بن قردان، أعلنت المملكة المتحدة عن انتشار قوات عمليات خاصة في تونس لمساعدة حرس الحدود. وفي الثامن عشر من مارس، بعد الحادث، أعلنت فرنسا أنها ستزيد الدعم المقدم لتونس لمواجهة التحديات الإرهابية.

 

خلاصة القول : لقد أظهرت الهجمات في متحف باردو ومنتجع " ريو إمبيريال" ، إلى جانب تفجير الحافلة التي كانت تقل عناصر من الحرس الرئاسي في تونس العاصمة في نوفمبر 2015..... قدرة داعش على تنفيذ هجمات مدمرة على التراب التونسي.

 

وطالما أن الجماعة لا يزال بإمكانها تعزيز قاعدتها العملياتية في ليبيا، فإن تكرار الاشتباك مع قوات الأمن التونسي والهجوم على مواقع أمنية بات محتوما. وبالأحرى، ستستمر داعش في تشكيل خلايا في تونس، على أمل أن تهز تلك الهجمات الأرض أسفل الحكومة التونسية. حتى إذا ما بدأت الحكومة تترنح، ستستعد داعش لتوجيه ضربتها الكبرى هناك.

 

 

سابعا: الاضطرابات على خلفية الوضع الاقتصادي التونسي

   يمرُّ المجتمع التونسي بمرحلة انتقالية صعبة من ماضٍ قمعي (وإن كان مُستقِرّاً) إلى مستقبلٍ غير واضح المعالم، كلّ الخيارات تبدو فيه واردة. فالأمل الذي شابَ أول انتفاضة شعبية في المنطقة العربية انحسر إلى حدٍّ كبير، مع تفاقم الصعوبات المعيشية التي اعترت حياة المواطنين التونسيين. والتحديات التي تُواجه المجتمع التونسي في العام 2016، تشمل انكماشاً اقتصادياً، وتفاوتاً بين المناطق، وشعوراً مُطّرداً بفقدان الأمن، وارتفاع معدّلات التضخم والبطالة، واتساع نشاطات القطاع الاقتصادي غير الرسمي، وازدياد الفقر، خاصة بين فئة الشباب.

 

 

   وتعود العديد من هذه التحديات بجذورها إلى سياسات زين الدين بن علي، الذي حَكَمَ طويلاً إلى أن أطاحت به انتفاضة شعبية بدأت في العام 2010. فقد عزّزت شبكات الامتيازات المترسِّخة وسياسات اللبرلة الاقتصادية التي سُنَّت في عهد بن علي، التفاوتات العميقة بين المناطق كما بين التونسيين، ما أدى إلى تهميش وإقصاء فئات مُعيّنة من السكان في الحقول السياسية والاقتصادية- الاجتماعية. وبالمثل، أسفر تراجع الاستثمار في الرأسمال البشري والمادّي عن تضييق الخناق على الفرص المستقبلية لملايين التونسيين، وقيّد تطوّر البلاد.

 

   أدّى عجز المؤسسة السياسية في حقبة مابعد الانتفاضة عن التعاطي بحيوية مع هذه التحدّيات وتركيزها على السياسات العلاجية التدرُّجية، إلى شعورٍ متنامٍ بالسخط لدى جزءٍ كبير من التونسيين. و تتضخّم مثل هذه المشاعر كثيراً حين تبرز في سياقِ تشظٍّ سياسيٍّ واسع النطاق، وتدهورٍ في شرعية الدولة؛ وهو التدهور المرتبط بإرث السياسات المدمرّة لبن علي ومحاولاته المدروسة للسيطرة على المجالَين العام والسياسي. اليوم، ليس هناك من قوة سياسية أو مجتمعية موحِّدة، ومشاعر الظلم لدى التونسيين العاديين تتصاعد. ومع غياب أي رؤية واضحة أو جامعة، يبدو المجتمع التونسي مؤهلا لمزيدٍ من التصدّع والاضطرابات.

  1.  جذور السخط

   منذ أن ظَفَرت تونس بالاستقلال عن فرنسا في خمسينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من النمو الاقتصادي والتنمية، كانت السياسات وعملية صنع القرار منحازة بشدّة إلى العاصمة والمناطق الساحلية المحيطة بها. وهكذا، كانت معظم استثمارات الحكومة ورؤوس الأموال، وأيضاً معظم النشاطات الاقتصادية الكبرى والمراكز الصناعية الأساسية، تتمركز في العاصمة على حساب الداخل الزراعي. كما حظيت شبكات النخب في الساحل بامتيازات سياسية ولعبت أدوراً مركزية في حكم تونس، إلى درجة أن الانقسام بين ثنائية "بلدي ساحلي" و"آفاقي"، لعبت دوراً بارزاً في تشكيل الهوية الوطنية والمجتمع السياسي.

 

   بعد وصول بن علي إلى السلطة في العام 1987 عبر انقلابٍ عسكري ضد بورقيبة، واصل العمل على المنوال نفسه من حيث مركزية صنع القرار وبرامج التصحيح الهيكلي الاقتصادي وفق اتفاقية العام 1986 التي أُبرِمَت مع صندوق النقد الدولي. وشملت سياسات الإصلاح النيوليبرالية هذه خلال عهده، خصخصة الأصول العامة، وإضعاف سياسات الانعاش الاجتماعي، وإعادة هيكلة قوانين الضرائب والاستثمار.

 

   خلقت المرحلة الأولى من جهود الإصلاح نموّاً اقتصادياً، لكن عائدات هذا النمو لم تصل إلى عامة التونسيين. فخفض الضرائب أفاد الطبقة العليا من المجتمع، فيما لعبت إعادة هيكلة قوانين الاستثمار دوراً بارزاً في مفاقمة مشكلات البطالة. وفي هذه الأثناء، وبعد أن بات أكثر من 80 في المئة من صادرات تونس يذهب إلى أوروبا (و70 في المئة من الواردات يأتي منها)، أصبحت البلاد مُعتمِدة بإفراط على العوامل الخارجية، ومكشوفة أمام الصدمات العالمية التي عاينتها تونس بالفعل حين تسبَّبتْ أزمة العام 2008 المالية بانكماش اقتصادي كبير، مافاقم معدّلات البطالة والفقر. وشملت إجراءات أخرى اتخذها بن علي تقليص الدور التنظيمي للدولة، وخفض الاستثمار والانفاق العام، وخصخصة العديد من الشركات والأصول الأخرى المملوكة للدولة.

 

   وتمثّل العنصر الرئيس في عملية التحرير الاقتصادي، في القروض المرتبطة بإجراء إصلاحات للقطاع الزراعي برعاية البنك الدولي، وتم بموجبها إعادة توزيع الأراضي التابعة للدولة، والتي كانت تملكها سابقاً تعاونيات صغيرة تديرها الدولة، إلى كبار المزارعين. وبموجب هذه الخطة، تم نقل نحو مليون هكتار من الأراضي الزراعية التي تملكها الدولة. لكن، بدلاً من أن يولِّد هذا التدبير فرص عمل جديدة، عَمَدَ المُلاّك الجدد إلى تنفيذ برامج لتقليص الأيدي العاملة.

 

   لم تكبح اللامساواة في توزيع الموارد والأصول فرص النمو الاقتصادي الشامل للجميع وحسب، بل شجعت أيضا على ازدهار النشاطات الاقتصادية غير الرسمية واقتصاديات التهريب. ومع مرور الوقت، خلقت برامج بن علي ومضاعفاتها، التي ترافقت مع تمركز الاستثمارات في المناطق الساحلية، قسمة مكانية بين أسواق العمل، ماجعل من الصعب للغاية على أولئك الذين يعيشون في المناطق الداخلية والجنوبية الحصول على منافذ إلى العمالة اللائقة وفرص العمل الواسعة. لقد كانت نوعية حياة المواطنين في هذه المناطق الداخلية تزداد سوءاً، فيما بقية مناطق البلاد تشهد تحسنا. في القصرين، على سبيل المثال، ارتفعت البطالة النسبية من 30.3 في المئة في العام 1990 إلى 49.3 في المئة في العام 2000. وفي سيدي بوزيد، مهد الانتفاضة التونسية، ارتفعت أيضاً البطالة النسبية خلال الفترة الزمنية نفسها من 39.8 في المئة إلى 45.7 في المئة. وفي خاتمة المطاف، أثار هذا الخلل في التوازن طفرة في النزوح الريفي إلى المدن، وأدّى إلى تشكُّل جيوبٍ من الفقر المديني حول العاصمة ومدن ساحلية أخرى.

 

  وفي العام 2012، سجَّلت القصرين أدنى معدّلات التنمية البشرية بين كل ولايات تونس، وأعلى معدّلات الفقر في البلاد، حيث بلغت النسبة 32 في المئة مقارنةً مع المعدّل الوطني الذي يترواح بين 15.5 في المئة و9 في المئة في العاصمة. كما بلغ مستوى البطالة في القصرين 25 في المئة فيما المعدل الوطني 17 في المئة، ووصل معدّل الأمية إلى 32 بالمئة مقارنةً مع المعدّل الوطني البالغ 12 في المئة. وتعاني الولاية كذلك من تفاوتات كاسحة في البنى التحتية. على سبيل المثال، كل منزل من ثلاثة منازل لا تصلُه مياه شرب. وفي حين أن معدّل المسافة الوطنية إلى المنشآت الرئيسة للنشاطات الزراعية، مثل المرافئ والمطارات، تُقدَّر بنحو 97 كيلومتراً، تبلغ المسافة بالنسبة إلى القصرين 217 كيلومتراً، مايضع المنطقة في وضع غير مواتٍ إلى حدٍّ كبير للنشاطات الاقتصادية قياساً ببقية مناطق البلاد. ثم أن الاستقطاب على أساس اللاتوازن في الدخول والاستهلاك، قفز من 50 في المئة في العام 2000 إلى 62 في المئة في العام 2010.

 

   الشعور الطاغي بالظلم الذي يتغذّى من تهميش الداخل التونسي والولايات الجنوبية، كان المحرك الأول للانتفاضة الشعبية التي بدأت في 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد وتمدّدت إلى القصرين، قبل أن تنتقل إلى العاصمة وبقية أنحاء البلاد. ومن منظور مواطني القصرين، تبلور هذا الشعور الجماعي بالإقصاء على شكل إحساس أعمق بالتمييز على أساس مستوى الدخل، أو المنطقة؛ وهي وجهة نظر لاتزال سائدة حتى الآن. وهذا كان واضحاً في استطلاع الرأي على المستوى الوطني الذي أجراه المعهد الوطني التونسي للإحصاء. فقد شعر 37 في المئة من سكان القصرين أنهم يتعرضون إلى التمييز على أساس الدخل، فيما كانت النسبة 5 في المئة في المناطق الساحلية، بما في ذلك العاصمة. وبالمثل، شعر 23 في المئة من مواطني القصرين أنهم يتعرّضون إلى التمييز على أساس منطقتهم، بالمقارنة مع 8 في المئة في المناطق الساحلية والجنوب غربية ذات الحظوة. كما أعرب السكان عن معدّلات عالية من الاستياء إزاء خدمات الرعاية الصحية  وأيضاً الرعاية الاجتماعية. ويعتقد مايقرب من 70 في المئة من المُستفتين أن عدداً كبيراً من الاشخاص الذين يستحقون دعم مؤسسات وخدمات الرعاية الاجتماعية لايحصلون عليها.

 

هذه العوامل مُجتمِعةً دفعت سكّان القصرين إلى رفع طلب في العام 2015 إلى هيئة الحقيقة والكرامة، المنوط بها الإشراف على عمليات العدالة الانتقالية في تونس، بأن يُعتبروا حالة من الضحايا الجماعية و"التهميش المنهجي والإقصائي" لمنطقتهم.

  1.  حالة الشارع في 2016

   في 18 يناير من العام 2016، قضى شاب يافع نحبه في ولاية القصرين، بعد إصابته بجروح جرّاء صعقة كهربائية أثناء تسلّقه أعلى عمود كهربائي. كان هذا الشاب، الذي تخرّج حديثاً من الجامعة، يحتجّ على ما اعتبره استبعاداً اعتباطيّاً لاسمه عن لائحة المرشحين لوظائف في قطاع التعليم في الولاية، وعلى الفساد الذي يُملي مثل هذه السياسات. وقد أطلق موته موجة من التظاهرات في مختلف أنحاء البلاد، خاصة في هذه الولاية الداخلية التي لطالما تعرّضت إلى التهميش، مادفع الحكومة إلى فرض حظر التجوال في كل أنحاء تونس.

 

   هذه الاحتجاجات تأتي كمحصلة مباشرة للتحديات الاجتماعية- الاقتصادية المُتنامية، التي سبَّبت تراجعاً واضحاً في مستوى معيشة التونسيين العاديين، وخيبة أمل عميقة من عدم تحقّق الآمال بالعدالة الاجتماعية.

 

  وامتدّت احتجاجات القصرين في غضون يومين اثنين إلى القيروان، وجندوبة، وسيدي بوزيد، وقفصة، وباجة، ومدنين، وكلها مناطق مُعدمة في داخل البلاد. ولم تفلح البيانات الحكومية التي وعدت بتوفير 5 آلاف وظيفة عمل، وسكن اجتماعي، وترميم البُنى التحتية للمنطقة بالحدّ من التظاهرات، التي واصلت التمدّد عبر البلاد.

 

   لم يقتصر الاستياء من الأوضاع في العام 2016 على سكان الداخل التونسي، بل باتت المظاهرات المنتظمة شائعة وتطال كل فئات المجتمع، بما في ذلك النقابات، والهيئات المهنية مثل المعلمين والأطباء، وممثلي المجتمع المدني، والمزارعين، والطلاب، والشبان العاطلين عن العمل، وحتى موظفي الدولة وعناصر الشرطة. وفي العام 2015 وحده، كان هناك 5001 تحرُّك احتجاجي. علاوةً على ذلك، كان ثمة محاولات فردية للانتحار احتجاجاً، ووصل عددها إلى نسبة عالية بلغت 69 محاولة في شهر سبتمبر وحده.

 

   من جهة أخرى، وبعد الإطاحة ببن علي، أسفر انهيار الدولة الريعية ومعها حزبها الحاكم على المستوى المركزي، عن انهيارها أيضاً على المستويات المحلية، ماشرّع الأبواب أمام بروز شبكات وعلاقات سلطوية جديدة لاتريد أن تكون لها علاقة بالدولة المركزية ومؤسساتها. معظم هذه العلاقات تمحورت حول نمو وتوسُّع التهريب والنشاطات اللاقانونية الأخرى، خاصة تلك المنتشرة على الحدود التونسية- الجزائرية والليبية.

 

   كذلك، ومنذ العام 2011، حَفَّزَ تراجع سيطرة الدولة على المناطق الحدودية والانكماش الاقتصادي، خاصة في قطاعات رئيسة مثل السياحة التي تراجعت بنسة 35 في المئة العام 2015 غداة الهجمات الإرهابية، على توسُّع أشكال أخرى من النشاطات غير الرسمية التي لاتشمل أي ضمانات أمنية أو حماية اجتماعية. على سبيل المثال، قفزت العمالة غير الرسمية من 30 في المئة في الاقتصاد التونسي في العام 2010 إلى 38 في المئة في العام 2013. نحو 72 في المئة من عمّال القطاع غير الرسمي هم من المناطق الريفية، ويعملون أساساً في الانتاج الزراعي والمياومة غير الرسمية. هذا اللااستقرار الاقتصادي له مضاعفات عميقة على الشبّان، حيث أن واحداً فقط من كل ثلاثة منهم يحصل على عقد عمل يضمن شكلاً من أشكال الحماية الاجتماعية، بما في ذلك العناية الصحية والضمان الاجتماعي. وفي هذه الأثناء، وفي العام 2012، كان هناك نحو 542 ألف مؤسسة من أصل 616 ألفا - أي 85 في المئة - تعمل في القطاع غير الرسمي، وهذا يشكِّل خسارة للدولة التونسية تُقدَّر بنحو 115 مليار دولار. وعلى الرغم من غياب الأمن الاجتماعي، نجح متوسط راتب الفرد المرتفع نسبياً في القطاع غير الرسمي (18.725 ديناراً، أي 9.355 دولاراً)، أي ضعف رواتب الموظفين الرسميين، في جذب العديد من الشبّان إلى هذا النوع من العمل.

 

في خضم هذه التحديات الاجتماعية- الاقتصادية المتفاقمة، أوضحت استطلاعات الرأي تعاظم نسب الاستياء لدى التونسيين من مستويات معيشتهم العامة والمالية. ففي "استطلاع القيم العالمية" (World Values Survey) الذي أُجرِي في العام 2013، أشار 81 في المئة إلى أنهم قلقون من عدم العثور على عمل، و85 في المئة من احتمال عدم قدرتهم على توفير تعليم لائق لأولادهم، و89 في المئة من اندلاع حرب تشمل بلادهم، و91 في المئة من وقوع هجوم إرهابي (النسبة نفسها أيضاً أبدت مخاوف من نشوب حرب أهلية).

 

  كما أعرب التونسيون في الاستطلاع نفسه عن مستويات عالية من السخط إزاء أمور حياتية متنوّعة منها: رداءة خدمات الرعاية الصحية ووسائل النقل العام والمياه والإسكان. كما أبدوا تبرُّماً حادّاً من المستوى المتدنّي للطرق والبنى التحتية للطرق السريعة. ويتجسّد مثل هذا السخط أكثر فأكثر في مدركات وتجارب التونسيين حيال التفاوت الاجتماعي في بلادهم وعدم قدرتهم على تلبية حاجاتهم الأساسية.

 

 أفضى شيوع التوتر والاحتقان المجتمعي واليأس من إمكانية الإصلاح إلى تقوّيَض الدعم الشعبي لخطة التنمية للأعوام 2016-2020 التي اقترحتها الحكومة، والتي تُعطي الأولوية لإصلاح أنظمة الضرائب والدعم، وتحسين مناخات الاستثمار، والتصدي  للعجز المالي والاقتصاد غير الرسمي. وقد سَرَت انتقادات لغياب أي حوار مجتمعي حقيقي لهذه الخطة، مادفع أحد قادة المعارضة إلى حد القول أن هذه ليست خطة "صُنِعتْ في تونس"، وهو في الواقع كان يعكس بذلك الاعتقاد الشائع بين التونسيين بأن العناصر الرئيسة الواردة في الخطة، هي مجرد نسخة غير منقّحة من شروط القروض واقتراحات السياسة العامة التي طرحتها المؤسسات المالية العالمية. ومن هذا المنظور، لاتسلُب هذه المقاربة التنموية المعتمَدة في الخطة قدرةَ الدولة على صنع القرارات السيادية  حيال القضايا الاقتصادية وحسب، بل تُديم أيضاً تبعية تونس للمساعدات الخارجية.

 

   ينبثق إلى حدٍّ ما الانطباع بأن الأمور لاتزال على حالها تراوح مكانها، من غلبة شخصيات حقبة بن علي على المشهد السياسي خاصة غداة الانتخابات البرلمانية في العام 2014، والتي شهدت عودة بعضٍ من رموز هذه الحقبة، إضافةً إلى ولوج عددٍ من رجال الأعمال إلى الحلبة السياسية. فقد شغل قسم كبير من البرلمانيين الذين انتُخبوا العام 2014 على لائحة حزب نداء تونس الذي يقوده الرئيس الباجي قائد السبسي، مواقع مهمة في التجمع الدستوري الديمقراطي التابع للرئيس السابق بن علي. وفي الوقت نفسه، كان ثمة زيادة ملحوظة في عدد رجال الأعمال في البرلمان، على غرار الاتحاد الوطني الحر بقيادة سليم الرياحي. وتُمثّل هذه النتائج بالنسبة إلى التونسيين استمراراً لهيمنة المصالح الخاصة على الصالح العام، ما أثبط آمال الكثيرين بالحصول على مساواة اقتصادية وفرص أكبر.

 

   إضافةً إلى ذلك، لم يتحقق شيءٌ يذكر من التغيير الاقتصادي المنشود، بسبب التضارب في وجهات النظر والمصالح الخاصة المترسّخة بين الفئات السياسية المختلفة. فالحكومة التونسية، مثلها مثل معظم الدول التي تمرّ في مرحلة انتقالية، تبدو مشتتة ومتنازعة بين الحاجة إلى تعزيز النمو الاقتصادي وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تضمن الفعالية، وبين انتهاج سياسات إعادة توزيع يمكنها أن تحقق قدراً أكبر من المساواة الضرورية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. لقد كانت مقاربة الحكم على قاعدة التوافق التي تبنّتها القيادة التونسية حيال القضايا السياسية عصيّة التنفيذ على المسائل الاقتصادية، لأنه كان ثمة مجموعة واسعة من الأطراف المنهمكة في حماية مصالحها الخاصة المتضاربة مع بعضها البعض في غالب الأحيان.

 

   وتُشارك أربعة أحزاب سياسية رئيسة في إدارة مرحلة الانتقال السياسي: حزب النهضة الاسلامي، نداء تونس، آفاق تونس بقيادة ياسين ابراهيم وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، والاتحاد الوطني الحر. كل هذه الأحزاب تتشاطر مواقف مُحافظة متشابهة في القضايا الاجتماعية- الاقتصادية، وحافظت في الغالب على مقاربة التحرير الاقتصادي وفق سياسات بن علي.

 

   أكثر من ذلك أن الأحزاب السياسية تشعر بالقلق حيال مصالحها الخاصة، خاصة حين تؤخذ في الاعتبار الانتخابات البلدية المقررة في نهاية العام 2016. وقد حاول مستشارو الأحزاب السياسية تجنُّب إصلاحات غير شعبية أخرى كان صندوق النقد الدولي طلب العديد منها كشرط للقروض المطروحة، بما في ذلك تغيير سياسة دعم السلع الرئيسة، وإصلاحات القطاع العام، والتي تشكّل مصدراً للقلاقل لدى قطاع واسع من الرأي العام، وتُهدّد الشعبية الراهنة لهذه الأحزاب. والحال أن اقتراحات كهذه قد أغضبت جزءاً كبيراً من التونسيين في الماضي.

 

   بسبب هذا التشتت؛ تبنّت الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011 مقاربة تدرُّجية وانتقائية لمعالجة هذه التحديات الاجتماعية- الاقتصادية المتأصلة. وهكذا، وعوضاً عن تطبيق مقاربة متّسقة ومتكاملة إزاء السياسات الاجتماعية التي تهتم بالأمن الاجتماعي فإن السياسات الاجتماعية التي نُفِّذت والإجراءات التي اتُّخذت ارتكزت على مقاربة انتقائية تدعم حاجات السكان الفقراء، لكنها لاتُمكِّنهم اقتصاديا. وشملت هذه الإجراءات زيادة عدد العائلات المستفيدة من البرامج الوطنية الموجَّهة نحو الفئات المجتمعية الأكثر هشاشة (من 135 ألفاً إلى 235 ألفا)، وأيضاً زيادة أعداد المستفيدين من الرعاية الصحية المجانية، ورفع الدعم الشهري للعائلات المُحتاجة من 70 إلى 120 ديناراً تونسياً (39-35 دولارا). بيد أن هذه الخطوات عجزت عن تلبية الحاجات الفعلية للمجتمع التونسي، حيث أن 37 في المئة من العاملين في القطاع غير الرسمي لايزالون من دون ضمان اجتماعي.

 

   شملت جهود أخرى لمعالجة السخط الاجتماعي المتنامي، استخدام العمالة كتسوية سريعة، وفق سياسات حقبة بن علي. وقد عملت الحكومات التونسية المتعاقبة خلال السنوات الخمس الماضية كملجأ أول وأخير للحصول على فرصة عمل، من خلال تعيين 90 ألف موظف جديد في القطاع العام في وظائف دائمة في قطاع الخدمة المدنية، مارفع عدد موظفي الدولة إلى أكثر من 600 ألف، هذا عدا الموظفين العاملين في مؤسسات أخرى تملكها الدولة. وقد أدى ذلك إلى زيادة قدرها 44 في المئة في فاتورة الأجور، ورفع توقعات المواطنين التونسيين حيال حقهم في التوظيف في القطاع العام. هذا التكتيك، الذي انتهج مسلكاً تصاعدياً في عملية التوظيف في القطاع العام قبيل الانتفاضة، طُرِحَ ثانية في التداول في أوائل العام 2016 كحلٍّ للقلاقل في القصرين، حين وعد رئيس الوزراء بإيجاد أكثر من 50 ألف وظيفة جديدة في القطاع العام. بيد أن التشابك بين تصاعد فاتورة أجور القطاع العام وبين هبوط عائدات الحكومة، يجعل مثل هذا النهج غير قابل للاستمرار.

 

   أيضا، ربما كانت الخطوة الأكثر دلالة على تنامي القلق لدى التونسيين من عودة ممارسات الفساد المعتادة في العهد السابق، مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي اقترحته حكومة الصيد. فمسودة مشروع القانون، التي سعت إلى العفو عن التجاوزات الاقتصادية السابقة لـ7000 شخص، بما في ذلك رجال أعمال وموظفين صغار، فاقم الخلافات واتهامات الفساد ونقص الشفافية. بالنسبة إلى البعض، يمثّل مشروع القانون هذا صفقة سرّية بين أركان النخبة السياسية على حساب المواطنين العاديين. وكما قال عضو في الحزب السياسي الجديد المؤسّس حديثاً والموجّه شبابياً "حركة جيل جديد"، فإن هذا القانون بمثابة "محاولة انقلابية ضد العدالة الانتقالية"، تتم من خلال إقرار الإفلات من العقاب وإبطال الحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور. كما أنه يشكّل جزءاً من نمط أوسع من الانتهاكات التي تطال المؤسسات الدستورية مثل لجنة الحقيقة والكرامة، وأيضاً محاولة "لإعادة رسم الخريطة السياسية لتونس في حقبة مابعد الانتفاضة، من خلال إضفاء صفة الشرعية على الأعضاء الفاسدين في النظام السابق"، وفقاً للعضو نفسه من حركة جيل جديد. لقد فشل أنصار مشروع القانون في إعداد الدلائل على وجود فوائد عامة له، وفي تحديد الأموال النقدية التي يتوقعون استعادتها منه. وهذا ماحفّز تحالفاً من هيئات المجتمع المدني على شنّ حملة تحت عنوان "مانيش مسامح" (لن أسامح) لإسقاط مشروع القانون، والتي حظيت بدعم أحزاب معارضة ونجحت في نهاية المطاف في وقف تمرير المشروع في البرلمان. لكن كل الدلائل تشير إلى أن أعضاء الائتلاف الحاكم، خاصة أولئك في نداء تونس، سيحاولون مرة أخرى تحويل المشروع إلى قانون في العام 2016. ما يعني أن ما تبقى من العام 2016 سيشهد مزيدا من الاضطرابات وتدهور الوضع الأمني والمجتمعي في تونس.

 

ثامنا: العلاقات بين تونس ودول الجوار

  1.  الاستقرار في ليبيا .. غاية السياسة الخارجية التونسية

  تحد تونس ليبيا في شمالها الشرقي بحوالي 500 كيلومتر، وعلى الرغم من أنها ليست البلد الوحيد الذي يجاور ليبيا، إلا أن تونس تبقى المعنية الأولى بالوضع الداخلي الليبي، بالنظر إلى العلاقات الوطيدة بينهما، والتأثير المباشر للأوضاع المشتعلة بليبيا على الداخل التونسي.

 

فقد استقبلت تونس بعد اندلاع ثورة 17 فبراير، التي أطاحت بنظام القذافي، عشرات الآلاف من النازحين الليبيين وجنسيات مختلفة من عمالة ليبيا. شكل ذلك عبئًا إضافيًا على الاقتصاد التونسي الهش، إذ تسببت الأعداد الضخمة من اللاجئين في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والسكن، مما أثار بعد مدة توترات اجتماعية بين مواطني البلد المضيف والنازحين.

 

 ولا تخفي تونس تخوفاتها من انهيار الوضع في ليبيا. بحيث بات استقرار الوضع في ليبيا هو الغاية الأولى لجميع التحركات التونسية على صعيد الملف الليبي. وكان لتونس دور كبير في تسهيل محادثات تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج.... فعلى أرضها تشكلت ومنها انطلقت إلى طرابلس. لكن على الرغم من ذلك، فإن فشل حكومة السراج في الحصول على ثقة البرلمان في طبرق، وضخامة التحديات الأمنية في الداخل الليبي على مستويات عديدة، أدت إلى تعثر هذه الحكومة، واشتداد حدة الأزمة في ليبيا، الأمر الذي كان من نتائجه استمرار موجات الهجرة الليبية إلى تونس، والتي كان آخرها وقوف آلاف الليبيين على الحدود التونسية مطلع شهر أغسطس 2016، طالبين للجوء بعد تدهور الوضع الأمني في طرابلس.

 

 كذلك كانت تونس ولا تزال متخوفة من احتمال تدخل عسكري قريب تقوم به الدول الغربية في ليبيا، كان هذا التخوف باديًا على لسان الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، الذي خاطب الغرب قائلًا: «لاتفكروا فقط في مصالحكم أنتم، فكروا أيضًا في مصالح الدول المجاورة (لليبيا) وفي مقدمتها تونس»، مذكرًا إياهم بأنّه «قبل أي عمل من هذا النوع، من فضلكم تشاوروا معنا لأنه (التدخل العسكري) قد يفيدكم لكنه قد يسيء إلينا».

 

 جدير بالذكر أن جُلّ العمليات الإرهابية التي أنهكت تونس، وأبرزها أحداث متحف باردو وشاطئ سوسة، كان منفذوها قد حصلوا على السلاح والتدريب من داخل ليبيا، ومن شأن أي تدخل عسكري خارجي في هذا البلد أن يتسبب في تسلل عناصر متطرفة إلى داخل تونس بالإضافة إلى إمكانية وصول موجة لجوء جديدة أضخم إلى الحدود التونسية.

 

 وكانت السلطات في تونس قد عززت إجراءاتها الأمنية بالحدود مع ليبيا، كما كانت  حكومة الحبيب الصيد قد أمرت في مارس 2016 بتشكيل لجان جهوية تتكفل باتخاذ الاحتياطات الضرورية، بهدف مواجهة التداعيات الأمنية والإنسانية والاقتصادية إذا ما تم فعليًّا التدخل العسكري الخارجي.

 

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كانت  تونس من أكثر البلدان تضررا من الصراع الليبي الداخلي. وتمثلت أبرز التداعيات في: 

 

- تراجع التبادلات التجارية الثنائية بنسبة تزيد عن 75 في المائة وفق تقرير لوزارة التجارة التونسية، نتيجة التوقف الكامل لأنشطة أكثر من مائة شركة تونسية كانت تعمل حصريا على السوق الليبية.

- توقف حوالي 1300 شركة تونسية تصدر إلى ليبيا. (وتتراوح قيمة معاملاتها من 5 آلاف مليون دينار الى أكثر من 100 ألف مليون دينار).

- كما اضطرت شركات أخرى يفوق عددها الألف إلى إعادة برامجها التصديرية والإنتاجية التي كانت عادة موجهة إلى طرابلس.بسبب الفوضى التي تشهدها الأراضي الليبية وغياب جهاز منظم قادر على تسيير المبادلات التجارية، هذا بالإضافة الى اغلاق العديد من الموانئ والمطارات.

- تداعيات على قطاع الطاقة في تونس؛ إذ ترتكز الواردات التونسية من ليبيا أساسا على البترول الذي يمثل 92 ٪ من جملة الواردات . و يتم تأمين 25 ٪ من الإحتياجات التونسية من السوق الليبية بأسعار تفضيلية. أما بعد الأزمة فأصبحت تونس مضطرة لإيجاد مصادر أخرى للتوريد بأسعار أعلى بالتأكيد حسب مقتضيات السوق العالمية. وقد أدى ارتفاع البترول إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية و أثر بالتالي على الاقتصاد التونسي حتى الشهور الأولى من العام 2015، أى قبل تراجع أسعار النفط فى السوق العالمية.

- تضرر الخطوط الجوية التونسية؛ إذ تمثل السوق الليبية أول سوق للخطوط الجوية التونسية من حيث المردود المالي، كما تمثل السوق الثانية بعد السوق الفرنسية من حيث عدد المسافرين حيث يبلغ عدد رحلات الخطوط التونسية إلى المطارات الليبية 66 رحلة في الأسبوع وتمثل الوجهة الليبية أول أسواق هذه الخطوط من حيث المردود المالي للشركة كما تسير ما لا يقل عن خمس(5) رحلات في اليوم الى طرابلس إلى جانب ما توفره أيضا الشركة الفرعية للخطوط من رحلات نحو ليبيا سواء من مطار تونس قرطاج أو من مطاري المنستير وصفاقس.

 

وكان للإجراء الأخير الذي اتّخذته السلطات التونسية المتمثّل في قرار إعادة إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الليبية بناء على احتياطات أمنية لحماية أراضيها في ظلّ تفاقم القتال بليبيا، كلفة باهظة على مستثمري البلدين الذين باتوا يواجهون مصاعب في التعامل والتواصل و أصبحوا يعانون من عراقيل كثيرة خلال التنقل إلى تونس من أجل مواكبة سير أعمالهم ونشاطهم الاقتصادي والقيام باتصالاتهم المباشرة مع مزوديهم بالخدمات والسلع في تونس.

 

كما أثّر ذلك بشكل مباشر على توافد المرضى الليبيين للعلاج بالمستشفيات التونسية الخاصة بالإضافة للمعاناة الكبيرة التي يعرفها الليبيون المتوافدون برّا باتجاه تونس عبر معبر راس جدير، وكذلك معبر الذهيبة في الجنوب، حيث يصل طول طوابير السيارات المتوقفة أمام المعابر البرية، إلى العشرات من الكيلومترات.

  • ارتفاع الكلفة الاقتصادية لتدفق الليبيين على تونس... لا شكّ ان ارتفاع عدد الليبيين في تونس قد ساهم في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية المدعمة وغير المدعّمة من قبل الحكومة، إضافة إلى ارتفاع أسعار العقارات، وهو ما ادى الى ارتفاع نسبة التضخم ونسبة العجز. في المقابل غادر أغلب التونسيين الأراضي الليبية بعد تطور الأحداث وتصاعد الأزمة بعد 2012 وبعد غلق أغلب المؤسسات الإنتاجية التونسية والليبية المشتركة. الأمر الذي ضاعف من حجم عدد العاطلين عن العمل وبالتوازي مع ذلك  عرفت التحويلات المالية للعاملين التونسيين في ليبيا انخفاضا حادا بسبب عودة المهاجرين التونسيين إلى بلادهم و تراجع إنفاق الليبيين في تونس.

 

  1. حياد تونسي إزاء قضية "الصحراء الغربية"

   ظل الموقف التونسي – قبل وبعد 2011- إزاء قضية "الصحراء الغربية" أو النزاع بين جبهة البوليساريو والمغرب والجزائر حول منطقة الصحراء الغربية يطبعه الحياد.  وإن كان قبل 2011، يميل إلى الطرح المغربي بقدر من التحفظ، سواء في فترة الرئيس بورقيبة، وحتى في فترة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.  وبالتالي تحاشت تونس قيام أي علاقة مع الجبهة، أو الاعتراف بها ككيان مستقل، وهو ما كان يخلق لدبلوماسيتها نوعا من الإحراج مع الجزائر.

 

 إلا أن تسريبات موقع ويكيليكس لوثيقة، عبارة عن برقية كشفت عن موقف صريح للرئيس بن علي، خلال لقاء يعود تاريخه 3/3/2008 مع دافييد وولش نائب وزيرة الخارجية الأمريكي المكلف بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا آنذاك، أعرب له بن علي أن "الجزائر تعيق كل تقدم في المنطقة المغاربية بسبب مواقفها من القضية الصحراوية" وحسب ذات المصدر، فإن بن علي قام بمحاولة لحل المشكلة في نطاق قمة مغاربية، لكن تعنت الموقف الجزائري أجهض هذه المحاولة. وبالتالي يحمًل مسؤولية الفشل إلى التوافق على تسوية القضية، للرئيس الجزائري بوتفليقة. وأنه "يجب على الجزائر القبول بأنه لن تكون هناك دولة مستقلة في الصحراء".

 

وبعد العام 2011، حاولت تونس التزام الحياد إزاء هذه القضية، مشددة على ضرورة تسوية هذا الملف الذي انتقل إلى الأمم المتحدة. في الوقت نفسه الذي بدت فيه المغرب حريصة على انتزاع موقف واضح من تونس إزاء هذه القضية. إلا أن تمسك تونس بالحياد يبدو أنه بات مصدر توتر في العلاقات بين تونس والمغرب. ففي زيارة رسمية قام بها رئيس الحكومة التونسية السابقة “الحبيب الصيد”, في 11 مايو 2016، كرر الصيد موقف بلاده بخصوص قضية الصحراء الغربية والذي سبق وأن أكده في أكثر من مناسبة, وهو أن قضية الصحراء الغربية مطروحة لدى الأمم المتحدة, وأن أي حل بشأنها يتم باتفاق الطرفين في إطار الأمم المتحدة , تدعمه تونس, و هذا هو موقفها بالنسبة لقضية الصحراء الغربية.

 

وقد مثل موقف تونس الذي عبر عنه رئيس حكومتها صدمة للنظام المغربي الذي كان ينتظر منها دعما صريحا لموقفه من مسألة الصحراء الغربية. وربما أشار اختيار منطقة "العيون" التي تقع في الصحراء الغربية، لاستقبال "الحبيب الصيد" أثناء زيارته التي كانت مقررة في شهر فبراير الماضي, إلى هذا المعنى. إلا أنه تم تأجيل هذه الزيارة إلى مايو، وتغير مكان الاستقبال. وقيل أن هذا جاء بطلب من "الصيد" حفاظا على موقف تونس غير المنحاز في النزاع على الصحراء الغربية.

 

وفي التاسع عشر من يوليو 2016، أعاقت كل من تونس وموريتانيا ومصر صدور قرار بإخراج جبهة البوليساريو من منظمة الاتحاد الإفريقي، بعد امتناعها عن التوقيع على طلب نوقش في قمة الاتحاد ال27 والتي انعقدت في العاصمة الرواندية "كنغالي". وفي الحال انهالت التصريحات الإعلامية التي تدين تونس ومصر وموريتانيا، وتعتبر امتناع كل منها عن التوقيع معرقلا لانطلاقة المغرب، التي لا تواجه مشكلات كبيرة حاليا باستثناء جبهة الجنوب مع البوليساريو.

 

 إلا أنه سرعان ما هدأت وتيرة الانتقاد مرة أخرى.

 

  1. تونس والجزائر .. الاستقرار أولا

   طرحت الثورة في تونس نوعين من التحديات بالنسبة للجزائر. أولاً، فقد منحت الفرصة لحزب إسلامي هو حزب النهضة لممارسة السلطة التنفيذية في بلد كانت نخبته الحاكمة تشاطر المؤسسة الجزائرية عداءها للتيار الإسلامي. ففي ظل الحرب الأهلية التي اندلعت في تسعينيات القرن العشرين، بين الدولة والإسلاميين في الجزائر، لم يكن من المتوقع أن ترحب الجزائر بالترويكا التي كانت تقودها النهضة. ثانياً، أدى انتشار الفوضى واضطراب الوضع الأمني في تونس بعد الثورة إلى إضعاف السيطرة الأمنية على الحدود الشرقية للجزائر التي كانت دائماً حدوداً آمنة، ما عرضها لمخاطر أكبر ليس فقط من تونس نفسها بل أيضاً من ليبيا. وتنظر الجزائر إلى تونس بوصفها ممراً استراتيجياً أو امتداداً لمنطقتها الشرقية باتجاه ليبيا.

 

 من هذا  المنظور، فإن تونس مستقرة تشكل عمقاً استراتيجياً ضد التهديد المتصاعد للجماعات الجهادية العابرة للحدود والتي تستخدم ليبيا كقاعدة لزعزعة استقرار المنطقة. ومهما كانت المخاوف التي ساورت الجزائر حيال الانفتاح على الإسلاميين، فإنها لعبت دوراً مهما خلف الكواليس في تحقيق الاستقرار خلال عملية الانتقال السياسي بعد بن علي في تونس، بما في ذلك التدخلات الحاسمة خلال الأزمة بين أحزاب المعارضة والحكومة التي تقودھا النهضة عام 2013 وما تلا ذلك من حوار وطني. كما أنها منحت تونس 200 مليون دولار على شكل قروض وودائع في مايو 2014.  وعززت التعاون القوي بين البلدين في مجال محاربة الإرهاب والأمن عبر الحدود. وأكدت الهجمات على الجنود التونسيين والجزائريين في منطقة جبل الشعانبي الحاجة لمقاربة تنسيقية لأمن الحدود بين البلدين.

 

   وتنظر الجزائر إلى افتقار تونس للخبرة في محاربة التهديد الجهادي وحماية الحدود البالغ طولها 965 كم على أنها فرصة لزيادة التعاون وتعميقه. وفي فبراير 2015 ، قام الرئيس الباجي قائد السبسي بأول زيارة رسمية له إلى الخارج فكانت إلى الجزائر من أجل "تعزيز التعاون" بين البلدين.

 

 وكانت رؤية الإسلاميين يصلون إلى السلطة في تونس من خلال أول انتخابات أجريت بعد الثورة في  أكتوبر 2011 ، قد آثارت القلق بالنسبة للجزائر، وعبر المسؤولون الأمنيون في الجزائر عن قلقهم هذا من الصعود السياسي للإسلاميين، واعتبروا حركة النهضة واجهة لمجموعات متطرفة مثل أنصار الشريعة (على الأقل إلى أن قامت الحكومة التي تقودها النهضة بحظر أنصار الشريعة) . وذكروا كيف  أن زعيم النهضة راشد الغنوشي عبر عن دعمه للجبهة الإسلامية للإنقاذ في التسعينيات وعارض قرار الإخوان المسلمين الجزائريين في مبادرة الوفاق الوطني عام 1994 العمل من داخل النظام الجزائري.

 

إلا أن الجزائر خالفت التوقعات بأنها ستسعى إلى تقويض النفوذ السياسي للإسلاميين في تونس، جزئياً لأن حركة النهضة لم تتبن مقاربة متشددة وتعاملت بحزم أكبر مع المجموعات المتطرفة مثل أنصار الشريعة، واستقبل بوتفليقة كلاً من الغنوشي والسبسي- إبان رئاسته للوزراء بعد الثورة وقبل انتخابه رئيسا للجمهورية التونسية-، في لحظة مفصلية وحاسمة من العملية الانتقالية، وهي الاجتماعات التي اعتبرت محورية لنجاح الحوار الوطني في 2013-2014.

 

أيضا، هناك ما يشير إلى أن السبب المباشر لدعم الجزائر لترتيبات حكم توافقية منذ أواسط عام 2013 (بعد فترة اعتقد خلالها العديد من المراقبين السياسيين التونسيين بأنها لن تتحمل هيمنة النهضة) هو أنها تعتبر أن النهضة تعمل معها على التواصل مع الإسلاميين الليبيين، كوسيط. ومن غير الواضح ما إذا كانت تفعل ذلك نتيجة لضغوط جزائرية أو نتيجة حساباتها بأن مصلحتها تتمثل في حل سياسي في ليبيا لأن جنوبها مكشوف أمام الصراعات المتصاعدة عبر الحدود. ومهما يكن من أمر، فإن الجزائر لها دور كبير في مستقبل التوازن الذي لا يزال هشا في تونس.  وهذا ما يثير مخاوف بعض التونسيين؛ حيث يساورھم القلق ليس فقط حيال تدخل جارتهم، بل أيضاً حول الاعتماد المفرط لاستقرار بلادهم على الجزائر في الوقت الذي قد تواجه فيه الجزائر نفسها قدراً متزايداً من عدم الاستقرار.

 

  1. الناتو .. بؤرة توتر بين تونس والجزائر

   تردي الوضع الأمني في ليبيا وتأثيراته على تونس، فرض على الأخيرة اتخاذ بعض الخطوات التي قد تهدد الثوابت الاستراتيجية الجزائرية، وعلى رأسها؛ رفضها تدخل أية قوة غربية على وجه الخصوص في دول جوارها. ففي يوليو 2015 وقعت تونس اتفاق تعاون عسكري مع واشنطن. وكان مسار إمضاء هذه الاتفاقية قد انطلق مع إعلان الرئيس الأمريكي أوباما عن نيته منح تونس مكانة "الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي" خلال زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي واشنطن في مايو 2015.

 

   ورغم غياب التحفظ الرسمي الجزائري على هذه الاتفاقية، بادرت الأمينة العامة لحزب العمال الجزائري لويزا حنون، بالتهجم عليها وعلى النظام التونسي جملة، إذ قالت إن الهدف من زيارة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى واشنطن هو تمكين الولايات المتحدة من إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في تونس، واعتبرت ذلك "تهديدًا مباشرًا للجزائر، من شأنه أن يجعل الحصار شاملاً حولنا من كل الحدود التي تحيط بنا".

 

 وبدأت منذ ذلك الحين حملة إعلامية وسياسية جزائرية لم تتوقف حتى الآن، وجهت فيها وسائل إعلام مقربة من دوائر صنع القرار الجزائري اتهامات لتونس بإقامة نواة قواعد عسكرية أميركية في محافظاتها الغربية والجنوبية، في خطوة وصفتها المصادر الجزائرية بـ«العدائية». وتأتي هذه الأزمة، في وقت تراهن فيه تونس، ذات الإمكانات العسكرية المحدودة، على دعم جارتها الغربية وهي تواجه تحديات أمنية بالجملة داخليا وخارجيا، من بينها استفحال الإرهاب والتهريب، ومضاعفات عدم الاستقرار في جارتها الجنوبية الشرقية ليبيا التي صدّرت لها حتى الآن نحو ثلث سكانها. وعلى الرغم من بلاغات التكذيب حول إنشاء قاعدة أميركية بتونس الصادرة عن السفير الأميركي بتونس جاكوب والش ومجموعة من كبار الساسة التونسيين، بينهم خميس الجهيناوي المستشار الدبلوماسي للرئيس قائد السبسي، فإن عدة وسائل إعلام جزائرية قريبة من السلطة، تتابع حملتها ضد تونس، مثل جريدة «الشروق»، التي توجه الاتهامات نفسها لتونس مع نشر تقارير وخرائط وحجج وقرائن عن القواعد العسكرية الأميركية والأطلسية في تونس والتي قيل إنها «تستهدف الجزائر وليبيا».

 

  وحسب نفس المصادر الجزائرية فإن الأمر يتعلق بقواعد عسكرية أو مشاريع قواعد وضعت نواتها في محافظة مدنين جنوبا، المجاورة للحدود التونسية الليبية والجزائرية من جهة الصحراء، إلى جانب محافظتي القصرين وجندوبة في الوسط والشمال الغربي لتونس حيث الجبال التي تشهد مواجهات منذ 4 أعوام بين الإرهابيين وقوات الجيش والأمن التونسيين.

 

 وذهبت نفس المصادر إلى تقديم تفاصيل أكثر فتحدثت عن تركيز عدد من النقاط العسكرية التي أقامتها الولايات المتحدة والحلف الأطلسي وقوات «أفريكوم» الأميركية التي تتخذ من شتوتغارت الألمانية مقرا لها. ومن بين النقاط العسكرية الأطلسية الذي ذكرت «البوابات الحدودية التونسية الليبية»، في بن قردان، راس الجدير والذهيبة، وأخرى في منطقة طبرقة السياحية في أقصى الشمال التونسي على الحدود مع الجزائر، إلى جانب محافظة القصرين حيث جبال الشعانبي معقل الإرهابيين والمهربين.

 

   لكن الرئاسة والحكومية التونسيتين نفت هذه المزاعم مرارا وذكرت بأنه سبق الترويج لها مرارا خلال الأعوام الماضية مع نشر خرائط وصور افتراضية لا أساس لها من الصحة. واستعانت تونس بالسفير الأميركي وعدد من القادة الأميركيين والغربيين لتفنيد وجود اتفاق يمهد لدخول تونس إلى الحلف الأطلسي أو يحول جانبا من أراضيها إلى « رقعة تحركات عسكرية معادية للجزائر أو ليبيا أو أي دولة أخرى».

 

وفي الجزائر وتونس أدلى المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية التونسي خميس الجهيناوي بتصريحات أورد أنها «رسالة مفتوحة للجزائر والجزائريين» فحواها أن «تونس لم ولن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) ولا تتهيأ لذلك». وأورد الجهيناوي أن ما تم الإعلان عنه من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي هو «قرار أميركي - تونسي ثنائي ليس له أي علاقة بحلف الناتو وأن الصفة التي أسندتها الولايات المتحدة لتونس هي حليف أساسي خارج حلف شمال الأطلسي».

 

 من جهة أخرى صرح الناطق الرسمي السابق لوزارة الدفاع التونسية العميد مختار بن نصر ورئيس مركز تونس للأمن الشامل، أن صفة الحليف غير العضو في الناتو، ستمكن تونس من شراء أسلحة كانت ممنوعة منها سابقا مثل مقاتلات «إف 16» إلى جانب الاستفادة من تدريبات متطورة مع الجيش الأميركي.

 

 

 تاسعا: الإمارات العربية المتحدة وتونس بعد 2011... حدود المصالح وآفاق المستقبل

   كانت العلاقات بين تونس والإمارات العربية المتحدة قبل العام 2011 جيدة، ولكن لا يمكن أن نوصفها على أنها وثيقة أو ذات أهمية استراتيجية لأيا من الطرفين. كانت التجارة البينية محدودة، رغم أنها كانت قد بدأت تشهد زيادة في السنوات الأخيرة لحكم بن علي. فبين عامي 2009 و 2010 وحدهما، شهد قطاع تجارة النفط بين البلدين نموا بنسبة 69% ليرتفع من 68 مليون دولار في 2009 إلى 153 مليون في 2010. وخلال هذين العامين، تمت الموافقة على عدد من المشروعات العقارية الكبيرة، إلا أنه لم يتم تنفيذها حتى الآن. ففي الوقت الذي تسببت فيه الأزمة المالية العالمية في تأجيلها لمرة، فقد تم إلغاء أو تعليق معظم المشروعات بعد انتفاضات 2011، بعد أن تم رفع قضايا ضد هذه الاتفاقات والعقود. فقد كانت مشروعات "سما دبي" والتي كانت قيمتها تقدر ب 5 بليون دولار في مدينة تونس الرياضية والتي كان مزمع إنشائها، و1.9 بليون أخرى في مشروع سياحي في "مارينا القصور"، أحد أسباب تغذية الغضب الشعبي لارتباطها برموز التصقت بتهم الفساد على عهد بن علي.

 

   أما الجانب الآخر للعلاقة والمتمثل في العمالة التونسية في الإمارات، فلا توجد معلومات دقيقة متاحة حول عدد التونسيين الذين يعيشون ويعملون في الإمارات ولا حجم العائدات الواردة من التونسين العاملين في الإمارات. ومع ذلك، فإن كافة المصادر تشير إلى أن الإمارات استطاعت جذب عددا كبيرا من المهندسين والأكاديميين التونسيين خلال سنوات حكم بن علي وما تلاها، من غير المنخرطين في أنشطة سياسية، والذين تأثروا بمناخات الفساد ثم الاضطرابات المستمرة وتراجع الوضع الاقتصادي التونسي.

  1. المصالح الإماراتية في تونس بعد 2011

   يبدو أن انخراط الإمارات العربية المتحدة في تونس يتحرك أساسا بدوافع المصلحة السياسية الإماراتية في المنطقة العربية. ولأنها ليس لديها استثمارات مالية كبيرة في تونس، وأيضا الموقع الجغرافي لتونس التي تبعد كثيرا عن الإمارات، فلم تكن حريصة تماما على استقرار الاقتصاد التونسي، على العكس مثلا من حالة مصر التي تحرص الإمارات بشدة على استقرار وضعها الاقتصادي. ويمكن القول أن المصالح الاقتصادية الإماراتية متوجهة في منطقة شمال إفريقيا نحو ليبيا بشكل أكبر، والتي تعتبر تونس بوابتها السياسية والجغرافية. وبشكل مماثل يمكن القول أن الإمارات أقل اهتماما بمسألة الاضطرابات أو عدم الاستقرار السياسي في تونس، مقارنة باهتمامها بأثر انتشار الصراع الليبي. ربما يكون هذا أحد أسباب، استمرار التوتر في العلاقات بين تونس والإمارات وليس العكس. إذ تثير الحملة التي يشنها بعض الإعلاميين التونسيين ضد الإمارات، واتهامها بالتدخل في شؤون البلاد، وشراء الذمم أو الولاءات السياسية على حد قولهم، استياء السلطات الإماراتية بشكل كبير. 

 

 وترتبط المصالح الإماراتية الرئيسية في تونس بالصراع ضد الإرهاب وانتشار الإسلام السياسي. وهنا يمكن القول الإمارات مهتمة بتقييد النفوذ السياسي لحركة النهضة التونسية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين. ويدخل هذا المحدد أيضا ضمن إطار التنافس بين الإمارات وقطر على النفوذ السياسي. وسعي الإمارات إلى تعزيز دورها وصورتها كقوة إقليمية.

 

2- الجهود الإماراتية في تونس بعد 2011

   تركزت الجهود الإماراتية في تونس بعد 2011 في محددين رئيسيين:

1-    التعاون على الصعيد الأمني.

2-    دعم ممثلي حزب نداء تونس والرئيس الباجي قايد السبسي.

   على النقيض من حالة مصر، لم تقدم الإمارات دعما اقتصاديا ضخما لتعزيز استقرار الاقتصاد التونسي في صورة منح أو قروض. وربما يعود هذا إلى عدم خشية الإمارات من آثار انتشار كبيرة في حالة انهيار تونسي على الإقليم ككل. وتوقعها قيام دول أوروبية بمهمة الحفاظ على استقرار تونس اقتصاديا. وهناك جهود أخرى في مجالات الاستثمارات والدعم المالي لغرض التنمية ولأسباب إنسانية، إلا أنها تبقى محدودة.

 

أولا:  الدعم المادي والسياسي في حربها ضد الإرهاب

   تقدم الإمارات دعما إلى تونس كي تحارب النشاط الإرهابي داخلها، وتأمين الحدود الليبية – التونسية ضد تدفق المسلحين الإسلاميين والسلاح. وهنا تذكر بعض المصادر أن الصلات الشخصية والتعاون بين الأجهزة الأمنية الإماراتية والتونسية قوية. وقد تجلت قوة هذه العلاقة في إعارة الإمارات عشرة مروحيات من طراز "بلاك هوك" Black Hook إلى تونس، حتى تتسلم الأخيرة مروحيات جديدة من الولايات المتحدة في 2016. الأكثر من ذلك، أن الإمارات يقال أنها مولت مشتريات تونسية لمعدات عسكرية تونسية، بنفس الأسلوب الذي شاركت فيه في الاتفاقات الثلاثية بين الإمارات، فرنسا ومصر. كذلك، تجلى الدعم الإماراتي لمعركة تونس ضد إرهاب السلفية الجهادية ولو بشكل رمزي، من خلال مشاركة وفد إماراتي بقيادة وزير الشباب والثقافة الإماراتي، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، في مسيرة في تونس أعقبت الاعتداءات على متحف باردو في مارس 2015. وتحاول الإمارات من خلال هذه التحركات إظهار أنها شريك يعتمد عليه للحكومة التونسية الجديدة. مشددة على أنها تتقاسم وتونس المخاوف السياسية نفسها بشأن الإرهاب والتطرف.

 

ثانيا: دعم نداء تونس وممثليه

   بالنسبة للأحزاب السياسية التونسية، يبدو أن الإمارات صبت جل اهتمامها على نداء تونس، حيث بدا أن هناك كثير من أوجه التفاهمات المشتركة بينهما في مجالات عديدة. ويبدو أن الإمارات قد وضعت ثقلها خلف الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، والذي يتمتع بعلاقات شخصية وثيقة وقادة إماراتيون. هذه العلاقة التي بدأت بسماح السبسي تمرير أسلحة إماراتية إلى ليبيا عبر تونس أثناء ولايته كرئيس للوزراء في 2011. إلا أن هذه العلاقات يبدو أنها أخذت منحى التوتر بعد دعوة نداء تونس لحزب النهضة بالانضمام للائتلاف الحكومي – على خلاف رغبة الإمارات.  كذلك، من المهم أن نشير إلى أن عددا من ممثلي نداء تونس يفضلون مقاربة مختلفة للملف الليبي عن تلك التي تتبناها الإمارات. وجاء في أحد المصادر الغربية المعتبرة أن أحد كبار قيادات نداء تونس صرح أن الإمارتيين هم أفضل أصدقاء نداء تونس، ولكن جارتهم الأقرب (ليبيا) مدعومة من قطر.

ثالثا: استثمارات مالية

   بحسب حسابات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي في تونس، فقد أوجدت الاستثمارات الإماراتية في تونس بحلول نهاية 2014 حوالي 11 ألف فرصة عمل، منها ألفي فرصة في القطاع الصناعي، 1200 فرصة في القطاع السياحي، و8 آلاف في قطاع الاتصالات. وربما تنبع الأخيرة من شراء الإمارات 35% من سندات شركة "تونس تليكوم" في 2006. ويشير هذا إلى محدودية نطاق الاستثمار الإماراتي في تونس منذ العام 2011، والذي ربما يعود جزئيا إلى النزاعات الممتدة حول العديد من المشروعات العقارية الإماراتية في تونس، والتي كان قد تم التعاقد عليها قبل 2011، والتي إما توقفت أو تم إلغاءها بعد الإطاحة بالرئيس بن علي.

 إلا أن تونس حاولت إحياء هذه الصلات حتى أثناء فترة رئاسة مهدي جمعة ممثل حزب النهضة للوزراء في 2014. فقد قام بزيارة لأبو ظبي أوائل 2014، كما شاركت وزير التعاون الدولي والتنمية الإماراتية الشيخة لبنى القاسمي، في مؤتمر الاستثمار التونسي في سبتمبر 2014. وتملك شركة الأسهم الخاصة الإماراتية "أبراج" عددا صغيرا من الشركات التونسية ضمن حقيبة استثماراتها، خاصة في القطاع الصحي. ويقال أيضا أن الإمارات مهتمة بالانخراط أكثر في مجال "الموانئ" التونسية. ويمكن القول بشكل عام أن الاستثمارات الإماراتية تجذب انتقادا شعبيا أقل من الاستثمارات القطرية على سبيل المثال.

رابعا: دعم إنساني ومساعدة تنموية محدودة

   كان الدعم التنموي الرسمي الإماراتي لتونس محدودا للغاية لسنوات عديدة حتى قبل العام 2011. وتركز هذا الدعم المحدود على قطاع المياه والزراعة. ومنذ العام 2011، تركز الإمارات على الدعم الإنساني، مثل الرعاية الطبية للاجئين القادمين من ليبيا. والغذاء والملبس لحوالي 10 آلاف أسرة تونسية أثناء فصل الشتاء. وتأتي معظم هذه المساعدات من مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان، وتُنفَذ المشروعات بالتعاون مع الهلال الأحمر التونسي والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي. وقد بلغت قيمة المساعدات الإنسانية الإماراتية في 2011، 11.6 مليون دولار، وحوالي مليونا دولار في 2012، و 5.8 مليون دولار في 2013. وفي العام 2013 أيضا، قدمت مؤسسة خليفة بن زايد لوزارة الصحة التونسية، 12 سيارة إسعاف ومعدات طبية أخرى، لإمداد مراكز صحية في مدن عديدة.

3- آفاق مستقبلية للعلاقات الإماراتية التونسية

أولا: المزيد من الاستثمار الإماراتي في تونس.

   يبدو أن الإمارات باتت مهتمة في الاستثمار في تونس، ضمن إطار جهود تنويع مصادر الاستثمار والعائدات الاقتصادية الإماراتية. ومع ذلك، ونظرا لصغر حجم السوق التونسي، فلا يجب أن نتوقع تدفقا كبيرا للاستثمارات الإماراتية. والأرجح، أن الاستثمارات ستأتي من شركات مملوكة للدولة، وصناديق مالية سيادية، والتي تتحرك غالبا بدوافع اقتصادية أكثر منها حسابات سياسية. ما يعني أنها غالبا لن تؤدي إلى تحجيم مشكلات البطالة في تونس، والتي يمثل التعاطي معها عاملا مهما في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التونسية. كذلك، يبدو أن الاستثمارات المستقبلية ستكون مرهونة بتسوية النزاعات القضائية الحالية ضد عدد من أعضاء الأسرة الإماراتية الحاكمة، على خلفية عقود استثمار عقاري تم توقيعها على عهد بن علي.

ثانيا: التنسيق في شأن الموقف التونسي من ليبيا.

   يرى النظام التونسي الحالي أن من مصلحته حماية وضعه "المحايد" إزاء الصراع الليبي، كي يتجنب المزيد من التورط في الصراع. وهو يعلم جيدا حقيقة تباين المصالح الإماراتية والقطرية على هذه الساحة. و كانت الحدود التونسية المفتوحة مع ليبيا في مصلحة جميع الأطراف. وبالتالي لم تكن الإمارات حريصة على دفع الحكومة التونسية نحو اتخاذ موقف ما. إلا أنه ومع ازدياد كثافة العمليات الإرهابية على الحدود التونسية الليبية، لجأت تونس إلى فرض المزيد من الإجراءات لضبط الحدود. وهو التطور الذي ربما يدفع الإمارات إلى التنسيق مع تونس بهدف رعاية المصالح الإماراتية في ليبيا.