المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

دراسة.. الجزائر فى مواجهة استحقاقات "إدارة الانتقال السياسي - التهديدات الإقليمية - الأزمة الإقتصادية"

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 01:58 مساءٍ

خريطة الجزائر
خريطة الجزائر

لا تزال عملية الانتقال السياسي في الجزائر وسيناريوهات ما بعد بوتفليقة، في طور التفاعلات. لم تصل بعد إلى مرحلة النضج والاستقرار على سيناريو محدد. على الرغم من عديد من التحولات والتغيرات على ميزان القوى الداخلي في الجزائر. ويبدو للمتابع للمشهد الجزائري الداخلي اليوم، أن النقاش حول خلافة بوتفليقة، لا يزال قضية جدلية قادرة على إثارة الاستقطاب في صفوف الطبقة السياسية. وربما يلعب عدم التوافق على كيفية إدارة ملف الانتقال السياسي لصالح أطراف دولية تحاول التأثير على هذا الملف، وأبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، وما يتردد عن دعمها لوزير الطاقة السابق شكيب خليل، كي يخلف بوتفليقة على رئاسة الجزائر.

 

 في الوقت نفسه، تواجه الجزائر خيارات صعبة مطلوبة لمواجهة مخاطر الإرهاب في الداخل، وأثر انتشار عبر الحدود للظاهرة الإرهابية. فمن جهة، تعاني المؤسسة العسكرية من ارتباك جراء التغييرات التي لحقت بها جراء تفكيك لدائرة الاستعلام والأمن المسؤول الأول عن ملف مكافحة الإرهاب. ومن جهة أخرى، يتطلب تخفيض سقف مخاطر التهديدات الإقليمية اتخاذ قرارات شبه مستحيلة، مرتبطة بقضية الصحراء الغربية، ومعسكرات اللاجئين الصحراويين في الجزائر التي باتت بؤر لحشد وتجنيد العناصر الإرهابية لصالح داعش ونظيراتها.

 

أولا: الجزائر .. معلومات أساسية

  1. الموقع والمساحة:

الجزائر هي أكبر بلد أفريقي وعربي من حيث المساحة، والعاشرة عالميا. والاسم الرسمي للجزائر هو الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. تقع الجزائر في شمال غرب القارة الأفريقية، تطل شمالا على البحر الأبيض المتوسط، ويحدها من الشّرق تونس وليبيا، ومن الجنوب مالي والنيجر، ومن الغرب المغرب و الجمهورية العربية الصحراوية وموريتانيا.

 

 يمتد الشريط الساحلي في الشمال على مسافة 1660 كم، من تونس شرقا إلى المغرب غربا. كما تقدر الحدود البحرية الجزائرية بـ 12 ميلاً بحريا شمال الساحل كمياه إقليمية وما بين 32 إلى 52 ميلاً بحريا كنطاق للصيد البحري.

 

  ويبلغ طول حدود الجزائر البرية 6,385 كم تتوزع كالتالي: (تونس 965 كم، ليبيا 982 كم، النيجر 956 كم، مالي 1,376 كم، موريتانيا 463 كم، الصحراء الغربية 43 كم، المغرب 1,601 كم).

 

  وعلى الرغم من المشاكل والنزاعات الحدودية، كما حدث في حرب الرمال، فقد تمكنت الجزائر من الاتفاق مع جيرانها على رسم الحدود المشتركة. كان ذلك:

  • مع تونس : اتفاق على رسم الحدود بين البلدين موقع في 6 يناير 1970 ما بين بير رمان والحدود الليبية. ثم اتفاق ترسيم الحدود وتم توقيعه في 19 مارس 1983.
  • مع المغرب : اتفاقية متعلقة برسم الحدود بين البلدين موقعة في 15 يونيو 1972.
  • مع موريتانيا : اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين موقعة في 13 ديسمبر 1983.
  • مع مالي: اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين موقعة في 8 مايو 1983.
  • مع النيجر: اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين موقعة في 5 يناير 1983.
  1. السكان:

حسب آخر تقدير لعدد السكان تم في فبراير 2016، فقد بلغ سكان الجزائر 40.4 مليون نسمة. ويعيش نحو 90 في المئة من الجزائريين في المنطقة الساحلية الشمالية؛ بينما تعيش نسبة قليلة من السكان في الجزء الجنوبي الصحراوي من البلاد و يقدر عددهم بنحو 1.5 مليون. ولا توجد إحصائيات رسمية و دقيقة حول نسب الإثنيات المختلفة من أمازيغ و عرب وهما المكونان الأساسيان للشعب الجزائري.  لكن هناك تقديرات تشير إلى أن حوالي 25 في المئة منهم مصنفون كأمازيغ (أي أنهم يتحدثون أحد لهجات اللغة الأمازيغية)

وهذا لا يعني أن كل ناطق بالعربية أصله عربي أو كل ناطق بالأمازيغية أصله أمازيغي، فقد ساعد الاختلاط بين العنصرين. وأيضا السياسات الاستعمارية الفرنسية من تهجير لأعداد كبيرة من السكان إلى مناطق نائية على اختلاط العرب والأمازيغ بشكل كبير. 

  1. الديانات في الجزائر:

الجزائر بلد موحد - أساسا- دينيا ومذهبيا، فمعظم سكانه يعتنقون الإسلام (99% على الأقل). في عام 2009، ذكر إحصاء لمكتب الأمم المتحدة في الجزائر أن هناك حوالي 45,000 جزائري من أتباع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية القسم الأكبر منهم من ذوي الأصول الأوروبية ممن سكنوا البلاد إبّان الإستعمار. ويتركزون في العاصمة و المدن الكبرى و10,000 من البروتستانت في الجزائر؛ في حين تقدر العديد من الإحصائيات المختلفة عدد البروتستانت في الجزائر بين 100,000-150,000؛ القسم الأكبر منهم من أصول جزائرية مُسلمة إما عربية أو أمازيغية. أما اليهود فقد هاجر معظمهم في بداية الاستقلال ولم تبق سوى مجموعة صغيرة.

 

 والمذهب المنتشر في الجزائر هو المذهب السني في معظم البلاد باستثناء أقسام من ولايتي غرداية وورقلة حيث لا تزال توجد مناطق تتبع المذهب الإباضي، وهي تحديدا المناطق التي تقطنها قبيلة بني ميزاب الأمازيغية المتمسكة بهذا المذهب والتي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من السكان. ويميل أهل السنة في الجزائر في الغالب إلى المذهب المالكي المنتشر تقليديا في معظم شمال وغرب ووسط إفريقيا.

  1. الأعياد والعطلات الرسمية:

تحتفل الجزائر بالمناسبات الدينية الإسلامية وتعتبرها عطلات رسمية كأي دولة عربية إسلامية أخرى. بالإضافة إلى عدد آخر من المناسبات الخاصة بالجزائر، أهمها؛ ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر، وعيد الاستقلال في الخامس من يوليو، ورأس السنة الأمازيغية في الثاني عشر من فبراير من كل عام ميلادي.

 

ثانيا: إدارة الانتقال السياسي في الجزائر  

من الواضح أن النخبة الحاكمة تعمل من أجل تسهيل الانتقال إلى مرحلة ما بعد بوتفليقة، سواء انتقل الحكم إلى هذا المرشح أو ذاك. والأولوية بالنسبة إليها هي إرساء الأسس اللازمة من أجل انتقال الحكم بطريقة منظّمة تحد من المخاطر التي يمكن أن تهدّد مصالحها الخاصة. ليس الفصيل الرئاسي والجيش ورجال الأعمال الموالون للنظام مستعدّين لطرح أسماء في هذه المرحلة المبكرة، لأنه من شأن ذلك أن يفسد حظوظ مرشحهم بالفوز، إذ إنه سيكون من السهل جداً على الفصائل والمجموعات الناخبة الأخرى تقويض مصداقية هذا المرشح. علاوةً على ذلك، لا يزال النظام يخضع لعملية حساسة من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي، لا سيما وأنه يجري العمل على ترويض الاستخبارات العسكرية التي كانت تتمتع بنفوذ مطلق في السابق. غالب الظن أن الخطة المفضّلة بالنسبة إلى الفصيل الرئاسي هي أن ينتقل الحكم إلى سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الحالي، لكن قبل طرح اسمه بإصرار أكبر، يتعيّن على النظام أن يمهّد الطريق لهذه العملية الانتقالية.

  1. النخبة والمعارضة ... رؤى متقاطعة لعملية الانتقال السياسي

 تتمحور التوترات داخل الجزائر حول الأسئلة المتعلقة بمن سيخلف بوتفليقة، وكيف سيؤثر ذلك في توازن القوى وتقسيم الاختصاصات بين المدنيين والعسكريين خصوصاً دائرة الاستعلام والأمن. وما إذا كان من الممكن أو من الواجب إصلاح نظام الحكم القائم منذ عقود. وفي هذا النقاش، فإن السياسة الخارجية والأمنية تشكل جبهة ضمن العديد من الجبهات الأخرى.

 

 ويرى منتقدو الرئيس أن اعتلال صحته يشلّ مؤسسات البلاد؛ حيث إنه ومنذ إصابته بالسكتة الدماغية، غاب بشكل شبه تام عن الساحة، وباتت الحكومة تجتمع مرة كل ثلاثة أشهر بدلاً من اجتماعها مرة كل شهر، إضافة إلى ما يصفه الكثيرون بالموت الفعلي للبرلمان. وقد دفع رفضه التنحي عن السلطة رغم اعتلال صحته منافسين محتملين مثل "علي بن فليس"  رئيس الوزراء خلال الفترة الرئاسية الأولى لبوتفليقة وخصمه الرئيس في الانتخابات الرئاسية لعام 2014  لاتهامه بأنه يسمح بنشوء فراغ خطير في السلطة.

* فطبقاً لبن فليس فإن هذا الفراغ، وليس الاستبداد، هو ما يميز اللحظة الراهنة في السياسة. لقد أشار إلى احتجاجات متكررة في مدينة غرداية الجنوبية وإضراب غير مسبوق في أكتوبر 2014 لشرطة مكافحة الشغب ، والتي سار أفرادها  نحو مقر الرئاسة في الجزائر العاصمة، في مؤشر على هذا الفراغ.

*أما " التنسيقية الوطنية من أجل التحول الديمقراطي" وتمثل كتلة من أحزاب المعارضة وتضم حركة مجتمع السلم -حزب الإخوان- والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وأحزاب إسلامية أخرى، فتتمحور رؤيتها في ثلاث مطالب أساسية، تتمثل في إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات الرئاسية، ثم تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة باعتبار أن بوتفليقة عاجز عن القيام بمهام رئيس الجمهورية. إلا أن هذه الكتلة لا تملك القدرة اللازمة لفرض ميزان قوى جديد؛ خاصة أن الشك ما زال قائمًا حول جدية انضمام الكثير منها إلى المعارضة، وقد قال بوجرة سلطاني -وهو الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم: إنه يرفض بقاء حزبه في المعارضة، وعليه أن يعود إلى موقعه الطبيعي ضمن الأحزاب الموالية للسلطة. وعلى الرغم من المواقف المتشددة التي يظهر بها الرئيس الحالي للحزب عبد الرزاق مقري، فإن عودة حركة مجتمع السلم إلى دائرة السلطة أمر يبقى مطروحًا؛ خاصة أن رجال المال والأعمال في الحزب يريدون أن يتعاملوا مع الإدارة بطريقتهم المعتادة، وأن بقاء الحزب في المعارضة يضر مصالحهم بطريقة مباشرة. وهو الخيط الذي التقطته "دائرة بوتفليقة" لتنسج عليه وتحاول ضمان تأييد هذه الكتلة للإجراءات التي اتخذتها وتلك التي تنوي اتخاذها بهدف التمهيد لخلافة بوتفليقة.

 

*أما جبهة القوى الاشتراكية فترى أن وضع الجزائر يفرض منهجية مختلفة تمامًا، تهدف إلى إقامة إجماع وطني جديد بمشاركة كل الأطراف، وترى الجبهة -وهي أقدم حزب معارض في البلاد- أن إسقاط النظام ليس صعب المنال فقط؛ بل هو أمر بالغ الخطورة، خاصة بعد تجربة "الربيع العربي"؛ التي أثبتت أن مؤسسات الدول العربية ليست قادرة على مواجهة أزمات كبرى، ويعتبر هذا الحزب أنه من الأفضل التفاوض مع السلطة للبحث عن طريقة تسمح بتغيير النظام بأسلوب سلس وتدريجي، بمشاركة المعارضة، ووفق أسلوب شفاف. ويتقاطع اقتراح جبهة القوى الاشتراكية إلى حدٍّ بعيد مع اقتراح رئيس الحكومة الأسبق وزعيم الإصلاحيين مولود حمروش؛ الذي دعا قبل الانتخابات الرئاسية في 2014 إلى إجماع وطني جديد. ووجه نداء صريحًا إلى كل من الرئيس بوتفليقة، وقائد أركان الجيش قايد صالح، وقائد المخابرات السابق توفيق مدين، يدعو إلى فتح الباب أمام بناء نظام جديد، لا لتعيين شخص جديد في منصب رئيس الجمهورية؛ إنما بناء مؤسسات جديدة تكون قادرة على مواجهة تحديات هذا القرن. ويعتبر أنصار فكرة الإجماع الوطني أن الجزائر ليست قادرة بمؤسساتها الحالية وبطريقة الإدارة السائدة، على دخول المنافسة الدولية؛ بل إنها مهددة لأنها احتفظت بمؤسسات بالية وإدارة غير ناجعة؛ وذلك في توقيت أصبح المحيط الدولي والداخلي خطيرًا جدًّا، ويبني هذا التيار نظرته على أساس أن الحفاظ على الوضع القائم يشكل خطرًا؛ لأن قدرة البلاد على دخول عهد جديد تتراجع مع مرور الأيام، وأن الوقت ليس حليفًا بل عاملاً خطيرًا، ويؤكد مولود حمروش أن عملية تغيير النظام لا يمكن أن تنجح إذا عارضها الجيش، أو حتى إذا بقي محايدًا، وهذا يكفي لإفشال العملية في أية مرحلة، ويعتبر أن الجيش بطريقة تنظيمه يشكل المؤسسة الأكثر عصرانية في البلاد، وله القدرة على دفع باقي المؤسسات إلى الشروع في إصلاحات جديدة.

 

 

 

  1. حزمة تغييرات حكومية

 لسنوات، تجنبت الحكومة تمرير مجموعة من التغييرات أو تعيين مرشح بعينه خليفة لبوتفليقة؛ لكن بدا خلال عام 2015 و 2016 أن إدارة بوتفليقة تتحرك باتجاه التغيير، واستثمار الوقت المتبقي لإدارة عملية الانتقال والتوافق على خليفة لبوتفليقة قبل أن يتنحى ويضطر للتنحي العام القادم كما يتردد، أو انتهاء ولايته (أو عهدته حسب التعبير الجزائري) في 2019.

   حاليا؛ يعمل النظام على مسارَين أساسيين لتحضير الجزائريين لعملية انتقال الحكم إلى رئيس جديد في شكل عام – وإلى سعيد بوتفليقة في شكل خاص. أولاً، تهندس السلطات انفتاحاً سياسياً مضبوطاً بعناية الهدف منه الفوز بدعم عدد كبير من المجموعات الناخبة الأساسية، وذلك عبر الترويج لشعار عنوانه بناء الدولة المدنية، واقتراح سلسلة من التعديلات الدستورية الشكلية في معظمها. تهدف التعديلات في شكل خاص إلى إقناع السكان الناطقين باللغة الأمازيغية، والنساء، ورجال الأعمال المحليين، بأنه تمت تلبية مطالبهم – وبأن مصلحتهم تقتضي بالتالي أن يدعموا الفصائل الموجودة في السلطة، وذلك عن طريق الاعتراف باللغة الأمازيغية لغةً رسمية في البلاد، وتعزيز حقوق المرأة وتمثيلها في القطاع العام، وترسيخ الأحكام الدستورية حول القطاع الخاص. فضلاً عن ذلك، تحاول سلسلة من الإجراءات استرضاء المعارضة الرسمية عبر ضمان حقها في التعبير عن رأيها في وسائل الإعلام، فيما يتم عزل المعارضة الموجودة خارج البرلمان (على غرار الأعضاء السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة). في الأسابيع الأخيرة، بثّت محطات التلفزة المملوكة من الدولة برامج حوارية عبّر فيها السياسيون المعارضون بحرية عن آرائهم المناهضة للنظام – وهذه خطوة غير معهودة الهدف منها تسليط الضوء على الأجواء السياسية الجديدة في الجزائر. يأمل النظام بأن يُسوِّق لخليفة بوتفليقة في صورة الرئيس الذي سيمضي قدماً في تنفيذ هذه السياسات الإصلاحية.

 

    وقد حدث التغيير الجزائري الأكبر منذ انتفاضات 2011- على جبهة الحزبين المشاركين في الحكم. حيث تنحى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ورئيس مجلس الشيوخ الحالي، عبد القادر بن صالح، لصالح الرئيس السابق للحزب ورئيس الوزراء الأسبق أحمد أويحي. ويشرف أويحي الذي عمل من قبل رئيسا لديوان رئيس الجمهورية على عملية الإصلاح.

 

   أما حزب الرئيس، جبهة التحرير الوطني الثورية، فقد حظي تقليديا بمستويات متذبذبة من الدعم من جانب الرئيس بسبب منافسة بوتفليقة مع زعماء الحزب الآخرين المنتمون إلى عصر الثورة. كان عمار السعدني، الأمين العام الحالي للحزب، دوما من أعلى الأصوات المهاجمة لإدارة بوتفليقة. ولكن دعم رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح المفتوح للسعدني مكنه من الحفاظ على موقعه في قيادة الحزب. في مقابل دعم السعدني وحشد الدعم بين قواعد حزب جبهة التحرير الوطني، سُمِحَ بتغيير بعض أعضاء اللجنة المركزية للحزب تحت أعين الدائرة المقربة من بوتفليقة.

 

ثانياً، أرجأت السلطات لفترة اعتماد إجراءات تقشفية حسّاسة سياسياً، على الرغم من انهيار أسعار النفط وتزايد العجز المالي. ففي بلدٍ يرزح تحت وطأة الاضطرابات العنيفة التي تتجدد من حين لآخر، من شأن خفض الإنفاق أن يعود بنتائج كارثية على الاستقرار السياسي، ويقوّض احتمالات تحقيق انتقال سلس للسلطة. لقد تمكّنت الحكومة حتى الآن، عبر استخدام صندوق النفط الوطني (صندوق ثروة شبه سيادي يُعرَف بـ"صندوق تنظيم الإيرادات") لسد الثغرة، من حماية الإنفاق على الرعاية الاجتماعية من الخفوضات. هذا فضلاً عن التدنّي الشديد في مستويات الدين الخارجي، ما يتيح للسلطات إرجاء أي تخفيض كبير في الإنفاق إلى ما بعد الانتهاء من انتقال الحكم، وذلك عبر استنفاد موارد صندوق تنظيم الإيرادات، والاستدانة من الخارج. من شأن هذه الاستراتيجية أن تتيح للنظام كسب الوقت الكافي لإدارة المرحلة الانتقالية وتفادي حدوث موجات من الاضطرابات. وإن كان بكلفة اقتصادية هائلة، فعلى الرغم من الفوائض المالية الكبيرة التي تملكها الجزائر، فإن معدل الإنفاق الجزائري المرتفع – حوالي 60 بليون دولار سنويا – سيقضي على هذه الفوائض بحلول عام 2019 على الأكثر.

 

   باختصار، حاولت الحكومة المضي بخطوات مدروسة لتمكين انتقال سياسي سلس ومدروس بعناية. بعده ربما تتحول الإدارة الجزائرية لإدارة قضايا مثل الفساد، انخفاض معدلات إنتاج النفط، وطرق إنعاش الاستثمار الأجنبي. إلا أن تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل غير مسبوق في تاريخ الجزائر ربما يدفع الحكومة قريبا نحو اللجوء إلى إجراءات تقشفية ورفع الدعم عن النفط، - على نحو ما سيرد في نقطة تالية. الأمر الذي سيفرض تحديات عديدة على الواقع السياسي والاجتماعي المضطرب.

  1.  المرشحون لخلافة بوتفليقة

 في الأوساط الموالية للسلطة، يعتبر الكلام عن خلافة الرئيس بوتفليقة ممنوعًا، ولا أحد يتجرأ على الخوض في هذه القضية خشية من مواجهة غضب بوتفليقة؛ لكن هذا لا يمنع كل طرف أن يتهيأ ليكون جاهزًا لأي احتمال؛ خاصة لدى الشخصيات التي تطمح في الوصول إلى الرئاسة، وتدور اللعبة أساسًا بين حزب جبهة التحرير الوطني الذي يرأسه عمار سعداني، وبين التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه أحمد أويحي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات قبل أن يصبح مديرًا لديوان رئيس الجمهورية. وتريد أحزاب أخرى مثل تجمع الجزائر؛ الذي أسسه عمار غول، والحركة الشعبية برئاسة عمارة بن يونس، أن تنضم إلى دائرة السلطة. وكل هذه التنظيمات تسعى إلى التقرب من السلطة، وبطبيعة الحال فإن هذه الأحزاب ستتحول إلى لجان مساندة للمرشح الذي ستقترحه السلطة الفعلية، مهما كانت هويته أو ميوله السياسية.  

 

   كذلك، فإن اعتلال صحة بوتفليقة دفعته إلى الاعتماد على رئيس وزراؤه عبد المالك سلال. سلال أحد المرشحين لخلافة بوتفليقة، إلى جوار أويحي والدبلوماسي البارز والمبعوث الأممي السابق في سوريا الأخضر الإبراهيمي. أما شقيق الرئيس "سعيد بوتفليقة" – المرشح المفضل للرئاسة الجزائرية - فلا تزال أسهمه تعلو وتهبط،  خاصة وأن رئاسة الأركان الجزائرية تصر على عدم فسح المجال لسعيد بوتفليقة ومعاونيه لاتخاذ القرار بمفردهم، فيما يخص خلافة الرئيس. ومع ذلك، يتردد أن أيا كان من سيتم اختياره، في ظل تردد أنباء عن احتمال تنحي بوتفليقة عن موقعه في 2016، فإن عليه قبول توجيه بوتفليقة للمسار الانتقالي من وراء الستار أثناء حكمه لما تبقى من ولاية بوتفليقة حتى عام 2019.

 

  قد تبدو هذه الصورة صحيحة إذا اقتصرنا على الجمود السياسي الحالي؛ ورغبة بوتفليقة الأكيدة للبقاء في منصبه وإكمال ولايته أو على الأقل السيطرة على العملية الانتقالية؛ لكنها لا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الأساسية للنظام السياسي الجزائري؛ فقد دفع غياب رئيس الجمهورية إلى محاولة لملء الفراغ برئيس الحكومة وبعض زعماء الأحزاب، وحاولوا تنشيط المشهد السياسي؛ مما يوحي أنهم يلعبون فعلاً دورًا سياسيًّا بارزًا؛ لكن كل هذه الشخصيات لا تزن كثيرًا يوم تضطر الجزائر لحسم قضية خلافة بوتفليقة.

 

 

  1. الولايات المتحدة تدخل على الخط

   بدأت الجزائر تتحول نسبيا خلال العام 2016 إلى ساحة لتدخل أمريكي أكبر، بهدف التأثير على أجنحة السلطة لتعزيز العلاقات مستقبلا في مرحلة ما بعد عبد العزيز بوتفليقة. ومن بين أبرز المعطيات التي تشير إلى هذا التدخل عودة وزير الطاقة السابق شكيب خليل من الولايات المتحدة.  كي يتم الاحتفاء به كزعيم سياسي قد يناط به دورا ما مستقبلا.

 

   المفارقة أن شكيب خليل تطاله اتهامات بالفساد المالي في شركة سونتراك التي تعتبر أحد أعمدة الاقتصاد الجزائري، الأمر الذي يجعل منه وجها غير مقبول شعبيا، رغم دعم الولايات المتحدة وبعض الأجنحة داخل القصر الرئاسي له.

 

وقد تفاقمت المسألة بتأكيد إيطاليا تلقي بعض المقربين من الوزير السابق أموالا وصلت إلى 200 مليون دولار.

 

  وبحسب ما جاء في صحيفة موند-أفريك الإلكترونية الفرنسية فإنه يتم إعداد شكيب خليل للعب دور سياسي ما بعد مرحلة عبد العزيز بوتفليقة. ووصل الأمر الى الحديث عن احتمال ترشحه للرئاسة بعدما جرى تحويل الاتهامات بالفساد الى عملية تصفية سياسية دبرها مدير المخابرات الشهير توفيق مدين الذي أقيل السنة الماضية من منصبه. وتشير دوائر الرأي العام الجزائري إلى أن الاحتفاء بوزير الطاقة السابق ومنها الزيارات التي نُظِمَت له إلى عدد من الزوايا الدينية في البلاد والتركيز الإعلامي عليها، بوصفها محاولة لتبييض صورته الأخلاقية ودعاية انتخابية مبكرة.

 

   ولكن يبدو أن خليل لا يحظى بمباركة المؤسسة العسكرية الجزائرية أو بعضها على الأقل. فقد أشارت الصحيفة الفرنسية في مايو 2016 إلى لقاءات سرية جرت بين الجنرال المتقاعد خالد نزار، عراب الجنرالات في الجزائر الذين سيطروا على الحياة السياسية لمدة ثلاثة عقود، مع مسؤولين فرنسيين مقربين من الرئيس فرانسوا هولند. هذه اللقاءات حذر فيها نزار فرنسا من بدء تغلغل الولايات المتحدة بشكل قوي في محيط القصر الرئاسي واحتمال نجاحها في حسم مسألة خلافة بوتفليقة واختيار الرئيس المقبل للبلاد، والذي ربما يكون شكيب خليل الذي درس وتخرج من الجامعات الأمريكية.

  1. حسم الجدل داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية

 إلى جانب كل هذه القوى التي تبحث لنفسها عن مكان في الخارطة السياسية الجديدة، يبقى الجيش الوطني الشعبي في قلب اللعبة السياسية؛ ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع الأمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة، سيكون الحسم بيد الجيش، أو بالأحرى المنظومة العسكرية والأمنية، التي تعتبر صاحب القرار الحقيقي في المحطات الكبرى.

 

  ورغم مساعي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لإحكام سيطرته على النظام، وتقليص دور وصلاحيات الأجهزة العسكرية والأمنية في الحياة السياسية. إلا أن هذه المؤسسات لا تزال تملك مفاتيح الانتقال السياسي في البلاد، والشاهد على هذا إقصاء سعيد بوتفليقة- الأخ الأصغر للرئيس والأقرب إليه- من قائمة المرشحين لخلافة الرئيس خلال هذا العام.  وعلى الرغم من أن الفكرة راجت في الأوساط السياسية منذ سنوات، فإنها كانت مستبعدة إطلاقًا؛ لأن رئاسة الجمهورية تبقى أساسًا قضية الجيش ولا يمكن حسمها داخل الدائرة المقربة للرئيس وفقط. 

 

وبناء على هذه المعطيات، فإن قضية الخلافة كان يتحكم في قواعدها، حتى وقت قريب ثلاثة أطراف فقط ربما؛ الرئيس ورئيس الأركان قايد صالح ورئيس دائرة الاستعلامات والأمن محمد مدين. وبسبب التوتر بين الرئيس ومدين من جهة، وبين قايد صالح ومدين من جهة أخرى، دخلت الجزائر في مرحلة من الجمود السياسي. إلا أن الأوضاع بدأت في التحرك باتجاه الحسم بعد تفكيك الجهاز الأقوى في الجزائر "دائرة الاستعلام والأمن" في يناير 2016، وتوحيد كلمة الجيش فيما يخص هذه القضية لتنحصر في شخص قايد صالح والمقربين منه. 

 

   وكانت عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية قد بدأت في أكتوبر 2013، وفي سبتمبر 2015 أقيل محمد مدين (الشهير بتوفيق) رئيس جهاز الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية)، وإحلال حليفه السابق اللواء عثمان طرطاق (بشير) محله. وخلال هذه الفترة ( وعلى الرغم من قوة جهاز المخابرات والتقارير الكثيرة عن الصراع بين "بوتفليقة" و"مدين" و"الجيش") بدأت القرارات الصاروخية في السقوط على رأس مدير المخابرات، الواحدة بعد الأخرى.

 

   أولها وأخطرها كان حرمان «الجهاز» من الشرطة القضائية، العصا التي قادت تحقيقات في أكبر قضايا الفساد التي تورَط فيها مسؤولون بارزون في الدولة. وكان «ذنب توفيق الأعظم» أن شرطته حشرت أنفها في فضائح شركة المحروقات «سوناطراك»، وأفضى التحقيق إلى اتهام شكيب خليل وزير الطاقة المتنحّي حديثًا – في حينه – بالتورّط بعمولات ورشى دُفعت في إطار صفقة مع شركة «سايبام»، فرع عملاق الطاقة الإيطالي شركة إيني. وقدّم «توفيق» ملفًا عن الفضيحة إلى وزير العدل محمد شرفي، الذي أمر النيابة بإعداد مذكرة اعتقال دولية ضد شكيب خليل.

 

كل هذه التفاصيل جرت في فترة غياب بوتفليقة في رحلته العلاجية. الأمر الذي اعتبره بوتفليقة طعنة شخصية موجهة له، خاصة وأنها طالت صديق طفولته الذي غادر منصبه في البنك الدولي بناء على طلب منه عام 1999 للإشراف على قطاع الطاقة والمحروقات بالجزائر. بل، والأدهى من ذلك، أن اسم سعيد بوتفليقة ورد في التحقيق على أساس أنه تقاضى رشوة مقابل التوسّط لدى مكتب دراسات عالمي ليأخذ حصّة من مشاريع نفطية في صحراء الجزائر.

 

   بعدها، قرر تنحية وزير العدل في أول تعديل حكومي، وأبعد ضباط المخابرات الذين أجروا التحقيق عن وظائفهم بالعاصمة إلى مواقع في الولايات الداخلية، وأمر أيضًا بإبطال مذكرة الاعتقال بحجة أنها لم تستوفِ الشروط القانونية، كونها صدرت عن المحكمة الابتدائية، وليس من المحكمة العليا، صاحبة الإختصاص فى مقاضاة أصحاب الوظائف السامية.

 

   جاء بعدها إلغاء «وحدة الاتصال والبث» في المخابرات، وأحال البعض على التقاعد الإجباري. ثم جرَد المخابرات من الإشراف على الأمن العسكري والرئاسي ومن التنصّت على مكالمات الوزراء والمسؤولين الكبار، وحلَ «مجموعة التدخل الخاصة» الأمنية، التي كانت القوة الضاربة للمخابرات أيام الصراع مع الإرهاب.

 

 كل هذه الهياكل تم إلحاقها بقيادة الأركان، وبذلك تعزز موقع قايد صالح داخل الجيش. أما "الجهاز الاستخباراتي" فاحتفظ فقط بالأمن الداخلي والأمن الخارجي، أي بالحد الأدنى. ووصف الإعلام سلسلة الأحداث بـ"تفكيك جهاز المخابرات".

 

 وجرت ملاحقة عبد القادر آيت عراب، أو الجنرال حسن قضائياً ووضعه في السجن العسكري في 26 أغسطس الماضي. وكان حسن أحد قيادات المخابرات المكلف بملف مكافحة الإرهاب. وكانت هذه آخر حلقة في مسلسل من الإجراءات تهدف إلى إضعاف جهاز المخابرات، بعد أن تم الحاق أغلب مديرياته بقيادة الأركان، مع إحالة العديد من قيادته على التقاعد.

 

   وأخيرا، وفي يناير 2016، أٌعلن عن حل "دائرة الاستعلام والأمن" بالكامل. وأنشأت الحكومة جهازاً استخباراتياً جديداً ليحل مكان دائرة الاستعلام والأمن. يُعرَف الجهاز الجديد بمديرية المصالح الأمنية ويخضع مباشرةً لسلطة الرئاسة. ليصبح الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، ووزير الدفاع بحكم الأمر الواقع، الرجل الأقوى في المؤسسة العسكرية الجزائرية.

   بالنسبة للفريق قايد صالح، فإن دعمه سيكون أساسياً لأي مرشح تختاره الفصائل الأخرى. في الماضي، أدّت الاستخبارات العسكرية دوراً رئيساً في معارضة فكرة وصول سعيد بوتفليقة إلى سدة الرئاسة. لكن الإطاحة بمدين وتفكيك دائرة الاستعلام والأمن أدت إلى حلول الجيش مكان الدائرة في موقع المحاور الأساسي للفصيل الرئاسي. ففي حين كانت دائرة الاستعلام والأمن بمثابة الثقل الموازن في مقابل الرئيس عبر تقويض المحاولات التي قام بها هذا الأخير لاحتكار السلطة وفرض خليفة له على رأس الدولة، كان الجيش متعاوناً بطريقة لافتة مع آل بوتفليقة وموالياً لهم. حتى الآن، تعاون هذان الفريقان، أي الجيش والرئيس عن كثب، نظراً إلى أن قايد صالح يدين لآل بوتفليقة بمسيرته المهنية الناجحة وصعوده إلى السلطة. على الرغم من هذا فقد أعرب الفريق قايد صالح أكثر من مرة عن تحفظه على صعيد سعيد بوتفليقه ليحل محل شقيقه. لهذا سيجد الفصيل السياسي صعوبة في تخطّي المعارضة من الجيش، الذي يُعتبَر الركيزة الأساسية للاستقرار في البلاد، في حال رفض وصول سعيد بوتفليقة إلى سدة الرئاسة خلفاً لشقيقه. وفي حين أن الفريق قايد صالح وآل بوتفليقة حليفان، فقد يؤدّي خلاف حول اختيار الرئيس العتيد إلى انتهاء الشراكة بينهما.

 

ثالثا: الوضع الأمني والحرب على الإرهاب في الداخل

  1. خارطة الحركات السلفية الجهادية في الجزائر

 

   تعود جذور السلفية الجهادية في الجزائر إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما التحق أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب مصعب عبد الودود عبد المالك درودكال بالجبال لقتال السلطات الجزائرية. وقاتل خلالها بشراسة في صفوف تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة، ثم تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ثم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بينما قاتل بعض زملائه في التنظيم جنبا إلى جنب مع أسامة بن لادن في حرب أفغانستان الأولى.

 

 وفي أعقاب إعلان أبو بكر البغدادي تأسيس "خلافة إسلامية" ودعوة الجماعات الإسلامية لمبايعته خليفة للمسلمين.  وقع انقسام داخل المجموعات السلفية التابعة لعبد المالك درودكال. إذ أبقت الكتلة الرئيسية للجماعة على ولاءها للقاعدة. ولم تبايع أبو بكر البغدادي خليفة؛ لأنها رأت أن التمسك بمبدأ "الجهاد ضد الطغاة" أولا يأتي لصالح درودكال الذي اعتبر أن البغدادي وجماعته، رغم ما مر بهم من أحداث وأهوال حديثو العهد بالجهاد. بينما انقسمت مجموعة أخرى وأسست تنظيم جند الخلافة في الجزائر الذي بايع البغدادي خليفة للمسلمين في الجزائر.

 

   وتقرر تأسيس التنظيم، بحسب بيان رسمي للجماعة الوليدة، "بعد اجتماع لمجلس شورى منطقة الوسط في كتيبة الهدى وبعض السرايا التي كانت تتبع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، حيث تم الاتفاق على تأسيس جند الخلافة في أرض الجزائر بقيادة خالد أبي سليمان وبيعة البغدادي". وجاء في البيان الذي حمل رقم واحد لـ "جند الخلافة في أرض الجزائر"، أن مؤسسي التنظيم الجديد قرروا الانشقاق عن تنظيم القاعدة الأم وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد انحراف التنظيم عن الجادة، وأعلنوا البراءة من منهج القاعدة، ليعلنوا مبايعة أبوبكر البغدادي.

 

  ويتزعم الجماعة "قوري عبد المالك" المدعو"خالد أبو سليمان"، البالغ من العمر 37 عامًا، وهو مسؤول كتيبة "الهدى" سابقًا، وينحدر من بومرداس بشمال الجزائر.

 

  1. الحرب على الإرهاب. بعد تفكيك دائرة الاستعلام والأمن

   تشكل السلفية الجهادية في الجزائر احتياطي خطير للأفكار المتطرفة وتواجه الحكومة الجزائرية صعوبات كبيرة في كبح تمددها خاصة وأنها تعتمد على المساجد بشكل أساسي في التغلغل ونشر أفكارها المتطرفة داخل المجتمع الجزائري، وهو ما دفع محمد عيسى وزير الشئون الدينية والأوقاف إلى التحذير من أن هناك 55 مسجدًا في العاصمة لا تسيطر ‏عليها وزارة الشئون الدينية، وأن هذه المساجد يؤمها سلفيون متطوعون، وأنهم وإن كانوا ليسوا ‏متطرفين، لكنهم لا يخضعون للمنهج الديني الوطني، وإن هؤلاء الأئمة حصلوا على تراخيص مؤقتة من المجلس العلمي لوزارة الشئون ‏الدينية، وإن هذه التراخيص قاربت على الانتهاء، وإنه بعد انتهاء صلاحيتها، ستقوم الوزارة باسترجاع ‏تلك المساجد وتكليف أئمة آخرين بالإشراف عليها.‏

   ودخلت الحكومة الجزائرية في مواجهة مع السلفية الجهادية أولا من خلال محاولاتها استعادة العشرات من المساجد التي وضع عليها ‏سلفيون أيديهم، خلال السنوات الماضية، بعد أن كشف تقرير لجهاز الاستعلامات العامة التابع ‏للشرطة الجزائرية عن أن أكثر من نصف مساجد البلاد ‏تسيطر عليها تيارات بعيدة عن التوجهات التي تتبناها السلطات الجزائرية، وأن 5% من ‏المساجد تسير من طرف أئمة يتبعون الإخوان المسلمين، و20% تتبع تيار السلفية العلمية، و20‏% تتبع التيار المالكي الجديد، و45% يشرف عليها أئمة ينتمون إلى التيار المالكي ‏التقليدي،، و10% من المساجد ‏ ليس لها توجه واضح مع وجود أنصار للتيار القطبي في عدد من المساجد، وأن بينهم متشددون ومن أنصار العمل ‏المسلح.‏

 

   وبعد تفكيك دائرة الاستعلام والأمن التي كانت تتمتع بالنفوذ سابقاً، وتسيطر على عمليات مكافحة الإرهاب في الجزائر، تبذل الحكومة الجزائرية جهوداً لتُثبت سيطرتها على الجيش، وقد تجلّى ذلك من خلال تكثيف الجيش عملياته لمكافحة الإرهاب في مارس الماضي. يحاول الرئيس بوتفليقة وحلفاؤه، من خلال هذه العمليات، أن يثبتوا للنخب التي كانت على ارتباط بدائرة الاستعلام والأمن، أنهم يسيطرون بالكامل على القوى الأمنية، ويسعون أيضاً إلى إعادة بناء ثقة الشعب بقدرة الجيش الجزائري على الحفاظ على الأمن. علاوةً على ذلك، توجّه الحكومة الجزائرية رسالة إلى فرنسا وجيرانها في الساحل والبلدان الأخرى المهتمة بالأمن الإقليمي، بأن الجزائر لا تزال اللاعب الرئيس. إلا أنه لا تزال هناك شكوك أساسية حول ما إذا كان الجيش الجزائري قادراً على إدارة الشؤون الأمنية الإقليمية بنفسه.

 

   وكانت دائرة الاستعلام والأمن قد حُلَت في يناير الماضي بموجب مرسوم رئاسي. وحُمِّل رئيسها السابق توفيق مدين مسؤولية الفشل في حماية منشأة تيقنتورين للغاز في عين أميناس في العام 2013، عندما عمدت مجموعة متشدّدة على ارتباط بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى احتجاز العديد من الرهائن وقتل العشرات منهم. لكن، وعلى الرغم من أن المعسكر الموالي لبوتفليقة يحمّل دائرة الاستعلام والأمن مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي منيت بها الجزائر في السابق فيما يستعرض مهاراته، إلا أن استمرار الهجمات يقوّض روايته هذه.

 

   في 11 مارس الماضي، أفاد الجيش الجزائري أنه قتل ثلاثة متشدّدين إسلاميين، بينهم زعيم كتيبة "فتح المبين" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، على مقربة من مدينة الوادي بشرق البلاد. وذكر أيضاً أنه ضبط كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة، منها ستة صواريخ مضادة للطائرات، وثلاث قاذفات صواريخ، وأكثر من 20 مسدّساً. لكن بعد أسبوع، في 18 مارس الماضي، هاجم عناصر من تنظيم القاعدة مصنعاً للغاز في منطقة كرابشة في مدينة عين صالح، تشغّله بصورة مشتركة سوناطراك الجزائرية، وستاتويل النرويجية، وشركة بريتيش بتروليوم البريطانية للنفط. على الرغم من أن هذا الهجوم الذي نُفِّذ بواسطة قذائف صاروخية لم يتسبّب بوقوع أضرار أو سقوط ضحايا، إلا أنه شكّل تحدّياً مباشراً لمزاعم السلطات الجزائرية بأنها هزمت الإرهاب. وقد تهكّم البيان الرسمي الصادر عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، بالسلطات الجزائرية متسائلاً كيف سيبرّرون الوضع الأمني لـ"أسيادهم الغربيين".

 

   نفّذ الجيش العديد من العمليات الأخرى لمكافحة الإرهاب طوال شهر مارس الماضي، منها ضبط أسلحة أو ذخائر. لكن ربما تثير هذه العمليات مزيداً من القلق في أوساط الرأي العام عبر لفت الأنظار إلى تزايد التهديدات الناجمة عن مجموعات مدجّجة بالسلاح في الجزائر، مع العلم بأن عددها كان قليلاً نسبياً في الأعوام السابقة. على الرغم من أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يشكّل تهديداً منذ زهاء عقد من الزمن، إلا أن القوى الأمنية الجزائرية تواجه الآن تهديدات متزايدة من تنظيم الدولة الإسلامية الذي ينمو نتيجة الفراغ السياسي والأمني في ليبيا، والذي يقف تنظيم جند الخلافة التابع له خلف مقتل السائح الفرنسي هيرفيه غورديل على الأراضي الجزائرية في سبتمبر 2014. وقد أقدمت مجموعتان صغيرتان أخريان، أنصار الخلافة وسرية الغرباء اللتان تنشطان في محافظتَي سكيكدة وقسنطينة على التوالي، على مبايعة الدولة الإسلامية أيضاً.

 

   منذ الهجوم على عين أميناس الذي أودى بحياة أربعين عاملاً في القطاع النفطي في العام 2013، اتّخذ الجيش الجزائري إجراءات لحماية مصانع النفط والغاز عبر تحسين نقاط التفتيش العسكرية في محيطها، ورفع مستوى المراقبة في هذه المنشآت عن طريق الكاميرات والاستطلاع الجوي. ورداً على الهجوم الأخير في عين صالح، نشر الجيش الجزائري 5000 جندي إضافي لحماية مصانع الغاز في الجنوب، وأعلن عن خطط لتعزيز الأمن على طول الحدود مع ليبيا ومالي والنيجر، فضلاً عن منح سلاح الجو دوراً أكبر في عمليات مكافحة الإرهاب. يحاول الجيش أن يوحي للعالم الخارجي بأن السبب في تلك الهجمات كان عدم فعالية النهج الذي اعتمدته دائرة الاستعلام والأمن في مكافحة الإرهاب، ليس في عين أميناس وحسب، إنما على امتداد عقود. حتى إن عمار سعيداني، أمين عام جبهة التحرير الوطني، اتّهم دائرة الاستعلام والأمن بالفشل في إحباط اغتيال الرئيس محمد بوضياف في العام 1992، وفي منع محاولة اغتيال الرئيس بوتفليقة التي لم باءت بالفشل في باتنة في العام 2007.

 

   داخلياً حلفاء توفيق والجهات المرتبطة بدائرة الاستعلام والأمن، بينهم ضباط سابقون وجنرالات متقاعدون، هم من يشعرون بالقلق من أن الجيش الجزائري لا يستطيع مكافحة الإرهاب من دون الدائرة. لكن هناك إدراك عام أن دائرة الاستعلام والأمن كانت تفتقر إلى الكفاءة والمصداقية اللازمة للتصدي لمعضلة الإرهاب. يُذكَر أنه في يناير الماضي، نشرت وزارة الخارجية الأميركية بعضاً من رسائل البريد الإلكتروني الشخصية العائدة لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. وقد كشفت إحدى تلك الرسائل، التي أعيد نشرها في الصحافة الجزائرية في 17 مارس الماضي، النقاب عن رابط مزعوم بين دائرة الاستعلام والأمن ومختار بلمختار، أمير جماعة "المرابطون" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب. بحسب التقارير، ساعد بلمختار دائرة الاستعلام والأمن في عملية نفّذتها في العام 2012 لإنقاذ قنصل جزائري احتُجِز رهينة في مالي، وأذعن للتحريض من الدائرة على "مهاجمة المصالح المغربية في الصحراء الغربية". زجّت هذه المعلومات بالمؤسسات الجزائرية كافة في موقف محرج للغاية.

 

   في الوقت نفسه، يبدو أن جيران الجزائر تساورهم شكوك حول ما إذا كانت إخفاقاتها الأمنية قد انتهت فعلاً. فمجموعة دول الساحل الخمس (مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد) تشعر بأن الجزائر غير قابلة للتوقع في ما يتعلق بالنهوض بمسؤولياتها الأمنية، ولذلك قرّرت إطلاق مشروعها الخاص لبسط الأمن في المنطقة. تنوي هذه المجموعة، كما كتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية، فتح مدرسة للتدريب العسكري في نواكشوط، وتشكيل قوة تدخّل سريع، وتكثيف الدوريات الحدودية المشتركة. لقد اتُّخِذت هذه القرارات من دون مشاركة الجزائر، وأحد الأسباب هو اعتبار لجنة الأركان العملياتية المشتركة – آلية تعاون إقليمية لمكافحة الإرهاب أنشأتها الجزائر في العام 2010 وتتخذ من تمنراست مقراً لها – جهازاً غير فعال. على سبيل المثال، لم تتجاوب الجزائر مع الطلبات التي رفعتها إليها مالي لتقديم المساعدة العسكرية عندما تقدّم الجهاديون نحو باماكو في يناير 2012. وفي مايو 2013، لم تساعد الجزائر النيجر لوقف الهجمات الإرهابية في أغاديز وأرليت. علاوةً على ذلك، تعتقد هذه الدول أن الجزائر دعمت معظم، إن لم يكن جميع الجماعات الإرهابية في الساحل.

 

  ولكن، على الرغم من أن الجزائر لم تطلب أن تكون جزءاً من المشروع الذي أطلقته مجموعة دول الساحل الخمس، إلا أنها توقّعت ضمّها إليه. كما أن خبرة الجزائر ومعرفتها الواسعة بالمجموعات القتالية في مختلف أنحاء الساحل لا تُقدَّران بثمن ولا غنى عنهما لنجاح أي آلية أمنية متعددة الأطراف. وهناك فرصة سانحة لهذا بالفعل خلال المؤتمر الأمني الدولي الذي تنظّمه وزارة الدفاع والمقرر عقده في جامعة البليدة في 4-5 من مايو 2016 المقبل.  ويمكن أن يؤدّي شبح الدولة الإسلامية دوراً أساسياً في الدفع نحو مزيد من التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب العابر للحدود.

 

رابعا: الأزمة الاقتصادية في الجزائر

تعتبر الجزائر من البلدان الأقل تنوعها في صادراتها إذ يمكن تصنيفها على أنها من الدول التي تعتمد بشدة على تصدير سلعة واحدة أساسية وهي المحروقات وبنسبة تفوق 95 % في المتوسط، كما تشكل عائدات تصدير النفط أكثر من 60 % من إيرادات الميزانية العامة للدولة ، وهو وضع يجعل الاقتصاد الجزائري شديد الحساسية والتأثر بالتغيرات الحاصلة في سوق النفط في ظل صعوبة التنبؤ بسعر النفط المعروف تاريخيا بأنه الأكثر تقلبا من بين السلع الرئيسية.

 

وكانت أسعار النفط قد انهارت بصورة حادة ومفاجئة منذ منتصف العام 2014 ، حيث أنه بعد الطفرة التي عرفتها الأسعار منذ مطلع الألفية الثانية واستمرت لأكثر من عقد من الزمان ، انخفض سعر برميل النفط من 110 دولارا في يناير 2014 ليصل إلى أقل من 50 دولارا بحلول منتصف أكتوبر 2015 ، وبلغة النسب المئوية فقد هبطت أسعار النفط بمعدل تجاوز 60 %.

 

   حتى الآن لم تؤثر أسعار النفط المنخفضة على النمو في الجزائر إلا بصورة محدودة، نظرا لوجود هوامش احتياطية وقائية في ماليتها العامة أو مايعرف "بصندوق ضبط الإيرادات" الذي أنشأته عام 2000 مع انطلاق فترة طفرة أسعار النفط، و قد بدأت الآن تستخدم هذه الاحتياطيات لدعم النشاط الاقتصادي.

و رغم ذلك كانت هنالك تأثيرات غير مرغوبة لتراجع أسعار النفط على الاقتصاد الوطني أهمها:

  1.  انخفاض فادح في إيرادات تصدير النفط: فقد تراجعت مداخيل صادرات النفط في الجزائر بحوالي النصف تقريبا، حيث لم تسجل السنة الماضية ( 2015 ) سوى 14.91 مليار دولار مقابل 27.35 مليار دولار عام 2014، أي بانخفاض قدره 45.47 بالمائة. وشهدت البلاد تراجعا في دخلها النفطي بنسبة 39% خلال الربع الأول من السنة الحالية 2016 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2015، بحيث تم تسجيل 5,5 مليارات دولار مقابل 9,1 مليارات دولار.
  2.  خسائر كبيرة في أرصدة المالية العامة: فلمواجهة الانخفاض في المداخيل النفطية والوفاء بالنفقات العامة لجأت الحكومة إلى صندوق ضبط الإيرادات، الذي انخفضت موارده بشكل حاد، حيث تراجع ب 1.714.6 مليار دينار جزائري في الفترة الممتدة بين نهاية يونيو 2014 ونهاية يونيو 2015 أي انخفاض بنسبة 33.3 % خلال عام واحد.
  3.  عجز في الحسابات الخارجية: سجلت الجزائر عجزا تجاريا لأول مرة منذ 15 عام بلغ 7.78 مليار دولار في النصف الأول من 2015، و هذا بسبب تراجع الصادرات وارتفاع الواردات. وتبعا لذلك انخفضت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 71 بالمائة عوض 111 بالمائة في النصف الأول لعام 2014.

 

   لمواجهة هذا الظرف الاقتصادي الصعب اتخذت السلطات الجزائرية مجموعة من الإجراءات شملت مايلي:

  1. كخط دفاع أول، استخدمت الحكومة الفوائض الموجودة في المالية العامة والمتاحة في صندوق ضبط الإيرادات للحد من أثر تراجع أسعار النفط على النمو.
  2.  سمحت الجزائر بانخفاض سعر الصرف، كإجراء لرفع حصيلة مداخيل النفط المقومة بالدولار الأمريكي عند تحويلها إلى الدينار الجزائري. فعلى سبيل المثال تراجع الدينار مقابل الدولار الأمريكي من 87.92 دينار جزائري لكل دولار في 31 ديسمبر 2014 ليصل إلى 107.17 دينار جزائري لكل دولار في 5 نوفمبر 2015، أي بمعدل انخفاض بلغ 17.96%.
  3. تكريس تدابير التقشف في النفقات العامة في قانون المالية والميزانية لعام 2016 بغرض خفض التكاليف التي تتحملها المالية العامة وتحقيق وفرات، حيث انخفضت نفقات ميزانية 2016 مقارنة بعام 2015 بنسبة 8.8 %، كما انخفض تقدير ميزانية التسيير بنسبة 3.3 %، وانخفضت ميزانية التجهيز بنسبة 16%. وقد شملت تدابير التقشف الإلغاء التدريجي للنفقات غير المتكررة عبر تخفيض الاستثمار العمومي (تجميد مشاريع ترامواي ومستشفيات...) وتقليص الواردات مع فرض رخص الاستيراد على منتجات منها السيارات والإسمنت، و خفض التوظيف في القطاع العام وتفعيل عملية الإحالة على التقاعد بعد سن 60 سنة.
  4. رفع بعض الرسوم بموجب قانون المالية لعام 2016 شملت أساسا رفع الرسم على القيمة المضافة على استهلاك الكهرباء والمازوت،و فرض حقوق جمركية ب 15 % على أجهزة الإعلام الآلي المستوردة.

 

   ولكن يبدو أن هذه الإجراءات، قصيرة الأمد بطبيعتها، لم تؤد إلى استقرار الوضع الاقتصادي ولو بشكل مؤقت. وقد أدى تفاقم الوضع إلى لجوء الرئيس الجزائري في يونيو 2016 إلى إقالة وزيري المالية والطاقة بعد عام واحد من دخولهما الحكومة. وخلف وزيري الطاقة والمالية صالح خبري وعبد الرحمن بن خالفة المعينين السنة الماضية، كل من نور الدين بوطرفة، وحاجي بابا عمي إثر تعديل حكومي أجراه بوتفليقة وشمل نحو عشر حقائب.

 

   وجاء التغيير الحكومي بعد أيام من اجتماع ثلاثي ضم الحكومة ورجال الأعمال واتحاد العمال تم تخصيصه لمناقشة "النموذج الاقتصادي الجديد للنمو (2016-2019)" للخروج من التبعية شبه المطلقة للنفط والغاز. ورغم أن رئاسة الجمهورية لم تذكر أسباب التعديل الحكومي إلا أن الصحف والخبراء يربطونه مباشرة بالمصاعب المالية التي تواجه السلطة. وعزته صحيفة الوطن الجزائرية الى "قلق الحكومة من تقارير المنظمات الدولية وتحذيرات الخبراء من ازمة اقتصادية على الأبواب."

 

 وبحسب مصادر اقتصادية "مغربية" أن "انهيار قطاع الطاقة هو السبب الرئيسي وراء التعديل الحكومي". ويوفر هذا القطاع 60% من ميزانية الجزائر و95% من دخل العملة الأجنبية، إلا أن انهيار أسعار النفط كبح الاستثمارات الاجنبية الأمر الذي أثر على الإنتاج.

  

ولمواجهة هذا التراجع لجأت الحكومة الى استخدام احتياطي العملة وتخلت عن العديد من المشروعات وألغت التقاعد قبل سن الستين سنة. لكن إجراءات أخرى قد تكون مؤلمة في الانتظار مع وزير الطاقة الجديد نور الدين بوطرفة، الذي بقي على رأس شركة الكهرباء والغاز لأكثر من عشر سنوات. ويعرف بوطرفة بأنه من الداعين إلى رفع الدعم عن الكهرباء وتحرير الأسعار. وبحسب الخبراء فإن استهلاك الطاقة تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، ليصل إلى 58 مليون طن تعادل جميع إنتاج الجزائر من النفط في 2015 مقابل 17 مليونا في 2005.

 

   وفي قطاع المالية ترك عبد الرحمان بن خالفة حقيبته لنائبه الوزير المكلف بالميزانية حاجي بابا عمي. وكان رحيله متوقعا منذ الهجوم الذي تعرض له من جانب زعيم حزب الاغلبية، جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني الذي وصفه بأنه "غير كفؤ". وكان مصيره مماثلا لمصير محافظ البنك المركزي الجزائري محمد لكصاسي الذي حمله سعداني- وهو أحد المقربين من الرئيس بوتفليقة-، مسؤولية "انهيار الدينار الجزائري".

 

   والمشكلة أن جميع هذه  الخطوات والإجراءات التي اتخذتها السلطات الجزائرية لمجابهة الأزمة الاقتصادية، هي إجراءات ناجحة فقط في الأجل القصير، لأن الهوامش الوقائية للمالية العامة (صندوق ضبط الإيرادات) سوف تنفد في غضون بضع سنوات إذا استمر انخفاض أسعار النفط. كما أن باقي الإجراءات كخفض العملة ورفع الضرائب وخفض الإنفاق العام ورفع الدعم عن الطاقة ...هي إجراءات لاتحظى بالدعم الشعبي وقد تكون سببا في حدوث حالات من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 

خامسا: الجزائر ودول الجوار

   تبرز الجزائر اليوم كوسيط لا غنى عنه من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه المنطقة أكثر فأكثر من انعدام الأمن، والتدخل الخارجي والاستقطاب، ما فتئت الجزائر، وفي فترات مفصلية، تشجع على الحوار وبناء الدولة كأفضل السبل لإخراج جيرانها من أزماتهم، ومن ثم ضمان أمن الجزائر أيضا على المدى البعيد.

 

لقد شكلت ما يسميه البعض "عودة" الجزائر إلى معترك السياسة الإقليمية(بعد غياب طال على مدى سنوات الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، التي أطلق عليها وصف "العِقد الأسود") تحوّلا إيجابياً على أكثر من صعيد؛ فمقاربتها الداعية إلى إشراك كل الأطراف وإلى التوافق لتحقيق الاستقرار في بلدان الجوار، والتي تحركها المصلحة الذاتية المستنيرة، تعد بمثابة فرصة للنظام الدولي الذي يواجه صعوبات جمة للتعامل مع التحديات التي أفرزتها الثورات العربية.

 

على الصعيد الداخلي، كان الهجوم على مجمع غاز تيقونتيرين في عين أميناس، بولاية ايليزي قرب الحدود الليبية، من قبل مجموعة مختار بلمختار الجهادية "المرابطون"، نقطة تحول، حيث أبرز الحادث كيف أن عدم الاستقرار في البلدان المجاورة يمكن أن يهدد المصالح الوطنية، خاصة في منطقة الصحراء الجنوبية الشاسعة والتي تصعب السيطرة عليها، وحيث يزدهر التهريب بكافة صوره وأشكاله. وكان الحادث تذكيراً بالتحدي المتمثل في انهيار أمن الدولة  وغياب النظراء الذين يمكن الركون إليهم في ليبيا، التي كان المهاجمون قد قدموا منها. وأبرز الهجوم أيضا، وما تلاه من احتجاز 800 رهينة من قبل المتشددين الجهاديين التحول العميق الذي طرأ على تحديات الأمن الوطني. فالجزائر التي اعتادت على معالجة التهديدات الداخلية، كما كانت تفعل بشكل رئيسي في شمال البلاد خلال "العِقد الأسود"، بات عليها الآن أن تتصدى للتهديدات الخارجية من مجموعات متطرفة عابرة للبلدان وتعمل في دول ضعيفة ومناطق خارجة عن سلطة الدولة على حدودها الجنوبية.

  1. مشكلة الصحراء الغربية

   يتوقف الوضع العام للعلاقات المغربية - الجزائرية بصفة عامة، والتناقض الحاد بين البلدين بشأن قضية الصحراء الغربية بصفة خاصة، على عدة عوامل تاريخية وجغرافية وأيديولوجية ودولية:

أ- التمايز الواضح بين كلا النظامين السياسيين للدولتين، نظام ملكي في المغرب وآخر جمهوري في الجزائر، ولقد أدى ذلك التمايز إلى تنامي المخاوف المغربية من محاولات الهيمنة الجزائرية، ولقد وضح ذلك من خلال المشاحنات الإعلامية الأيديولوجية وخاصة بعد عام 1963، فلقد رأت المغرب أن طبيعة النظام الملكي هي التي تقلق الجزائر، بينما رأت الجزائر أن طبيعة نظامها الاشتراكي هي التي تقلق المغرب.

ب- الخلاف الحدودي بين المغرب والجزائر أحد عوامل توتر العلاقات بين البلدين، فالجزائر تتمسك بحدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي، بينما المغرب يطالب بحدوده كما كانت قبل الاستعمار، والتي تمثل معاهدة لاله مغنية والتي وُقعت في 18 مارس 1845 إطاراً مرجعياً لها، وهي المعاهدة التي وقعها المغرب مع فرنسا بعد هزيمة معركة إيسلي في 14 أغسطس 1844 بسبب دعم المغرب لثورة الأمير عبدالقادر الجزائري، ورغم تحديد تلك المعاهدة للحدود بين الجزائر والمغرب إلا أن وضع منطقة الصحراء الشرقية في الجنوب (منطقة تيندوف) كان غامضاً. ولقد تعاقبت على هذه الاتفاقية اتفاقيات أخرى (1901-1902) كانت كلها تنتقص من الأراضي المغربية، ولذلك منذ حصول المغرب على استقلاله ومشكلة الحدود مع الجزائر استمرت مطروحة، ما أدى إلى مواجهات في أكتوبر 1963 (حرب الرمال).

   ورغم احتواء الصراع بعد تدخلات عربية وأفريقية، إلا أن مشكلة الصحراء الشرقية استمرت عالقة خاصة بعد اكتشاف الحديد بها، حيث تجدد الصراع المسلح عام 1967 ما أدى لطرح المشكلة على الأمم المتحدة، وهو ما فرض على الطرفين الدخول في مفاوضات للاستغلال المشترك لمناجم الحديد، في مقابل اعتراف المغرب بحق الجزائر في منطقة تيندوف، ودعم الجزائر للحق المغربي في الصحراء الغربية، وعلى هذا الأساس وقعت معاهدة حول الحدود المغربية الجزائرية في 15 يونيه 1927، ولكن مع ظهور اقتراب المغرب من حسم النزاع حول الصحراء بينه وبين إسبانيا، إضافة إلى ظهور جبهة البوليساريو، تحول الموقف الجزائري لصالح أطروحة تقرير المصير لشعب الصحراء وقيام دولة صحراوية، وهو الموقف الذي أيده الجزائر بوضوح بدءاً من عام 1975.

ج- ارتكاز سياسات القوى الدولية تجاه المنطقة المغاربية على التحكم في العلاقات بين المغرب والجزائر والموازنة بينهما سواء أثناء مرحلة الحرب الباردة أو ما بعدها، وذلك في إطار رؤية القوى الأجنبية للأهمية الاستراتيجية للمنطقة، حيث ترى الجزائر أحد مراكز إنتاج النفط، بينما يشكل المغرب موقعاً إستراتيجياً هاماً، فضلاً عن كون المنطقة سوقاً للسلاح، وعزز من تلك العوامل الماضي الاستعماري لفرنسا، واعتبارها للمنطقة مجال نفوذ حيوي لها، وفي ذات الوقت حافظ الجزائر على علاقته الإستراتيجية مع روسيا، رغم انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، حيث استمرت روسيا في اعتماد الطرح الجزائري بشأن مشكلة الصحراء (حق تقرير المصير) داخل مجلس الأمن، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية تراعي المطالب المغربية، ولقد أفضت تطورات المشكلة إلى تنامي الدعم الأجنبي عسكرياً واقتصادياً لأطراف المشكلة، وهو ما أدى إلى جعل مشكلة الصحراء الغربية عنصر استنزاف للإمكانات الذاتية من جانب، وعاملاً لتعميق الارتهان والتبعية من جانب آخر، وهو ما أعطى مبرراً للتدخل الأجنبي، كما جعل التعامل الدولي يخضع لسياسة "اللاحسم" لفوائدها الأمنية والإستراتيجية، وخاصة أنها في صالح خيار التجزئة والتبعية لدول العالم الإسلامي.

 

   بعد أن شهدت العلاقات بين المغرب والجزائر، منذ فترة ليست بالقصيرة، توتراً حاداً تطلب وساطة عربية بين البلدين أوائل نوفمبر 2004، اتخذت الخلافات منحنى أكثر خطورة عقب تخلي الوسيط الدولي في نزاع الصحراء "جيمس بيكر" عن مهمته منذ صيف يونيه 2004، ودخول مشكلة الصحراء الغربية مرحلة مصيرية حرجة، وخاصة مع تزايد الجهود السياسية لأطراف المشكلة لحشد التأييد الدولي لدعم مواقفهم حيال نزاع الصحراء، بينما تركزت الجهود الجزائرية لدعم الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، ولذلك رد المغرب على الموقف الجزائري من خلال مذكرة إلى الأمم المتحدة اتهم فيها الجزائر بالتورط مباشرة في مشكلة الصحراء الغربية، ودعمها المادي والمعنوي المستمر لجبهة البوليساريو.

 

   ولقد أدت فكرة تقسيم إقليم الصحراء الغربية التي تقدمت بها الجزائر إلى تزايد حدة الخلافات بين البلدين (الجزائر ـ المغرب) حيث اتهم المغرب الجزائر بأن لها أطماعاً في الصحراء، ولقد رد الجزائر على الموقف المغربي بزيارة الرئيس "بوتفليقة" لإقليم تندوف، مع زيارتين قام بهما الملك "محمد السادس" إلى المحافظات الصحراوية، وفي إطار هذا التوتر عمد "جيمس بيكر" إلى إضافة صيغة الاستفتاء والحكم الذاتي لمقترحاته التي قدمها للأمين العام للأمم المتحدة عام 2003، ورغم قبول هذه المقترحات من الجزائر وجبهة البوليساريو، أبدى المغرب العديد من التحفظات عليها، ولقد كانت حدة الخلافات بين أطراف النزاع أحد العوامل الأساسية في عدم الوصول لحل مناسب يوافق عليه جميع الأطراف، ما دفع "بيكر" إلى الاستقالة منذ صيف 2004 بعدما وصلت مساعيه إلى طريق مسدود.

 

   كذلك أدى اعتراف جنوب أفريقيا التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجزائر بالجمهورية الصحراوية في سبتمبر 2004 إلى تصعيد التوتر بين المغرب والجزائر، حيث رأت المغرب أن ذلك الاعتراف يؤثر على جهود الوفاق والتقارب بين البلدين، ولقد أدى موقف الجزائر الرافض لفتح الحدود مع المغرب، وإرجاء تنفيذ التوجهات التي كان قد أقرتها الدولتان، وكذلك رفض الجزائر أي صيغة للحوار حول مشكلة الصحراء الغربية، إلى تصعيد حدة التوتر في العلاقات بين المغرب والجزائر.

 

   ورغم استمرار توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب، إلا أنَّ لقاء عقد بين العاهل المغربي الملك "محمد السادس" والرئيس الجزائري "عبدالعزيز بوتفليقة" (قمة ثنائية) في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2003، حيث قررا تفعيل علاقات التعاون بين البلدين، ومن ثم تحددت مجالات التعاون في التصدي للهجرة غير المشروعة، وتنسيق الجهود في مجال الأمن العام بما في ذلك محاربة الإرهاب، وكل من شأنه أن يحقق الأمن والاستقرار والسلام في البلدين، إلا أنَّ العاهل المغربي أعلن لصحيفة البايبس الإسبانية في منتصف يناير 2005 عن استمرار تمسكه بالموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية والتي يعدها أرضاً مغربية، ولن يقبل إطلاقاً بالتخلي عن سيادة المغرب على هذا الإقليم.

 

   ويبدو واضحا أن مشكلة الصحراء الغربية تعد من أعقد مشكلات حق تقرير المصير التي نالت جهداً واهتماماً دولياً لحلها لا يتناسب مع ما تحقق من نتائج. فرغم المساعي الأممية لإيجاد حل لمشكلة الصحراء الغربية، حيث تعددت قرارات مجلس الأمن بشأن الخيارات المطروحة والتي تمثلت في خيار الاستفتاء وخيار اتفاق/ الإطار وخيار التقسيم، إلا أن الحل الوحيد المقبول من جانب الشعب الصحراوي هو قيام جمهورية الصحراء العربية الديموقراطية والاعتراف بسيادتها، وفي ذات الوقت أعلن المغرب عن خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، إلا أن غياب الثقة بين الطرفين وضعف احتمالات بنائها من جديد، إضافة إلى وجود صحراويين يؤيدون الموقف المغربي، لذلك فإن هذا الخيار وإن بدا جامعاً بين رغبة المغرب في السيادة ونزعة البوليساريو في نوع من الاستقلال يواجه بصعوبات كبيرة، وخاصة من جانب جبهة البوليساريو، وذلك لاعتقادهم بسعي أنصار المغرب إلى تحويل الحكم الذاتي إلى اندماج كلي في كيان المغرب، إضافة إلى عدم وضوح الجوانب الدستورية والسياسية في الحكم الذاتي المقترح واحتمال سعي الطرفين في حالة هذا الخيار إلى التأثير على هذه الجوانب لتحقيق مزيد من الاستقلال بالنسبة للبوليساريو وللتخفيف منه بالنسبة للمملكة المغربية. ومن ثم ستبقى المشكلة بدون حل نهائي إلى أن يوافق أحد الأطراف على تقديم بعض التنازلات في موقفه تجاه الطرف الآخر.

 

   بينما يرى خبراء أن حدوث انفراج مرهون بتحسن فى العلاقات الجزائرية- المغربية. وظهرت بالفعل أصوات بالجزائر تطالب بإنهاء الخلافات مع المغرب وسط مخاوف من احتمال دعمها لدعوات انفصالية بين قبائل البربر والأمازيج الجزائرية.و يرى آخرون أن الخطر المتصاعد للجماعات الإرهابية كداعش والقاعدة يقتضى التعاون بين البلدين لمواجهته ولم يستبعدوا حدوث تقارب بسببه ولو بإعادة فتح الحدود التى أغلقتها الجزائر سنة 1994. وكانت تقارير قد أفادت أن معسكرات جبهة البوليساريو الانفصالية في الجزائر أضحت مركزا لتجنيد عناصر لصالح القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وبالتأكيد، ليس بالإمكان غلق هذه النافذة الجديدة لتسلل جماعات جهادية متطرفة، من دون توافق مغربي – جزائري أوسع، وهو الأمر غير المحتمل في المدى المنظور على الأقل.  لكن حتى لو تحقق ذلك فلن يكفى لحل معضلة الصحراء.

  1. مثلث القلق: الجزائر والمغرب وفرنسا

   بعد تمكن الجزائر من دحر التمرد الإسلامي في الداخل  يصف المسؤولون اليوم التهديد الذي تمثله المجموعات المسلحة بأنه من "بقايا" الخطر الذي واجهته الجزائر في الماضي  فالجزائر تعتبر نفسها واحة للاستقرار تجاورها بلدان غير مستقرة. وتقوم استراتيجيتها الإقليمية على إعداد "سياسة جوار" تشجع الاندماج الأفقي بين بلدان الساحل، مع وجود الجزائر كمحور وحامٍ، بدلاً عن جوار يتطلع إلى الغرب (أي فرنسا، والولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى) لحل مشاكله. وفي الوقت نفسه، تقاوم الجزائر ضغوطاً تدفعها كي تصبح "شرطي المنطقة" بحيث تقوم بدور المتعهد من الباطن في حماية الغرب من العنف الجهادي والهجرة السرية، أو عن طريق التدخل عسكريا في الأزمات الإقليمية.

 

   وفي الوقت الذي تحرص فيه الجزائر على تأكيد وجودها كقوة إقليمية، فإنها تريد أن تقوم بذلك على طريقتها، خصوصاً وأن مسؤوليها ينظرون إلى السياسات الغربية الأخيرة خصوصاً تلك المرتبطة بتدخل عسكري في ليبيا على أنها غير مدروسة وغير مسؤولة. كما أنها مهتمة أيضاً بالمحافظة على عقيدتها التقليدية في السياسة الخارجية.

 

   ولا يمكن النظر إلى مقاربة الجزائر للأزمات الليبية والمالية والتونسية بمعزل عن علاقتها مع خصمها التقليدي، المغرب، أو مع فرنسا والولايات المتحدة، التي باتت تعتبر منطقة الساحل ذات أولوية يمكن لسياساتها واستعدادها لاستعمال القوة فيها أن يصطدم بالمصالح الجزائرية. وبعبارة أخرى، فإن سياسة الجوار الجديدة تقوم على فرض نفوذ الجزائر في المنطقة، سواء في سياق مثل هذا التنافس أو لتجنب تجاهل مصالحها ومواقفها في لحظات حرجة (كما حدث في ليبيا عام 2011).

 

   إن العلاقات والخصومات بين الجزائر والمغرب وفرنسا ذات أهمية خاصة، حيث تنظر الجزائر والرباط عادة إلى العلاقات الثنائية على أنها علاقة صفرية الناتج؛ بمعنى أن أي مكسب في المكانة الإقليمية لأحد البلدين يعتبره البلد الآخر تلقائياً خسارة له. ويعتبر المغرب الهيمنة الجزائرية في منطقة الساحل تهديداً لنفوذه المتنامي في غرب أفريقيا (حيث إنه أكبر مستثمر أفريقي في المنطقة) ولمطالبته بضم الصحراء الغربية، خاصة على المستوى الدبلوماسي، حيث إن معظم الدول التي اعترفت بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بقيادة حركة البوليساريو هي بلدان إفريقية. وهذا ما أبقى المغرب خارج الاتحاد الإفريقي بعد احتجاجه على عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فيه، وباستثناء دوره في غرب إفريقيا، فقد ظل المغرب مهمشا في الحراك الدبلوماسي للقارة. أما الجزائر فتعتبر المغرب مفسداً للأجواء أكثر منه خصماً.

 

   في المقابل فإن التحسن أو التراجع في علاقات الجزائر والرباط مع باريس، يحدث دائماً على حساب الطرف الآخر من وجهة نظرھما. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية معقدة بالنسبة للبلدين، بسبب حرب الاستقلال التي لا يزال لها صدى في السياسات الداخلية  خاصة بالنسبة لطبقة سياسية جزائرية مشبعة بالعقيدة الثورية لجبهة التحرير الوطني. فالجزائر تعتبر فرنسا خصماً حقيقياً في منطقة الساحل، رغم كونها شريكا. ولفرنسا وجود عسكري قوي ونفوذ سياسي واسع في مستعمرتيها السابقتين، مالي والنيجر، وفي أفريقيا الفرنكوفونية بشكل عام.

 

   وبينما يعتقد المسؤولون أن العمل العسكري الفرنسي في ليبيا ومالي أدى إلى زعزعة الاستقرار وأضر بالمصالح الجزائرية، فإن البلدين لهما مصالح مشتركة وقد عززا التعاون بين أجهزة الجيش والمخابرات في كل منهما خلال السنوات الأخيرة. ورغم ذلك، فإنه لا يزال بينهما اختلافات واضحة في مقاربتهما للأمن في منطقة الساحل، وخاصة فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية.

 

   وبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2085، في 20 ديسمبر 2012، و الذي يسمح بنشر قوة داعمة بقيادة أفريقية لاستعادة النظام الدستوري ووحدة أراضي مالي، وتقديم طلب رسمي من مسؤولي حكومة مالي المؤقتة للحصول على مساعدة فرنسية، تعاونت الجزائر مع عملية سرفال، أي التدخل العسكري الفرنسي. رغم ذلك، فإن الجزائر غير راضية عن المستوى المحدود لتبادل المعلومات الذي سمحت به فرنسا بشأن عملياتها في شمال مالي، وهي العمليات التي لها أثر مباشر على الجزائر، خصوصاً من خلال تدفق اللاجئين أو المقاتلين الهاربين.

 

   كما أن الجزائر تتنافس أيضاً مع فرنسا حول وضع البنية التحتية الأمنية للمنطقة. فالجزائر هي الداعم الأول لمسار نواكشوط، الذي أطلقه الاتحاد الأفريقي في مارس 2013 ، والذي يجمع 12 بلداً من المغرب العربي والساحل وغرب أفريقيا لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي. وتنظر الجزائر إلى هذا التكتل كبديل للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي لم تتمكن من الاستجابة لأزمة مالي عام 2012 ، ولقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تفتقر إلى إطار سياسي. ويقول مسؤولون إن مسار نواكشوط حسّن بشكل كبير من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهناك خطط لإجراء تدريب مشترك للأفراد وتسيير دوريات مشتركة.

 

   أما فرنسا فتدعو لمقاربة مختلفة لأمن منطقة الساحل، لكنها تلتقي في بعض الأحيان مع مقاربة الجزائر. فعلى سبيل المثال، أسست فرنسا وحدة الاندماج الاستخباراتية الإقليمية في اجتماع عقد في باريس مباشرة بعد قيام بوكو حرام في عام 2014 باختطاف بضع مئات من الفتيات من مدرسة في شيبوك بنيجيريا. وهي تشبه بشكل كبير وحدة الاندماج والارتباط ومقرھا الجزائر، وهي عبارة عن مركز لتبادل المعلومات الاستخباراتية أنشئ عام 2010 يجمع رؤساء مخابرات دول الساحل المهتمة بالتهديدات العابرة للحدود. وبعد يوم واحد من إطلاق مسار نواكشوط، انعقدت مجموعة الخمس لدول الساحل، وهي إطار لتعزيز التنسيق الأمني بين موريتانيا، ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، في قمة استثنائية في نواكشوط. وقد حضر رؤساء الدول من مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو القمتين المتقاربتين زمنياً.

 

   وأخيراً، في يوليو 2014 ، أطلقت فرنسا عملية بارخان، وهي وريثة عملية سرفال، وتهدف ليس فقط لاستئناف العمليات الفرنسية في مالي، بل أيضاً لتأسيس بنية لجمع المعلومات الاستخباراتية واكتساب القدرة على نشر قوات في سائر أنحاء منطقة الساحل، من خلال القواعد الموجودة في تشاد والنيجر وساحل العاج وبوركينا فاسو. وتعد تشاد الشريك الرئيس لفرنسا في المنطقة والبلد الوحيد في منطقة الساحل الذي يمتلك القدرة على نشر الجنود في المنطقة. وشكلت بارخان عملية أكثر طموحاً وأكبر قوة عسكرياً لفرض الاستقرار

 

في منطقة الساحل. ولهذا السبب، فإن الجزائر تنظر إليها على أنها محاولة لتطويقها من قبل فرنسا وحلفاءها وتقليص نفوذھا أكثر فأكثر وتمهيد الطريق لتدخلات عسكرية إضافية على حدودھا، مما يثير قلق الجزائر، خاصة في سياق تعزيز العلاقات الأمنية بين تونس والغرب (بما في ذلك حلف شمال الأطلسي) واحتمالات حدوث تدخل عسكري غربي جديد في ليبيا.

  1. ليبيا .. الدولة أولا

   في ليبيا، تسعى الجزائر إلى التوصل إلى حل سياسي يقوم على الحوار وإشراك جميع الأطراف لقطع الطريق على المجموعات الجهادية وتجنب المزيد من التدخل الأجنبي في آن واحد، وبهدف بناء مؤسسات الدولة وقدرتها على السيطرة على حدودها. وظلت الجزائر تلتزم الحياد رسمياً حيال الإطاحة بنظام القذافي (رغم أن البعض يعتقد بوجود توجه مؤيد للقذافي) ومعارضة تدخل حلف شمال الأطلسي عام 2011. ورغم أن علاقات الجزائر بالنظام السابق كانت دائماً تتسم بالفتور، إلا أنها حذرت من أن أي تدخل سيؤدي إلى الاقتتال بين القبائل، وتدفق الأسلحة في المنطقة ومن ثم تصاعد حدة الهجمات الجهادية. وهو ما حدث فعلاً.

 

   وقد استاء المسؤولون الأمنيون من الحملة الدولية التي كسرت احتكار الحكومة للأمن ومكّنت ميليشيات لا يمكن الركون إليها وأثبتت عدم قدرتها على استعادة النظام، خصوصاً على الحدود. كما سمح انهيار نظام القذافي بوجود ملاذ آمن للمقاتلين بعد التدخل العسكري الفرنسي عام 2013 في شمال مالي.

 

   وبعد انهيار العملية الانتقالية في ليبيا في يوليو 2014 وانقسام الحكومة إلى سلطتين متناحرتين، دعت الجزائر إلى مصالحة وطنية من خلال عملية شاملة تجمع كل الخصوم، بمن فيهم الإسلاميين وقيادات عهد القذافي  أو على حد تعبير أحد المسؤولين: "الجميع باستثناء الإرهابيين"، وھو تصنيف من وجهة نظر جزائرية يشمل كل من يرفض المشاركة في العمل السياسي الانتخابي، مثل أنصار الشريعة أو تنظيم داعش أو المنظمات التابعة للقاعدة.  وقد دفعت للتوصل إلى حل ديمقراطي توافقي ينتهي بإجراء انتخابات وتبني دستور جديد. ولهذا السبب، عملت الجزائر على نحو وثيق مع الممثل الخاص للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، برناندينو ليون، واستضافت مسار الأحزاب السياسية في المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة، فهي تنظر إلى تيسير التوصل إلى حل سياسي للأزمة وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل بوصفه شرطاً مسبقاً لمحاربة انتشار التنظيمات الجهادية العنيفة.

 

 ورغم أن الجزائر، مع الجيران الخمسة الآخرين لليبيا (مصر، والسودان، وتشاد والنيجر وتونس)؛ كانت تفضل مقاربة تدفعها وتنسقها المنطقة ذاتها، فقد عارضت الجزائر قرار مصر بدعم برلمان طبرق المعترف به ضمنياً، سياسياً وعسكرياً. وهي تعارض أيضاً دولا أخرى أبعد، مثل الإمارات العربية المتحدة أو الأردن، التي تمارس نفوذاً في ليبيا من خلال دعم الفصائل الموالية لطبرق.

 

 وفي فبراير 2015 ، اتخذت الجزائر موقفاً حاسماً في مجلس الأمن ضد دعوة مصر لرفع جزئي لحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا (والمفروض منذ فبراير 2011 ) للسماح بتدفق الأسلحة للجانب الذي يؤيد برلمان طبرق. وتعتقد الجزائر أن المقاربة المصرية مدفوعة بعداءها للإسلام السياسي، خصوصاً الإخوان المسلمين، رغم أنهم يشكلون جزءاً صغيراً من التحالف الداعم لبرلمان طرابلس. كما عارضت الجزائر بقوة مشروع تدخل عسكري جديد بقيادة قوى غربية، يهدف إلى محاربة داعش وأمثالها من الجماعات المتشددة.  وترفض الجزائر فكرة التبعات المحتملة( لعدم التدخل) بوصفها ساذجة، تماماً كما كان التدخل الأول لحلف شمال الأطلسي.

 

كما سبق للجزائر أن رفضت طلبًا أمريكيًّا بالسماح لطائرات من دون طيار بالانطلاق من أجوائها نحو ليبيا. ويمكن القول، أن الموقف الخارجي متسق تماما وخط سياستها الخارجية في مثل هذه القضايا. فلطالما ترفض الجزائر التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للبلدان، وتدعم بدل ذلك الحل السياسي كالشأن مع سوريا واليمن، بالإضافة إلى ذلك فإن عقيدة الجيش الجزائري تمنعه من خوض حروب خارج حدود البلاد.

 

لذا تلقي الجزائر حاليا بثقلها السياسي لدفع الأطراف الليبية إلى التوافق والالتفاف حول حكومة الوفاق الوطني، المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، لكي تتمكن من تخليص ليبيا من الجماعات الجهادية والمليشيات المسلحة. وسارعت الجزائر إلى إرسال وزيرها للشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية عبد القادر مساهل إلى ليبيا لتأكيد موقفها الداعم لحكومة الوفاق والرافض للتدخل الأجنبي. كما ترغب الجزائر في العودة إلى طرابلس لتوطيد التنسيق مع حكومة الوفاق؛ حيث أعلنت أنها ستعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية خلال الأيام المقبلة.

 

  1.  تونس: الاستقرار أولا

   طرحت الثورة في تونس نوعين من التحديات. أولاً، فقد منحت الفرصة لحزب إسلامي هو حزب النهضة لممارسة السلطة التنفيذية في بلد كانت نخبته الحاكمة تشاطر المؤسسة الجزائرية عداءها للتيار الإسلامي. ففي ظل الحرب الأهلية التي اندلعت في تسعينيات القرن العشرين، بين الدولة والإسلاميين في الجزائر، لم يكن من المتوقع أن ترحب الجزائر بالترويكا التي كانت تقودها النهضة. ثانياً، أدى انتشار الفوضى واضطراب الوضع الأمني في تونس بعد الثورة إلى إضعاف السيطرة الأمنية على الحدود الشرقية للجزائر التي كانت دائماً حدوداً آمنة، ما عرضها لمخاطر أكبر ليس فقط من تونس نفسها بل أيضاً من ليبيا. وتنظر الجزائر إلى تونس بوصفها ممراً استراتيجياً أو امتداداً لمنطقتها الشرقية باتجاه ليبيا.

 

   من هذا  المنظور، فإن تونس مستقرة تشكل عمقاً استراتيجياً ضد التهديد المتصاعد للجماعات الجهادية العابرة للحدود والتي تستخدم ليبيا كقاعدة لزعزعة استقرار المنطقة. ومهما كانت المخاوف التي ساورت الجزائر حيال الانفتاح على الإسلاميين، فإنها لعبت دوراً مهما خلف الكواليس في تحقيق الاستقرار خلال عملية الانتقال السياسي بعد بن علي في تونس، بما في ذلك التدخلات الحاسمة خلال الأزمة بين أحزاب المعارضة والحكومة التي تقودھا النهضة عام 2013 وما تلا ذلك من حوار وطني. كما أنها منحت تونس 200 مليون دولار على شكل قروض وودائع في مايو 2014.  وعززت التعاون القوي بين البلدين في مجال محاربة الإرهاب والأمن عبر الحدود. وأكدت الهجمات على الجنود التونسيين والجزائريين في منطقة جبل الشعانبي الحاجة لمقاربة تنسيقية لأمن الحدود.

 

   وتنظر الجزائر إلى افتقار تونس للخبرة في محاربة التهديد الجهادي وحماية الحدود البالغ طولھا 965 كم على أنها فرصة لزيادة التعاون وتعميق سياسة الجوار. وفي فبراير 2015 ، قام الرئيس الباجي قائد السبسي بأول زيارة رسمية له إلى الخارج فكانت إلى الجزائر من أجل "تعزيز التعاون" بين البلدين.

 

  وكانت رؤية الإسلاميين يصلون إلى السلطة في تونس من خلال أول انتخابات أجريت بعد الثورة في  أكتوبر 2011 ذكريات مؤلمة بالنسبة للجزائر،  وعبر المسؤولون الأمنيون في الجزائر عن قلقهم من الصعود السياسي للإسلاميين، واعتبروا حركة النهضة واجهة لمجموعات متطرفة مثل أنصار الشريعة (على الأقل إلى أن قامت الحكومة التي تقودها النهضة بحظر أنصار الشريعة) مستذكرين أن زعيم النهضة راشد الغنوشي عبر عن دعمه للجبهة الإسلامية للإنقاذ في التسعينيات وعارض قرار الإخوان المسلمين الجزائريين في مبادرة الوفاق الوطني عام 1994 العمل من داخل النظام الجزائري. إلا أن الجزائر خالفت التوقعات بأنها ستسعى إلى تقويض النفوذ السياسي الإسلامي في تونس، جزئياً لأن حركة النهضة لم تتبن مقاربة متشددة وتعاملت بحزم أكبر مع المجموعات المتطرفة مثل أنصار الشريعة، واستقبل بوتفليقة كلاً من الغنوشي والسبسي- إبان رئاسته للوزراء بعد الثورة وقبل انتخابه رئيسا للجمهورية التونسية-، في لحظة مفصلية وحاسمة من العملية الانتقالية، وهي الاجتماعات التي اعتبرت محورية لنجاح الحوار الوطني في 2013-2014.

 

أيضا، هناك ما يشير إلى أن السبب المباشر لدعم الجزائر لترتيبات حكم توافقية منذ أواسط عام 2013 (بعد فترة اعتقد خلالها العديد من المراقبين السياسيين التونسيين بأنها لن تتحمل هيمنة النهضة) هو أنها تعتبر أن النهضة تعمل معها على التواصل مع الإسلاميين الليبيين، كوسيط. ومن غير الواضح ما إذا كانت تفعل ذلك نتيجة لضغوط جزائرية أو نتيجة حساباتها بأن مصلحتها تتمثل في حل سياسي في ليبيا لأن جنوبها مكشوف أمام الصراعات المتصاعدة عبر الحدود. ومهما يكن من أمر، فإن الجزائر لها دور كبير في مستقبل التوازن الذي لا يزال هشا في تونس.  وهذا ما يثير مخاوف بعض التونسيين؛ حيث يساورھم القلق ليس فقط حيال تدخل جارتهم، بل أيضاً حول الاعتماد المفرط لاستقرار بلادهم على الجزائر في الوقت الذي قد تواجه فيه الجزائر نفسها قدراً متزايداً من عدم الاستقرار.

 

سادسا: العلاقات الجزائرية – الإماراتية .. نقاط اختلاف جوهرية:

خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضى شهدت العلاقات الجزائرية مع دول الخليج تقارباً بدرجة ما. حيث شهدت تلك السنوات حربا جزائرية ضد إرهاب "جبهة الإنقاذ الإسلامية". أثناء ذلك أصدر علماء سعوديون فتاوى لإقناع المتطرفين في الجزائر بإلقاء السلاح، وإعلان التوبة. كذلك، توطدت، فى ذات الفترة، العلاقات بين الجزائر والإمارات، حيث كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مقيما في أبوظبى خلال فترة إبعاده عن السلطة في الجزائر آنذاك.

 

 لكن على الرغم مما سبق، دفعت محددات السياسة الخارجية الجزائرية في اتجاه التحفظ، وأحيانا التباين والتقاطع مع السياسات الخارجية الخليجية بشكل عام، والإماراتية بشكل خاص. وكان "الملف السوري" و "التحالف الإسلامي ضد الإرهاب" وما يرتبط به من ملفات وأهمها العلاقات مع إيران وحزب الله. وأخيرا "التحالف العربى" الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن" أبرز القضايا الخلافية بين الجزائر والإمارات.

 

  ويمكن اختصار أبرز محددات السياسة الخارجية الجزائرية التي تتقاطع ونظيرتها الإيرانية في النقاط التالية:

  1. العقيدة العسكرية الجزائرية: والقائمة على أسس وطنية، تحول دون انخراط قوات مسلحة جزائرية خارج الحدود. ويُلاحَظ في هذا الإطار أن الجزائر مورست عليها ضغوط دولية كثيرة لإشراكها في العمليات العسكرية في شمال مالي عام 2012 إلا أنها امتنعت، واكتفت بالموافقة على هذا التدخل الذي قادته فرنسا بعد ضغط دولي كبير. وعمومًا فإن الجزائر تتحفظ على استعمال القوة العسكرية لحل النزاعات الدولية، وتجسّد ذلك أكثر من مرة في العالم العربي، مثل رفضها لحرب الخليج الثانية وغزو العراق والضربات العسكرية الدولية في ليبيا، ورفضها الدائم لاستعمال القوة العسكرية ضد نظام الأسد. وكذلكـ، رفض الجزائر المشاركة في عملية عاصفة الحزم؛ لتكون بذلك أول بلد عربي يعلن صراحة رفضه للعملية العسكرية، وثاني دولة إسلامية بعد إيران. وكان وزير الشؤون الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، قد أكد في مارس 2015 أن الجزائر لديها موقف سياسي، وجيشها يحارب داخل أراضيها فقط.
  2. الانشغال الدبلوماسي بإفريقيا:

عًرفت الدبلوماسية الجزائرية بتركيزها الكبير على القارة الإفريقية لاسيما جنوب الصحراء، حيث نسجت علاقات قوية مع حلفائها الأفارقة الأساسيين الذين يشاطرونها مواقفها الخارجية لاسيما جنوب إفريقيا ونيجيريا وزيمبابوي وأنجولا وغيرها، بينما كان حضورها على الساحة العربية ضعيفًا، خاصة بعد سقوط أو انهيار النظم العربية الأقرب لمواقفها، وأعني نظام صدام حسين في العراق، ونظام الأسد في سوريا. 

  1. العلاقات الجزائرية والمحور الإيراني:

 يمكن أن تُفسِّر علاقةُ الجزائر مع إيران وحلفائها جزئيًّا الموقفَ الجزائري تجاه السياسات الخليجية والإماراتية. إذ تتسم علاقاتها وهذا المحور بالمتانة والقوة.  وقد تأكد ذلك في مناسبات عديدة بداية من رفض مقترحات عربية وخليجية بالأساس للتدخل العسكري الدولي في سوريا. وتحتفظ الجزائر بعلاقات متينة مع نظام بشار الأسد. هذه العلاقات التي يبدو أنها لعبت دورا في تقريب المواقف مؤخرا بين دمشق وأنقرة وطهران. ففي الثامن من إبريل 2016، نقلت صحيفة "الوطن" الجزائرية عن مصدر دبلوماسي جزائري أن بلاده عملت على امتداد أسابيع على الوساطة سرا بين حكومتي أنقرة ودمشق في صفقة "تبادلية" على حد تعبير الصحيفة. ورغم أن تحليلات ومصادر عديدة نفت أن يكون هذا صحيحا، إلا أن التدخل التركي في الشمال السوري وبتنسيق كبير ونظام الأسد والقوات الموالية له، يعزز مصداقية هذه الأنباء.

 

كذلك يمكن أن يكون التقارب الجزائري الإيراني الحالي بسبب ملف سوريا، وانخفاض سعر النفط عوامل مفسره للموقف الجزائري المتحفظ من عاصفة الحزم. وبدا أيضا أن العلاقات الجزائرية الإيرانية كانت وراء رفض جزائري ثانٍ للمشاركة في التحالف الإسلامي الذي أعلنته المملكة العربية السعودية في 15 ديسمبر الماضي. وقد بررت الجزائر موقفها حينها بأنها لا تريد المغامرة بالانضمام إلى " تحالف مزاجي لمحاربة ما يسمى الإرهاب" . وقد فسر البعض هذا التعبير بوصفه إشارة من قبل الجزائر إلى توجه التحالف أساسا ضد إيران وحلفائها.

 

وأخيرا، كانت الجزائر بين الدول القلائل الرافضة لتصنيف حزب الله عربيا بوصفه تنظيما إرهابيا، على الرغم من إقرار العديد من الدول العربية ومجلسي وزراء الداخلية والخارجية العرب لهذا التصنيف. وشاركتها في موقفها كل من العراق ولبنان.  وكان مجلس وزراء الخارجية العرب، قد أقر منتصف مارس الماضي قرارا يعتبر حزب الله منظمة إرهابية يحظُر التعاون معها. وقد تحفظت الجزائر على قرار المجلس بشأن إدراج حزب الله كمنظمة إرهابية، وكررت موقفها في القمة الإسلامية التي عقدت في إسطنبول منتصف إبريل الماضى.

 

وأكدت الجزائر أنها عانت من الإرهاب العابر للحدود لأكثر من 20 سنة، وتطالب دومًا بتعريف موحد للإرهاب أولًا وقبل أي تحرك من أي جهة كانت. وقد كان للجزائر دومًا علاقات جيدة مع إيران بعد الثورة التي قادها الخميني عام 1979، عكس المغرب الذي كانت له علاقة جيدة مع إيران الشاه الذي استُقبِل في المغرب بعد الإطاحة به، بينما لم يكتف الملك الراحل الحسن الثاني بمعارضة إيران بعد الثورة، بل وصل به الحد إلى تكفير الخميني رسميًّا.

  1. الوضع الجزائري الداخلي:

تسببت جملة المشكلات الجزائرية الداخلية، من عدم استقرار وضبابية مآلات عملية الانتقال السياسي، واضطرابات اقتصادية واجتماعية إلى تركيز الجزائر على شؤونها الداخلية. وفي الوقت نفسه، تحفظ وإحجام المستثمرين الإماراتيين عن دخول السوق الجزائري بكثافة. رغم تكرار الوعود بزيادة حجم الاستثمار الإماراتي في السوق الجزائري، والتي كان آخرها خلال الملتقى الاستثماري – الجزائري والذي انعقد في 17 إبريل الماضي في أبو ظبي. ورغم أن حجم السوق الاستهلاكي الجزائري الكبير – 40 مليون نسمة تقريبا – يؤهلها لاستثمارات كبيرة، إلا أن الوضع الداخلي لا يزال عقبة أمام هذا المسار.

الأمر الآخر، اضطرابات ما بعد الثورات العربية، وأيضا التغيير الذي طرأ على وضع المؤسسة العسكرية الجزائرية وتفكيك جهاز المخابرات، أدى إلى المزيد من شعور الجزائر بالانكشاف والهشاشة في مواجهة أية اضطرابات داخلية أو على حدودها. الأمر الذي يدفعها نحو تغليب منهج "الاستقرار أولا" ولو بأي ثمن.  هنا يمكن القول أن القلق الجزائري من اضطراب الوضع في تونس ربما لعب دورا في المزيد من توتر العلاقات مع الإمارات. ففي نوفمبر 2015، ترددت أنباء حول تحذير مسؤولون عسكريون جزائريون لنظراءهم في تونس، من محاولات إماراتية لزعزعة استقرار تونس. وقد ألقت هذه الأنباء بالفعل ظلالا كثيفة على علاقات لا تتسم أصلا بالقرب ولا بالحميمية.

  1. تميز العلاقات المغربية-الخليجية:

 لا شك أن الخصومة السياسية القائمة بين الجزائر والمغرب على خلفية قضية الصحراء الغربية، يعد أحد العوامل المهمة المفسرة لدوافع الدبلوماسية الجزائرية في هذا المنحى، بناء على منطق نظرية اللعبة الصفريّة، حيث لم نشهد خلال السنوات الأخيرة أيّ اتفاق بين الدبلوماسيتين المغربية والجزائرية في أيٍّ من القضايا الإقليمية إلا ما نَدَر. وترى الجزائر من خلال هذا التصور أن العلاقات المغربية الخليجية القوية والتي انتعشت أكثر خلال انتفاضات " الربيع العربي" قوَّت موقع المغرب سياسيًّا واقتصاديًّا في المنطقة؛ مما يعني تلقائيًّا خسارة للجزائر حسب هذا التصور.

جدير بالذكر، أن الجزائر عبرت رسميًّا، على لسان السيد عبد العزيز بلخادم، وزير الدولة الجزائري السابق والممثل الشخصي السابق للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عن استغرابها عندما دُعي المغرب من قِبل دول الخليج عام 2011 للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي. ويضاف إلى هذا أن دول الخليج من أكبر الداعمين لموقف المغرب من نزاع الصحراء، بينما تقف الجزائر على النقيض من ذلك تمامًا بدعمها بكل الوسائل لجبهة البوليساريو.

  1. الاختلاف حول آليات التحكم في أسعار النفط العالمية:

شهدت العلاقات الجزائرية-الخليجية بشكل عام فتورًا ظاهرًا خلال الشهور الماضية، لاسيما بين الجزائر والسعودية والإمارات؛ بسبب تناقض تصورات البلدين حول آليات مواجهة تراجع أسعار النفط ورفض السعودية والإمارات تخفيض إنتاجهما من النفط قصد التحكم في أسعاره في الأسواق العالمية؛ مما جعل الجزائر تعيد النظر في سياستها الخارجية تجاه دول الخليج، وتفكر في تشكيل تكتل في مجال الطاقة يحمي مصالحها إلى جانب كل من روسيا وفنزويلا وإيران، وهي الدول المتضررة من انخفاض أسعار النفط، إلى جانب سعيها إلى إحياء منظمة الدول الإفريقية المصدرة للنفط من خلال تنسيقها خلال الشهور الماضية مع كل من جنوب إفريقيا ونيجيريا وأنجولا. وقد وصل الحد ببعض السياسيين الجزائريين إلى اعتبار السياسة النفطية الجديدة لدول الخليج بأنها مؤامرة هدفها الإضرار بالجزائر، حيث صرّح مثلًا عمار سعداني، الأمين العام لجبهة التحرير الوطنية، أن السعودية متورطة في مخطط أميركي خليجي يستهدف الجزائر من خلال التلاعب بأسعار النفط.

  • فتور فى العلاقات لكن دون قطيعة:

ساهمت نقاط الخلاف سالفة الذكر في فتور العلاقات الجزائرية الإماراتية. ولكنها لم تفضي إلى القطيعة. وربما كان للعلاقات الشخصية بين الرئيس الجزائري والنظام الإماراتي الحاكم. وأيضا رهان إماراتي على خبرة الجزائر في التصدي للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والنشطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، دورا في الإبقاء على العلاقات بين البلدين. بل أيضا، كان لدبلوماسية الوساطة الإماراتية دورا مهما في الإبقاء على العلاقات الجزائرية – السعودية والتي كانت تقترب من حد القطيعة الكاملة.

فبحسب ما نقل مصدر دبلوماسي جزائري  فقد كادت العلاقات أن تقطع تماما بين الجزائر والسعودية، قبل أشهر قليلة، بعد قرار السعودية دعم موقف المغرب من أزمة الصحراء، ثم زيارة وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، الجزائري عبدالقادر مساهل للعاصمة السورية دمشق، فى إبريل الماضى، إلا أن وساطة من الإمارات العربية المتحدة منعت القطيعة الكاملة بين البلدين وساهمت في الإبقاء على التواصل بينهما. واليوم تتواصل الاتصالات بين الجزائر والرياض بشكل غير مباشر بوساطة من دولة الإمارات العربية من أجل عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها. و قد تضمنت مبادرة إماراتية لتهدئة العلاقات المضطربة بين السعودية والجزائر (3) بنود هي وقف التصعيد من الجانبين ووقف أي تصريح مسيئ من الجانبين ثم السعي لعقد لقاء مباشر بين مسؤولين في الجزائر وفي السعودية يعقد في أبو ظبي. وقال مصدر دبلوماسي جزائري في أغسطس 2016 إن وزير الطاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة نقل إلى الجزائر رسالة من حاكم الإمارات سلمها في نسختين الأولى إلى نائب وزير الدفاع الثانية إلى مستشار الرئيس بوتفليقة .

وتضمنت الرسالة دعوة لوقف أي تصريحات عدائية من الجزائر تجاه السعودية على أن تبادر السعودية إلى الإجراء ذاته. بالإضافة إلى طلب من الجزائر أن لا تبادر إلى تصرفات قد يفهم منها انحيازها بالكامل إلى إيران و سوريا على أن تبادر الإمارات العربية لإنتزاع تصريح سعودي يتضمن إشارة مباشرة للتهدئة. كما تضمنت الرسالة تضمنت دعوة مسؤولين جزائريين لزيارة ابو ظبي من اجل عقد لقاءات مباشرة مع مسؤولين في العربية السعودية.