المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"السلفية.. الوهابية.. الإخوانية".. صراع المرجعيات بعد مؤتمر "الشيشان"

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 03:15 مساءٍ

مؤتمر الشيشان
مؤتمر الشيشان

حين نتأمل في ردود أفعال المدارس: السلفية، والوهابية، والإخوانية، تجاه توصيات مؤتمر" من هم أهل السنة؟ " الذي عقد في العاصمة الشيشانية "جروزنى"، خلال الفترة من 25 إلى 27 أغسطس الماضي (تحت رعاية الرئيس الشيشاني "رمضان قديروف") سندرك على الفور أن تفاعلات ذلك المؤتمر وتداعياته، ستتوالى فصولاً في المرحلة المقبلة، وستحتدم على إيقاع الصراعات السياسية وحروب المحاور والمعسكرات المتقابلة في الإقليم برمته.

 

المؤتمر الذي عقد تحت عنوان "من هم أهل السنة والجماعة؟"، وبحضور كثيف ورفيع من الأزهر (ودار الإفتاء المصرية، ومشاركة عربية فاعلة) برغم إدراجه المذاهب الأربعة: الحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية في عداد أهل السنة، إلا أنه اعتبر " السلفية والوهابية وجماعة الإخوان المسلمين" فرقاً طائفية دخيلة على السنة. كما لم يدرج المؤسسات الدينية السعودية ضمن المؤسسات التعليمية "العريقة". حيث تضمنت توصيات المؤتمر: أن أهل السنة والجماعة هم "الأشاعرة والمتردية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً، على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد، ومن سار على نهجه من أئمة الهدى"، حسب نص البيان الختامي للمؤتمر، الذي حض أيضا على إنشاء قناة تلفزيونية على مستوى روسيا " لتوصيل صورة الإسلام الصحيحة". كما حث على التعاون بين المؤسسات التعليمية العريقة وبين المؤسسات الدينية والعلمية في روسيا الاتحادية. وفى هذا السياق، حدد المؤتمر المؤسسات الدينية السنية العريقة بأنها الأزهر الشريف، والقرويين، والزيتونة، وحضرموت، ومراكز العلم والبحث فيما بينها.

واعتبر العلماء المشاركون (أكثر من 200 عالم من مختلف العالم الإسلامي) أن المؤتمر يمثل " نقطة تحول هامة وضرورية لتصويب الانحراف الحاد والخطير الذي طال مفهوم أهل السنة والجماعة إثر محاولات اختطاف المتطرفين لهذا اللقب الشريف وقصره على أنفسهم وإخراج أهله منه " وفقا لتعبيرهم في البيان الختامي.

 

أسباب مهاجمة المؤتمر

المؤتمر لم يمر مرور الكرام، فقد جوبه بعاصفة من الانتقادات شديدة اللهجة، خاصة في المملكة العربية السعودية، سواء على المستوى الرسمي، أو على المستوى الشعبي من قبل شيوخ السلفية هناك (والمرتبطين بهم في عدد من الدول العربية والإسلامية). كذلك من قبل الدوائر المرتبطة بالإخوان المسلمين، مثل ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة يوسف القرضاوي، وعشرات غيرهم (أفراداً ومؤسسات) حملوا جميعا على المؤتمر واعتبروه " فعلاً سياسياً مشبوهاً من قبل محور بعينه، يستعدي الإخوان المسلمين أساساً، ويضمر شراً بالمدارس الوهابية والسلفية". على حد قولهم.

 

 

والحقيقة أن المؤتمر، ما كان ليحظى بكل هذا الاهتمام ويستجلب كل ردود الأفعال التي أثارها، لولا ثلاثة عوامل أساسية:

 

الأول:

أنه عقد بمشاركة مصرية رفيعة وكثيفه، شملت شيخ الأزهر أحمد الطيب، ومفتي مصر الحالي شوقي علام، والمفتي السابق علي جمعة، والداعية اليمني علي الحبيب الجفري، ورهط من العلماء، كما شارك الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية المصرية، الذي صرح بأن الرئيس الشيشاني طلب منه نشر التصوف في بلاده لمواجهة التطرف) الأمر الذي عُدّ بمثابة "رسائل مصرية" إلى السعودية، في وقت حرج ودقيق تمر به العلاقات بين البلدين الكبيرين.

 

الثاني:

يمكن استنتاجه من تساؤلات بعض كتاب السعودية ومحلليها السياسيين المقربين من مراكز صنع القرا، حول من " موّل ودفع نفقات المؤتمر"، في إشارة على ما يبدو إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لا تخفي عدائها لجماعة الإخوان المسلمين، وتعتبرهم تنظيماً إرهابياً، وتشترك مع القيادة المصرية الحالية، في قراءة واحدة وتصنيف مشترك لهذه الجماعة.

 

وهنا تتعين الإشارة إلى أن المؤتمر شهد مشاركة فاعلة من قبل العلماء والدعاة المحسوبين على "مجلس حكماء المسلمين" الذي أسسته دولة الإمارات منذ عدة سنوات.

الثالث:

أنه عقد في "جروزنى" التي يرتبط بها صعود نجم فلاديمير بوتين من جهة، وانهيار الحركة الإسلامية الشيشانية من جهة ثانية، وبتنظيم من " رمضان قديروف" الصديق المقرب لبوتين، والرجل الأكثر حماسة لمقاتلة الجماعات المتطرفة المسلحة في سوريا.


توضيحات الأزهر

الأزهر الذي استشعر أنه "تورط" في جدل سياسي (بعد الانتقادات القاسية التي خرجت من أوساط سعودية احتجاجاً على استثناء السلفية من قائمة المشمولين بتلك الصفة) حاول تطويق عاصفة الانتقادات بالتأكيد على مضامين كلمة شيخه في المؤتمر. وأصدر المركز الإعلامي بالأزهر بياناً حول موقف شيخه أحمد الطيب من مؤتمر جروزني، قال فيه: إنه "تابع ما أثير حول توصيف مَنْ هم أهل السنة والجماعة على بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي وردود الأفعال حول توصيات المؤتمر"، مؤكداً أن الطيب "نصَّ خلال كلمته للأمة في هذا المؤتمر على أن مفهوم أهل السُّنة والجماعة يُطْلَق على الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث".  وتابع بيان الأزهر بالقول: إن الطيب "نقل عن العلامة السفَّاريني قوله: وأهل السُّنَّة ثلاث فِرَق: الأثريَّة وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وعن العلَّامة مرتضى الزَّبيدي قوله: "والمراد بأهل السُّنة هم أهل الفِرَق الأربعة: المحدِّثون والصُّوفية والأشاعرة والماتريدية، معبرًا بذلك عن مذهب الأزهر الواضح في هذه القضية."

لكن على أية حال، لم تنجح تلك الإيضاحات من الأزهر في إيقاف تسونامي الانتقادات.

 

 

صراع المرجعيات

وبدا الأمر وكأننا أمام فصل جديد من فصول الصراع المحتدم حول "المرجعية الدينية" واستتباعاً "المرجعية السياسية" في المنطقة ...

* الأزهر الذي احتل مكانة "المرجعية" زمن صعود مصر وازدهار دورها الإقليمي، يدخل اليوم بكل ثقله للدفاع عن وضعيته المرجعية في مواجهة علاقات متوترة أصلاً مع جماعة الإخوان المسلمين وشديدة الالتباس مع المدرسة السلفية الوهابية ...

والملاحظ  هنا ، أن مؤتمر الشيشان أظهر حجم ما يتمتع به الأزهر من مكانة فى نفوس مسلمى منطقة القوقاز... فالرئيس الشيشانى رمضان قاديروف، وعدد من القيادات السياسية والدينية فى القوقاز، كانوا فى وداع شيخ الأزهر بالمطار، بل إن الرئيس الشيشانى  أصر على الصعود مع الدكتور "الطيب" وإيصاله إلى مقعده بطائرتة الخاصة، تعبيرا منه عن تقديره لمكانة فضيلته كرمز للأمة الإسلامية، وشيخ لعلماء أهل السنة والجماعة.

 

أما على المستوى الشعبى، فقد لاقت زيارة الإمام الأكبر للجمهورية الواقعة فى شمال القوقاز، استقبالا شعبيا واسعا، إذ استقبله الشيشانيون على جنبات الطريق بالهتافات والأناشيد الشيشانية فرحا بزيارة فضيلته لبلادهم.

 

 

* فيما المدرسة السلفية الوهابية التي اضطلعت بدور "مرجعي" مع صعود السعودية وازدهار دورها الإقليمي في السنوات الثلاثين الماضية، تدافع اليوم عن مكانتها المرجعية في مواجهة أشد موجات الانتقاد والاتهام وأعتاها...

 

وفى هذا السياق، وفيما يعتبر أول رد رسمي من قبل المملكة العربية السعودية، أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة بيانا حذرت فيه من الدعوات التي تهدف إلى إثارة النعرات وإذكاء العصبية بين الفرق الإسلامية، مؤكدة أن كل ما أوجب فتنة أو أورث فرقة فليس من الدين في شيء، وليس من نهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم."

 

وفي إشارة لما ورد في مؤتمر الشيشان بأنه لا يخرج من كونه موجه سياسيا، أوضح البيان، أنه ” ليس من الكياسة ولا من الحكمة والحصافة؛ توظيف المآسي والأزمات لتوجهات سياسية، وانتماءات فكرية، ورفع الشعارات والمزايدات والاتهامات والتجريح”، داعية كل من ينتسب إلى العلم والدعوة مسؤولية أمانة الكلمة، ووحدة الصف، بخلاف أهل الأهواء الذين يريدون في الأمة اختلافًا وتنافرًا وتنابذًا وتنابزًا؛ يؤدي إلى تفرق في دينها شيعا ومذاهب وأحزابًا، على حد قول البيان.

 

أما على مستوى ردود الأفعال من قبل الرموز الدينية والدعوية في المملكة، فقد جاء رد رئيس الهيئة العالمية لتدبر القرآن، عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين، الدكتور ناصر العمر، الذي اعتبر المؤتمر بمثابة طعنة في عقيد الأمة.

وقال في سلسلة تغريدات عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي”تويتر”: "أن مؤتمر الشيشان طعنة في عقيدة الأمة ومنهجها، ودعم لألد أعدائها في أصعب محنة تمر بها..." !!.

 

أما الشيخ السعودي، محمد السعيدي، فذهب إلى القول بأن المؤتمر "تآمري على العالم الإسلامي وعلى المملكة العربية السعودية بشكل خاص، يقع ضمن العديد من التحركات الغربية لقتل كل مظاهر يقظة الشعوب الإسلامية إلى حقيقة دينها" وفق رأيه.

 

* أما المدرسة الإخوانية التي بقيت في الظل وخلف القضبان لسنوات وعقود، فقد انتعشت آمالها في العقد الأخير، مع صعود الإسلام السياسي التركي ووصولها إلى سدة الحكم في عدة دول عربية فاعلة، فضلا عن تحالفها مع النظام القطري، وهي " تتشبث" اليوم بمواقعها كي لا تعود ثانية إلى الزوايا المعتمة، ودائماً في سياق صراع سياسي محتدم على "الدور" و"الزعامة"، داخل البيت السنّي هذه المرة، ومن دون اتهامات ظاهرة لإيران بالتدخل بالشؤون الداخلية لأهل السنة والجماعة.

وفى هذا السياق وصف رئيس ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ "يوسف القرضاوي" مؤتمر جروزني بأنه "مؤتمر ضرار". ..... وقال" القرضاوي"   في بيان له نشره موقعه الإلكتروني: "أزعجني هذا المؤتمر بأهدافه وعنوانه، وطبيعة المدعوين إليه والمشاركين فيه، كما أزعج كل مخلص غيور من علماء الإسلام وأمته، فرأيت أن أصدقَ ما يوصف به أنه مؤتمر ضرار".


كما وصف من تصدر المؤتمر بأنهم "علماء السلطان وشيوخ العار الذين سكتوا عن دماء المسلمين المراقة ظلما وعدوانا من روسيا وأذنابها، والذين هللوا للمستبدين في عالمنا العربي وحرضوهم على سفك الدماء" على حد قوله.

 

حسابات روسيا والعالم الغربي

* لكن في المقابل، وبعيدا عن انتقادات المدارس السلفية والوهابية والإخوانية، وبالنظر إلى حسابات روسيا والغرب، ينبغي أن نلتفت إلى ما يلي:

إن روسيا تعتقد بأنها تدافع عن "حقها" في إعادة انتاج "إسلام روسي" متكيف مع السياق الحضاري والتاريخي والثقافي لها، تماماً مثلما تفعل فرنسا وألمانيا هذه الأيام، بحثاً عن "إسلام فرنسي" و"إسلام ألماني"، وستحذو دول عدة حذو هذه البلدان في فعل الشيء ذاته، لمواجهة "طبعات متشددة"، "صحراوية وبدوية مقاتلة"، على حد تعبير خبراء من هذه الدول، من "الإسلام غير المتسامح"، الذي غزا المنطقة والعالم في السنوات الثلاثين الفائتة، وبات يتهدد هوية دولها ومجتمعاتها ويضرب نسيجها، ويشكل بيئة خصبة لإنتاج التطرف والغلو، واستتباعاً الإرهاب.


وجميع هذه الدول من دون استثناء، تبحث عن "حلفاء" لها من داخل العالمين العربي والإسلامي، يمدون لها يد العون لإنتاج "إسلامها الخاص" ... ألمانيا التي طالما اعتمدت على "المدرسة التركية" تبحث الآن عن مدارس بديلة، فرنسا تستنجد بالرابطة المحمدية و"الإسلام المغربي" لملء الفراغات والشواغر من الأئمة والوعاظ ورجال الدين، وروسيا تجد في الأزهر الشريف، حليفاً يمكن الوثوق به لمواجهة المد "السلفي -الوهابي – الإخوانية" في داخلها وعلى تخوم جوارها الإسلامي الكثيف والعميق.