المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الصراع في ليبيا بعد سيطرة الجيش الوطنى على مصافي النفط

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 04:25 مساءٍ

مصافي النفط في ليبيا
مصافي النفط في ليبيا

سيطرة الجيش الوطني في ليبيا، خلال عطلة عيد الأضحى المبارك، على المصافى النفطية فى شرق البلاد، تعد تطورا مفصليا فى رسم مسارات الصراع فى ليبيا، وتحديد خطوط النفوذ فى الداخل الليبى بين المجلس الرئاسي والحكومة الوليدة (المدعومة من قبل الولايات المتحدة) من جهة، وبين الجيش الوطنى بقيادة الفريق خليفة حفتر (المدعوم من مصر وقوى إقليمية) من جهة أخرى.

 

ولا شك أن تقدم قوات الجيش الليبى، فى مواجهة حرس المنشأت النفطية بقيادة إبراهيم الجدران (حليف المجلس الرئاسي) يعد ضربة موجعة لسلطة المجلس الرئاسي الليبي، ونجاحا للقوى الإقليمية الداعمة لحفتر، وتدعيما لنفوذ الأخير وقيادته للجيش الوطنى، وتقوية وضعه التفاوضى فى مواجهة المجلس الرئاسي والحكومة الوليدة.

 

تظل ردة فعل عسكرية من قبل المجلس الرئاسى، أمرا واردا، وإن كانت ليست خطوة مرجحة، وذلك بالنظر إلى خطورتها على البنى النفطية فى البلاد، فضلا عن أنها لن تكون حاسمة (في كل الأحوال) الأمر الذي سيطيل من أمد الصراع المسلح، وسيفاقم من التداعيات الكارثية لأمر كهذا على السكان والوضع فى ليبيا بشكل عام.

 

وعند هذه النقطة، تتأكد أهمية الأدوار الرئيسية التى يمكن أن تقوم بها كلا من: الولايات المتحدة الأمريكية (الداعم الرئيسي لحكومة فايز السراج). ومصر (الداعم الرئيسي للبرلمان في طبرق، وللجيش الليبي). إذ يتعين على واشنطن عدم تشجيع المجلس الرئاسى وحكومة السراج، على القيام بعمل عسكرى فى مواجهة الجيش الوطنى، كى يتجنب الجميع وصول الأوضاع إلى نقطة اللاعودة . وبالمقابل يتعين على القاهرة تشجيع الجيش الوطنى وبرلمان طبرق على الوفاء بوعديهما، واستئناف صادرات النفط من خلال التنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط.

 

إذ من شأن ما سبق، أن يؤدى إلى خفض حدة التوترات وعدم تجدد القتال من جديد، ويبقى الباب مفتوحا أمام خيار المفاوضات. 

 

أولا: التطورات على الأرض.. الجيش يسيطر على مصافى النفط

استولى الجيش الوطني الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر على مصافي رئيسية للنفط الخام في شرق ليبيا خلال عطلة عيد الأضحى المبارك. فمع فجر الحادى عشر من سبتمبر الجارى، تحركت قوات حفتر نحو مصاف "السدرة" و"رأس لانوف" ومجمع رأس لانوف للكيماويات في خليج سرت. ومع نهاية اليوم، كانت القوات قد سيطرت أيضا على ميناء تصدير الزويتية، في أقصى الشرق. كذلك، سيطرت على مصفاة خامسة، في البريقة، خلال الأيام التالية. 

 

أما حرس المنشآت النفطية، بقيادة الرجل القوي إبراهيم جدران( وهي القوات الحليفة للمجلس الرئاسي وتسيطر على المصافى النفطية منذ 2013) فإما أنها كانت قد غادرت المصافى للاحتفال بالعيد، أو استسلمت من دون مقاومة كبيرة.  والشاهد على ذلك، أنه باستثناء بعض المصادمات في الزويتينة في الحادي عشر من سبتمبر وشرق رأس لانوف في اليوم التالي، فقد تمت عملية الاستيلاء على المصافى بقليل من الدماء، ومن دون الإضرار بالبنية التحتية للنفط والغاز.

 

والأكثر من ذلك، يبدو أن إبراهيم جدران ومليشياته قد فروا من منازلهم في أجدابية إلى البريقة القريبة بعد تعرضها لهحوم من جهة فصائل محلية معادية. وإن كانت هناك تقارير إعلامية تزعم أنهم يحاولون القيام بهجوم مضاد لاستعادة المضافى، ويطلبون المساعدة من المجلس الرئاسي.

 

ثانيا: لماذا السيطرة على هذه المصافى بهذه الأهمية؟

عندما نعلم أن المصافى النفطية في خليج سرت تقوم بتصدير 80% تقريبا من النفط الليبي الخام، في بلد يعتمد بالكامل تقريبا في عائداته على النفط والغاز، فمن السهولة بمكان أن نستنتج لماذا باتت السيطرة على تلك المصافي أمرا استراتيجيا.

تجدر الإشارة إلى أنه ومنذ منتصف 2013 ظلت هذه المصافى النفطية خارج نطاق الخدمة (إلى حد كبير) بسبب الصراع بين الحكومات المتعاقبة مع إبراهيم الجدران. بالإضافة إلى انقسامات سياسية أخرى شطرت البلاد منذ 2014. وقد أفضى هذا (مع عوامل أخرى) إلى انهيار تصدير النفط الليبي، وبالتالي تراجع عائدات الدولة. إذ حاليا، تنتج ليبيا 200 ألف برميل من النفط الخام يوميا، أى أقل من خمس ما كانت تنتجه في عام 2012.

 

فوق ذلك فإن نصف هذا الإنتاج فقط (أى 100 ألف برميل) هو ما يتم تصديره بالفعل (بالمقابل لم تعاني صادرات الغاز الطبيعي كثيرا من هذه المشكلة، بسبب الإنتاج البحري). والنتيجة هى تراجع أرصدة العملة الأجنبية، حتى أنه لم يعد في خزانة الدولة ما يكفي لتمويل الأعمال الحكومية، ودفع رواتب القطاع العام لمدة عام. ولهذا كانت كان أحد أهم أولويات المجلس الرئاسي (لحظة تشكيله) هي زيادة صادرات النفط بهدف دعم الاقتصاد، واستعادة خدمات أساسية (مثل الكهرباء والمياه) وأيضا تمويل مشروعات المجلس الرئاسي.

 

 ولما كانت السيطرة على المصافى تعتبر مفتاح تحقيق تلك الأولوية، فقد أبرم المجلس الرئاسى، في منتصف 2016، اتفاقا مع إبراهيم جدران، مفاده: أنه فى مقابل اعتراف الأخير بسلطة المجلس الرئاسي وإعادة فتح الموانئ أمام تصدير النفط، يوافق المجلس الرئاسي على بقائه قائدا لحرس المنشآت النفطية في المنطقة، مع ضمان دفع راتبه هو وموظفيه. كذلك وعد المجلس الرئاسي بإنشاء مشروعات تنمية إجتماعية في المناطق الغنية بالنفط، وهذا مطلب يدعم نفوذ الجدران فى تلك المناطق.

 

والمعروف أيضا أن هذا الاتفاق حظي بمباركة الداعمين الدوليين للمجلس الرئاسي، وأهمهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة البريطانية. كذلك، أيد المبعوث الأممي الخاص لليبيا (مارتن كوبلر) هذا الترتيب، وقام بزيارة إبراهيم الجدران فى أواخر يوليو الماضى.

كما دفع المجلس الرئاسي، القسط الأول (حوالي 40 مليون دينار ليبي، 30 مليون دولار) إلى إبراهيم الجدران في يونيو2016... أما الأقساط الأخرى في المستقبل فكانت مشروطة بإعادة فتح الموانئ واستئناف التصدير... بيد أنه لم تخرج أية صادرات من الموانئ منذ ذلك الحين. حيث واجهت قدرة إبراهيم الجدران على إعادة فتح المصافى تحديدات صعبة، تمثلت فى استحواذ قوات متحالفة مع حفتر (خلال الأشهر الخمس الأخيرة) على عدد من حقول النفط (مثل تلك التي في زيلع وجالو) التي تغذي تلك المصافى.

 ثالثا: كيف استطاع حفتر هزيمة حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجدران؟

من المعلوم سلفا أن العداء بين حفتر وإبراهيم الجدران، هو عداء شخصي، رغم أن كلاهما حتى 2014 كانا يؤيدان الحكومة في طبرق. وقد تنامى الحقد بينهما مع تشكيل حكومة الوفاق الوطني (المدعومة من قبل أمريكا) التي يؤيدها الجدران ويعارضها حفتر.

 

فى السياق ذاته، اتسمت ممارسات الجدران بالبراجماتيه المفرطة، ولهذا لم يتردد فى عقد صفقات مع جماعات متعددة إذا ما ناسبت أهدافه. والشاهد، ذلك الاتفاق (الذي سبقت الإشارة إليه) الذي أبرمه الجدران مع حكومة الوفاق الوطني، والذي لعب فيه وزير الدفاع في تلك الحكومة، المهدي البرغثي (خصم آخر لحفتر) دورا كبيرا في توقيعه. بيد أن ذلك الإتفاق لم يمر دون ثمن !!.

 

فقد أفضى تعاون الجدران، مع أعضاء حكومة الوفاق الوطني وقوات مصراتية متحالفة معها، إلى تقويض شعبية الجدران في شرق ليبيا. حيث تمتع تاريخيا بتأييد قوي هناك... هذا التأييد تأسس على صلات قبلية وعائلية، وكذلك بسبب معارضته (أي الجدران) في السابق لسيطرة طرابلس على عائد النفط.

 

الآن نتج عن الاتفاق الذي وقعه مع حكومة الوفاق الوطني لإعادة فتح الموانئ في مقابل مالي، ظهور الجدران أمام الرأى العام فى شرق ليبيا، فى صورة الرجل الذي يعمل لمصالح شخصية فقط، وليس لمصلحة شرق ليبيا وقبائله.

 

عند هذه النقطة، تقدم حفتر لاستغلال هذه المعطيات، بهدف الإجهاز على الجدران.

  • فى البداية عمد حفتر سريعا إلى الحد من نفوذ الجدران، باستبدال أخاه، سالم الجدران(عمدة أجدابية) بمجلس عسكري تابع لحفتر.
  • كذلك تمكن حفتر من إحداث خلاف بين الجدران وقبيلته المغاربة، التي قدمت له الكثير من المقاتلين. ولهذا دعا كبار قبيلة المغاربة( فى منتصف أغسطس الماضى) حرس المنشآت النفطية إلى الموافقة على سيطرة الجيش الوطني الليبي وتأييد حفتر. وفى أثناء الهجوم الأخير على موانئ النفط، كرر شيخ قبيلة المغاربة في أجدابية هذا التوجيه.  

- ومن ناحية أخرى، نجح حفتر( في الأسابيع الأخيرة) فى أن يعزز قواته بتجنيد متمردين سودانيين من حركة العدالة والمساواة (التى تعمل فى دارفور) بتشجيع من مصر. إذ تذكر بعض التقديرات، أن مقاتلى العدالة والمساواة  شنوا الهجوم الأخير في رأس لانوف.

 

رابعا: ما الذي يأمل حفتر في تحقيقه عبر الاستيلاء على المصافى؟

 باستيلائه على مصاف النفط في خليج سرت، يحاول حفتر وأنصاره تحقيق عددا من الأهداف:

أولا:

إنهم يأملون في تعزيز سيطرة الجيش الوطني الليبي عبر شرق ليبيا... فمنذ بدأ عملية الكرامة في 2014 ضد الجماعات المتطرفة في بنغازي، عززت القوات المتحالفة مع حفتر سيطرتها تدريجيا على معظم أجزاء الشرق، من طبرق وحتى الحدود الغربية لبنغازي، وعبر حقول النفط في المناطق النائية الشرقية.

ولا شك أن التحرك نحو مصافى النفط هو مجرد امتداد طبيعي لهذه المحاولة المستمرة لتوسيع نطاق سيطرتهم.

 ثانيا:

 إنهم يأملون في ضمان دعم زعماء قبائل ودوائر مجتمعية أخرى معارضة لاتفاق المجلس الرئاسي، وكذلك لإبراهيم جدران الذي يعتبره الكثيرون في ليبيا ( بما في ذلك البعض في المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ) شريكا لا يعتمد عليه.

وإذا سمح حفتر بإعادة فتح الموانئ وسمح ذلك للمؤسسة الوطنية للنفط بالتصدير مرة أخرى، فهذا معناه أنه يمنح نفسه لقب الشخص الوحيد الذي سمح بتدفق نفط ليبيا مرة أخرى وتوفير رافد جديد لخزائن ليبيا الموشكة على النضوب.

الأكثر أهمية، أنه بسيطرته على مصافى النفط، يزيد من قوته ووضعه التفاوضي في مواجهة المجلس الرئاسي. إذ سيستخدم حفتر سيطرته على مصافى تصدير النفط ليحصل على تنازلات سياسية من حكومة الوفاق الوطني، تحديدا ضمان دوره في هيكل القيادة العسكرية لحكومة الوحدة .

خامسا: ما الذي يعنيه هذا للمجلس الرئاسي؟ وما هو رد فعله المتوقع؟

من وجهة نظر سياسية وعسكرية، يعتبر نجاح حفتر في الاستيلاء على أهم مصافى للنفط في ليبيا، أمرا هاما وتطورا مثيرا. بل تراجعا خطيرا لسلطة ونفوذ الحكومة الوليدة في طرابلس( حكومة السراج) والتى تحظى بتأييد واشنطن والأمم المتحدة. إذ، كما هو معروف، لا يعترف الفريق حفتر بسلطة المجلس الرئاسي، ولهذا رفض وضع قواته تحت قيادته.

مع ذلك يبدو أن المجلس الرئاسي( وهو كيان من تسع أعضاء تشكل بعد اتفاق تقاسم السلطة في ديسمبر 2015) منقسما حول كيفية الاستجابة لتلك التطورات " غير السعيدة" بالنسبة له وللحكومة الوليدة...

  •  فمن جهة، هناك العديد من أعضائه يفضلون اللجوء لعملية عسكرية لاستعادة السيطرة مرة أخرى على تلك المصافى.  
  • بينما يقول آخرون أنهم يرغبون في قبول الوضع الراهن بشرط اعتراف الجيش الوطني الليبي بسلطة المجلس الرئاسي.
  • فى حين تطالب فصائل عسكرية في وسط وغرب ليبيا، لم تخضع لسلطة المجلس الرئاسي (ومنها بعض ميليشيات طرابلس ومصراتة، وقوة مضادة لحفتر تُعرَف بكتيبة الدفاع عن بنغازي) برد فعل عسكري أيضا.
  • إذن يبقى الوضع فى حالة سيولة... وقرار كيفية الاستجابة لتقدم حفتر والجيش الوطنى، يزداد تعقيدا، خاصة وأن القوات المتحالفة مع المجلس الرئاسي، منتشرة بالفعل في المعركة المستمرة لاستعادة سرت من مقاتلي داعش، وكذلك لتأمين العاصمة طرابلس من قوات معادية. وهنا تتعين الإشارة إلى أن بعض الدوائر المؤيدة للمجلس الرئاسي تتخوف من أن يؤدي نشر قوات إضافية للدخول في مواجهات مع حفتر عند مصافى النفط، إلى إضعاف الترتيبات الأمنية الهشة بالفعل حول العاصمة وبداخلها، وبالتالي يسمح للميليشيات المعادية للمجلس الرئاسي، والمتمركزة على تخوم العاصمة بدخولها.
  • وهناك عامل آخر ينبغي أخذه في الاعتبار، يتمثل في التأييد الشعبي الذي يتمتع به حفتر والجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا...  إذ يعنى ذلك أن إية تحركات عسكرية تأتي من غرب ليبيا ستواجه على الأرجح بمقاومة من قبائل الشرق، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة مصافى النفط، بكل ما تحظى به من حساسية خاصة.
  •  ولكن، ورغم كل ما سبق، فمن المحتمل أن يقوم المجلس الرئاسى وحكومة فايز السراج بعملية عسكرية لاستعادة المصافى، وذلك بالنظر إلى أهمية وخطورة التقدم الذى أحرزه حفتر والجيش الليبى، وتداعياته على نفوذ المجلس الرئاسى وتلك الحكومة، كما سبقت الإشارة .

 

 

سادسا: هل سيؤدي الوضع الحالي إلى المزيد من الاضطراب الاقتصادي؟

يعتمد هذا إلى حد كبير على ما إذا كنا سنرى تحركاعسكريا من قوات معادية لحفتر والجيش الوطنى أم لا ؟  فالتصعيد سيكون بمثابة كارثة على الاقتصاد الحالي، لأن القتال في منطقة المصافى ليس من المرجح أن يكون حاسما، وقد يحطم البنى التحتية للنفط والغاز، ومن ثم يؤجل استئناف صادرات النفط أكثر فأكثر.

من جهة أخرى، مع سيطرة حفتر على عدد من مصاف النفط المهمة وسط ليبيا، وسيطرته بلا منازع تقريبا على شرق ليبيا، أصبح له ولحلفاؤه قوة تفاوضية كبيرة في العملية السياسية.

  • كلا من الجيش الوطني الليبيى، والبرلمان فى طبرق ذكرا أنهما يخططان لتسليم مهمة السيطرة على المصافي للمؤسسة الوطنية للنفط – على النقيض من جذران الذي حاول بشكل متكرر تصدير النفط لمصلحته الخاصة.
  • ومع ذلك، يظل السؤال لأي فرع سيتم تسليم المصافي... فمثل معظم المؤسسات الليبية، انقسمت سلطة النفط إلى اثنتين!!
  •  قبل انقسامها، كانت المؤسسة الوطنية للنفط كائنة في طرابلس، وهذا القسم من المؤسسة حظي باعتراف دولي. لقد خطط إلى حد كبير للبقاء بعيدا عن النزاعات السياسية، على الرغم من موقعه في الغرب.
  • المؤسسة الوطنية المنافسة كائنة في البيضاء، وتأسست بواسطة مجلس النواب، بعدها عملت كأداة للحكومة، إلا أنها فشلت في اكتساب أية شرعية دولية ولم تتمكن من إجراء أية مبيعات.
  • في يوليو الماضى، توصلت المؤسستان إلى اتفاق كي تتحدا مرة أخرى، رغم أن العملية لا تزال أبعد عن الاكتمال.
  •  يأمل حفتر وداعميه الحكوميين في تسليم الموانئ إلى ما سيكون شركة وطنية موحدة للنفط، ولكن في الوقت نفسه، فإنهم سيحاولون العمل مع المؤسسة الوطنية للنفط الكائنة في طرابلس مقابل تنازلات من قبل حكومة الوفاق الوطني. وفي هذا السياق، قال مدير المؤسسة في طرابلس في الثالث عشر من سبتمبر الجارى أنه سيعمل على استئناف الصادرات خلال أربع أسابيع. عقيلة صالح، أيضا، أعرب عن رغبته في العمل مع مؤسسة طرابلس، قائلا أن المصاف سيتم تسليمها إلى المؤسسة الوطنية الموحدة الجديدة. ومن المقرر أن يلتقي مديرا المؤسستان المتنافستان الأسبوع المقبل لإنهاء العملية.
  •  تحويل السيطرة العملياتية على المصافي إلى المؤسسة الوطنية للنفط بشكل سلمي سيعمل في الواقع لصالح حفتر، ليمكنه من تقديم نفسه بوصفه مفاوض عقلاني وليس شخصا يحاول استغلال ثروة ليبيا لمصلحته الشخصية. ولكن إذا ما توقفت المفاوضات، ستكون لحفتر اليد العليا عسكريا في المنطقة ويمكن أن يحرم المؤسسة الوطنية للنفط من الوصول إلى المصافي في المستقبل.
  • بالنسبة لحفتر، النفط ليس المشكلة... ولكن التحدى يتمثل في إقناع البلاد أن الجيش الوطني الليبي يقاتل لصالح جميع الليبيين، وأنه ليس تشكيلا قبليا يعمل لصالحه.
  • سيساعد إنشاء فروع لمؤسسة النفط الوطنية، وتقديم تنازلات لها،على تسويق تلك الصورة، لأن عائد النفط يغذى البنك المركزي في طرابلس ... تلك المؤسسة، التي ظلت إلى حد ما تعمل ( على الرغم من انقسام ليبيا إلى حكومتين متنافستين) على تعزيز الميزانية العامة الضخمة، والإنفاق على البرامج الاجتماعية عبر البلاد.

 

 

سابعا: هل السلام ممكنا ؟

ببساطة، ليبيا منقسمة بين شرق وغرب. وخلال العام الماضي، كانت الأمم المتحدة تحاول تشكيل حكومة وحدة ( حكومة الوفاق الوطني) في محاولة لتوحيد مركزى السلطة.

في ظل اتفاق الوحدة الذي تم بقيادة الأمم المتحدة في ديسمبر2015، كان من المفترض أن يعمل مجلس النواب كجناح تشريعي لحكومة الوفاق الوطني، ولكن فقط بعد موافقته على تأسيس حكومة الوفاق الوطني نفسها.

تشكلت حكومة الوفاق الوطني أوائل هذا العام، ولكنها لم تحصل على موافقة مجلس النواب، الأمر الذي يعني أن البلاد لا تزال منقسمة بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

مع ذلك قررت واشنطن والغرب تفعيل حكومة فايز السراج بأي شكل من الأشكال. وفي مارس الماضى، دخلت تلك الحكومة  إلى طرابلس .

لكن في أغسطس الماضى، اكتمل نصاب مجلس النواب أخيرا – بصعوبة – و رفض تشكيلة حكومة الوفاق.

يجبر ذلك التصويت حكومة الوفاق الوطني على تقديم مجلس وزاري جديد للموافقة، ولكنه أيضا أعاد فتح باب المفاوضات بين القوى الفاعلة فى ليبيا حول بنية ودور حكومة الوفاق الوطني.

وهنا، فإن تحركات حفتر الأخيرة جاءت أثناء فترة مفاوضات هشة بين حكومتا ليبيا المتنافستان.

ومن الأمور الدالة، أن التشكيل المرفوض، كان يضم البرغثي وزيرا للدفاع، وهو المنصب الذي يرغب حفتر في توليه، هو أو أحد حلفائه المقربين.

على الرغم من الإختلاف حوله، هناك الآن اعتراف متزايد بقدرات حفتر، ومن ثم هناك من بات ينادى بضرورة أن يتولى دورا في أي حكومة تتشكل في ليبيا. على امتداد الشهر الماضي، أشار المبعوث الأممي الذي يقود عملية التفاوض إلى وجوب تعزيز دور حفتر في حكومة الوفاق الوطني. وفى هذا السياق ثمة معلومات حول مناقشة الأطراف الفاعلة – مؤخرا - عرضا لتشكيل مجلس عسكري يسيطر على جميع القوات والميليشيات. هذا المجلس المقترح سيقوده خمس رجال: فايز السراج، حفتر، عقيلة صالح، وعضوان في المجلس الرئاسي، ربما من بينهم نائب رئيس الوزراء أحمد معيتيق، من مصراتة والذي يمثل مصالح ذلك الإقليم.

في الرابع عشر من سبتمبر، رقى عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، الفريق حفتر إلى رتبة المشير في الجيش الوطني الليبي. قد يُنظَر إلى هذه الترقية بوصفها محاولة لتكريس حفتر بوصفه المسؤول الأعلى داخل أي مجلس عسكري محتمل.

من دون شك، المواءمة بين حكومتي طرابلس وطبرق على خطة تضم حفتر كفاعل رئيسى فى الملف العسكرى ستكون صعبة بالتأكيد... فعلى الرغم من وضع حفتر الأقوى الآن عما كان من قبل، إلا أنه لا يزال شخصية محل خلاف. وبسبب هذا، ربما يكون لا يزال مجبرا على العمل عن طريق القوة. عند هذه النقطة تتعين الإشارة إلى ما يلى:

مع سيطرة الجيش الوطني الليبي حاليا على السدرة وبن جواد، باتت قوات حفتر في وضع أقرب لقوات مصراتة مما كان عليه الحال منذ   2015، عندما كانا منخرطين في قتال بعضهما البعض.

الآن أمام حفتر خياران:

الأول: أن يستكمل الاندفاع غربا نحو سرت .

والثانى: تعزيز وضعه حول مصاف النفط والاستمرار في التفاوض.

حتى الآن، يبدو الخيار الأخير هو الأرجح، إذ أن المغامرة أكثر في الغرب تعني صدام محتمل مع قوات مصراته.

قد تتسبب مثل هذه الخطوة في تمزيق المفاوضات وإشعال الصراع المسلح بين الشرق والغرب الذي استعر طوال العام 2014.

 بالتأكيد، القرار ليس بيد حفتر وحده .... فضلا عن أن مصراته تعتبر مقر العديد من الميليشيات التي عملت تاريخيا على مواجهة حفتر. بالنسبة للوقت الحاضر، فإنها منشغلة جدا بمعركتها في سرت، ولكن فور انتهاء ذلك القتال، فإنها قد تحول انتباهها نحو حفتر مرة أخرى.

باختصار، مرحلة جديدة من الصراع فى ليبيا بدأت بوضوح، وتتحرك كل الأطراف لتعزيز أوضاعها.

لكن هذا لا ينفى أن الأمل في حكومة وحدة ناجحة لا يزال حيا.... والعديد من القوى الفاعلة فى ليبيا ستتواجد بالقاهرة هذا الإسبوع، ربما في محاولة لصياغة صفقة كبرى.

ثامنا: الخطوات المطلوب عملها:

على الرغم من أن العثور على حل مرضي لكافة الفواعل من شرق وغرب ليبيا سيكون صعبا. وعلى الرغم كذلك من أن تجربة الخمس سنوات الماضية فى ليبيا – منذ سقوط القذافى – قد علمتنا أن المفاوضات في ليبيا هشة بطبيعتها.... لكن هناك خطوات لابد من الحرص – من قبل الأطراف ذات الصلة – على القيام بها، هذه الخطوات تتمثل فى:

1- الخطوة الأولى العاجلة: تتمثل في حفض حدة التوترات الحالية وتجنب تجدد الاقتتال.

وهنا يمكن القول بأن المجلس الرئاسى قد يحجم عن شن عملية عسكرية لاستعادة المصافى، وينخرط في مفاوضات ( إما مباشرة أو عبر أطراف ثالثة) مع قادة الجيش الوطني الليبي، بهدف التوصل إلى ترتيب أمني جديد في منطقة المصافى يكون مقبولا للجيش الوطني الليبي، ورجال القبائل المحلية فى شرق ليبيا، بالإضافة إلى المؤسسة الوطنية للنفط.

ولا شك أن الاستئناف السريع لصادرات النفط وتدفق العائدات الناتجة عنه، سيكون أمرا محفزا للمجلس الرئاسى على خوض غمار المفاوضات بدلا من المواجهة العسكرية. لأن استئناف الصادرات هو أمر مفيد للمجلس الرئاسى وللسكان بشكل عام. ففي ظل الانهيار الاقتصادي، لاغنى – للمجلس الرئاسى- عن عائدات تصدير النفط. ولا شك أن المسؤلية الوطنية تتطلب من المجلس الرئاسي العمل وفق هذه الاعتبارات بدلا من السعي خلف أهداف عسكرية قد تفضي إلى صراع ممتد، مع ما لهذا من تبعات حادة على السكان.

 2- كذلك، يجب أن يحجم الداعمون الدوليون للمجلس الرئاسي( وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية) عن التشجيع على رد الفعل العسكري، بهدف إتاحة الفرصة للمفاوضات.

وفى هذا السياق، ، فإن للولايات المتحدة ( التى تدعم المجلس الرئاسى)  ومصر( التى تدعم حفتر والجيش الوطنى) دورا رئيسيا. كذلك، فإن لديهما مصلحة في تشجيع خطوات قد تساعد على تحسين الوضع الإقتصادى حتى لا تنفجر الأوضاع، وتخرج عن السيطرة.

3- من جانبه، يجب أن يفي الجيش الوطني الليبي بوعده والعمل عبر المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دوليا، والتعاون للبدء في استئناف تدريجى لصادرات النفط من المصاف الخاضعة لسيطرته. كما ينبغي أن يقوم الجيش الوطني الليبي وحلفاؤه المحليون بتأمين ممتلكات السكان فى تلك المناطق التى خضعت لسيطرته مؤخرا.