المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

إسرائيل ودول الخليج.. من التعاون الضمني إلى "المصالحة".. عرض لرؤية صناع القرار في إسرائيل

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 03:36 مساءٍ

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

شهد موقف دول الخليج العربي من إسرائيل، بحسب وجهة نظر دوائر مقربة من صناعة القرار الإسرائيلي، أطوارا عدة على امتداد ما يقرب من أربعة عقود مضت، بداية من الرفض والعداء، مرورا بالتلويح بالاعتراف الضمني، ثم الاعتراف الضمني عبر المبادرة العربية للسلام، وصولا إلى تعزيز مستوى ما من التقارب والعلاقات الضمنية وعبر قنوات خلفية.

 

 وبحسب ما ترى وجهة النظر الإسرائيلية، فإن حزمة من التهديدات المشتركة القادمة من إيران ومحورها باتت المصدر الرئيسي للتقارب بين دول الخليج وإسرائيل.  ومع ذلك، لا يمكن القول أن العلاقات ستصل في أي وقت قريب إلى مستوى التطبيع.

 

ورغم كل ما تردد خلال الأشهر الأخيرة بشأن تقارب العلاقات الإسرائيلية – الخليجية؛ ترى دوائر صناعة القرار الإسرائيلية أن التطبيع بين إسرائيل و دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- صاحبة مشروع المبادرة العربية للسلام – لا يزال حتى الآن مرهونا بثلاث عناصر ألا وهي:

  •  تحقيق تقدم على صعيد عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
  •  التوافق العربي على مسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
  •  واعتبارات السياسة الداخلية الخاصة بدول مجلس التعاون الخليجى.

 

ويبدو أن الجانبين، حسبما تقول دوائر مقربة من صناعة القرار الإسرائيلية، لا يزالان يفضلان تعزيز سياسة مزدوجة، تقبل من جهة عدم تطبيع العلاقات، ولكنها تعزز من جهة أخرى علاقات وتفاهمات نشطة وضمنية في الوقت نفسه.

 

بل إن إسرائيل ترى أيضا أنه ليس من مصلحتها محاولة تغيير طبيعة العلاقات من علاقات سرية إلى علاقات معلنة. لأن هذا قد يحطم ما تم إنجازه إلى حد كبير خلال السنوات الماضية. في الوقت نفسه، هناك مدى واسع من الخيارات تقع بين العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وانقطاع العلاقات بشكل كامل، وبإمكان إسرائيل دوما أن تستفيد من هذه المساحة من الخيارات.

 

وفيما يلي، عرضا لرؤية دوائر بحثية مقربة للدوائر السياسية وصناعة القرار في إسرائيل، فيما يخص العلاقات الإسرائيلية – الخليجية، من حيث أبعادها، وممكنات تطورها في المستقبل.

 

أولا: في البدء.. من الرفض إلى التلويح بالاعتراف

على خلاف ما كان يُعرَف بدول "الطوق" الأقرب لإسرائيل، لم تنخرط دول مجلس التعاون الخليجي أبدا في عمليات مباشرة مع إسرائيل، رغم إرسال المملكة العربية السعودية قوات عسكرية رمزية أثناء حروب 1948، 1967 وحرب السادس من أكتوبر 1973. إلا أنها وخلال الأخيرة رفعت سلاح حظر تصدير النفط، ونجحت في توظيفه لصالح الموقفين المصري والسوري إلى حد كبير. إلا أنه وحسب مصادر إسرائيلية، عمل توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر في مارس 1979 على تهميش محاولات الرياض تقديم خطة إقليمية للسلام إلى واشنطن. الأكثر من ذلك، أن الرياض عارضت المسار الثنائي للمفاوضات الإسرائيلية – المصرية وانضمت إلى غالبية العالم العربي، ضد الموقف المصري.

 

بدأ هذا الموقف في التغير بشكل طفيف، وباتجاه الاقتراب من الاعتراف الضمني بإسرائيل، لأغراض تكتيكية وليس استراتيجية على ما يبدو، أوائل الثمانينيات. ففي حديث أدلى به ولي عهد المملكة العربية السعودية، آنذاك – الأمير فهد بن عبد العزيز – إلى وكالة الأنباء السعودية في السابع من أغسطس 1981. قدم الملك فهد ما عُرِفَ بعدها ب"خطة فهد"، والتي اشتملت على ثمان مواد، جاء فيها أن جميع دول الإقليم ستكون قادرة على العيش في سلام مع بعضها البعض. وذلك في حالة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس المحتلة، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم أو تلقي التعويض المناسب في حالة عدم رغبتهم في العودة. ومن خلال هذه الخطة، ترى دراسات إسرائيلية، أن السعوديين كانوا يحاولون إرساء مستقبل جديد للصراع العربي – الإسرائيلي؛ بمعنى قبول التعايش السلمي مع إسرائيل بعد تنفيذها انسحاب كامل من الأراضي المحتلة، وإنشاء دولة فلسطينية.

 

كان هذا اعترافا ضمنيا بإسرائيل ( فحتى هذه اللحظة لم تكن قد اعترفت أيا من الدول العربية بإسرائيل سوى مصر، بل إن معظمها كان يعارض حتى وجود درجة من التواصل السياسي معها). ولكن لم يُكتَب لهذه الخطة التنفيذ. ورأي بعض المحللون أن الخطة قُدِمَت أصلا بواسطة ولي العهد، وليس الملك، وأنها قد تكون مجرد بالون اختبار، مبادرة يمكن سحبها عند الحاجة. الأكثر من ذلك، أن هذه الخطة قُدِمَت على خلفية الجمود الذي أصاب المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والمصري، وأن السعودية كانت تحتاج إلى تحسين وضعها على مستوى الإقليم وعلى المستوى الدولي، خاصة مع الولايات المتحدة. وأنها كانت بصدد إبرام صفقة شراء لطائرات إف 15 ونظام تحكم وإنذار جوي. ولهذا احتاجت إلى إرسال إشارة أن الرياض هي في الحقيقة شريك في السلام وفاعل إقليمي يمكن أن يلعب دورا في الاستقرار الإقليمي ومكافحة الشيوعية والنفوذ السوفيتي آنذاك.

 

في العام التالي، وأثناء قمة جامعة الدول العربية الثانية في فاس، تبني مجلس الجامعة مشروع سلام يمثل نسخة معدلة من "خطة فهد". وكما تبين بعدها، لم يكن من السهل – وربما كان مستحيلا- على السعوديون أن يوازنوا بين المصالح والاعتبارات الإقليمية، والحاجة إلى التوافق العربي على الخطة والأخذ في الاعتبار، في الوقت نفسه، حاجات العناصر الأكثر راديكالية داخل النظام العربي، الداخلية والخارجية. فقد عارضت دول مثل العراق، ليبيا وسوريا الخطة، وكان يمكنها توجيه غضبها نحو المملكة.

 

ومن أجل الحفاظ على التوافق العربي، يرى الإسرائيليون أن السعوديين فضلوا الالتزام بدور المبادرين بالخطة، وعدم التدخل في تشكيلها أو تنفيذها. وكانت المحصلة تغيير لغة الخطاب في المادة رقم 7 من الخطة، بحيث تنتفي أية إشارة ضمنية إلى الاعتراف بإسرائيل ضمنيا أيضا. وجاء فيها أنه من المسموح لجميع الدول بالعيش في سلام وبضمانة من الأمم المتحدة وليس الدول العربية.

 

مرة أخرى، غيرت حرب الخليج عام 1991، التوازن السياسي في الإقليم وأثرت سلبا على علاقة بعض دول الخليج والفلسطينيين، بسبب تأييد منظمة التحرير الفلسطينية لصدام حسين. في الوقت نفسه سعت الولايات المتحدة لكسر الجمود في عملية السلام في الشرق الأوسط، عبر رعاية مؤتمر مدريد عام 1991. وبتشجيع أمريكي قوي، ممزوجا بالغضب بسبب دعم منظمة التحرير لغزو صدام للكويت، كانت دول الخليج بشكل عام أقرب إلى قبول مقترحات واشنطن في مدريد. محصلة هذا، تم التوصل إلى مقاربة جزئية تتمركز حول خمس مجموعات عمل، تركز على قضايا تشمل المياه، الحماية البيئية، التعاون الاقتصادي، اللاجئين والتحكم في التسلح. إلا أن التقدم الضئيل على صعيد المحادثات الفلسطينية – الإسرائيلية في السنوات القليلة التالية وقبل توقيع اتفاقات أوسلو، تسبب في تشديد دول الخليج لمواقفهم تجاه إسرائيل، وصل أحيانا إلى إعلان رفض حق إسرائيل في الوجود من الأساس. 

 

حدث تقدم جديد مع توقيع اتفاقات أوسلو (سبتمبر 1993)، إذ بدأت دول الخليج في التخلي تدريجيا عن سياسة مقاطعة الشركات ذات الصلات الاقتصادية بإسرائيل (المقاطعة غير المباشرة لإسرائيل)، ولكنها شددت في الوقت نفسه على استمرارها في سياسة المقاطعة المباشرة لإسرائيل والتي ستستمر حتى يتم التوصل إلى معاهدة شاملة للسلام مع العالم العربي. إلا أن الفشل في التوصل إلى اتفاق إسرائيلي – فلسطيني نهائي دفع دول الخليج إلى الإعراب عن تحفظاتها على اتفاقات أوسلو، معتبرة أن هذه المبادرة لم تعد صالحة للتوصل إلى سلام عربي – إسرائيلي شامل.

 

وجاءت نقطة التحول الجديدة في العلاقات بين إسرائيل ومجلس التعاون الخليجي في مارس 1997، عندما قررت دول الخليج تعليق عملية المصالحة المحدودة التي بدأت مع مؤتمر مدريد، على خلفية ثلاث أحداث رئيسية: اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في نوفمبر 1995؛ عملية "عناقيد الغضب" التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله؛ والصدامات الدموية التي وقعت في سبتمبر 1996 على خلفية افتتاح نفق الحائط الغربي في القدس( أى حائط البراق). واعتبرت دول الخليج أن هذه الحوادث هي بمثابة إشارات أخرى على تردد إسرائيل بشأن المضي على طريق السلام. كذلك، كانت خيبة الأمل الإقليمية بخصوص السياسة الأمريكية في العراق، حافزا إضافيا على تعليق عملية التطبيع مع إسرائيل، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية. ومحصلة ما سبق، أن تم تفكيك جميع اللجان الخمس التي تم التوافق عليها بموجب مؤتمر مدريد، باستثناء لجنة واحدة فقط. وظل "مركز أبحاث تحلية المياه"، في مسقط بسلطنة عمان( والذي لا يزال يعمل كقناة خلفية لدبلوماسية المسار الثاني بين إسرائيل ودول الخليج)  الاستثناء الوحيد في ظل غياب أي شكل آخر للحوار الإسرائيلي – الخليجي.

 

ثانيا: خطة الأمير عبد الله

في فبراير 2002، طرحت السعودية مبادرة أخرى للسلام، هذه المرة قدمها الملك الراحل وولي العهد آنذاك، عبد الله بن عبد العزيز في مقابلة نشرتها صحيفة نيو يورك تايمز وأجراها توماس فريدمان. وكما كتب فريدمان فإن "الخطة" تعد جزءا من مساعي السعوديين لتبرئة أنفسهم أمام العالم، على ضوء ما قيل من انخراط 15 سعوديا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. على الرغم من اشتراط الخطة "الانسحاب الكامل من كافة الأراضي المحتلة، بموجب قرارات الأمم المتحدة، بما فيها القدس"، فقد عرضت هذه المبادرة – خلافا لخطة فهد – في المقابل تطبيع العلاقات بين العالمين العربي والإسلامي وإسرائيل. وفي القمة العربية في بيروت الشهر التالي، تم تمرير الخطة مع بعض التعديلات لتصبح "المبادرة العربية للسلام".

 

أشارت المبادرة العربية للسلام إلى الانسحاب الإسرائيلي بموجب قراري مجلس الأمن رقم 242 و 338. أعادت التأكيد على مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي أقره مؤتمر مدريد عام 1991. ثم اعتراف إسرائيل وقبولها قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وكان من أهم التعديلات التي جرت على "خطة فهد"، اعتبار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 أساسا لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتضمين الانسحاب من الأراضي في جنوب لبنان وتغيير منطوق الخطة من "تطبيع" كامل للعلاقات إلى تأسيس "علاقات طبيعية".

 

بدورها، لم ترفض إسرائيل أبدا وبشكل كامل المبادرة، ولكنها قدمت اعتراضات محددة عليها، تركزت أساسا حول القرار رقم 194 والخاص باللاجئين. إلا أن العديد من الشخصيات الإسرائيلية البارزة، من بينهم شيمون بيريز، لم يتردد في الترحيب علنا بالمبادرة. وفي الأغلب الأعم، لم تؤد تداعيات أحداث انتفاضة الأقصى إلى نزع المبادرة من على طاولة القيادة الإسرائيلية أو الشعب الإسرائيلي. إلا أن السعودية أعلنت أنها لا تنوي إبداء المزيد من النوايا الطيبة نحو إسرائيل، وأن عليها قبول المبادرة كلها أو رفضها كلها. أيضا، فسرت إسرائيل موقف الرياض الحازم  بوصفه إشارة لعدد من حلفاءها في مجلس التعاون الخليجي – خاصة سلطنة عمان وقطر- بعدم الخروج عن هذا الخط.

 

خلال الأعوام التالية على الانسحاب الإسرائيلي من غزة في 2005، وقعت عدد من الأحداث، مثل حرب لبنان الثانية في 2006 ، وعملية الرصاص المصبوب في غزة (ديسمبر 2008- يناير 2009)، والتي زادت من التوترات بين إسرائيل والدول العربية بشكل عام، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، وطوت صفحة التقدم الطفيف الذي طرأ على صعيد العلاقات. ومع ذلك، لم يتم سحب المبادرة العربية للسلام أبدا من على الطاولة بشكل رسمي. على سبيل المثال في افتتاحية لصحيفة "واشنطن بوست" ، يوليو 2009، كتب ولي العهد البحريني الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة عن ضرورة "تجديد التفكير إذا ما كان للمبادرة العربية للسلام أن يكون لها الأثر المرجو على الأزمة التي أفقرت الفلسطينيين وهددت الأمن الإسرائيلي" . وبشكل مماثل، طورت الرياض موقفها المعلن في مقال نُشِرَ في "نيويورك تايمز" في سبتمبر 2011، إذ أوضح السفير السعودي السابق في واشنطن ورئيس جهاز المخابرات السعودية أيضا، تركي الفيصل، أنه يجب أن تكون المبادرة العربية للسلام 2002، نقطة انطلاق المفاوضات. وأعرب تركي عن تجديد التزام المملكة بتسوية إقليمية تفاوضية شاملة. ونبعت أهمية الموقف السعودي، من وجهة نظر إسرائيل، من وضع المملكة ودورها في العالمين العربي والإسلامي. هذا الدور الذي يجعل منها الدولة العربية الوحيدة التي تملك منح القيادة الفلسطينية الشرعية السياسية والدينية المطلوبة، لتوقيع اتفاق يتعامل والقضايا الأشد حساسية، خاصة بالنظر إلى وضع القدس الشرقية وأماكنها المقدسة.

 

وعلى الرغم من العرض السعودي، طرحت قطر في اجتماع وزراء خارجية مجلس جامعة الدول العربية في ديسمبر 2012، مسألة إعادة النظر – بالمعنى الإيجابي بالنسبة لإسرائيل- في عملية السلام، بما فيها المبادرة العربية للسلام. ويكشف الموقف القطري عن استمرار دول مجلس التعاون الخليجي في إتباع سياستها الخاصة تجاه إسرائيل، بشكل مستقل في أحيان كثيرة عن الموقف السعودي، وربما يعكس أيضا الإحباط بسبب جمود عملية السلام. على خلفية هذه التطورات، رحب وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، في إبريل 2013، بالعرض الذي طرحته جامعة الدول العربية بإحياء محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، واعتبره خطوة كبيرة للأمام. وأكد العرض الذي قدمه وزير الخارجية القطري( آنذاك) الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، على أن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو "خيار استراتيجي للدول العربية."

 

 

ثالثا: العلاقات مع عمان وقطر

يربط بين سلطنة عمان وقطر- اللتان كثيرا ما تعملان خارج إطار التوافق الخليجي- من ناحية، وإسرائيل من ناحية أخرى، صلات رسمية جزئية. تختلف السياسة الخارجية للبلدين بشكل عام( والعلاقات مع إسرائيل تحديدا) عن السياسة الخارجية للدول العربية الأخرى، ناهيك عن سياسة دول الخليج الأخرى.

 

فقد حاولت كلتا البلدين تجنب التورط في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولم تفرض أيا منهما أبدا حظرا اقتصاديا كاملا ضد إسرائيل. 

  • سلطنة عمان:

رغم أن الصلات المعلنة بين الجانبين لم تحدث إلا بعد مؤتمر مدريد عام 1991، إلا أن إسرائيل تقول أنها ساعدت في صمت ( إلى جانب شاه إيران وبريطانيا) السلطان قابوس على تولي السلطة بعد الإطاحة بوالده في انقلاب قصر، ومكافحة التمرد الداخلي عبر تقديم المعدات والتدريب. هذا الدعم أتى بثمارة لاحقا، عندما قررت عمان تأييد اتفاقات كامب ديفيد ولم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر بعد معاهدة السلام ، وهي السياسة التي وضعتها في مواجهة بعض جيرانها في الخليج العربي.

 

وفي ديسمبر 1994، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي، آنذاك،إسحاق رابين ، سلطنة عمان، حيث حظي بترحيب السلطان قابوس. وفي نوفمبر 1995، بعد أيام قليلة من اغتيال رابين، استضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز وزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي في القدس. في مقابلة مع وسائل إعلام إسرائيلية، قال ابن علوي أن "عمان سيكون لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وأن عمان لم تكن أبدا في حالة حرب مع إسرائيل، وأنه لا حاجة إلى توقيع معاهدة سلام معها.

 

وفى السياق ذاته، وقعت إسرائيل وعمان، في يناير 1996، اتفاقا لفتح مكاتب تمثيل تجاري متبادلة ومن ثم عززت البلدين علاقات دبلوماسية متوسطة ولكنها غير مضطربة. ثم فتح مركز أبحاث تحلية مياه الشرق الأوسط مكاتبه، كقناة خلفية، أو دبلوماسية المسار الثاني العربية – الإسرائيلية. مع ذلك تم تعليق العلاقات الرسمية بين الجانبين، مع اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، وأصبحت عمان منذ ذلك الحين أكثر حرصا على الموازنة بين موقفها من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وبيانات وأفعال تعرب عن اهتمامها بالفلسطينيين.

  • قطر:

منذ أوائل التسعينيات، عززت قطر مثلها مثل عمان، علاقات جيدة مع إسرائيل كجزء من سياستها الخارجية " الفريدة والمستقلة".

 

رغم اعتراف قطر بإسرائيل، قبلها وحضورها مؤتمر مدريد، حدث تحول مع توقيع اتفاق أوسلو وتولي حمد بن خليفة سدة الحكم في قطر بعد انقلاب قصر دموي عام 1995. حيث تغير توجه قطر نحو إسرائيل تدريجيا، في اتجاه تطبيع محدود ومؤقت. هذا التحول جاء من وجهة نظر إسرائيل بناء على خلاف عربي داخلي، وتغير ديناميكي في السياسات الخليجية، دفع الإمارة  متناهية الصغر نحو فتح علاقات مع أطراف عديدة، وأيضا من أجل الحصول على المزيد من الدعم الأمريكي.

 

ومثل عمان، حضر ممثلون عن قطر جنازة  رابين، واستضافت  قطر، خلفه " شيمون بيريز" في الدوحة عام 1996.

 

 لكن عقب اندلاع انتفاضة الأقصى، تراجعت العلاقات بين إسرائيل وقطر. ورغم أن قطر لم ترغب أوتوماتيكيا في قطع جميع صلاتها بإسرائيل، فقد اضطرت إلى قطعها بسبب موقف دول عربية وإسلامية أخرى. وهددت الرياض بمقاطعة قمة مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي، المقررة في الدوحة في نوفمبر من عام 2000. ومن ثم استسلمت قطر أخيرا إلى الضغط وأعلنت إغلاقها المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة. ومع ذلك، استمرت العلاقات السرية بينهما، وعلى الرغم، من طرد البعثة الإسرائيلية رسميا فقد استمرت في عملها. وفي ديسمبر من ذلك العام، حدث لقاء في جنيف بين وزير الخارجية الإسرائيلي شلومو بن عامي ومسؤول قطري بارز. وحدث لقاء آخر في 2003 بين وزير الخارجية سيلفان شالوم ونظيره القطري حمد بن جاسم. إلا أنه، وبعد حرب لبنان الثانية في 2006، أصبحت قطر الصوت الناقد الأعلى لهجمات إسرائيل غير المتكافئة ضد لبنان، ووطدت أيضا علاقاتها وحزب الله وحماس. وحدث المزيد من التدهور في العلاقات الإسرائيلية – القطرية بعد عملية الرصاص المصبوب. وأعلنت قطر أنها تجمد جميع صلاتها بإسرائيل، وأغلقت المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة ودعت جميع الدول العربية إلى إعادة النظر في علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.

 

 وفي 2010، غادر وزير الصناعة والتجارة والعمل الإسرائيلي، بنيامين بن إليعازر، إلى الدوحة. بعد وقت قصير من زيارته، قيل أن قطر عرضت تجديد علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وعرضت بعدها المساهمة بقوة في إعادة الإعمار في غزة. ويبدو أن الرفض الإسرائيلي للعرض القطري كان نتيجة ضغط من جانب الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك. فضلا عن أن  الصلات بين قطر وإيران وحماس، والدعم المالي المقدم إلى حماس لم تكن  لترضي الجانب الإسرائيلي. ويوضح هذا أيضا لماذا لم تكن استئناف العلاقات مع قطر على قائمة أولويات إسرائيل. بعدها بعامين، وفي 2012، كان الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، أول رئيس دولة يزور غزة منذ استيلاء حماس عليها في 2007. ووعد خلال زيارته بتقديم 400 مليون دولار لمشروعات بناء مجمعات سكنية وبناء طرق. وتعتقد إسرائيل أن هذه المنحة دخلت جيب حماس مباشرة.

 

ودفعت صلات قطر بحماس، إلى جانب خطاب قناة الجزيرة العدائي تجاه إسرائيل، إسرائيل نحو قطع علاقاتها بقطر. على خلفية هذه التطورات، قيل أن حمد بن جاسم التقى وبنيامين نتانياهو في باريس عام 2012، في محاولة لكسر الجمود في العلاقات بين البلدين. لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال هذا اللقاء، إلا أنه نُقِلَ عن أمير قطر قوله أن الإمارة ستعزز علاقتها بإسرائيل "طالما ظلت جادة بشأن عملية السلام". وفي منتدي الدوحة في 2012، دعا الأمير القطري الحكومة الإسرائيلية إلى اعتبار الانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فرصة لإجراء مفاوضات جادة مع الفلسطينيين. وأضاف أن إسرائيل أضحت أكثر عزلة منذ اندلاع ما سُمي ب "الربيع العربي". وتنبأ حمد بن خليفة أن الحكومات الجديدة في الشرق الأوسط ستمارس ضغطا أكبر على إسرائيل كي تغير سياستها في مواجهة الفلسطينيين.

 

 من جانب إسرائيل، كانت العلاقات الحمساوية والإيرانية القطرية، السبب الرئيسي في قطع صلاتها وقطر في مارس 2011، ومنع حملة الجوازات القطرية من زيارة الضفة الغربية، وتعليق التعاون بين الصناعات الأمنية القطرية والإسرائيلية. إلا أن قطر لم تخفي رغبتها في تعزيز علاقات مفتوحة مع إسرائيل بشرط أن تثبت إسرائيل التزامها بعملية السلام مع الفلسطينيين – وهو شرط يقل كثيرا عن شروط المبادرة العربية للسلام.

 

رابعا: أنماط من العلاقات المحدودة

تعتبر قطر وعمان استثناء بالنظر إلى مواقفهما تجاه إسرائيل، ولكنهما ليستا وحيدتين تماما. فهناك نمط ما من العلاقات "المحدودة، السرية وغير الرسمية" بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل.  ففي 2010، غادر وزير البنية التحتية الإسرائيلي آنذاك، عوزي لانداو، إلى الإمارات العربية المتحدة لحصور مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) IRENA. وكانت الوكالة قد اختارت أبو ظبي مقرا لها منذ العام 2009. حضور لانداو للمؤتمر جاء بمثابة الزيارة الأولى لوزير إسرائيلي للإمارات؛ إلا أن مسؤولان إسرائيليان زارا الإمارات أيضا قبل ثلاثة أشهر على زيارة لانداوا الثانية لحضور مؤتمر آخر لإيرينا. وفي يناير 2014 زار وزير الطاقة الإسرائيلي سيلفان شالوم دولة الامارات العربية المتحدة على رأس وفد رسمي للمشاركة في مؤتمر مخصص لبحث موضوع الطاقة المتجددة. ثم في نوفمبر 2015، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية افتتاح ممثلية دبلوماسية لدى وكالة “إيرينا” في أبوظبي. من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية أن أي اتفاقات بين إسرائيل والوكالة لا تمثل أي تغيير من موقف الإمارات وعلاقاتها بإسرائيل، حيث لا توجد أية علاقات دبلوماسية بين البلدين، بيد أن مراقبين رأوا هذه الخطوة تجسيدا لعلاقات سرية كانت قائمة بالفعل.

والملاحظ هنا، أنه في ديسمبر 2009، وقعت واشنطن وأبو ظبي اتفاق ال 123 بشأن التعاون النووي السلمي. قبل التوقيع، وافق مشرعوا الكونجرس على الاتفاق، في الوقت الذي أحجمت فيه منظمات يهودية أمريكية ذات نفوذ( منها اللجنة العامة للشؤون الأمريكية الإسرائيلية، اللجنة الأمريكية اليهودية، وتجمع مكافحة التشهير) عن معارضة هذا الاتفاق. ورغم أن هذا لا يرتبط مباشرة بالعلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، فإن صمت اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الكونجرس وخارجه يشير إلى أن إسرائيل لا تعتبر أن دولة الإمارات، ولا الاتفاق النووي السلمي معها، أمرا "مهددا" لأمنها. بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما، فقد دأب كثير من رجال الأعمال الإسرائيليين على التعامل التجاري المنتظم مع دبي وأبو ظبي عن طريق دولة ثالثة، بل وزيارة الإمارات مستخدمين جوازات سفر غير إسرائيلية. وقيل أيضا، حسبما أوردت مصادر إسرائيلية أن شركات خطوط جوية خليجية مثل الخطوط الجوية القطرية وطيران الاتحاد الإماراتي، تسمح لمسافرين إسرائيليين إلى منطقة شرق آسيا، باستخدام خدماتها إذا ما غادروا من الأردن، وأنها تقدم لهم تذاكر طيران أرخص.

 

خامسا: ممكنات تعاون اقتصادي

بحسب تقديرات إسرائيلية، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر ثالث أكبر سوق تجاري للسلع الإسرائيلية في الشرق الأوسط ( بعد الأراضي الفلسطينية وتركيا). على الرغم من أن التجارة الإسرائيلية مع دول الخليج كثيرا ما تتم عن طريق طرف ثالث، في الأغلب عبر شركات هيكلية (سمسرة) مسجلة في أوروبا، فإن التقديرات عن التجارة السنوية بينهما قد تصل إلى أكثر من 500 مليون دولار سنويا. ومن الممكن أن يكون حجم التجارة أعلى بكثير من هذه التقديرات، لأنه يُعتَقَد أن إسرائيل تستفيد أيضا من دخول سوق مجلس التعاون الخليجي عبر سلع لا تحمل علامات تجارية إسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، في أثناء مفاوضات الرياض لدخول منظمة التجارة العالمية في 2005، وعدت السعودية بإلغاء مقاطعتها للسلع الإسرائيلية. ومع ذلك، لم تقم السعودية بإلغاء قرارات المقاطعة بعد انضمامها لمنظمة التجارة. إلا أن هناك تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن تراجع زخم شعارات المقاطعة العربية لإسرائيل، وكثير من التحولات على المستويين الإقليمي والدولي، شجعت عدد من المستثمرين، خاصة أولئك المساهمين في شركات متعددة الجنسيات، على التعامل مع شركات إسرائيلية.

 

من وجهة نظر إسرائيلية، ربما تنتفع دول الخليج من التقنية الإسرائيلية، خاصة في مجال الأمن. وبحسب مصادر إسرائيلية فقد ساهمت شركات إسرائيلية بشكل غير مباشر في أمن الخليج العربي، عبر تقديم خدمات التدريب للقوات والإمداد بحلول عسكرية متقدمة تقنيا. وفي 2012، قالت مصادر أن إسرائيل قدمت للإمارات العربية المتحدة خدمات وصور عبر الأقمار الصناعية الإسرائيلية، كما جاء أن شركة "أيرون أوتيكس" Aeronautics الإسرائيلية فازت بعقد إمداد أبو ظبي بطائرات من دون طيار. كذلك نشرت مصادر أمريكية في السابع والعشرين من يناير 2012، أنه قد تم توقيع عقد آخر بين شركة AGT الإسرائيلية والمسجلة في سويسرا، وأبو ظبي، شمل بيع كاميرات مراقبة، حواجز إلكترونية وأجهزة استشعار لمراقبة بنى تحتية استراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، تشير إسرائيل إلى أن خبرة إسرائيل في السياحة العلاجية وتحلية مياه البحر والتقنيات الزراعية قد تكون مفيدة لدول مجلس التعاون الخليجي.

 

سادسا: عوامل التقارب بين الخليج وإسرائيل

  • الملف النووي الإيراني وتلاق مصالح الأطراف

على الرغم من أن عدم حدوث تقدم على صعيد عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، أثر سلبا على العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، فقد كثر الحديث عن ممكنات التعاون وتعزيز العلاقات بينهما في مواجهة خطر مشترك، ألا وهو إيران. ويمكن القول، أنه على الرغم من تباين المقاربات الخليجية بالنظر إلى إيران، فقد تبنت كلها موقفا حازما إزاء السياسة الإقليمية لإيران والملف النووي الإيراني. الأمر الذي دعا دوائر مقربة من صنع القرار الإسرائيلي إلى القول، أنه وبعد أكثر من خمس سنوات على الاضطرابات في الإقليم، بات من الممكن القول أن دول الخليج تبدو الأكثر اتحادا والأقرب إلى الموقف الإسرائيلي من إيران.

 

وكان توقيع الاتفاق النووي المؤقت في الرابع والعشرين من نوفمبر 2013 بين مجموعة ( 5 + 1) وإيران بخصوص البرنامج النووي الإيراني، نقطة تحول باتجاه التقارب بين دول الخليج وإسرائيل، وابتعاد إسرائيل ودول الخليج عن واشنطن. وربما حتى تجرأ بعض كبار المسؤولين الإسرائيليين على التلميح علنا بإمكانية مثل هذا التعاون الإسرائيلي – الخليجي، بسبب تلاق المصالح بين كلا الجانبين. ففي خطاب ركز على قضية الملف النووي الإيراني في الجلسة الافتتاحية للبرلمان الإسرائيلي في أكتوبر 2013، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو: "للمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل، هناك تفاهم متنامي يتجذر في العالم العربي، ليس سلسا دائما. هذا التفاهم، ألا وهو أن إسرائيل ليست عدوة للعرب وأننا نقف على جبهة متحدة في العديد من القضايا، ربما يدفع باتجاه ممكنات جديدة في إقليمنا".

 

بالطبع، لم يعرب أي مسؤول خليجي عن مثل هذا التوجه، ولا أن دول الخليج وإسرائيل تقفان على جانب واحد، إلا أن مجموعة من التصريحات والتحركات، بدا أنها ملفتة للنظر بالنسبة لإسرائيل. على سبيل المثال ما قاله الأمير الوليد بن طلال في مقابلة نشرتها صحيفة "وال ستريت جورنال" في نوفمبر 2013، من أنه وللمرة الأولى، تسير المصالح السعودية والإسرائيلية في خطوط متوازية. كما زعمت وكالة أنباء إيرانية أن رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان قد التقى ومسؤولون إسرائيليون بارزون في جنيف، لمناقشة سبل تعزيز المصالح المشتركة بينهما مثل "احتواء إيران، وتهميش الإخوان المسلمين" . 

 

  •  التقارب لمكافحة وكلاء إيران

في العشرين من يناير 2015 كتب الإعلامي البارز والقريب من دوائر صنع القرار السعودية، عبدالرحمن الراشد مقالاً في صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية اليومية واسعة الانتشار، تساءل فيه عمّا دفع بالعرب إلى الترحيب بالضربة الجوية - التي وقعت في اليوم السابق - على موكب لـ «حزب الله» في الجانب السوري من مرتفعات الجولان، وهو القصف الذي نُسب على نطاق واسع إلى إسرائيل. وكانت الضربة الإسرائيلية قد أسفرت عن مقتل جهاد مغنية وعدداً آخر من كبار قادة "حزب الله" اللبناني. بالإضافة إلى الجنرال محمد علي الله دادي من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

 

كتب الراشد: "ولا شك أنه إن وقعت مجدداً مواجهة بين إسرائيل و «حزب الله»، أو مع إيران، فإن الكثيرين من العرب سيبتهلون داعين بهزيمة ميليشيات الحزب وجنرالات حليفه الإيراني." وأشار إلى أنّ الكثير من العرب كانوا يهلّلون للضربة من على وسائل التواصل الاجتماعي وبالتعليقات الشخصية. ولشرح هذا الشعور، أشار إلى أنه في حين أنّ الرأي العام العربي كان ينظر إلى «حزب الله» منذ عقد من الزمن كمدافع عن المصالح العربية في لبنان وفلسطين، إلّا أنّ تدخّل هذه الجماعة المدعومة من إيران في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا قد حوّل ضدّها العديد من الأطراف، وأدّى إلى تقدير جديد للعمليات العسكرية الإسرائيلية الموجّهة ضدّ الحزب والعناصر الإيرانية.

 

ويقيناً، أشار الراشد بوضوح إلى أنّ هذا الموقف الجديد لا يعني حباً طارئاً لإسرائيل من العرب، بل يشير إلى أنّهم يغيّرون نظرتهم تجاه المنطقة استناداً إلى المفهوم القديم القائل: "عدوّ عدوي هو صديقي." وكتب الراشد ليقول أنّ القبول العربي الأعمق لإسرائيل بحاجة إلى انتظار التوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، ولكن في الوقت نفسه، فإن الإسرائيليين مشتركون بالفعل إلى جانب دول الخليج في الضغط العلني على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بهدف ردعه عن التهاون في التفاوض مع طهران. هذا الضغط الذي بدا أنه لم يؤت ثمارا كافية، على ضوء ما توصلت إليه واشنطن وطهران من تفاهمات، أبرزها على صعيد الاتفاق النووي، والتي اعتبرتها دول الخليج، وأيضا إسرائيل، بمثابة إعلانا بالحرب ضدها.

 

سابعا: تحركات سعودية ضد إيران.. وإسرائيل مستعدة لتقديم الدعم

تبدو إسرائيل مستعدة تماما للتفاهم مع المملكة السعودية العربية على خلفية القضايا والتهديدات المشتركة بين الجانبين. بل وعلى صعيد ملفات أخرى، خلافا لنقاط الالتقاء المعروفة وهي الملف الإيراني، والملف السوري بدرجة ما، والموقف من حزب الله اللبناني. ففي تقدير موقف قُدِمَ إلى أجهزة أمنية واستخباراتية إسرائيلية مطلع العام الحالي، جاء أن المواجهة بين إيران والسعودية تسلط الضوء على تلاق المصالح بين تل أبيب والرياض، خاصة بالنظر إلى إيران بوصفها العدو الأكبر لكلتاهما. وفي هذا السياق بإمكان إسرائيل أن تقدم المساعدة للسعودية في معركتها ضد المحور الشيعي، الطموحات النووية الإيرانية، ورغبة إيران في الهيمنة على الشرق الأوسط.

 

وجاء في التقدير أيضا، أن الانتباه الدولي قد تحول في يناير 2016 بعيدا عن العديد من الملفات الإقليمية الساخنة، كي يراقب عن كثب تداعيات المواجهة بين السعودية وإيران على جبهات متعددة. ففي سوريا واليمن، تقف السعودية وإيران في مواجهة بعضهما البعض، في البداية عبر وكلاء من فواعل من غير الدول، ثم عبر التدخل العسكري المباشر على الجبهتين. وكانت الرياض قد أرسلت قوات لمساعدة النظام البحرينى، عندما رأت محاولة إيران إشعال انتفاضة ضد النظام الحاكم هناك. وترى السعودية في التواجد الإيراني العسكري والسياسي إلى جانب الشيعة في العراق مشكلة كبيرة تتطلب المعالجة. كذلك، فإن عودة إيران إلى الساحة الدولية كفاعل ذو شرعية بعد توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات عنها، سيمكن طهران من استعراض المزيد من قوتها في الإقليم. وكان هذا جزئيا على الأقل، سبب رفض السعودية تقليل الإنتاج من النفط لضبط الأسعار وعودتها إلى الارتفاع مرة أخرى. وتزعم إيران أن السعودية تستخدم سلاح النفط ضدها، الأمر الذي أدى إلى انخفاض في أسعار النفط على مستوى العالم وتقويض الدخل الإيراني المتوقع من مبيعات النفط، بعد رفع الحظر عليها.

 

إلى جانب هذا، تعمد إيران إلى التدخل في الشؤون السعودية الداخلية عبر تحريض الأقلية الشيعية في السعودية. كما استغلت مأساة تدافع الحجاج في منى في موسم الحج عام 2015، كي تبرز فشل الحكومة السعودية في حماية الحرم وحجاجه.

 

وفي الحاصل الأخير، تشير التحركات السعودية على الصعيد الدولي – ومنها سياسة الطاقة التي لا تبالي بانخفاض أسعار النفط، وشن حرب في اليمن، وإعلان تأسيس تحالف إسلامي لمحاربة داعش، والتلميح إلى اتخاذ خطوات على الصعيد النووي، ومحاولة بناء تحالف سني عربي في مواجهة إيران – إلى سياسة سعودية حاسمة على كافة المستويات، ضد من تعتبره السعودية مهددا للمصالح والأمن القومي السعودي. وجاء في التقدير أن السعودية قد أصبحت فاعلا نشطا، وأنها باتت أبعد عن السياسة السلبية والحذرة التي كانت تنتهجها قبل اندلاع ما يُعرَف ب "الربيع العربي". وأنه بالنسبة لإسرائيل، فإن المواجهة بين إيران والسعودية تسلط الضوء على تلاق المصالح بينهما. وفي هذا السياق يمكن لإسرائيل أن تساعد السعودية في معركتها ضد المحور الشيعي، ومواجهة طموحات إيران النووية، ورغبتها في الهيمنة على الشرق الأوسط.

 

من هذا المنطلق، بدت إسرائيل مستعدة للتجاوب والتحركات السعودية على كافة المستويات. من ذلك قرار نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، بعد انتهاء لجنة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية من عملها، وإعلان اللجنة وقوع جزيرتي تيران وصنافير داخل الحدود البحرية السعودية، صاحبه إعلان وزير الخارجية السعودي احترام بلاده لكافة الالتزامات التي وقعتها مصر بشأن حرية الملاحة في خليج العقبة.

 

وبحسب وجهة نظر إسرائيل، فإن هذا التصريح هدفه إزالة أية مخاوف إسرائيلية في هذا السياق. وأن إعلان نقل ملكية الجزيرتين جاء بعد محادثات بين الأطراف الثلاث (مصر والسعودية وإسرائيل) حول هذا الموضوع. الأكثر من ذلك، أن إسرائيل قالت أن لديها مصلحة واضحة في تقوية العلاقات المصرية – السعودية. وأن هذه العلاقة قد تكون قاعدة لتعاون إسرائيلي مع كلا منهما – وهما ركيزتا الكتلة السنية المعارضة للمحور الإيراني. وأن إسرائيل كان عليها أن تتخذ موقفا إيجابيا من الاتفاقات الموقعة بين مصر والسعودية، بما فيها مسألة نقل جزيرتي تيران وصنافير. 

 

 

ثامنا: المحصلة ... حدود التقارب من وجهة نظر إسرائيل

ترى إسرائيل أن دول الخليج مهتمة بتعزيز درجة ما من التنسيق معها. إلا أن التطبيع معها ليس ممكنا، طالما لم تحدث اختراقة نوعية في عملية السلام مع الجانب الفلسطيني. كذلك، لدى إسرائيل شكوك عميقة، رغم جميع نقاط التقارب، في إمكانية التطبيع مع دول مثل المملكة العربية السعودية، حتى في حالة التوصل إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين. ببساطة لأن العلاقات الهادئة وغير الرسمية بين الجانبين، تسمح لدول مجلس التعاون الخليجي بالتمتع بمعظم مزايا التعامل مع إسرائيل من دون أن تضطر لدفع كلفة إغضاب الرأي العام، واستغلال العناصر المتطرفة لمثل هذا التطور في إشعال الحرائق الداخلية ضد الأنظمة الحاكمة هناك.

 

وترى إسرائيل أن المنهج الرئيسي المتبع من جهة السعودية، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، وعمان نحو إسرائيل هو الحاجة إلى الموازنة بين وضع مجموعة دول الخليج في العالم العربي، الرأي العام المعادي لإسرائيل، ومواقف المؤسسات الدينية ذات الأهمية الاستراتيجية من جهة؛ والحاجة إلى إظهار الدعم للفلسطينيين وتعزيز علاقة سرية وضمنية مع إسرائيل في مواجهة إيران، من جهة أخرى.

 

فجميع نقاط الالتقاء بين إسرائيل ودول الخليج، حتى على الرغم من تزايدها خلال السنوات الأخيرة، يبدو أنها مجتمعة أضعف من أن تفضي إلى تعاون مفتوح وتطبيع العلاقات بين الجانبين، ولكنها يمكن أن تفضي إلى تعزيز التعاون السري والتفاهمات بين الأطراف. الأكثر من ذلك، أن مثل هذا النمط من العلاقات له أهميته بالنسبة لإسرائيل.... فالحوار يساعد على تقريب وجهات النظر والتكتل ضد العدو المشترك، وقد يساعد على تعزيز تسوية سياسية أيضا بين إسرائيل والفلسطينيين. على سبيل المثال، يمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يساعد في تمويل مشروعات إسرائيلية – فلسطينية مشتركة، ويعزز الاستقرار المالي لكيان فلسطيني في المستقبل. ويرى البعض في إسرائيل أن هذا قد يفرز موقفا إسرائيليا أكثر إيجابية نحو تقديم تنازلات بهدف التوصل إلى تسوية.

 

في الوقت نفسه، يبدو أن صناع القرار الإسرائيليون مقتنعون بأن "تل أبيب" لن تستفيد من سياسة خليجية موحدة. فقد سمح الإطار المؤسسي الفضفاض لمجلس التعاون الخليجي، لأعضائه بتنفيذ سياسات خارجية مستقلة، عادت بنفع أكبر على إسرائيل. وتعكس أيضا استمرار النهج الإسرائيلي المفضل، من تفضيل المفاوضات والعلاقات الثنائية على الأطر الجماعية للمفاوضات والعلاقات.

 

وسيظل تطور العلاقات بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي مرهونا بتطورات العلاقات العربية – العربية، السياسات الخليجية الداخلية، والتقدم على صعيد المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. وأن أي محاولة لتغيير طبيعة العلاقات من علاقات سرية إلى علاقات معلنة قد يحطم ما تم إنجازه إلى حد كبير. في الوقت نفسه، هناك مدى واسع من الخيارات تقع بين العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وانقطاع العلاقات بشكل كامل، وبإمكان إسرائيل دوما أن تستفيد من هذه المساحة من الخيارات.